المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

من مقامات النبوة

نايف بن محمد اليحيى

صفحة ٦ من ٨

85 من مقامات النبوة يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغيرا .)1(طير كان يلعب به فإذا إلى طعام دعوا له، وعن يعلى بن مُرة أنهم خرجوا مع النبي أمام القوم، وبسط يديه، فجعل حسين يلعب في السكة، فتقدم النبي حتى أخذه، فجعل إحدى الغلام يفر هاهنا وهاهنا، ويضاحكه النبي «يديه تحت ذقنه، والأخرى في فأس رأسه، فقبله، وقال .)2(حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط وجاءه أحد أصحابه يسأل عن شفقة ورحمة يجدها في قلبه للبهيمة عند يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها - أو قال: إني ذبحها فكان من سؤاله: .)3(«لأرحم الشاة أن أذبحها - فقال في حاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول وخرج « ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال النهار، « :فابتغي فلم يوجد، فقال رسول ا .)4( كالمتسخط آنفااركبوها صحاحاً، واركبوها سمان )، والترمذي 3720)، وابن ماجه 1/400)، وابن أبي شيبة 233 /19 أخرجه الإمام أحمد )1( )،362/7)، وصححه أبو نعيم في الحلية، وذكر أنه ثابت من غير وجه من حديث ابن عيينة333( وصححه ابن عساكر )، وصححه 190)، والبخاري في الأدب المفرد (ص6971)، وابن حبان102 /1 أخرجه ابن ماجه )2( الألبا )، جلاء 257 / 4)، وصححه الحاكم وابن القيم. المستدرك 359 / 24 أخرجه الإمام أحمد )3( .)167 / 1الأفهام ) وقال الألباني: سنده صحيح على شرط البخاري. 844)، وابن حبان181 - 180 / 4 أخرجه أحمد )4( .)63 / 1سلسلة الأحاديث الصحيحة

عدد الصفحات ٨٥

86 من مقامات النبوة ومر على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته وهي تلحظ .)1(إليه ببصرها، فقال فإذا كانت هذه رحمته ووصيته بالحيوانات والبهائم التي لا تعقل، فكيف ولهذا اكتفيت بذلك عن ذكر سيكون حاله مع من كرمه الله بالعقل من البشر؟ حاله مع الناس ورأفته بهم. كل القـُـلوب إلــى الحبيب تميل ومــعــي بــذلــك شَـــاهـــد ودلــــــــيــل أمــا الدلــيل إذا ذكَـــرت محمداً صــارت دمُـــوع العاشِقين تسِيل هــذا رسـُـول الله هــذا المصطَفى هـــذا لــــرَب الــعَـــــالــمــيــن خليْل هـــذا الــــذي رد الــعُــــــــيــون بكفه لما بــدت فــوق الــخــدُود تسِـيل هــذا الغمـَامة ظللته إذا مشَى كــانــت تقيل إذا الحبـيْب يقيل صلّى عليك الله يــا عَـلم الهدى مــا حَـــن مــشــتَـــــاق وســـَــار دليـْل  )، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري،257/ 4)، والحاكم54 / 4 رواه الطبراني في الأوسط )1( .)64 / 1ووافقه الذهبي والألباني. سلسلة الأحاديث الصحيحة

عدد الصفحات ٨٦

87 من مقامات النبوة L دَلائِل النُّبَوَّة J ومع ذلك فقَد أيد الله نبيه في كلام الله وإعجازه غُنية عن كل آيَة وكرامة، بمعجزات وآيات بهَرت كل من رآهَا، ثبتت بها الأخبَار، ونقلها  ، ومما ورد مما صح به النقل حديث جابر بن عبداالصحابَة الأخيار حتى نزلنا وادياً أفْيَح، فذهب رسول  قال: سرنا مع النبي الله يقْضي حاجَته، فلم يَر شَيئاً يستَتر به، وإذا بشَجَرتين في شَاطئ الوَادي، فانطَلقَ فانقَادَت «إلى إحدَاهما فأخَذ بغصن من أغصَانها، فقال الذي يصانع قائدَه، حتى أتى الشجَرة – سريْع الانقيَاد – معه كالبَعير المخْشُوش فانقَادت معه «الأخْرى فأخذَ بغصْن من أغصَانها، فقال ، فالتَأمتَا، «كذَلك، حتى إذا كان بالنصْف مما بينهمَا قال فجلسْت أحدث نفسِي، فحَانت مني التفَاتة، فإذا برسول الله مقبِلاً، وإذا بالشجَرتين .)1(قد افتَرقتَا كل واحدة منهما على سَاق أن المشْركين سأَلوه أن يريهم آية، فأراهم ومن المعجزَات التي أيده الله بها، القَمَر، فانشَق حتى صار فرقَتيَن نصفَه على جبَل أبي قُبيس ونصفَه الآخر على ﮬ ﮭ ﮮ ﴿، وقد فسر بأنه المرَاد بقوله سبحانه )2(الجبَل الذي أمَامه ونبَع الماء من بين أصَابعه غير مَرة، وسَبح الحصَى ) 1(سورة القمر، الآية ﴾ﮯ ﮰ في كَفه، ثم وضعَه في كَف أبي بكر، ثم عمَر، ثم عثمَان فسبَح، وكانوا يسمَعون تسبيْح الطعَام عنده وهو يؤكَل، وسلم عليه الحجر والشجَر ليالي بعِث، وكلمَته ).3012 أخرجه مسلم )1( .)314 / 27)، والإمام أحمد142 / 6 أخرج البخاري بعضه )2(

عدد الصفحات ٨٧

88 من مقامات النبوة الذراع المسمُومة، وأصيبَت رجْل عبد الله بن عتِيك الأنصَاري، فمسَحهَا فبرأَت من حينهَا، وأخبر أنه يقتُل أبي بن خَلف في أحُد، فخدشه خدشَاً يسيراً فمَات، «وأخبر يوم بَدر بمصَارع المشرِكين فقال فلم يعْد واحد منهم مصْرعه الذي سمَّاه، وأخبر أن طوَائف من أمته مصْرع فلان يغزُون البحْر، وأن أم حَرَام بنت مِلحَان منهم، فكَان كما قال. فقتِل، وأخبر بمَقتل الأسْود العنسي « :وقال لعثمَان الكَذاب ليلة قُتل وبمن قتله وهو بصنعَاء اليمَن، وبمثل ذلك في قتل كسْرى، ودعا لأنَس بن مالك بطول العمُر وكثرة المَال والولَد، وأن يبارك الله له فيه، فولد له مائة وعشرون ذَكراً لصُلبه، وعَاش مائة وعشْرين سنة. فدَعَا عليه أن يسَلط الله عليه وكان عُتبة بن أبي لهَب قد شق قميصَه وآذاه، كلبَاً من كلابه، فقتَله الأسَد بالزرْقاء من أرض الشَّام، وشكي إليه قحُوط المطَر ، وما في السَّمَاء قزَعَة فثَار سحاب أمثَال الجبَال، وهو على المنبَر، فدعا ا فمُطروا إلى الجمعَة الأخْرى، حتى شكي إليه كثرة المطَر، فجعل لا يشِير للسحَاب من صَاع شعير – وهم ألف – إلى ناحية إلا ذهَب إليها، وأطعم الله أهل الخندق وبهيمَة، فشبعوا وانصرفوا والطعَام أكثر مما كان. فحَفل الضَّرع فشرب وسقَا ومسَح ضرْع شاة حَائل لم ينزُ عليها الفحل، أبا بكر، وبدَرت عَين قتَادة بن النعمَان حتى صارت في يده فرَدها، فكانَت أحسَن وهو أرمَد فبرأ من عينيه وأحَدّهما، وتفَل في عيني علي بن أبي طالب سَاعَته، وأطعَم في منزل أبي طلحَة ثمانين رجُلا من أقرَاص شعير جعَلها أنس في إبطه، حتى شَبعوا كلهم، ثم رَد ما بقي فيه.

عدد الصفحات ٨٨

89 من مقامات النبوة وقال بعضُهم ورمى الجَيش يوم حنين بقبضَة من تراب، فهزمَهم ا ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿لم يبق منا أحَد إلا امتَلأت عينَاه ترابا وفيه أنزَل الله: ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ . )17(سورة الأنفال، الآية﴾ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ فهجَم ذات يوم الذئْب على الغَنَم وكان هنَاك رجل أعرابي في البَادية عند غنَمه فأخذ شَاةً، فلحقه الراعي فأخذها منه، فأقعَى الذئب على ذنَبه وقال: أتحرمُني رزقاً ساقه الله إلي! فقال الرَّاعي: واعجَباً ما رأيت كاليوم ذِئب يتكَلم بكَلام الإنْس! فقال الذئب: ألا أدلك على أعجَب من ذلك؟ فقال الراعي: بلى، فقال: رجُل بيثْرب يخبر الناس خَبر الأمَم السابقَة، فأتى الراعي فدخَل المسْجد فأسلم أن يقُوم على ونطَق بالشهادتين، وحَدثه بقصة الذئب، فأمرَه النبي معجِزات ، وله )1(المنبَر فيحَدث بها الصحَابة، فقَام وأخبرهم بها باهِرَة، ودَلالات ظَاهِرة، وأخْلاق طَاهِرة، أكثر وأعظم مما ذكرت، اقتصَرت على ذكر بعْض منها، وقديماً قيل: حسْبك من القِلادة ما أحَاط بالعُنُق.  الأحاديث السابقة مما حسن إسناده أهل العلم أو صححوه، ولم أخرجها لئلا تكثر الحواشي، ينظر )1( « للماوردي

عدد الصفحات ٨٩

90 من مقامات النبوة L أخْرَجَني الجُوْع J في يوم قَائظ شديْد الوَهَج والحرَارة، أشعَلت فيه حَرَارة الشَّمس جنبَات وبعد الزوال حين قَام قَائم الظَّهيرة، إذا برسول الله يخْرج في هذه المدينة وأرضها، الأثناء على غَير عادته، فبينما هو يمشي إذا بصِديق هذه الأمة أبو بكر ومعه عمر قد لقيَاه في بعض الطُّرق، فتعَجب كل منهم من صَاحبه وخُروجه في هذا  قالا: الجوع يا رسول «الوقت، فقال ، فقاموا « الله،، قال معه، فأتى رجلاً من الأنصار فلم يجده في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً قالت: ذهب يستعذب « :وأهلاً، فقال لها رسول ا وصاحبيه، لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول ا ثم قال: الحمد لله ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافاً مني، قال: فانطلق، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول الله ، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق « : لأبي بكر، وعمروشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول ا « .)1(الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم الذين أخرجهم الجُوع فلم يجدوا طعَاماً يأكلونه، فتَأمل مَنْ هَؤلاء الجَوعى ولا شَيئاً يسُد مخمصَتهم! ).1609 / 3 أخرجه مسلم )1(

عدد الصفحات ٩٠

91 من مقامات النبوة لوزَن كل إيمان هذه إنهم من لَو وزن إيمان كل واحدٍ منهم من غير صاحبيه الأمة بعلمَائها وعُبَّادها وشهَدائها وصَالحيهَا!. بسيطَة تضرِب أروع الأمثلَة في الزهْد وشَظَف مَضَت حياته وخُلو اليَد من حطَام الدنيا، يأكل يوماً ويجُوع أياماً، وهو سَيد الخَلق العَيش، الذي كانت تجبى له الأموال فلا يبقي منها شيئاً في يده. وَراودَتـــه الجبَال الشُّم من ذَهَــبٍ عــن نــفــسِــه فـــأرَاهَـــا أيــمَــا شَــمَــمِ وأَكـــدَ الــزهْــد فيهَا مــن ضَــرورَتــه إن الضَّرورَة لا تعْدو على العِصَمِ فوجَدَه مضطَجعاً على دخَل عليه ذاتَ يوم عمَر بن الخطَّاب في غُرفة له، حصير بالٍ أكل الفَقر أطرَافه، قد أثر في جَنبه، وتحْت رأسه وسَادة محشُوة ليفَاً، وفي ناحية الغُرفة قبضَة من شعير نحو الصَّاع، فانخرَطت دموع ابن الخطاب وغَلبه وهو ينظُر إلى دمُوع عمر: ، فقَالالبُكاء لرِقة حاله فقال عمر: يا نبي الله وما لي لا أبكي، وهَذا الحصِير « قَد أثر في جَنبك، وهذه خزَانتك لا أرى فيها إلا ما أرَى، وكسْرى وقَيصَر على سرُر الذهَب وفُرش الديبَاج والحَرير، وفي الثمَار والأنهَار وأنت نبي الله وصَفوته!! فقال « : « فقال: بلَى ولكن لو اتخَذت فراشَاً ألين من هذا؟ فقال )1(ولنا الآخرَة؟ وللدُّنيا، ما مثَلي ومثَل الدنيَا إلا كَرَاكِب سَار في يوم صَائفٍ، فاستَظَل تحْت شجَرَة . )2(سَاعة ثم رَاح وتَركَها ).2468)، ونحوه عند البخاري1479 أخرجه مسلم )1( .)248/5)، قال ابن كثير: إسناده جيد. البداية والنهاية2744 أخرجه أحمد )2(

عدد الصفحات ٩١

92 من مقامات النبوة دعَاها عُروة ابن الزبَير ابن أختها للغَداء وهذه عائشَة أم المؤمنيْن فلمَّا قدمت ونظَرت إليه، التَفتت ناحيَة الجدَار وأجهَشَت بالبكَاء، فقال لها عُروة: ما بك يا أماه فقَد كَدَّرت علينا الطعَام، فقالت: يا ابن أخْتي إن كنا لنَنْظر إلى الهِلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثَة أهِلة، وما أوقدَت في أبيَات رسول الله نار، وما شَبع ثلاثَة أيام من طعَام بُر حتى فارَق الدُّنيا، فقال عروة : فما كان عَيشُكم؟ قالت: .)1(الأسْودَان التمر والماء العَصر  صلى بنا رسُول ا : يقول عُقبة بن الحَارث فأسرَع وأقبَل يشق الناس من سُرعته، ودخل إلى بيَته، ثم لم يكن بأوشَك من أن ، هذا )2(«خرَج فقال الذي قسَم التبْر بين الناس هو الذي تقُول عائشَة عن حال أهْله: ما شَبع آل محمَّد من خُبز البُر ثلاثاً حتى مضَى لسَبيله، وما أكَل آل محمدٍ أكلتَين في يومٍ واحدٍ إلا « :إحدَاهما تمَر، ويقول أنس: قال رسول ا يخَف أحد، وأوذيْت في الله ما لم يؤْذ أحَد، ولقد أَتى علي ثلاثون ما بين يومٍ وليلَة، . )3(ومالي ولبِلال من الطعَام إلا شيءٌ يوارِيه إبِطُ بِلال فيقسمها كان سَيد العَرب، ومالك الجَزيرَة يمأ بالأموَال صَحْن المسجِد، على الناس إلى آخرِ درهَم، فإذا دَخَل إلى بيته نام على جِلْد محشوٍ بليْف كما تقول عائشَة، كان فراشه من أدمٍ حشْوه ليْف. ).2972) ومسلم6094 أخرجه البخاري )1( .)1163 أخرجه البخاري )2( .)299) وصححه ابن القيم. عدة الصابرين (ص12233 أخرجه الإمام أحمد )3(

عدد الصفحات ٩٢

93 من مقامات النبوة فالمال لا يمدح ويذم لذاته، وإنماوليس الكلام هنا عن ذم المال والكسب، ينظر إلى حال صاحبه معه، فإن أخذه من حرام، وأشغله عن واجب، وأنفقه في محرم كان مذموماً، وإن أخذه من حلال، واستعان به على الخير والاستغناء عما « مبيناً ذلكفي أيدي الآخرين كان ممدوحاً، كما قال .)1(الصالح للرجل الصالح وإنما الكلام هنا عن زهد وقد كان نصف العشرة المبشرين بالجنة أثرياء، وبعده عن الدنيا، وشظف العيش الذين كان يعيشه.النبي كانَت السهُولة صُورته من حَياته كلهَا، وكان الذَّوق يقول السِّير وليم مُوير: والأدَب من أظهَر صفَاته في معَامَلته لأقل تابعيْه، فالتواضُع والشفَقَة، والصبْر والإيثَار والجود، صفَات ملازمَة لشَخصه، وجَالبة لمحَبة جميع من حَوله، فلم يعرَف عنه أنه رفَض دعوَة أقَل الناس شَأناً، ولا هديةً مهمَا صغُرت، وما كان يتعَالى ويبرز في مجلسِه، ولا شَعر أحَد عنده أنه لا يختصه بإقبَاله وإن كان حَقيراً. فقد اختَصه الله من بحَاجة إلى أحَد، ولسنَا في سيرة رسول ا بين الرسُل بوضوح حيَاته وجَلائها من جميْع النواحي، وإنما ذلك لبيَان تلك العظَمة وذلك السمُو الذي بهَر الأعداء قبل الأصدقَاء، حتى أقَرت به أقلامهُم ونطقَت بذلك ألسَنتهم، وذلك يحفِز العَزائم، ويثير الكَوامن، لدرَاسة سيرَته ليكون حَياً في قلوبنا كما كان حياً بين أصحَابه، وليعيْش المؤمن في كل حَركة ، متبعاً مقتفياً آثاره ونبضَة وفكْرة من حيَاته وفق ما عاشَه رسول ا رَوائح نسِيم محَبة الرسُول تفُوح من المحبين كما قال أبو علي الرَّوذَباري: وسنتَه، ).299 /29 أخرجه الإمام أحمد )1(

عدد الصفحات ٩٣

94 من مقامات النبوة .)1(وإن كتمُوها، وتغْلب عليهم دلائلهَا وإن أخفَوها، وتدل عليهم وإن سَتروهَا فـــإن فــضْــل رســـول الله لــيــس له حـــدٌّ فيعـرب عــنــه نــاطـــــقٌ بفَـم كالشمس تظهر للعينين من بعدٍ صغـيرةً وتكل الــطــرف مــن أمـم أكـــــرم بــخَــلــق نــبــيّ زانـــــه خُــلــقٌ بالحســن مشتمل بالبشر متَّسم كالزهر في تــرفٍ والبدر في شرفٍ والبحر في كـرمٍ والدهـر في همَم  .)58 / 1 طبقات الأولياء )1(

عدد الصفحات ٩٤

95 من مقامات النبوة L مقَام التعَبُّد J وتتنَقل بين رياضهَا وحُقولهَا،  حينما تعيْش مع سِيرَة رسول ا وترى جهَاده وبذلَه وتضحيتَه، ثم تقَلب صفحَات دعوَته وهمِّه وتعليْمه، ثم تتَمَعن في قيامه بأموْر الناس وقضَاء حاجَاتهم وحَل مشَاكلهم، ثم تنظر في مقَامه مع أهله وقضَاء حَاجَاتهم والقيَام بخدمَتهم، وكل واحدٍ منها لَو أنيطَت على شُم الجبَال، وكرام الرجَال لما أطَاقوا حملَها، فتَظن عند ذلك أنه قد مَضى وقتُه للناس فلم يبق منْه شَيء، وتنسَى عندها أبرَز صفَة كانت تعيش بين جنبَيه من النسُك والتعَبد والافتقَار والإلحَاح والتضَرع إلى ربه، فقَد كان يَجد في العبَادة قُرة عينه، وطمَأنينة نفسِه. « وبين القيَام على أمُور الدنيَا التي كان يعيْش فيها بكَده، ويعُول مَراتب التعَبد، كثيراً من الأهْل والفقَراء، وينَاضل أمة بكَاملهَا، ويسُوس دولةً فتيةً في وجه العَالم، يوفِد إلى المُلوك ويدعوهم، ويستَقبل الوفُود ويكرِمهم، ويبعَث السرايا ويقُودها، ويجَادل من حَوله من أهْل الأديَان وأهل السلطَان، ويهيىء للنصْر، ويحتَاط للهَزيمة، ويبعَث العمَّال، ويجبي الأموَال، ويقسمها بنَفسه ويشرع للناس دين الله، فيفصِّل المجمَل من الوَحي، ويوضح الغَامضَ، ويرسُم السنَن، وهو في كل ذلك يؤدي عَمَله اليَومي، وبين هذه الهمُوم والمشَاغل يتجَلى محمدٌ الناسِك العَابد الذي هو أعظَم انقطَاعاً إلى الله واتصَالاً به ممن انقطعوا إليه في رؤوس .»الجبَال

عدد الصفحات ٩٥

96 من مقامات النبوة كانَت الصلاة أنسَه وميدَانه، وروحَه وريحَانته، ونزهَتَه وبستَانه،ونعيمَه ، )1(« فكان إذا حَزبه أمرٌ صَلى، وكان يقُول وعُنوانَه، . )2(« ويقول لبلال فقال ابن عمَر: حدثينَا بأعجَب دخَل عَطَاء وابن عمَر على عَائشَة ، فبَكَت وقالت: كُل أمره كان عجبَاً دخل شيء رأيتِه من رسول ا فقلت: والله إني لأحِب «علي ليْلةً من الليَالي فقال قُربَك، وأحب أن تعَبد لرَبك، فقَام إلى القِربة فتَوضأ ولم يكْثر صَب الماء، ثم قام يصَلي، فبكى حتى بل لحيتَه، ثم سجَد فبكى حَتى بلَّ الأرض، ثم اضطَجع على جنبِه فبكَى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصَلاة الصبْح، قال: يا رسول الله ما يبكيك «وقد غفر الله لك ذنبَك ما تقدم وما تأخَّر فقال ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴿وقد أُنزل علي الليْلة «الآيات، ثم قال) 190(سورة آل عمران، الآية ﴾ﮒ ﮓ ﮔ . )3(ولم يَتفَكر فيهَا فقُلت يركَع :وصَلى مَرةً في قيام الليل فافتَتَح البقَرة، يقول حُذَيفة عند المائة فمَضَى، فقلت: يصَلي بها في ركعَة فمَضَى، فافتتَح النسَاء، فقلت: يركَع بها، فافتتَح آل عمران حتى ختَمَها، يقرأ متَرسِّلاً، إذا مَر بآية سُؤال سَأل، وإذا مَر بآية تعَوذ تعَوذ، ثم رَكَع فكَان ركوعُه نحواً من قيَامه، ثم سَجَد فكان سجُوده نحواً .)4(من ركوعِه ).3530)، وأبو يعلى61/7)، والنسائي433 /21 أخرجه الإمام أحمد )1( )، وصححه العراقي والألبا338 /7 أخرجه أبو داود )2( )، وحسنه الألبا260 أخرجه ابن حبان )3( .)772 أخرجه مسلم )4(

عدد الصفحات ٩٦

97 من مقامات النبوة ذاتَصَليت مع رسول ا يقول: وهذا ابن مَسعود يومٍ حتى همَمت بأمر سُوء! فقالوا له: وبماذا همَمت؟ فقال: هممت أن أقعُد ، من شدة إطالته للصلاة.)1(وأدَعَه نَفْس المحِب إلى الحَبيْب تطَلع وفُـــــــــؤَاده مـــن حُـــبـــه يــتــقَــطَّــعُ عـــزُّ الــحَــبــيــب إذا خَـــلا في ليلِه بــحَــبــيــبــه يَــشْــكــو إلــيْــه ويــضــرَعُ وَيــقُــوم في الــمــحْــرَاب يشْكُو بثَّه والــقَــلْــب منْه إلــى المحَبَّة يَنزعُ فعَلق قلبَه ولقَد سرَت نسَمَات الإيمَان في كل ذَرةٍ من جسَده فَهو يذكُره على كل أحيَانه، واثقٌ بوَعده، مرَاقبٌ له، مُطيعٌ، بالله في كل شيء، خَائف، مُحب، خَاشِع آناءَ الليل وأطرَاف النهَار، معَظم لحُرماته. .)2(« فإذا جاءه أمْر يحبُّه قال «وإذا فرَغ منه قال ، )3(« وإذا أرَاد الأكل والشُّرب قال .)4(كَثيرا طيباً مباركاً فيه، غيرَ مكفيٍ ولا مُودع، ولا مسْتغنىً عنْه ربنَا «وإذا أوَى إلى فرَاشه قال وفوَّضت أمري إليْك، وألجَأت ظَهري إليك، رَغبةً ورهبةً إليْك، لا ملجَأ ولا .)5(منجَى منك إلا إليْك، آمنت بكتَابك الذي أنزَلت، ونبيك الذي أرسَلت ).373) مسلم1084 أخرجه البخاري )1( ) وصححه الألبا3803 أخرجه ابن ماجه )2( .)557 أخرجه البخاري )3( .)5142 أخرجه البخاري )4( .)2710) مسلم244 أخرجه البخاري )5(

عدد الصفحات ٩٧

98 من مقامات النبوة .)1(« وإذا استيقَظ قال « وإذا لبسَ ثوباً جديداً قال .)2(غَير حَولٍ مني ولا قُوة .)3(« وإذَا عطَس قال « وكان إذا استوَى على بَعيره خَارجاً إلى سفَر كبر ثلاثاً ثم قال .)4(سخَّر لنَا هذا وما كنا له مقْرِنين « وإذا رَأى مبتَلى قال .)5(كَثير ممن خَلَق تفضيْ وكان إذا عَلا ثنيةً كبَّر الله، وإذا هبَط سبَّح. .)6(« وإذا نزَل منزلاً قال « وإذا سمع المؤذن قال مثْل ما يقُول فإذا فرَغ قال وحدَه لا شَريك له، وأن محمداً عبْده ورسُوله، رضِيت بالله رباً، وبمحمدٍ رسولاً، .)7(وبالإسلام دين .)8(وإذا حَزبَه أمرٌ صلى ).2711 أخرجه مسلم )1( ) وحسنه الألبا4023 أخرجه أبو داود )2( .)2162) مسلم3115 أخرجه البخاري )3( .)532) مسلم1342 أخرجه البخاري )4( .)418/2) وصححه ابن القيم في الزاد3431 أخرجه الترمذي )5( .)2708 أخرجه مسلم )6( .)386 أخرجه مسلم )7( .)205/3) وحسنه ابن حجر في الفتح1319 أخرجه أبو داود )8(

عدد الصفحات ٩٨

99 من مقامات النبوة ﮉ﴿ وإذا قَام من الليْل قرَأ الإحدَى عشْرة آية الأخِيرة من سُورة آل عمرَان .)1(﴾ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ .)190(سورة آل عمران: الآية « وإذا أصبَح قال .وإليك النشُور .)2(« وإذا أمسَى قالهَا كذلك .)3(« وإذا كَرَبه أمرٌ قال في جَميع أحوَاله وأوقَاته، يتَنقَّل في ريَاض الذكْر  وهكذا كان فإذا فرَغ من عبَادة شرَع في ذكْر، فإن فرغَ منه وجَدته في برٍّ وصدقةٍ وبسَاتين المعْرِفة، وإحسَانٍ، وهو في سفَره وجهَاده يُعلم ويدعو إلى الله، فإذا لم يكن في هذه وجَدته مع أصحَابه يمازحُهم ويحُل مشكلاتهم، فإذا قَام منهم دخَل فكان في خدمَة أهله، ويصف فلم تَمض لحظَة ووَمضَةٌ من حياته إلا في خَير وطَاعَة وقربةٍ من ا عبدالله بن رواحة ليله فيقول: يبيْت يُــجــافي جَنبه عــن فــرَاشِــه إذا استَثقَلت بالمشْركين المضَاجعُ لقد ربّى نفسَه على تلك الحَال فَتربى عليها أصحابه -رضوان الله عليهم- يقدم عليه معاوية بن حديج فهذا فاروق هذه الأُمة عُمر بن الخطَاب فرأته  بفتح الإسكندرية، فلما أناخ راحلته خرجت جارية لعمر .)620) مسلم1200 أخرجه البخاري )1( .)337/2) وصححه ابن القيم في زاد المعاد3868 أخرجه أبو داود )2( .)313/1)، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب3524 أخرجه الترمذي )3(

عدد الصفحات ٩٩

100 من مقامات النبوة وعليه أثر السفر، فأدخلته فقربت إليه خبزاً وزيتاً وتمراً، فأكل، فقال عمر لمعاوية : ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: إن أمير المؤمنين  قائل، قال عمر: بئس ما قلت أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، .)1(ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية إذا قُلتَ ليْث فهو أمْضَى عزيمةً وإن قلتَ غَيثٌ فهو أندَى وأجوَدُ هُـــو الــمــقــتَــفــي أمــــرَ الإلَــــه وإنَّـــه لــيَــصــدُر عــن أمـــرِ الإلَــــه ويُــــوردُ منَاقب تحصَى دونَها عَدد الحَصَى بهَا يغبَط الحُر الكَريم ويحسَدُ  )44/273)، وأورد قريباً منه ابن عساكر في تاريخ دمشق152 أخرجه الإمام أحمد في الزهد (ص )1(

عدد الصفحات ١٠٠