المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

من مقامات النبوة

نايف بن محمد اليحيى

صفحة ٥ من ٨

69 من مقامات النبوة .)1(وسؤَال الملكَين له لم يترك دعوَة هذه الأمة حتى وهو في – صَلَوات الله وسَلامه عليه – بل إنه «مرَض الموت فقد كان يقول ، ويحذر من وضع الأضرحة في المساجد، ومن )2( يحذر من صنيعِهممسَاجِد الطواف عليها، ومن بذل النذور لها، حمايةً لحمى التوحيد، أن يصرف شيء من العبادة لغير الخالق الرازق سبحانه. وفي السكرات التي ثم تأمل حدبه على هداية الأمة أنه كان وهو يجُود بنفْسه، ينشغل الإنسان فيها عن كل شؤون الحياة، يحض الأمة على الصلة بربها فيقُول: « .)3(لسانه ولتخْرج العبَاد من عبَادة العبَاد لتحْمِل هذه الرسَالة الخَالِدَة على أكتَافها، إلى عبَادة الله وحدَه، ولتكون مشْعَلاً ونبراسَاً يضيء في ديَاجي ظُلمَات الجهْل والشِّرك. ففي وكان يراعي نفسياتِ الآخرين وجوانب التَّأثير فيهم كلٌ بما يناسبه، ، صلح الحديبية أرسلت قرَيش رجلاً من بني كنَانَة ليفاوض النبي « :فَلَمَّا أشرف قال ).300/1)، وصححه البيهقي في شعب الإيمان18557 أخرجه الإمام أحمد )1( .)531) مسلم1265 أخرجه البخاري )2( )، من دون لفظ: (حتى صار يغرغر بها في صدره، وما كان يفيض بها84 / 44 أخرجه الإمام أحمد )3( )،205/7لسانه)، فقد أخرجها ابن حبان والحاكم. وقد صحح الحديث البيهقي في دلائل النبوة ).645/21وجوده ابن الملقن في شرحه للبخاري

عدد الصفحات ٦٩

70 من مقامات النبوة فَبعثت لَهُ، واستقبله النَّاس يلبون، فَلَمَّا رأى ذَلِك قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا يَنْبَغِي لَهُ لهَؤُلاَء أَن يصدوا عَن الْبَيْت، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابه قَالَ: رَأَيْت الْبدن قد قلدت .)1(وأشعرت، فَمَا أرى أَن يصدوا عَن الْبَيْت يا رسول الله إن أبا سفيان :قال العَباس ولما أسلم أبو سُفيان «رجلٌ يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا، قال .)2(آمِنٌ فأعطاهم يتألفُهم ليقوي إيمَانهم، وليؤثروا وعلم تأثُّر سادة القَبائل بالمال فيمن تحتَ أيديْهم من العَامة. وهكذا كان يكسب النَّاس بما يرغبونه ويحبونه. ويسْلك منهَج نبيه وقدوَته، ويرفَع فعلى كل مؤمِن أن يسيْر على خُطا حَبيبه، شعَار: هـــي دعـــــوَة لله أقـــبَـــل فــجْــرهَــا بــالــنُّــور يــخــفِــق مُــشْــرقَــا وضَّـــاءا ضَربَت بأعمَاق النفُوس جُذورُها وسَــمَــت مــنَــاراً لــلــهُــدى ولــــوَاءَا وسيُزهر الحُلم الــذي نصْبوا له أرضَــاً تعانقُ في الــوجُــودِ سمَاءَا يــالــلــعــزائِــم حــيــن تــنــهَــض حـــرَّةً وتُــحــطِّــم الــنَّــيــر الــبــغِــيْــض هَــبَــاءَا تمشي علَى هَــام النجُوم عَــزيــزَةً تذكي الــنُّــفــوس تَــوثُّــبــاً ومــضَــاءَا من أمْر بطنِه، فما يفَكر أجَاع في سبيْل « الدعوَة أم شَبع، وفرَغ من أمر جِلدِه فما يبُالي ألبِس أكسية الصُّوف أم ارتدَى برُود ).1694 أخرجه البخاري )1( .)1780 أخرجه مسلم )2(

عدد الصفحات ٧٠

71 من مقامات النبوة اليمن، وفرَغ من أمر الجَاه فما يعيقُه أن يُلقى في طريقه الشَّوك، ولا يزدَهيْه أن يفرش بالورود، لم يفَكر في أن يستَغِل دعوته لينَال زعَامَة، ولو أرادَها لكانت طَوع يدَيه، أو ليَجمَع مَالاً، أو ليَقتني ضَيعة، أو ليمُد يَده إلى أتبَاعه ليقبلوها ويملؤوها فيَعيش مبجلاً مرفهاً مخدوماً، ولكن جاهد وناضَل وحمَل الأذَى، ولم يميِّز )1("معظمَ نفسه عن أصغَر واحِد من أتباعه في مطعَم أو ملبَس، ولا متعةٍ ولا جاهٍ، بهذه الحكمَة قوَاعِد مجتمع جَديْد، كانت صورتُه وبهذا التدبيْر أرسَى رسول ا الظاهرَة بياناً وآثاراً للمعاني التي كان يتمتَّع بها أولئك الأمجَاد، وكان يتعَهدهم بالتعليْم والتربيَة، وتزكيَة النفُوس، والحث على مكَارم الأخْلاق، ويؤدبهم بآدَاب الوُد والإخَاء والمجْد والشرَف والعبَادة والطاعَة، سأله رجُل: أي الإسلام خَير؟ .)2(«فقال .)3(« أي المسلمين خير؟ فقالوسأله آخر: وكَان كما كان يبين لهم ما في العبَادَات من الفضَائل والأجْر والثوَاب عنْدَ الله، يربطهُم بالوحْي النازِل من السَّماء ربطاً موثقاً، فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه، لتَكون هذه الدرَاسة إشعاراً بما عليهم من حقُوق الدعوَة وتبعَات الرسَالة، فضْلاً عن ضرورَة الفَهم والتَّدبير، وهكَذا هذَّب نفوسهم، ورفع معنوياتهِم، وأيقَظ مواهبَهم، وزودَهم بأعلَى القيَم، حتى وصَلوا إلى أعلَى قمَّة من الكمَال البشري.  .)81 سيد رجال التاريخ (ص )1( .)39) مسلم5882 أخرجه البخاري )2( .)40 أخرجه مسلم )3(

عدد الصفحات ٧١

72 من مقامات النبوة Lمَقــَامُ الإقـدَام J إذا حَمَل كُل كاتبٍ قَلمَه، ووضَع كل مُؤلفٍ يده ليسَطر كتَاباً، أو يكتبَ مقَالاً، ترَدد وتحَير وتَوقفَ كثيراً؛ لينظُر بم يفتَتح ويبتَدئ مقَاله وكتَابته، فتَراه أو يبعَث رسَالة، ينمِّق العبَارة، ويتفَنن في الصِّياغة، ليَجْذب القَارئ ويشَوقه لمتَابعة أسْطُر مقالته، أو صفَحَات كتَابه، ولكن عُنوَان هَذا المقَـام لا يحتَاج في نظمِه وسَبكه لتزويْق العبَارات، ولا لحشْو الكلمَات، ولا لبهرَجة الألفَاظ، ذاك أنه يبعَث في رَوْع قارئه من أول وهْلة معاني العزِّ والإباء، والشُّموخ والجسَارة، فيحَرك كوامن النَّفس، ويلهب عَوَاطف ويصْرف عن معصيَته. الحس، في المضي قُدماً لكل مَا يقَرب إلى المولى فكَيف بك إذا كَان هذا المقَام يتحَدث عن إقدَام أبسَل الشُّجعان، وصَانع عمَّن وصَفه أصحَابه وصَحَابته - رضْوان الله تعَالى عليهم - فقال الأبطَال، متحَدثهم واصفَاً إقدامَه وشَجَاعته، وبذله وتضحيَته، ، وقال علي )1(»، وإن الشُّجَاع منا للذي يحَاذي به نتَّقي برسُول ا وهُو أقربُنا إلى «  .)2(»العَدو، وكان من أشَد النَّاس يومئذٍ بأسَ ملك الشَّجاعَة فهي طَــوع زمَامه ولغَيره جَمَحَت وليسَت تُركَبُ ومهمَا تحَدثَت الأخبَار، ونقَلت السِّير والآثَار، جُرأتَه وإقدامَه وشَجَاعته، فلن تَستَطيع أن توفي ذلك البَذل، أو تُقوِّم ذلك العَدل، أو تَسِم تلك التضْحِية؛ .التي قَام بها ).1676 أخرجه مسلم )1( .)81 / 2 أخرجه الإمام أحمد )2(

عدد الصفحات ٧٢

73 من مقامات النبوة وعَــلــى تفَنُّن واصِـفيه بوَصْفِـهِ يفـْنَى الــزَّمــان وفيه مَالم يوصَفُ سمةٌ ظاهرَة، وعَلامةٌ بارزَة، إن الإقدَام والشَّجَاعة في حَياته فأعْلامُه خفَّاقة، وسُيوفُه برَّاقة، وصَولته في الحقِّ ثَائرة، وجُيوشه في العَدل سَائرة، فتُربة الأرض، وصُخور الجبَال، وأديم السَّماء، تُنبئك عن دَويِّ صَوته، وثبات جأشه، في خمسٍ وعشْرين غَزوةً سَار فيهَا بنفسه، منَاهضَاً لأعدَاء الله الذين جَعَلوا معه شَريكاً في عبَادته وألوهيَّته. في أحَد مجالسِه وهو يحَدث أصحَابه عن واستَمع إلى أنسِ بن مَالك أحسَن النَّاس، وكان أجْود النَّاس، « هذه المثُل فيقول وكان أشجَع الناس، ولقَد فزع أهل المدينَة ذات ليلة، فانطَلق ناس قبل الصَّوت، راجعَاً وقد سَبقَهم إلى الصَّوت، وهو على فرَسٍ فتَلقاهم رسُول ا .)1(«لأبي طلحَة عُرْيٍ، وفي عنُقه السَّيف، وهو يقُول وددت أن أقتَل في سَبيل الله، ثم أحيَا «ولا غَرْو في ذلك ولا عجَب فهُو القائل «، والقَائل كذلك)2(ثم أقتَل، ثم أحيَا ثم أقتَل، ثم أحيَا ثم أقتَل .)3(الله أحَب إلي من أن يكون لي أهْل الوَبَر والمدَر من أجَلِّ أمانيْه أن – صَلوات الله وسَلامه عَليه – فلقَد كان بأبي هو وأمي وتتَنَاثر أشْلاؤه، في طاعة مَولاه، وفي سَبيل رضَاه. يسيل دَمه، فَــرْد التَّواضُع فرد الجوْد مَكرُمَـةً فَــرد الرجَال عن الأشبَاه والنُّظرَا أعْلى العُلا في العُلا قَدراً وأمنعُهُم دارَاً وجَــاراً وإسماً في السَّماء ذُرَا ).2307) مسلم2751 أخرجه البخاري )1( .)1876) مسلم2644 أخرجه البخاري )2( )، وحسنه الألبا33 / 6 أخرجه النسائي )3(

عدد الصفحات ٧٣

74 من مقامات النبوة التيومن أيامه التي حَفَلت بصِدق إرادته، وثبَات عَزيمته، غَزوةُ بَدرٍ الكُبرَى، خرَج فيها مُسرعاً يحُث السَّير، ويستَبق الخطَى، في ثلاثمِائة وأربعَة عَشَر رجُلاً من أصحَابه، يعتقِب بعيراً هو وعَلي ومَرثَدٌ الغنَوي، فلمَّا بلغ الروحَاء أتاه خَبر النفير الذي قامَت به قرَيش لحمَاية قافلتهَا التي كان رسُول الله يريد الاستيْلاء عليها؛ فجَمع عند ذلك أصحَابه يستَشيرهم، وهو الذي ما كان يقطَع أمراً دونهم، فقَام أبو بكرٍ فتكلم فأحسَن، ثم قام عمَر فتكلم فأحسَن، ثم قام المقدَاد فقال: يا رسُول الله، امضِ لما أراك الله فنحْن معك، والله لا نقول كمَا قال بنو إسْرائيل لموسَى: اذهَب أنت وربك فقاتلا إنا هَاهنَا قاعدون، ولكن: اذهب أنت وربك فقَاتلا إنا معَكم مقَاتلون. وإنما يريْد « يقولفَطفق رسُول ا الأنصَار، لأنهم لما بايعوا ليلة العَقَبة بايعوه على أن يمنَعوه مما يمنعُون منه أبناءهم ونسَاءهم مادام بين أظهُرهم، ولم تكن المبَايعة على القتَال خَارج المدينة، فقَام سَعد بن معَاذ فقال: لقَد آمنا بك وصَدقناك، وشَهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطينَاك على ذلك عهُودنا ومواثيقَنا على السَّمع والطاعَة لك، فامض لما أردت فنَحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استَعرضت بنا البَحر فخضتَه لخضنَاه معك ما تخَلف منا رجُلٌ واحِد، وما نكره أن نلقى عَدونا غَداً، إنا لصُبر في الحرب، صُدقٌ عند اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقَر به عينك، فَسر بنا على بركة الله، « بذلك فقالفَسُر رسول ا  ثم مضَى رسول ا )1(الطَّائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصَارع القوم حتى نَزل عند آبار بَدر فأمطرَت السَّماء تلك الليلة، فكان على المشْركين وابلاً ).143 جاءت القصة بسياقات متعددة عند أصحاب السنن، ينظر فيها وما بعدها: مرويات غزوة بدر (ص)1(

عدد الصفحات ٧٤

75 من مقامات النبوة شَديداً وكان على المسْلمين طَلاً طهَّرهم الله به، وأذهَب عَنهم رجْز الشَّيطان، ووطأ به الأرض وثبَّت به الأقدام، ومهَّد به المنزل. بنى الصَّحَابة له عَريشَاً يُطل به على ميدان القتال، فَنزَل إلى فلما كان الصَّباح ويضَع يده على الأرض هَاهنَا «سَاحة المعرَكة وجَعل يشير بيده .وهَاهنَا، فما تبَاعد أحَدهم عن موضع يد رسُول ا وأن وفي إشَارته هذه لفتَة مهمَّة في جانب تَعزيز الثقَة بالنفْس لدَى الأتبَاع، الظفَر لهم وحليفُهم، من غير مبالغَة في الموعُود تحققه. وقام أكمَل وفي ليلة المعرَكة أصَاب المسْلمين نعَاس ألقي عليهم فناموا، الخلق إيماناً، وأرسخِهِم يقيناً، وأصدَقهم عبَادةً، يوحِّد خَالقه ويَدعوه ويتَمَلقه، ويَسأله النَّصر والتمكين، ويُلح عليه، ويتضَرع بين يديه، فأجَاب له الله ماطلَب، ويسَّر له ما أرَاد، وأمَده بجُندٍ من الملائكَة يتقَدمهم ويقودهم رُوح القُدس جبريل عَليه السَّلام، وفي ذلك يصْدح حسَّان بأفخَر بيتٍ قالته العرَب واصفَاً ذلك الشَّرف وتلك المكرمة. وبــيـــَــوم بـــــدرٍ إذ يـــرُد وجُــوهَــهُــم جبْـريل تـَحْت لـوائنَا ومحمَّد يدعو ربه ثانيةً فلما نشَب القتَال، والتحَمَت الصُّفوف، قام «حتى سَقَط الرِّداء من ظهره وهو يقول ، فجَعل يرفَع الردَاء على فأشفَق عليه الصِّدِّيق لا تعبَد في الأرض أبداً عَاتقه ويقول: يارسُول الله بعض منَاشدتك لربِّك، فإن الله منجزٌ لك ما وعَدَك، « سِنة من النوم، ثم استَيقظ مبتَسماً، فقال فأخَذَت رسُول ا ثم يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع

عدد الصفحات ٧٥

76 من مقامات النبوة (سورة القمر، الآية ﴾ ﯴ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ﴿خَرَج من باب العَريش وهو يتلو: فأعزَّ الله جُنده، ونصَر عبده، وكسَر كبريَاء قريش، فقُتل منهم سَبعون، وأُسرَ ) 45 سَبعون آخرين خَرج رسُول الله ولما رجَعت قريش في غَزوة أحُد، لتثأر لقتلاها في معركة بَدر، وقد لبسَ الدرع والمغفَر، في ألفِ رجُل من أصحَابه، للقَاء المشركين،  فلما كان ببَعض الطريق رجَع عبدالله بن أبي بن سَلول بثلث الجيش، وقال بمَنطق ﭪ ﭫ ﭬ ﴿النفَاق الذي مازال يردده تلامذته عَبر العصُور إلى هَذا الزمَن: بل ، فلم يثن ذلك شَيء من عَزم المصْطَفى وعَزيمته ﴾ﭭ تقَدم حَتى نزل أحُداً، فصَف الجيش وعَبأ الصُّفوف، ووضَع الرُّماة فوق الجبَل خَلفه لئلا يبغَتَهم العدو من خَلفهم، وقدمَت قريشٌ بحَدِّها وحَديدها وكبريائها، تحَاد الله ورسُوله، فنشب القتال، وحَمي وَطيس المعرَكة، فكانت الغَلبة للمسْلمين وفَر المشْركون على أعقابهم، فنزَل الرمَاة وخَالفوا أمرَ القائد، فَكرَّ خالد بن الوليد من خلفهم بكتيبَة من المشْركين، فقتَل من بقي من الرمَاة على الجبَل، ودَارة الدَّائرة على المسْلمين، فشَرف الله منهم رجَالاً بالشَّهادة واصطَفاهم، فبينَما هم كذلك إذ صَوتاً يقول: أين محمَّد لا نجَوت إن نجا، فإذا هو سمعَ رسُول ا عندي أُبي بن خَلَف قد أقبل مُقنعا بالحديد، وقد كان يقول للنبي « :فَرس، أعلفهَا كل يوم فَرَقاً من ذُرة، أقتلك عليهَا، فقال له النبي .أقتُلك عليها إن شَاء ا ، فلمَّا رآه يوم أحُد، شَد أُبيٌ على فرَسه على رسُول ا بيَده هَكذا، أي خَلوا فاعترَضه رجَال من المسْلمين، فقال النبي طريقَه، وتنَاول الحربَة من الحارث بن الصِّمة، فانتفَض بها انتفَاضةً تفرَّقوا عنه

عدد الصفحات ٧٦

77 من مقامات النبوة تفَرق الحمُر قد باغتهَا الأسَد، وطعنَه في عنقِه طعنةً تَدَأدَأ فيها عن فرسه مرَاراً، فرجَع إلى قريش يقول: قَتلني محمَّد، وهم يقولون: لا بأس لم يصبْك أذى، فقال: لقَد وعدني أن يقتلني بمكة، والله لو بصَق علي لقتَلني، فمَات عدُو الله .)1(بسَرِف وهم قافلون به إلى مكة وانتهَت تلك الغزوَة بما فيها من دروسٍ وعبَر، وجَاءت غَزوة الأحزَاب، أعظَم قيام، وصَمَدوا أمام  وصحَابته فقام فيها رسُول ا طوفان التحَزب المشْرك البالغ عشرَة آلاف رجل بأمنع سلاح، وأجوَد عتاد، وهم لا يجاوزون الثلاثة آلاف مع ضعفٍ في العُدة والعتاد، وشَظفٍ في العيش، ورفع الله مَنار الإسلام بعد ذلك اليوم، فجَعل المسلمون بعدَها يَغْزون ولا يُغزَون. ، فهَب رسُول الله ثم جَاءت سَنة الحديبيَة فأشِيع فيها مقتل عثمَان في ثبَاتٍ، وشمَّر في عَزيمة، وصَاح في أصحَابه فتواثبوا إليه يبايعونه  رضَاً بما – جَل في عُلاه – على الموت، وهو مستَظل تحْت شجَرة، فأنزل الله صَنعوا، وإكراماً لهم على ما قدموا، آياتٍ فيها الرضى منه عليهم، والثناء والمدح، « أنهتتلى وتُردد إلى أن يَرث الأرض ومَن عليها، وأخبَر النَّبي .)2(يدخُل النار أحَدٌ بايع تحت الشَّجَرة ورجَع عثمَان ولم يكن الخبر صَحيحَاً، فتم الصُّلح الشهير مع قريش، فلم يكن المشركون ليوفوا بذمَّة، ولا ليفُوا بعهْد، فنقَضُوا ما أبرموا مع رسُول ، فنفَر إلى مكة بين يديه جَحَافل الإيمان، وعسَاكر الإسلام، في ا مَقْدمٍ لم ترَ الأرض في ذاكَ الزمَن أبهى ولا أجَل مَنظراً منه، فدَخَل مَكة التي أُخرج ).2/140)، وينظر: تفسير ابن كثير3/237)، والبيهقي في الدلائل84 /2 أخرجه ابن هشام )1( ) وصححه3860)، والترمذي4653 أخرجه أبو داود )2(

عدد الصفحات ٧٧

78 من مقامات النبوة منهَا، وطَالما طَارده رجَالها، ووقفوا عَثرةً في طريق دعوته، فاتحاً عَزيزاً، مُكرم مبَجَّلاً، فلم يلهِه بهجَة الفتْح، ونشوَة النصْر، وعزَّة الموقف، عن الشُّكر والحمْد للمنعِم المتفضِّل ، فدخَلها في غَاية الذُّل ، وكمَال الخضُوع لربه، متخَشعاً، ذقنه ، وقد طأطأ رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، )1(على راحلته .)2(حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل عندَ الكعبة التي كان قَبْل ثم جمَع أولئك الذين آذوه ولمزوه وأخرَجُوه، سنَوات يوضَع على ظهْره عندَها من قِبَلهِم سَلا الجزُور، ويُنصب بين يديه فيها الأصنَام عنَاداً وتعَنتاً، فما تُراه يصنع بهم؟ وبمَ تظن عقَابهم سَيكون؟ لقَد قام فيهم وعلى وجوههم علامات الخَوف والوجَل، وقسَمَات الحيَاء والخجَل، فقال في فقَالوا: خَيرا، أخٌ «هُدوء الصَّمت الذي يُخيِّم عليهم « في منطقٍ يهتَز نضرةً ويتَألق عَظمةً كريمٌ وابن أخٍ كَريم، فقَال .)3(فأنتُم الطُّلقَاء خـُلقٌ أرقُّ مــن النـَّسيم ونفحَةٌ تُغـني العـَديم وتنجِدُ المجهُودَا وسَـــــريـــْــرَةٌ مَـــــرضــيَّــةٌ وعَـــــزيــمــةٌ عُـلويـَّةٌ سمَت السَّمَاء صُــعُــودَا ذا البَحر علمَاً ذا النجُوم طلائعَاً ذا الصَّخْر حِلمَاً ذا الغَمَامةُ جُودَا ثم انطَلقَ بعد فتح مَكة إلى هوَازن وقد اجتمَعوا في حُنين في عشْرين ألف فلمَّا نزلوا وادي حُنين مع انبلاج الصُّبح، فاجَأتهم هَوازن في كَمينٍ في فم رجُل، ).547 /6 البداية والنهاية )1( .)547 /6)، البداية والنهاية405 /2 سيرة ابن هشام )2( )، وإسناده ضعيف، لكن العفو العام200 /9)، والبيهقي في السنن الكبرى412 /2 سيرة ابن هشام )3( لمن دخل داره أو دار أبي سفيانثابت عنه

عدد الصفحات ٧٨

79 من مقامات النبوة الشِّعب، وكانوا رجَالاً رمَاةً فَفَر المسْلمُون، ولم يبق مع رسُول ا إلا أبو سُفيان بن الحارث آخذٌ برأس بغْلته، ونفَر قليل من أصحَابه، فجَعَل يقول «وهو الذي لا يعْرف الهزيمَة ثم جَعَل يقاتل ويُركِض بغلته نحْو العَدو وهو يقول: ابن عَبدا أنـــَــا الــنـــَّــبــي لا كَـــــذِب أنـَــا ابــن عَـبْــد المطَّـلـــبْ .والعباس يكف البغلة إرادة أن لا تسرع خوفاً على رسول ا ثم أمرَ العباس وكان صَيتاً جَهورِي الصَّوت، أن ينَادي الأنصَار، وأصحَاب ، فاشتَد النِّزال، وتقَارع الأبطَال، فقال )1( فكَروا إليه وتجمَّعوا حَوله بيعَة الرضْوان، « وهو ينظُر إلى شدَّة البأس، واحتدام المعرَكة  «ثم نزَل على الأرض، فأخَذ حفنَة تراب فرَمَى بها وجُوههم وقال فمَا خَلق الله منهم إنسَاناً إلا ملأ عينيه ترَاباً بتلك القبضَة، فوَلوا على الوجُوه .)2(أدبَارهم مدبرين، ونصَر الله رسوله والمؤمنيْن وقتَالاً شَجَاعةً من غَير بطش، ومَع هذا كُله فقَد كَانَت شَجَاعته من غَير تعَد أو ظُلم، وإقدَاماً من غَير حِقدٍ أو انتقَام، فلا يبتَدئ بقتَال أحدٍ حتى يُعذره ويُنذره، ثم يخَيره بين الإسْلام أو الجزية، فإن أبى قاتلَه ونازَله، وكان يأمر سَراياه وبعُوثه وجُيوشه، ألا يغلُّوا ولا يغدرُوا، ولا يقتلوا صَغيراً أو امرَأة، أو راهبَاً في صَومعته، أو شَيخاً كَبيراً، وكان يأمُرهم بالإحسَان إلى الأسْرى، ويُرسِّخ ذلك عمَلياً أمام أعينهِم، كمَا في قصَّته مع ثُمامة بن أُثال، وكان مع أعدائه خَير من )، وأخرجه البخاري ومسلم مختصراً.5/379)، وعبد الرزاق8/41 أخرجه النسائي )1( . )2498)، ومسلم2728 أخرجه البخاري )2(

عدد الصفحات ٧٩

80 من مقامات النبوة وحَياته الناس مع أصحَابهم وأحبَابهم، فهكذا كانت هي سيرة نبينا وشَجَاعته، مع البعيد والقَريب، والعدو والصَّديق، فشَاهت وجُوه عبَّاد الصَّليب، الذين أظلمت وانعَكسَت في أعينهم الحقَائق، فرَأوا الحق باطلاً والباطل حَقاً. 

عدد الصفحات ٨٠

81 من مقامات النبوة L رحَْةٌ للعَالمينْ J لقد امتزَجت الرحمَة، وخالط الكرم، وضَوَّعت المحبة خَلايا دمه، ومنَاسم ، فلم يكن يفرق بين أن يقف لأجل مشكِلة ناقة وجمل، عُروقه، أم من أجل جَارية ضاقت بها الحيَل، وانقطعَت عليها السُّبل، أم لأجل صَبي أحب أن ينفُث مشَاعره، ويبُث هموم صبَاه، أم لأعرابي خلِق الثوب، جاف الطبَاع، كل ذلك في ميزانه سوَاء ؛ وأن يقف لأجل قبيْلة بكاملها، أو سادَات قوم، أو فرسَان بواسِل، أو خطَباء مفَوهين، فلم يكن شرَف النبوة، وكَرَم الرسَالة، ورفعَة الجَاه، يحول بينه وبين أن يمشي في حاجَة الصغِير قبل الكبير، والجَارية قبل السَّيد، والحيوان والبهيمَة والطيْر. ذهَب – رضوان الله عليهم – في أحَد أسفاره ومعه أصحابُه : فرأينا حُمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، يقول ابن مسعودلحاجَة له، «، فقالفجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي « ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقالبولدها؟ ردوا ولدها إليها .)1(«قلنا: نحن، قال جَــــاءت إلــيــه حَــمَـــــامــةٌ مشـتَاقة تشْكو إليه بقَلب صَــبٍ واجِــفِ مــن أخْـــبَـــر الـــوَرْقـــاء أن مكَانه حَــــرَم وأنَّــــك مــلــجَــأٌ لــلــخَــائــفِ فإذا فيه جمَل: ودخَل ذاتَ مرةٍ في نفَر من أصحَابه بستَاناً لرجل من الأنصَار، / 8)، وصححه ابن الملقن، وقال ابن مفلح: إسناده جيد. البدر المنير367 / 4 أخرجه أبو داود )1( .)357 / 3)، الآداب الشرعية689

عدد الصفحات ٨١

82 من مقامات النبوة فما إن رأى رسُول الله حتى حَن الجمَل وذرَفَت عيناه، فأتاه رسول ا فقال فتى من الأنصَار: هو «فمسَح ذفْرَاه فسَكن، ثم قال « :لي يا رسول الله، فقال .)1(إياها؟، فإنه شكَا إلي أنك تجيعُه وتدئِبُه حنَّت له النُّوق من وَاد العقِيق بكَت تجْـري بأحمَالهـا شَوقاً للقيَـاه أن ينْحَر الإبل للهَدْي كانت الإبل  وفي حَجة الودَاع لما أرَاد .)2(والنُّوق تتسَابق وتتصَارع، أيهَا تتشرف وتحظى بنَحر رسول الله لها بيَده الشَّريفة فأين فإذا كانت هذه نوق وجمَال تَدافعت وبادَرَت لتحْظى بشرف نحرها له، رجَال الإسْلام، وفتيَان الإيمان، من بذل الغَالي والنفِيس، وتسْخير الأوقات !والأموَال، طاعة لله واتباعاً لرسول ا بآبائهم وأمهَاتهم وأنفسهم، وأين من ادعَوا أنهم فدوا رسول ا فإن محَبة رسول «فلم تُتَرجم ذلك أعمَالهم، ولم تقم شاهِدة على ذلك أفعَالهم، الله ليسَت دعوى باللسَان، ولا هُيَاماً بالوجدَان، ولا عبَارات ترَدد، ولا كلمَات ، وإنما هو مع ذلك انقيَاد لله »تقال، ولا شعَارات ترفَع، ولا شعَائر تقَام فحسب وللرسول، واتباع للمنهج الذي يحمِله الرسول. يخطُب على جذْع شجَرة فصنع له منبَر ليخطُب ولما كان فلما صَعد على المنبر بكَى ذلك الجذع الذي كان يقُوم بجَانبه، حزْناً على عليه، )، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي والألباني. المستدرك 2549)، وأبو داود1754 أخرجه أحمد )1( .)109 / 2على الصحيحين ) وصححه شعيب الأرنؤوط.190986 الخبر عند الإمام أحمد )2(

عدد الصفحات ٨٢

83 من مقامات النبوة فراق ذاكَ الجسَد الطَّاهر،، واللسَان الصَادق، واليَد الشَّريفَة، ورياض الجنَّة، وبسَاتين الإيمان التي كانت تقَام بجَانبه، فنزَل الشفيق الرحيْم إلى ذلك الجِذع فاحتضَنه فجعَل يئن ويخفت صَوته كالصبي الذي يُسكَّت، حتى هدَأ وسَكن، .)1(«فقال عند ذلك نبي الرحمَة : فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي قال جابر «فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكَّن، قال .)2(من الذكر عندها يا أهل الإيمان، وكان الحسَن البصْري إذا حَدث بهذا الحديث بكَى وقال: جذع يحِن إلى رسول الله، أفلا تحِن إليه قلوبُكم!. التي هي قرة عينه وأنس روحه من أجل يخفف الصلاةوكان .)3(بكاء صبي؛ لئلا ينشغل قلب أمه عليه والتحنيك أن يمضغ التمر أو نحوه – وكان كثيراً ما يؤتى بالصبيان يحنكهم ثم يدلك به حنك الصغير- فجاءت أم قيس بنت مِحصن بطفل لها فبال في حجر .)4( فلم يغضب ولم يعتب، وإنما دعا بماء فنضحهالنبي وعلى بطنه الحسن أو  أنه كان عند رسول اوعن أبي ليلى، )، قال ابن كثير: باب حنين الجذع شوقا إلى 875)، والبخاري بنحوه3431 أخرجه الإمام أحمد )1( وشفقا من فراقه، وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيدرسول ا ).131/6القطع عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان. البداية والنهاية ).875 أخرجه البخاري )2( .)707 أخرجه البخاري )3( .)287)، ومسلم223 أخرجه البخاري )4(

عدد الصفحات ٨٣

84 من مقامات النبوة أساريع قالالحسين، فبال حتى رأيت بوله على بطن رسول ا .)1(ثم دعا بماء فصبه عليه«فوثبنا إليه، فقال فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران وكان يخطب ذات مرة، من المنبر، فحملهما فوضعهما يمشيان ويعثران، فنزل رسول ا (سورة التغابن، ﴾ ﮠﮞ ﮟ ﮝ ﴿«بين يديه، ثم قال نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي )15الآية .)2(ورفعتهما ومن عجيب تعامله ولطفه مع الصبيان أمام أقوام لم يعتادوا في الغالب على ما حدث به شَداد بن الهاد قال: خرج علينا رسول الله حملهم أو التبسط معهم، في إحدى صلاتي العشي - الظهر أو العصر - وهو حامل الحسن أو  فوضعه، ثم كبر للصَّلاة، فصلى فسجد سجدة الحسين، فتقدم النبي أطالها، قال شَداد: فرفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول ا الصلاة، وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول ا قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث «أمر، أو أنه يوحى إليك؟ قال .)3(أن أعجله حتى يقضي حاجته : كان رسول ومن تلطفه وممازحته للصبيان ما ذكر أنس بن مالك )، وصححه محققوا المسند.31/403 أخرجه الإمام أحمد )1( )،3600)، وابن ماجه3774) ، والترمذي1109)، وأبو داود100 /38 أخرجه الإمام أحمد )2( وقال ابن عبد الهادي في التنقيح: إسناده على شرط مسلم )، وصححه محققوا المسند.100/12)، وابن أبي شيبة420 /25 أخرجه الإمام أحمد )3(

عدد الصفحات ٨٤