101 من مقامات النبوة L مقَام الوَفاء J فالحرمن جميل الخصَال، وشَريف الخِلال، حفظ العَهد والود والإحسَان، من راعَى وداد لحظة، والكريم إذا أكرمته ملكته، ولا ينسى أولو الفضل لأصحاب .)1(«الفَضل فضلهم، و فمن عظيم في هذا المقام القدح المعَلى، وقد كان لرسول ا وفائه ما كان منه في حق ميت ذهب لن يعلم بما يفعله رسول الله من أجله، فتحدثنا فتقول أمنا أم المؤمنين عائشة ما غرت على خَديجة، وما بي أن أكون أدركتها؛ وما ذاك إلا لكثرة لها، وإن كان ليذبح الشَّاة فيتتبع بها صَدائق خديجة ذكر رسول ا «فيهديها لهنَّ، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول .)2(كانت وكانت، وكان لي منها ولد «وكان إذا أتي بالشيء يقول .)3(اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت تحب خَديجة ، على رسول اواستأذنت هالة بنت خُويلد أخت خديجة، : ، قالت عائشة«فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال .)4(فغرت منها ) وصححه.3005)، والترمذي392 /13 أخرجه الإمام أحمد )1( .)3818 أخرجه البخاري )2( ) وصححه ووافقه4/193)، والحاكم في المستدرك128 أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص )3( الذهبي، وحسنه الألبا ).2437)، ومسلم3821 أخرجه البخاري )4(
عدد الصفحات ١٠١102 من مقامات النبوة وهو عند عائشة فقال لها رسول وجاءت عجُوز إلى النبي « قالت: أنا جثامة المزَنية، فقال « :ا قالت: بخير بأبي أنت المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا .)1(«الإقبال؟ فقال وفي هذا كله دليل لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية :قال النووي .)2(حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب به خديجة في الدنيا أنه لم ومما كافأ النبي:وقال ابن حجر يتزوج في حياتها غيرها، فروى مسلم عن عائشة قالت على خديجة حتى ماتت وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها لأنها أغنته عن غيرها، واختصت به بقدر ما اشترك عنده، وعلى مزيد فضلها، عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً، فيه غيرها مرتين، لأنه انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً، وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها، ومما اختصت به سبقها نساء هذه .)3(الأمة إلى الإيمان، فسَنّت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن ) وصححه ووافقه الذهبي والألباني، وخالفهم ابن حجر 62 /1 أخرجه الحاكم في المستدرك )1( فضعفه ).202 /15 شرح النووي على مسلم )2( .)137 /7 فتح الباري لابن حجر )3(
عدد الصفحات ١٠٢103 من مقامات النبوة فإنه ما زال يدعوه حتى وهوومن جملة وفائه ما كان في حق عمه أبو طالب، « :في فراش الموت، فلما مات على الكفر قال ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴿ فنزلت: ما لم أنه عنك (سورة ﴾ ﭷ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ «، ومع ذلك شفع له عند ربه وأخبر أنه)113التوبة، الآية .)1(أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ومن وفائه ما كان في تعامله مع أبناء ذي الجناحين، جعفر بن أبي طالب « فقال لأهله لما استشهد، .)2(يشغلهم « ثم أتاهم بعد ثلاثة أيام لما خف مصابهم فقال : فجيء بنا كأنا أفرُخ، فقال: قال عبد ا اليوم، ادعوا إلي ابني أخي ادعوا إلي الحلاق، فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا، ثم قال عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي قالها ثلاث مرار، « «قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تُفرِح له، فقال .)3(وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ والذي كان أسبق الرجال للإيمان به، أنه حصل ومن وفائه لصاحبه في الغار، ).209)، ومسلم6201 أخرجه البخاري )1( )، وحسنه ابن كثير، 537 / 2) وابن ماجه 312 / 2) والترمذي 164 / 3 أخرجه أبو داود )2( وصححه ابن الملقن ).430 /5)، وصححه الذهبي. تاريخ الإسلام279 /3 أخرجه الإمام أحمد )3(
عدد الصفحات ١٠٣104 من مقامات النبوة ، فغضب رسول امرة خلاف عارض بين أبي بكر وعمر لأبي بكر، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول « :ا إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: .)1(صدقت، وواساني بنفسه وماله فقد خرج وهو عاصب ولم ينس الوصية به حتى وهو في مرضه الذي مات فيه، «رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة .)2(في هذا المسجد، غير خوخة أبي بكر في حفظ جميل نصرتهم حين قال:وقد سبق معنا موقفه مع الأنصار « .)3(وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار ومن وفائه لهم أن كانت آخر وصية على المنبر في الإحسان إليهم وإكرامهم. بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، مر أبو بكر والعباس منا، فدخل على النبي فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي وقد عصب على فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي .)3661 أخرجه البخاري )1( .)467 أخرجه البخاري )2( .)1061)، ومسلم4330 أخرجه البخاري )3(
عدد الصفحات ١٠٤105 من مقامات النبوة رأسه حاشية برد من المرض، فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد «الله وأثنى عليه، ثم قال .)1(الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم كما في قولهومن وفائه لأصحابه معرفة قدرهم والذب عنهم، «منوهاً بذلك .)2(أحدهم ولا نصيفه لأنه كان أجاره بل بلغ وفاؤه لرجل مات على الكفر وهو المطعم بن عدي، لما رجع من الطائف إلى مكة، ثم مات قبل وقوع غزوة بدر، فلما جمع الأسرى « :في بدر قال .)3(النتنى لتركتهم له « ولما سأل هرقل أبا سفيان وكان إذ ذاك مشركاً قبل أن يسلم .. فهذه شهادة أعدائه قبل أصحابه.)4(»لا«محمد «ومن وفائه لأمته ما أخبر أن وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من .)5(أمتي لا يشرك بالله شيئ ففي غزوة الحديبية وقفت ناقته القَصواء بل بلغ من وفائه حفظ حق البهائم، ).3799 أخرجه البخاري )1( .)2540)، ومسلم3673 أخرجه البخاري )2( .)4024 أخرجه البخاري )3( .)1773)، ومسلم2940 أخرجه البخاري )4( .)199 أخرجه مسلم )5(
عدد الصفحات ١٠٥106 من مقامات النبوة «ولم تتحرك، وكانت قبل ذلك لا تسبق، فقالوا منافحاً عنها وأنه ليس ذلك من أي: حرنت ولن تقوم- فَقَالَ النبي – .)1(«عادتها ومن أنبل معاني الوفاء ما صنعه مع كفار قريش لما أراد الهجرة للمدينة، وكانوا يضعون أماناتهم عنده لصدقه وأمانته، ومع أنهم آذوه وطردوه وعذبوا ثلاث ليال بعد أصحابه وهموا بقتله، إلا أنه أقام علي بن أبى طالب الودائع التي كانت عنده للناس، هجرته، حتى أدى عن رسول ا .)2(حتى إذا فرغ منها لحق برسول ا ولله در حسَّان لما قال منافحاً عنه: هـــجـــوتَ مــحــمــدًا بَـــــرًّا حنيفًا رســـــول الله شِــيــمــتُــه الـــوفـــاءُ فــــإنَّ أبـــي ووالـــدتـــي وعِــرضــيلـــعِـــرضِ مــحــمــدٍ مــنــكــم وِقــــاءُ .)335 /5)، وينظر في شرح الحديث: فتح الباري لابن حجر2731 أخرجه البخاري )1( /3)، وقال ابن حجر: سنده قوي، وحسنه الألباني. التلخيص الحبير 289/6 أخرجه البيهقي )2( .)384 /5)، إرواء الغليل215
عدد الصفحات ١٠٦107 من مقامات النبوة L مَقَامُ الشَّفَاعَة J لقَد كانَت جميْع المقَامَات التي مَر ذكرُها، وأجَلت النظَر فيهَا، وتنَقلت تحْكي وتبسُط ما بَوأه الله من منزِلة، وشَرفَه من مكانَة وأعلاه من مرتَبة في بسَاتينها، الدنيَا، وأما هذا المقَام فيصَور ذلك اليَوم الذي ترسَم فيه لوحَات الشَّرف، وتقَسم فيه تيجَان الوَقَار، وترفَع فيه لأقوَام مرَاسم العِز، ويعْلو أنَاس فيه على منَابر النُّور، وتنثَر فيه الأعطيَات والهبَات والرحمَات والنفَحَات، هذا لمن أحَب الله ورسوله، وانقاد لأمر الله ورسُوله، وأما من أتبَع نفسَه هواهَا وأمضَى حيَاته في اللهْو والمنكر والمعصيَة، فتقَام له الزَّبانية، وتسَعر له النار، ويقَام في الشَّمْس حتى يلجمَه العَرق، ويصَب عليه تبكيت التقْرِيْع والتَّوبيخ، ويُكوى بلهَب الذُّل والعَار. يذِل أقوَام ويُعز آخَرون، ويرفَع أُناس، ويُذل ففي ذلك الموطِن وذاك المقَام غيرهم، لأنه لا عَزيز إلا من أَعَزه الله، ولا شَريف إلا من رَفَعَه الله، ومن يهن الله فمَاله من مكْرم. وفي تلك اللحَظَات، وعند ذلك الجَمع، تنقَطع جميع العَلائق والأنسَاب فلا أحَد يتَكلم إلا بإذن المالك الجبار، ولا يشفَع إلا بأمره، وتنقَطِع والأسبَاب، عنده موَازين الأرْض، ومقَاييس الدنيَا، فلا آمر ولا ناهي، ولا مُدبر ولا مُصَرف، ولا قَادر ولا قَاهر، ولا أمِير ولا مَلك، ولا سَيِّد ولا مُطَاع، إلا الملك الوَاحد الصمد، ولما أن تدْرك عظَمَة ذلك الموقف وخطُورَته، وتعرِف معَايير العُلو والسُّمو فيه، فاعلم أن لنَبينا أجَل وأعظَم مقَام فيه، وأرفَع مرتبَةٍ ومنزلةٍ، فلا أحَد من الخَلائق يدَانيه ولا يضَاهيه...
عدد الصفحات ١٠٧108 من مقامات النبوة يــا مَـــن لــه عـــزُّ الــشَّــفــاعــة وحـــدَه وهــــو الـــمُـــنَـــزه مـــالَـــه شُـــفَـــعَـــاءُ عَــرش القيَامة أنــت تَحْت لوَائه والــحَــوض أنـــتَ حــيَــالــه الــسَّــقــاءُ أنـــت الــــذي نَــظَــم الــبــريَّــة ديــنُــه مــــاذا يــقُــول ويــنْــظِــم الــشُّــعَــراءُ ، أن رسُول فعن أبي هريرةواستَمع إليه وهو يحَدث عن ذلك المقَام: أُتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة، ثم ا «قال والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ، فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، عليكم بآدم، فيأتون آدم ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته،، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ربي وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض،
عدد الصفحات ١٠٨109 من مقامات النبوة اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالته، وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى بن مريم. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله - ولم يذكر ذنباً - نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمداً فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن ، ثم يفتح الله علي من فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع. ففي هذه الحَال، وعند هذا المقَام، الخَلائق كلهَا مشْرئبَّة تنظُر في هذا الموقِف! وتتَأمل هذا المشهَد! ورب العِزَّة يفتح أبوَاب الإجَابة أمَام هذه الدعَوَات التي يبتَهل فيها سيد الثقَلين، فما تَظن أن تكون هذه الدعَوَات؟ وما ذَاك الطلَب الذي سيطلبه؟ ولأجْل من سَيشفَع ذاك اللسَان؟ إن أول كلمَة ينطق بها ويتفوه بهَا لسانه
عدد الصفحات ١٠٩110 من مقامات النبوة فلم ينس فداً له نفسي ومالي وأهلِي في ذلك «هي عليه – الموقف العَظيم، والجَمْع الهَائل، والكَرب الشَّديد، والمقَام المذهِل، أمته بل كانت أول دَعْوة وشفَاعةٍ قالهَا وسأل الله إجابتها، هي – أزكى صَلاةٍ وسَلام الدعوة لأمته، فهَل رأيت حُباً ورحمَةً وصدقَاً أعظَم وأجَل من هذا؟ فيَقول عند «ذلك ربُّ العِزة والجَلال البَاب الأيمَن من أبوَاب الجنَّة، وهم شُركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبوَاب «ثم قال .)1(وبُصرى : في قوله وهذا هو المقَام المحمُود الذي وعدَه النبي (سورة ﴾ ﮉ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴿ . )79الإسراء، الآية )، وهو من الأحاديث المتواترة327) مسلم3162 أخرجه البخاري )1(
عدد الصفحات ١١٠111 من مقامات النبوة Lوَرَحَل الحَبِيْب J لما تكَامَلَت الدَّعوة، وكمُلت الرسَالة، وسَيطَر الإسْلام على جَزيرَة العَرَب، ودخَل الناس في دين الله أفواجَا، بَدأَت طَلائع التَّوديع، ومَلامح الفرَاق، ومعَالم على نبيه سُورة النصْر ليبَلغه قرب أجَله، الودَاع تَظهر وتلُوح، وأنزل ا بتوديْع الأموَات قبل الأحيَاء، فعن ودنُو رحيْله، فبدَأ رسولُ ا من جَوف الليْل، أبي مُويهِبة مولى رسول الله قال: بعَثني رسول ا فانطَلقْت معه فلما «فقال «وقَف بين أظهُرهم قال أصبَح الناس فيه، أقبَلت الفتَن كقطَع الليل المظْلم، يتبَع آخرُها أولَها، الآخرَة شَر « ثم أقبل علي وقالمن الأوْلى قال: فقلت: بأبي والخُلد فيهَا ثم الجنَّة، فخُيرت بين ذلك وبين لقَاء ربي والجنَّة «أنتَ وأمي، فخُذ مفَاتيح خزَائن الدنيَا والخُلد فيها ثم الجنَّة، فقال . )1( ثم استَغفر لأهل البَقيع وانصَرف مُويهبَة، لقد اختَرت لقَاء ربي والجنَّة وذهَب لشُهداء أحدٍ فسَلم عليهم ودعَا لهم، وَفَاءً لما بذَلوه وقَدمُوه من من البَقيْع : لما رجَع رسول ا تقول عائشَة أرواحهِم، والله – «وجدَني وأنا أجِد صُداعاً في رأسي، وأنا أقول: وا رَأسَاه، فقال « قالت: ثم قال وارَأسَاه – يا عائشَة قالت: فقلت: والله لكَأني بك لو قد فعَلت وكفنتُك، وصَليت عليْك ودَفَنتك )، وفيه ضعف. ينظر: دلائل 647/2)، وحسنه ابن عبد البر في الاستذكار376 / 25 أخرجه أحمد )1( .)162/7النبوة للبيهقي
عدد الصفحات ١١١112 من مقامات النبوة ذلك لقد رجَعت إلى بيتي فأعرَسْت فيه ببعض نسَائك! قالت: فتَبَسم رسُول ا .)1( يُريد بيت عائشَة، « ثم ثَقُل به المرَض فجَعَل يسأل أزواجَه ففَهمْن مُراده فأَذنَّ له حَيث شَاء، فانتَقَل إلى بيَت عائشَة يمشي بين الفَضل بن عَبَّاس وعلي بن أبي طَالب، عاصبَاً رأسَه، تخُط قدَمَاه في الأرض، حتى دخَل بيتها، فقَضَى عندَها آخرَ أسبُوع من حَيَاته، وكانت تقرأ عليه المعَوذَات والأدعية . )2(التي حفظَتها منْه، فكانَت تنفُث على نفسِه، وتمسَحه بيَده أبا بكر أن يصَلي بالناس فأمَّهم، فلمَّا كان السَّبت أمَر رسُول ا يأتون للصَّلاة ويمرون في مجالس المدينة ولا يَرون فكَان الصحَابة حبيبهم، فتوَافدوا عليه يعُودونه ويسلمون عليه، ويطمئنون على صِحته، فلما كان يوم الأحَد أقبَلت فاطمَة ابنته تَمشي كأن مشيَتهَا مشيةُ النبي فدخَلَت عليه، وكَان إذا دَخَلت عليه قام وسَلم عليها ورَحب بها وأجلَسَها مكانه، وإذا دخَل قامَت وسَلمَت عليه ورحبَت به وأجلسَته مكانها، ولكنه هذه المرة لم يستَطع القيَام، فرَحب بها وهو جَالس وأجلسَها عن يمينه، ثم أسَر إليها حَديثاً فبَكت، ثم أسَر إليهَا حَديثاً فضَحكت، تقول عَائشَة: فقلت: ما رَأيتُ كاليَوم فَرَحاً أقرَب من حُزن، فسألتها عَما قال لها فقالت فاطمَة: ما كنتُ لأفشِي سرَّ «رسُول الله، فلما قُبض النبي سألتها فقالت: أسَر إلي القُرآن كل سنَة مرة، وإنه عَارضَني العَام مرتين، ولا أُراه إلا حَضَر أجَلي، وإنك « فبكَيت، فقال أول أهل بَيتي لحَاقاً بي )، وحسنه الألباني.25156 أخرجه الإمام أحمد )1( .)5735 أخرجه البخاري )2(
عدد الصفحات ١١٢113 من مقامات النبوة .)1( فضَحِكت لذَلك الجَنة أو نسَاء المؤمِنين فبينَا أبو بكر يصَلي بالصحَابة صَلاة الفَجْر إذا بالسِّتر يرفَع ودَخَل يوم الاثنَين: فأَطَل الحَبيب منه وهو يبتَسم، يقول أنس: فهَمَمنا أن نفتَتن من الفَرح، فنَكص ، فأشَار إليه أن أبو بكر على عَقبَيه ليصِل الصَّف ويتقدم رسول ا . )2(أتموا صَلاتكم وكان قَبل ذلك قد اتقَدت حَرارة الحُمّى في بدَنه، واشتَد عليه الوجَع فقال: « وعند ذلك«فأقعَدوه في مخضَبٍ وصَبوا عليه الماء حتى طَفِق يقول أحَس بخفَّة، فدَخَل المسْجِد مسْدِلاً ملحفَةً على منكبَيه، قد عَصَب رَأسَه بعصَابةٍ فثَابُوا إليه، فخَطبَهم فكان مما «حتى جَلس على المنبَر، ثم قال فبَكى أبو بكر «قال وقال: فدَينَاك بآبائنا وأمهَاتنا، فعَجب الناس من بُكاء أبي بكر وجعَلوا يقولون: .ما لهذا الشَّيخ يبكي! ولم يعْلموا أن المخَير هو رسُول ا « :فقال النبي أبو بكر، ولو كُنت متَّخذاً خَليلاً لاتخذته خَليْلاً، ولكن أُخُوة الإسْلام ومودتُه، ، ثم عرَض نفسَه )3(لا يَبقَى في المسجِد خَوخَةٌ إلا سُدت غير خَوخَة أبي بكر «للقصَاص قائلاً شتَمت له عرضَاً فهذا عرضي فليستقِد منه ).2450) مسلم3426 أخرجه البخاري )1( .)680 أخرجه البخاري )2( .)2382) مسلم3691 أخرجه البخاري )3(
عدد الصفحات ١١٣114 من مقامات النبوة فجعَل يزدَاد عليه الوجَع وهو يطرَح خميصَة له على ورجَع «وجهِه فإذا اغتَم بها كشَفَها عن وجهه فقال وهو كَذلك . ودخل عليه في تلك )1( يحَذر ما صَنعوا والنصَارى، اتخَذوا قبُور أنبيَائهم مسَاجِد الحَال عبد الله بن مسْعود فإذا هو يُوعَك وعَكَاً شَديداً فقال: يا رسول الله إنك فقال: «توعَك وعَكاً شَديداً؟ فقال ، وكان أيام مرضه يوصِي أمتَه بأعظَم شَعيرة )2(«ذاكَ أن لكَ أجرَان؟ فقال ، حتى جَعَل )3(«من شعَائر الدين فيقول يجَلجِلُها في صَدره وما يَفيضُ بها لسَانه. نَــســيــنــا في ودَادكَ كُــــل غَــــالٍ فــأنــتَ الـــيَـــوم أغــلَــى مــا لَــدَيــنَــا نُــــلامُ عــلــى مَــحَــبــتِــكــم ويــكْــفِــي لــنَــا شَــــــرَفٌ نُـــــلامُ ومـــا عَــلــيــنَــا ولـــمـــا نَــلــقَــكُــم لـــكِـــن شَـــوقَـــاً يُـــذَكـــرُنـــا فــكَــيــفَ إذا الــتَــقَــيــنَــا تــسَــلــى الـــنَّـــاس بــالــدُّنــيــا وإنَّــــا لــعَــمْــرُ الله بــعــدَك مــا سـَـــلَينَا وأزِفَت السَّاعة التي يذل فيها الجبـَّار، ويُذعن فيها المتَكبر، ويضعُف فيها وبدَأت لحَظَات الاحتضَار، وقرُبت سَاعَات الرَّحيْل، القَوي، ويفتَقر فيها الغَني، وحَانت لفتَة الوَدَاع، فوالله لو سَالت الأقْلامُ بحِبرِهَا، ونطَقَت الشِّفَاه بألسنَتهَا، وأُعطي الأدَباء أزِمَّة الفَصَاحَة، وأَعنَّة البَلاغَة على أن يصَوروا عظَمَة تلك اللحظَة، وكُربة ذلك الخَطْب، وفَدَاحَة تلكمُ المصِيبة، لما جَاوزوا أورَاقهُم وآذانهم، فبأيِّ ).531) مسلم1265 أخرجه البخاري )1( .)2571) مسلم5342 أخرجه البخاري )2( )، وجوده ابن الملقن في شرحه205/7)، وصححه البيهقي في دلائل النبوة84/ 44 أخرجه أحمد )3( .)645/21للبخاري
عدد الصفحات ١١٤115 من مقامات النبوة قلَم وبأيِّ عبَارة، وبأيةِ كَلمَة، أُسطِّر خَلجَات الفُؤاد، وما يحيْط بالمشَاعر، وما يثير كَوَامن النفْس، وعَوَاطف الحِس، أمَام فِراق تلك الشَّمائل، وذلك الجسَد الطاهِر، فرحَمَات ربي على تلك العين التي طالما سَهرَت وبكَت من خَشيَة الله، وتلك اليَد التي بذلت الندى والخير والمعروف، وجَاهَدَت في سبيل الله، وتلك القَدَم التي تفطرت في عبَادة الله، وذلك اللسَان الذي ما فتئ من ذكْر الله والدَّعوَة إلى الله، وذاكَ الجسَد الذي حمَل المَكَاره من جميع أبوابها فسمى بها للمَجد حتى بلغَ غَايتَه، ورَكز فيه رايتَه. فأسندَته عائشَة عليهَا، ووضَعَته بين سَحْرها ونحرِها، فجَعل يتغَشَّاه الكَرب، وبين يدَيه رَكوَةٌ فيهَا ماء، فجَعَل يدخِل يدَيه في الماء فيَمسَح به وجهَه ويقول: .)1(« ولم يغفل وما عَدا أن فرَغ من السِّواك الذي بيَده، وكان آخر سُنة فعلها، السنن التي يحث الناس عليها ولو دقّت حتى وهو في تلك الحالة العصيبة، رفع أصبعه وشَخَص بصَره نحو السَّقف، وتحَرَّكت شَفتَاه، فأصغَت إليه عائشَة فإذا «هو يقول اللهُم اغفِر لي وارحَمني، وألحِقني بالرَّفيق الأعلَى، اللهم الرَّفيق الأعلى، اللهم ، وكان الأنبيَاء يخَيَّرون عندَ الموْت بين )2(الرَّفِيق الأعلَى، اللهُم الرَّفيق الأعلَى البَقَاء والوَفَاة رُوحٌ دَعَـــاهَـــا لــلــوصَــال حَبيبُها فَــسَــعَــت إلــيْــه تُــطــيــعُــه وتُــجــيــبُــهُ يــا مُــدَّعــي صِـــدقَ المحبَّة هكَذَا فعل الــحَــبــيْــبِ إذا دَعَــــاهُ حَبيبُهُ ).4184 أخرجه البخاري )1( .)4184 أخرجه البخاري )2(
عدد الصفحات ١١٥116 من مقامات النبوة ولما كَان يتَغشَّاه الكَرب كانت ابنتُه فاطمَة عند رَأسِه فقالت: واكَربَ أبَتَاه! فقال فلما مات قالت: يا أبَتَاه أجَاب ربـَّاً دعَاه، « لها يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبَتَاه إلى جبريْل نَنعَاه، فلما دُفن لقيَت أنسَاً فقالت: .)1( التُّرابيا أنَس كيفَ طَابَت أنفسُكم أن تحثُوا على رسُول ا وتسَرَّب الخَبر فأظلَمَت المدينَة على أهلهَا، واجتَمَع النَّاس في المسْجِد، وقد ثم جاء أبو بكر فرفع الحجاب فنظر إليه، فقال: إنا بلَغ بهم الهَوْل والذُّهول مبلغَه، ، ثم أتاه من قبل رأسه فحدر لله وإنا إليه راجعون، مات رسول ا فاه، وقبل جبهته، ثم قال: وا نبياه، ثم رفع رأسه ثم حدر فاه وقبل جبهته، ثم قال: ، وقال: بأبي أنتَ وأمي )2(وا صفياه، ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبله وقال: وا خليلاه طبْتَ حَياً ومَيتَاً، ما كان الله ليُذيقَك الموت مَرتين، أما الموتة التي كُتبَت عليك فقَد مِتها، ثم خرَج ودخَل على الناس في المسْجِد، فإذا عمَر قَائم يخطُب ويقول: إن رجَالاً من المنَافقين يزعمُون أن رسُول الله قد تُوفي، وإنه ما مات، لكن ذهَب إلى ربه كمَا ذهَب موسَى بن عِمرَان، وَوَالله ليَرجعن فليَقطَعن أيدي رجَال وأرجُلهم، يزعُمُون أنه مَات، فقال: اجلِس يا عمَر، فأبى عمَر أن يجلس، فتشَهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتَركوا عمَر، فقَال أبو بكر: أما بعد فَمَن كان منْكم يعبُد محمداً فإن ﭳ ﭴ ﭵ ﴿محمَّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، قال الله: ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ) 144(سورة آل عمران، الآية ﴾ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ يقول عمَر: والله، ما هو إلا أن سمعْت أبا بكر تلاها، فعَرفت أنه الحَق، فعُقِرت حتى ).4193 أخرجه البخاري )1( )157 /3) وقال الألباني: صحيح على شرط مسلم. إرواء الغليل35/43 أخرجه الإمام أحمد )2(
عدد الصفحات ١١٦