المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

من مقامات النبوة

نايف بن محمد اليحيى

صفحة ٤ من ٨

53 من مقامات النبوة ولا أشكال، وإنما هو نظر لما يقوم في القلب من تعظيم الله وحرماته، وما تصدقه الجوارِح بعد ذلك. مرّوا على شجر أراك فقام مع أصحابه  وفي إحْدى رحلات النبي عبدالله بن مسعود يجتني سواكا من الأراك، فجعلت الريح تكفؤ ثوبه، فضحك قالوا: يا نبي الله، من « :القوم منه، فقال رسول ا )1(«دقة ساقيه، فقال فكم من رجل جميل الشكل، حسن الجسم، ولكنه مقطوع الصلة بربه سبحانه، « فهذا ليس له في الآخرة من خَلاق، كما في الصحيح سيء الخُلق مع الخَلق، )2(بالرجل العظيم السَّمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جنَاح بعوضَة وماينفع الفتْيان حُسْن وجوههم إذا كانَت الأخْـــلاق غَير حسَـان الغاية والهدف من هذا وفي موقف ومقام آخَر يبين رسول ا ويربطهم بالآخرة حين تغريهم زهْرة الحياة الدُّنيا. الوجوْد، فأخذها بعضُ الصَّحابة حلة من حرير،  أهدي لرسول ا وجعلوا يقلبونها ويعجبون من لينها ونعومتهَا، وكانت غايةً في الحسْن  «والجمَال والنعومة، فنظر إليهم المربي في تلك الحال فقال )3(هذه؟ لمنَاديل سعد في الجنَّة خير منها وألين وهم يرون أن فزهدت فيها نفوسهم، وارتفَعت هممهم، وسمَت أهدافهم، ).163)، وصححه ابن جرير الطبري في مسند علي (رقم99 / 7 أخرجه أحمد )1( .)2785) مسلم4452 أخرجه البخاري )2( )2468)، ومسلم3076 أخرجه البخاري )3(

عدد الصفحات ٥٣

54 من مقامات النبوة مناديل سعد فقط ألين من هذا الحرير، فكيف يكون لبَاسه! وكيف سريره وفراشه بل ولم يعرف اليأس إليه طريقاً عند الشدائد، ولا عرف التنَازل عن مبَادئه، كانت الشِّدة تزيده عزماً ومضياً وتفاؤلاً، وكان يبعث هذه الروح في أصحابه ، قال: كنت عند رسول الله  ويربيهم عليها، فعن عدي بن حاتم ، فجاءه رجُلان أحَدهما يشكو العَيلة، والآخَر يشكو قَطع السَّبيل،  « :فقال رسول ا تخرج العِير إلى مكة بغَير خفِير، وأما العَيلة: فإن السَّاعة لا تقوم، حتى يطوف .)1(أحدكم بصدقته، لا يجد من يقبَلها منه وفي إحدى المحن الكبرى التي حوصرت فيها المدينة وطوقت بلفيف تعرض صَخرة في مكان من الخَندق، لا تأخذ فيها المعَاول، فشكوها المشركين، ، فجاء فوضع ثَوبه ثم هبَط إلى الصَّخرة، فأخذ إلى رسول ا « فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال «المِعول فقال . ثم قال: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا « وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال « ثم قالفارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا « وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال« . فما أسمى هذا التفاؤل) 2(اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الفذ في أحرج الأوقات وأصعبها. ).109 / 2 أخرجه البخاري )1( )، وحسنه ابن حجر، وضعفه ابن كثير بميمون أبو عبدالله، وهو 626 / 30 أخرجه الإمام أحمد )2( الأظهر فالأكثر على تضعيفه، وجاء من طرق فيها ضعف، لكن ضرب الصخرة ثابت في الصحيح ).102/4)، البداية والنهاية397/7ينظر: فتح الباري

عدد الصفحات ٥٤

55 من مقامات النبوة فعِشْوإن أردت أن ترى موقفاً أعْمَق وأكمَل، ومقاماً أسمَى وأجمل، أكنَاف هذا اللقاء الذي تخرس أمام فصَاحته مصاقع الخطَباء، وتشْدَه أمام أدبه ولطْفه أبصار المربين والمعلميْن، ذاك أنه لما انتهت غزْوة حنين وأظفَر الله فيها المسلمين بهوازن بعد ما كانت الصَّولة في بادئ الأمر لعدوهم، وكان الجيش قد في قلَّـة من أصحابه، فأمر العبَّاس وكان فر أكثره وثبت رسول ا جهوري الصوت فنادى أصْحاب بيعة الرضْوان فأسرعوا إليه كما تسرع الأمهات إلى أولادها، ثم خص الأنصار بالدعاء، فأقبلوا ملبين النداء فأبلوا بلاءً حسناً، فلما انتهت المعركَة وجُمِعت الغنائم فإذا أودية الإبل، وإذا الشعاب قد غصَّت بالغنم والشاء، فأعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين ، فاجتمع عليه العرب وكل يقول: أعطني يا محمد، حتى )1(كل واحد مائة ناقة « وقالاضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف فلو كان لي عَدد هذه العِضاه نعَماً لقسَمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً فللَّه ما أسمى هذا الكرم وهذا السخاء.ولا جبان ويعطي مسلمة قريش الجدد وفي هذه اللَّحظات ورسول الله يقسم الغنائم، وسادة القَبائل مئَات الإبل، على مرأى الأنصَار الذين وجه لهم النداء قبل قليل في المعركة، والذين آووه ونصَروه وآزروه فلم يعطهم شيئاً، فوجدوا ذلك في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقيَ والله رسول الله قومه! فأخبره فقال: اجمع لي هذا الحَي من فدخل عليه سعد بن عبادة فأتى فدخل عليهم، الأنصار في الحظيْرة، فجمعهم ثم دعا رسول ا )677 /3 أخرجه الإمام أحمد، وقال ابن كثير: على شرط مسلم. السيرة النبوية لابن كثير )1(

عدد الصفحات ٥٥

56 من مقامات النبوة «فحَمد الله وأثنى عليه ثم قال وجدتموها علي في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهَداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، « قالوا: بلى الله ورسُوله أمَن وأفضَل. ثم قال وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ « فقالوا: بماذا نجيبُك يا رسُول الله؟ فقال تجيبوني يا معشر الأنصَار؟ لو شئتُم لقلْتم فلصَدَقتم، أتيتنا مكذَّباً فصدَّقناك، ومخذولاً فنصَرناك، وطَرِيداً فآوينَاك، وعائلاً فآسينَاك، أوجدتم يا معشر الأنصَار في أنفسكم في لعَاعَة من الدُّنيا، تألفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامِكم؟ ألا ترضَون يا معشر الأنصَار أن يذهب النَّاس بالشَّاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحَالكم؟ فوالذي نفس محمَّد بيده، لولا الهِجرة لكنت امْرَءاً من الأنصَار، ولو سَلَك النَّاس شعباً وسَلَكت الأنصَار شعباً لسَلَكت شعب الأنصَار، اللهم ارحم الأنصَار، وأبناء الأنصَار، وأبناء أبنَاء الأنصَار، الأنصَار شعَار والناس دثَار، سوف تلقون أثَرة فبكى القَوم حتى أخضَلوا لحَاهم، بعدي فاصْبروا حتى تلقَوني على الحَوض )1(وقالوا: رضينا برسُول الله قسَماً وحَظ ، في هذا المقَام تظهَر روعَة الأخْلاق، وسُمُو الرُّوح، وعظَمة هذا النبي فهل سمعت بأرَق من هذا العِتَاب؟ أو قَرَأت ألطف من هذا الخطَاب؟ وكيف كان على رسُوخ الإيمان، والصدْق في الغَاية، والاعتراف بالفضل، يربيهم والنظر في العقبى والآخرة، وعَدم الاغتِرار والركون لحُطام الدنيا وزخْرفهَا، فقارن بين ناقة وجمَل وشاة تأوي بها إلى رحْلك، وبين أن تصحب خيرة الله من خلقه، وأمينه على وحيه، وكذلك هو الحال في أتباع هديه وسنته، فإذا انصرف الناس ). وهذا لفظ الإمام أحمد.1061) ومسلم6818 أخرجه البخاري )1(

عدد الصفحات ٥٦

57 من مقامات النبوة لمتاعهم ودينارهم، فليكن همك هو تحصيل سنة رسول الله، والنَّهل من سلسَالها، والرشْف من رحيقِهَا، مع الموازنة بين حظ الدنيا وحق الآخرة. تــحــدَّث ولا تــخــرُج بكل عجيبَة عن البَحر أو تلك الخِلال الزَّواهِر ولا عــيْــب في أخــلاقِــه غــيــر أنــهَــا فـــرَائـــد در مـــا لــهَــا مـــن نــظَــائــر يُــقِــر لــهــا بــالــفــضْــل كــل مــنَــازع إذا قيل يوم الجَمع هل من مفَاخر وكيف يحوره مع الخطأ، ثم تأمل بعد ذلك في كيفية تعامله لأن ينقلب نبلاً وصواباً، في بحث عن زوايا الخير والإبدَاع لدى المخطئ، فلندع ليحدثنا عن مجريات هذا الخبر قائلاً: القلم لأبي محذورة فلقينا ببَعض الطريق، فأذَّن مؤذن رسول من حُنين، قفل رسول ا ، فسَمعنا صوت المؤذن،  بالصَّلاة عند رسول ا ا ونحن متَنكبون فصرَخنا نحكيْه، ونسَتهزئ به، فسمع رسُول ا «الصَّوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنَا بين يديه، فقال فأشَار القوم كلهم إلي، وصدقوا فأرسَلهم كلهم، وحبسَني، فقال: قد ارتفَع؟ ، فقُمت، ولا شيء أكره إلي من رسُول ا « ، فألقَى إلي رسول ولا مما يأمُرني به، فقُمت بين يدي رسُول ا التَّأذين هو نفسه، ثم دعَاني حين قضيت التأذين، فأعطَاني صُرة ا فيها شيء من فضَّة، ثم وضع يده على ناصيَة أبي محذُورة، ثم أمارها على وجهه سُرة مرتين، ثم مر بين يديه، ثم على كَبده، ثم بلغت يد رسول ا ، فقلت: يا رسول « :أبي محذُورة، ثم قال رسول ا ، وذهب كل شيء كان لرسول الله «الله، مرني بالتأذين بمكة، فقال

عدد الصفحات ٥٧

58 من مقامات النبوة .)1( من كراهية، وعَاد ذلك محبة لرسول ا  يحصُر مواهبهم وقدُراتهم في مجال واحد، بل كان ولم يكن  فبلال بن رباح وابن أم مكتوميوظِّف كل واحد بالمكان الذي يناسبه، على أمين للسر، وخَالد بن الوليد في الأذان، وحذيفة بن اليمان للقضاء وتعليم الناس في مقدمَة الجيش وقيادة السرَايا، ومعاذ بن جبل في الخدمَة لروايـَة الحديث، وأنَس بن مالكاليمن، وأبو هُريرة « :وقضَاء الحاجَة، وفي وصيَّة لأبي ذَر .)2(أحب لنفْسي، لا تأمرَن على اثنَين، ولا تولين مَال يتِيم ولذلك من تميز المُربي أن يعرف الجوانب التي يتميز بها الُمتربي أو يحسنها لا أن يجعله نسخة منه، أو على ما يراه أنه مهم، إلا إذا كان فيوظف قدراته فيها، المتلقي من الممكن أن يتميز في ذلك ويحسنه. ومن أحضَان المدرسَة المحمدية تخرّجَ أبو بكر وفي ظِلال هذه التَّربية، الذي يخيَّر يوم القيامة من أبواب الجنـَّة الثمانية أيها شاء، وعمر فارُوق هذه الأمة الذي لو رآه الشَّيطان سالكاً فجَّاً لسلك فجاً غير فجِّه، وسعْد الذي اهتَز لموته عرشُ الرحمن، والعَلاء بن الحضْرمي بن معَاذ لقتال قوم في البحرين الذي لو أقسم على الله لأبَره، والذي بعثه النبي ، وفي هذا )3(فحال البحر بينهم فدعا الله ثم ركب هو وجيشه البحر فلم يغرقهم ). 89 / 1). وصححه الجوزقاني، قال البوصيري: إسناده صحيح. مصباح الزجاجة98 / 24 أخرجه أحمد )1( .)1457 / 3 أخرجه مسلم )2( )، وينظر53 /6)، والبيهقي في دلائل النبوة95/18)، والكبير15/4 أخرجه الطبراني في الأوسط )3( .)9/161)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة311 /9البداية والنهاية

عدد الصفحات ٥٨

59 من مقامات النبوة يقول إقبال من ذا الذي رفع السُّيوف ليَرْفع اسمَك فـــوق هـــامَـــات الــنــجُــوم مـــنَـــارَا كــنــا جـــبـــالاً في الــجــبَــال وربــمــا ســرْنــا على مــوج الــبــحَــار بــحَــارا بــمــعــابــد الإفـــرنْـــج كـــان أذانـــنَـــا قبل الــكــتَــائــب يفتَح الأمــصَــارا نــدعُــو جــهــاراً لا إلــه ســوى الــذي خــلَــق الـــوجُـــود وقــــدَّر الأقْـــــدَارا ومنها تخرج عبد الله بن عمرو بن حَرام كليم الرحمَن بلا ترجمَان، وغيرهم ممن يتألَّق في سماء العظَمة، ومنابر العز، وهامَات المجـْد يـــا أمـــتـــي كـــنَّـــا شـــعَـــاع هـــدايَـــة لــلــنَّــاس في الــدنــيَــا لــهــا أنْــــوار كــنــا عــلــى الأيَّـــــام صـــوْت مــؤذن فــرحَــت بــه الأمــصــار والأسْــحَــار كنا هطِيل الغيْث مــا سقيَت بنا أرض فــمــاتَــت بــعــدَهــا الأزهَــــار ســلْ كل أرض قَــد وطئْنا سهلَهَا ســتُــجــيــبُــك الأمـــجَـــاد والآثَـــــار مــا عــــدْت أجــــزِم أنــنَــا مــن أمَّــة تــاهــت بــهــا الأمـــجَـــاد والأقــمَــار يـــا رب إنــــا قـــد أتــيــنــا نشتَكي ظــلــمــا وأنْــــت الـــوَاحِـــد الــقَــهَّــار 

عدد الصفحات ٥٩

60 من مقامات النبوة L وللحبِّ مِداد J أعظَم الأثَر في زرع لقد كان لتلك التَّربية التي غرَسها رسول ا وأنبل معاني التضحيَة، وأرفع مقَامات الصدْق في قلوب أسمَى غايات الحُب، أصحابه له، فهم يتفَانون من أجل خدمَته، ويتنافسُون في سبيل رضاه، وهَا هو يأتي مثخَناً في جرَاحه، قد فَقَدَ جملةً من أصحَابه في غزوة أحُد،  فلما أقبل على المدينَة وقد سبقته أنبَاء المعركة إليها، فخرج الناس يسْألون عن أولادهم وأزواجِهم وأقَاربهم، وكان من بين تلك الجمُوع امرأةٌ خرجت لكنها لغَاية أخرى، ومقصد مغَاير، فلما أقبلت أخبرت باستشهاد والدها وأخيها في ؟ قالوا: خيرا، هو بحمد الله المعركة، فقالت: ما فعل رسول ا صالح على ما تحبين. قالت: أرونيه أنظر إليه! فما شفى غليلها إلا أن تنظر إليه بعينها وتطمئن على صحته، فأشاروا لها إليه فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول -أي: هينة يسِيرة. )1(الله جلل وأسمَى من هذه فهل رأيت في أخبار المحبين أصدق وأنبل من هذا الحب؟! المشَاعر! وأصدق من هذا الإيمان!. وقد خرج وصورة أخرى يسطِّرها زيد بن الدَّثِنَة وهو يقدم للقتل في مكَّة، الرجَال والنسَاء لحضُور ذلك المشهَد، فيقول أبو سفيَان: يا زيد أنشُدك بالله، أتحب أن محمداً الآن عندَنا مكانك تضْرب عنقُه، وأنك في أهْلك؟ فأجَابه زيد بصَوت عَالٍ سمعه الجميْع: والله ما أحِب أن محمَّداً الآن في مكَانه الذي هو فيْه، )، 907) وابن المنذر في التفسير3/302)، والبيهقي في الدلائل2/99 أخرجه ابن هشام في السيرة )1( .)47 /4وينظر: البداية والنهاية

عدد الصفحات ٦٠

61 من مقامات النبوة تصيبُه شوكَة تؤذيه، وأني جَالس في أهْلِي. وتعجَّب الناس أشد العجَب من هذا الجَواب، فقال أبو سفيَان لمن حولَه: ما رأَيتُ من النَّاس أحَداً يحب أحَداً، كحُب !)1(أصحَاب محمَّدٍ محمَّدا قبل أن يقتل:ثم تمثل ببيتين فلست أبــالــي حين أقتل مسلما على أي جنب كــان لله مصرعي وذلــــك في ذات الإلــــه وإن يشأ يــبــارك على أوصـــال شلو ممزع وفي صُلح الحديبيَة أرسَلت قريش عُروة بن مَسعُود الثَّقفي ليفَاوض رسول الله فلما أتى إليه بهَرته جلالته وحُبُّ أصحابه له، فرجع إلى قريش فقال:  والله لقَد دخلت على كسْرى في ملكه، وقيصَر في ملكه، والنجَاشي في ملكه، ورأيت مُلوك اليمَن، والله ما رأَيت قومَاً يعظمُون صاحبهم ويحبُّونه كحُب أصحَاب محمَّد لمحمَّد، والله ما التفَت في جهَة إلا التفَتوا جميعاً في الجهَة التي نظَر إليها، ولا تكَلم إلا سَكتُوا كأن على رؤوسِهم الطَّير، والله إن تنخَّم نخَامة إلا وقعَت في كف رجُل منهم فدلك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتَدروا أمْره، وإذا توَضَّأ كادوا يقتتلُون .)2(على وَضُوئه، وما يحِدُّون إليه النظَر تعظيماً له أنبتَت جنَاناً حسَاناً من وهكذا هي سواقي الإيمان إذا نبعَت في القَلب، الكَمال، وثمَاراً يانعَةً من العَزْم، وقطُوفاً دانيَـةً من الحكمَة. ألا يا مُحب المصْطَفى زد صَبابةً وضَمِّخ لسَان الذكْر منك بِطيْبه ولا تــعْــبَــأن بــالــمــبــطــلِــيــن فإنما عَـــلامـــة حُـــب الله حُـــب حَــبــيــبِــه )، وينظر: البداية 1184 /3)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة2/172 أخرجه ابن هشام في السيرة )1( )، أما البيتان ففي صحيح البخاري5/505والنهاية ).2581 أخرجه البخاري )2(

عدد الصفحات ٦١

62 من مقامات النبوة إلى مسَيلمة الكَذاب في اليمَامة، وهذا حَبيْب بن زَيد أرسَله النبي فلما دخَل عليه وكلمَه، جمع مسيْلمة أهل اليَمامة وأوقف حبيْب أمَامَه ثم قال: أتشهَد أن محمَّدا رسُول الله؟ فقال: نعم، فقال أتشهَد أني رسُول الله؟ فقال حَبيب: لا أسمَع. فأعَاد عليه: أتشهَد أن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم، فقال: أتشهد أني رسُول الله؟ فقال حَبيب: لا أسمع! فغضب مسيْلمة عند ذلك ودعَا السَّياف فأمره أن يقطعه عضواً عضواً ثم ، وأهْل اليمَامة كلهُم ينظُرون ويتأمَّلون هذا المشهَد، ولكن من لم يجعَل )1(قتله الله له نُورا فما له من نُور. ولكأن الحَادي يحدُو به فيقول: واهتِف بهم أنا من جُنُود مُحمَّد بــايــعــتُــه فــيــمَــا يُـــريـــح ويــتْــعــبُ رايَـــاتـــهَـــا خـــفَّـــاقَـــة وسُــيُــوفــهــا صَــفَّــاقــة وجُـــنُـــودُهَـــا لا تُــغــلَــبُ واهــتَــزَّت الدُّنيا لــصَــوت محمَّد الله أكْـــبَـــر شَــرقُــهــا والــمــغْــربُ أن يظهَروا أمَام وهذا صدِّيق هذِه الأمَّة يلِح على رسُول ا « فقالقرَيش في الكَعبة لما بلَغ عددُهم ثمانيةً وثلاثيْن رجُلا، فلم يزَل أبو بكر يلِح حتى ظهَر رسُول الله وتفرَّق المسْلمون في نواحي المسْجد كل رجُل في عشْرين، وقام أبو بكر في النَّاس خطيبَا، ورسول الله جَالس، فكَان أول خطيْب دعا إلى الله وإلى رسُول الله، وثَار المشْركُون على أبي بكر فوطؤوه وضَربوه ضَربا شَديدَا، ودنا منه الفَاسق عُتبة بن رَبيعَة فجَعَل يضربُه بنعلين / 1)، وينظر: الإصابة2/828)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة466 /1 أخرجه ابن هشام في السيرة )1( .)328 /1)، والاستيعاب306

عدد الصفحات ٦٢

63 من مقامات النبوة ويحرفُهمَا في وجْهه، ونزَا على بطنه، حتى حَملُوه ولا يشُكون في موته وقال بنو تيم قبيْلتُه: والله لئن مَات لنقتُلن عتبَة بن ربيعَة، فجَعلوا يكلمُون أبا بكر حتى كان آخِر النَّهَار فأجاب، فكان أول ما قال: ما فعل رسول الله؟ فتكلموا عليْه وعَذلُوه وقاموا عنه، فجَاءته أمه أم الخَير بطَعَام فقال: إن لله علَي أن لا أذُوق طعَامَا ولا أشرَب شَرَابَا حتى أرى رسُول الله، فلما جَن الليْل وسَكن النَّاس خرج يتكئ علَى أمه وأم جَميْل بنت الخَطَّاب حتى أتى رسول الله فأكَب عليه يقبِّله، وأكب عليه .)1( وأرضاهالمسْلمون يعانقُونه : خرجنا مع رسول ا وفي غزوة أحد يقول الزبير على ظهره لينهض على صخرة فلم مصعدين، فذهب رسول ا على ظهره يستطع، فبرك طلحة بن عبيد الله تحته، فصعد رسول ا يقول: حتى جلس على الصخرة، قال الزبير: فسمعت رسول ا ، أي: أوجب عملاً يستحق به الجنة.)2(« ،)3( ذاك كله يوم طلحة إذا ذكر يوم أحد بكَى، ثم قال: وكان أبو بكر ، وأبو طلحة بين يدي النبي انهزم الناس عن النبي مجوب عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع، كسر يومئذ قوسين قال: «أو ثلاثاً، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل، فيقول ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي، ويشرف النبي )، والبداية والنهاية 46 /30)، وتاريخ دمشق لابن عساكر 182 /1 ينظر: أخبار القضاة لوكيع )1( .)4/76( .)3738)، وبنحوه الترمذي وصححه (رقم436 /15 أخرجه ابن حبان )2( .)1/8 أخرجه أبو داود الطيالسي )3(

عدد الصفحات ٦٣

64 من مقامات النبوة .)1(لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك ؟ : كيف كان حبكم لرسول اويُسأل عليّ بن أبي طالب فيقول: كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد .)2(على الظمأ قومٌ سمَت بهم العَوَارف والنُّهى أن يــرغــبــوا في كُـــل فَــــان قَــالــي قــوم أبَــت بهم المفَاخر والعُلى أن يشْتروا غَير النفِيْس الغَالي  .)1811)، ومسلم4064 أخرجه البخاري )1( .)52 /2 الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض )2(

عدد الصفحات ٦٤

65 من مقامات النبوة L مقَامُ الدَّعْوَة J وأحببْت أن تشَاهد همَّاً رسَخ إذا أرَدت أن تعيش في ميدَان السبَاق والتضْحيَة، في القَلب، وتغَلغَل في الرُّوح، وسَرى في الأعمَاق، وتشَربه الجَسَد، وجَرى مجْرى ودعْوته، وانظر إلى حيَاة الدَّم، فاقرأ وقلِّب صفحَات سِيرة الحبيْب حفَلَت بالصدْق، وامتَلأَت بالعَدل، وازدَهَرت بالبَذل، وتجَمَّلت بالكَرم، وأينَعت بالجُود، واكتَمَلت بهدَاية البَشَرية تبْني الفَضَائل أبــرَاجَــاً مُشَيَّدةً نصْب الخِيام التي من أَروَع الخيَمِ إذا مُلوك الــوَرَى صَفوا مَوَائدَهَم عَلَى شَهِي من الأكْــلات وَالأُدُمِ صَفَفْتَ مَــائــدَةً لــلــرُّوح مَطعَمُها عَذبٌ من الوَحي أو عَذْب من الكَلم إن كَــان أحبَبْت بعْد الله مِثلَك في بَدو وَحَضْر ومن عُربٍ ومن عَجَمِ فلا اشتَفَى ناظِري من مَنظَر حَسَن ولا تَــفــوَّه بــالــقَــول الــسَّــديْــد فَــمِ كل لحظَة من لحَظَاته، وكُل فرصَة في حيَاته، لقد استَغَل رسول ا لدَلالَة الأمة على الخَير، ودَعْوة الناس إلى الرُّشْد، وهدَاية البشَرية إلى النُّور، دعَا في جميع الأمَاكن والأحوَال والأزمَان، ودَعَا جميْع أصنَاف النَّاس، واستخدَم جميع الأسَاليب المشْروعَة. دعَا فوق الجبَل، وفي المسْجِد، وفي الطَّريق والسُّوق، وفي منَازل الناس ودعَا في الحَضَر والسَّفَر، وفي الأمْن والقتَال، في بالموَاسم، وحَتى في المقْبَرة، صحَّته ومَرضِه، وحينمَا كان يزُور أو يزَار، دعَا من أحبُّوه، ومن أبغضُوه وآذَوه، ومن استمَعوا إلى دعْوته ومن أعرضُوا عنها، وبعَث الرسَائل والرسُل إلى الملُوك

عدد الصفحات ٦٥

66 من مقامات النبوة .)1(والرؤسَاء، ممن لم يتمَكن من الذهَاب إليهم بنفسه وتأمَّل كيف كَان يستغِل كل فرصَة ولحظَة وحدَث، كل ذلك تبليغَا لرسَالة الله، ورحمَة ورأفَة في الأمة أن تهْوي في شفِير جهنَّم، فهذا صبي يهُودي كان يخدِم النبي فمَرض ذاتَ مرَّة، فأتاه النبي يعُوده، فقعَد عند رأسِه وإذا هو في لحظَات  فنظَر الصبي إلى أبيه وهو عندَه فقال «الاحتِضَار وآخر سَاعَات الدُّنيا، فقال له مسْتبشِراً فرحاً وكأنما له: أطِع أبا القَاسم، فأسْلم، ثم مات فخَرج النبي . )2(«حيِزَت له الدنيَا بحذافيْرها وهو يقول فانظُر كيف أنه اجتمَعت فيه خصْلتَان تجعلان المرْء لا يعبأ به، الصغَر إضافة إلى كونه على فراش الموت، فلو أسلم لما انتفع منه المسلمون واليهُودية، ولم يستقله، بل حَاول حتى بشيء، ومع ذلك لم يزدَري ذلك شَرَح الله صدرَه، ليعلم النَّاس أن هذا الدين قَام على طلب الهدى والخير لهم، لا لمصالح شخصية، أو مطامع سياسيَّة. على عمِّه أبي طَالب الذي وفي موقف مشَابه يدخُل رسول ا وهو في سَكَرات الموْت فلم يَيأس من دعوَته، مع أنه عَاش يدعُوه آزرَه ونصَره، «عشرَ سنين فلم يسْلم، فوقف على رأسِه وهو يقوْل فقال رأسُ الشرك أبو جهْل، وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا أشهد لك بها عند ا طالب أترغَب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسُول الله يعرضُها عليه، ويعودَان ﮏ ﴿بتلك المقَالة حتى كان آخرَ ما قال: هُو على ملة عبد المطلب. ثم أنزَل الله: ).15 سيد رجال التاريخ (ص )1( .)5333 أخرجه البخاري )2(

عدد الصفحات ٦٦

67 من مقامات النبوة (سورة) 1(﴾ ﮝ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ .)56القصص، الآية لم يتركوا إغواءه حتى وهو على فانظر إلى أثر رفقة الخير ورفقة السوء، فراش الموت. ففي أحَد الأيام يحقِر أحداً أو يبْخل في علم على أحَد، ولم يكُن كان يسيْر على حمَارٍ له وقد أردَف خلفه عبد الله بن عبَّاس وكان غلامَاً صغيرَاً، «فقال إذا سَألت فاسأَل الله، وإذا استَعَنت فاستَعن بالله، واعلَم أن الأمة لو اجتمعُوا على أن ينفَعوك لم ينفعُوك إلا بشيء قد كتبه الله لَك، ولوا اجتَمعوا على أن يضُروك، لم .)2(يضُروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله علَيك، رفعَت الأقلام وجفَّت الصُّحُف لبِث رسُول الله يحَدث عن دعوته فيقول: وهذا جابر بن عبد ا عشر سنِين يتبع الناس في منَازلهم في الموَاسم، في مجاز ومِجنَّة  «وعُكَاظ، ومنازلهم في منى فيقول فلا يجِد أحداً ينصُره ولا يؤويه، حتى إن الرجُل يرحَل من مصْر أو ربي فله الجنة .)3(اليمَن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومُه فيقولون له: احذَر غُلام قرَيش لا يفتننَّك بسُوق ذي المجَاز رأيتُ رسول ا وقال رجُل من كنَانة: وأبو جَهل يحْثي عليه «يتخللها يقول ) .24) مسلم1294 أخرجه البخاري )1( ) وصححه2516 أخرجه الترمذي )2( .)352/7)، وصححه البوصيري. إتحاف الخيرة المهرة14694 أخرجه الإمام أحمد )3(

عدد الصفحات ٦٧

68 من مقامات النبوة التُّراب ويقول: لا يغْوِيْكم هذا عن دِينِكم، فإنما يُريْد لتترُكوا آلهتَكم، وتتركوا .)1(اللات والعُزَّى، وما يلتفِت إليه رسول ا « أقبَل عليه أعرابي فلما دنا منه قال لهوفي أحَد أسفَاره وهو يمشِي « قال: وما هُو؟ قال «فقال الأعرابي: إلى أهْلي. فقال فقال الأعرابي: أن لا إله إلا الله وحدَه لا شَريك له، وأن مُحمَّداً عبده ورسُوله وهي فدعاها«هل من شَاهد على ما تقول؟ قال على شَاطئ الوادي، فأقبَلت تخُد الأرض خدَّاً، فقامَت بين يديه، فاستَشهدَها ثلاثَا فشهدَت أنه كمَا قال، ثم إنها رجَعَت إلى منبتِها، فرجع الأعرابي إلى قومِه . )2(فقال: إن يتبعُوني أتيتُك بهم، وإلا رجَعت إليك وكنت معَك أنه كان يرجُوا هداية أجيَال من آذَوه بل بلَغ من حرصِه أشَد الأذَى وطردُوه وسخِروا منه، فعندما رجَع مردودَاً من الطائف أرسَل الله له مَلك الجبَال فخَيره إن شَاء أن يطبِق عليهم الأخشبين جبَلي مكة فيموتوا، فقال . )3(« : ولما تُوفي أحَد أصحابه ووضعوه ليُلحدوه في قبره، انتهَز رسول ا ولحظَة التأثر من أصحَابه، وفرصَة اجتمَاعهم، هذه الفرصَة،  فوعَظهم موعظة جَليلَة عظيمَة، وعلمهم فيها ما يحصل للميت من نَزْع الرُّوح، وحضُور الملائكة، وصعُود الرُّوح إلى السَّماء، وماذا يحصُل له بعد مماته في قبره ).680/1)، وصححه ابن الملقن. البدر المنير16654 أخرجه الإمام أحمد )1( )، وصححه البوصيري، وجود إسناده ابن كثير. إتحاف 6)، والدارمي 6505 أخرجه ابن حبان )2( .)130/6)، البداية والنهاية106/7الخيرة المهرة ).1795) مسلم3059 أخرجه البخاري )3(

عدد الصفحات ٦٨