المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

من مقامات النبوة

نايف بن محمد اليحيى

صفحة ٣ من ٨

37 من مقامات النبوة ، ثم جعلوا يسألونه)1(أخبرهم سَخروا وضَحكوا، وارتد قومٌ ممن كان أسلم معه عن أشياء في بيت المقدِس، فجلّى له الله بيت المقدس، فجعلوا لا يسألونه عن )2(شيء إلا أخبَرهم به فقالوا له وفي غُضون هذا التعجب والسخرية أتوا أبا بكر صدّيقَ هذه الأمة لعله يرجع عن إيمانه: إنّ صاحبك يزعُم أنه ذهب البارحة لبيت المقدس ورجع من ليلته! فقَال: أَوقَد قال ذلك؟! فَفَرحوا بسُؤاله وظنوا أنها فرصَتهم السَّانحة لرده عن دينه وإسْلامه فأجَابوا: نعَم لقد قال ذلك. لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنَّه عندها قال في ثبَاتٍ ويقين: ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم، إني لأصدقه ما . )3(هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة .فبُهتوا وخنسوا، وبهذا استَحق شرف هذا اللقَب الشريف وبدأت إرهاصَات الهجرة بعد ذلك، وسمعَت قريش قائلاً يقول في الليل على أبي قيس: فإن يُسلم السَّعدَان يُصبِح محمَّدٌ بمَكةَ لا يخشَى خِلاف المُخَالفِ فلما أصبَحوا قال أبو سفيان: من السَّعدان؟ سعد بن بكر وسعد تميم؟ فلما كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول: أيا سَعْد سَعْد الأَوس كُن أنتَ ناصِرا ويا سَعْد سَعْد الخَزرَجَين الغَطَارف رواه عبدالرزاق في مصنفه، والحاكم في المستدرك وصححه، وصححه الألباني. )1( أخرجه البخاري ومسلم )2( )، وصححه الألبا62 / 3 أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه )3(

عدد الصفحات ٣٧

38 من مقامات النبوة أجيبَا إلــى دَاعـــي الــهُــدَى وتمنَّيَا على الله في الفِردَوس مُنيةَ عَارفِ فــإن ثَـــوابَ الله للطَّالب الــهُــدَى جِنَانٌ من الفِردَوس ذَات رَفَــارفِ )1(فقال أبو سفيان: هما والله سعد بن معاذ، وسَعد بن عبَادة بالأنصَار فآمنوا به وصدقوا، فكان لقَاء بعد هذا التقَى النبي العقبة الأولى والثانية، وأظهَروا استعدادهم لاستقباله، ووعَدوه بنصرته، فأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فخرجُوا زرافات ووحدَاناً، فكان أول من هاجَر رضوان الله عليهم – أبو سَلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم تتابع بعده الصحَابة – أجمعين وبهَذا ابتَدأت مرحَلةٌ أخرَى ورحْلةٌ مبَاركة . . إنهـَا . .  )، وسير أعلام155 / 4)، وينظر: الاستيعاب26 - 25 / 1 أخرجه البخاري في التاريخ الصغير )1( .)279 /1النبلاء

عدد الصفحات ٣٨

39 من مقامات النبوة L رِحْلَةُ النُّور J لما كثر عَدَد المسْلمين وازدادت أعدَاد المؤمنين، وقويَت شوكة الإسلام أقلق ذلك قريشاً وأقض مضجعَها، خصُوصاً بعد مبايعة الأنصَار وإسلامهم، كما هو ديدَن أعداء الله في كل زمن، فاجتمَع الكفر وتآمر الشرك لوأد الإسلام، والقضَاء على الرسول الخاتم، فاجتمعوا في دار الندوة من أجل النظَر في كيفية القضاء على رسول الهدى وأتباعه. أرى أن نأخذ من كل قبيلة من وبعد مباحثة رأي السوء بينهم قال أبو جهل: قريش غُلاماً نهِداً جلداً، ثم نعطيه سيفاً صَارماً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبَائل فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ماذا تصنع، فيرضَون بالدية، فاتفقوا على ذلك. ثم جمعوا أولئك الفتية، وجاء يقودهم أبو جَهل حتى وقفوا على باب رسُول ، وجعلوا يرقبونه وينظرون إليه من ثُقب الباب، وجاء الخطَر على ا أشد صوره وأشكاله، وتألب أولئك النفر على أكبر جريمة في التاريخ لو تمت، لكن: من كان الله معه لم يضره من كان ضده، ومن حفظه الله فلن تجد عليه سبيلا. وظهر نصر وثبات أعصَابه،  وهنا تتجَلى شجاعة رسول ا الباب، وخرج يشق صفوفهم لم الله لأوليائه، حين فتح رسول ا ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴿يشعروا به، وهو يتلوا قول ربه: . )9(سورة يس، الآية) 1(﴾ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ). 442 /4)، والبداية والنهاية2/90 ينظر: سيرة ابن هشام )1(

عدد الصفحات ٣٩

40 من مقامات النبوة ، أدرَكت قريش الحقيقة بعدما مضَى وهاجر مع صاحبه الصِّدِّيق وعم الضجيج مكة وضواحيها، وخرج الكفار فرسَاناً ومشَاةً يركضون خيولهم ويعدون في كل ناحية يبحثون عنه، ووضعت قريش الجوائز لمن يأتي به وبصاحبه حيين أو ميتين، حتى رصدوا أضخم جائزة لمن أتى بهم وهي مائة من الإبل مقدمة ، فتحركت القبائل، وسار الرجال، «من وبحث الصغار قبل الكبَار ليحوزوا قصب السبق في هذه الجائزة. وأبو بكر « .. موكبٌ صغير! لكنه أجَل من أعظم موكب أحست بوطأته إلى الدنيا الواسعَة هذه الكرة التي نمشي على ظهرها، ولم تعرف موكباً أنبَل منه قصداً، وأبعدَ غايةً، وأخلص نية، وأعمَق في الأرض أثراً، موكبٌ صغير يمشى في الصحراء الساكنة، لا رَايات ولا أعلام، ولا أبواق ولا طبُول، ولا تصْفيق ولا تصفير، ولا جنود عن يمين وشمَال. فأقبلت جموعٌ كالجمُوع التي خلفوها أشرف الموكب الشريف على المدينة، في مكة، ولكن تلك للشر، وهذه للخَير، وكانت هذه نقطَة التحول في التاريخ .)1(»الإسلامي، كل ما قبلها ظاهره الهزائم، وما بعدها إنما هو نصر إثر نصْر وقد خَرج الأنصار يستقبلون محمداً وها نحن أولاء الآن على أبواب المدينة، ولو استَطاعوا من الحب لفرشوا له الطريق بقطَع أكبادهم حتى  يمشي عليها ).62 سيد رجال التاريخ (ص )1(

عدد الصفحات ٤٠

41 من مقامات النبوة أقْــبِــل فَــتــلــك ديَــــارُ طَــيــبَــةَ تُقبِل تُهدِيك مــن أشْــوَاقــهَــا مَــا تَحملُ الــقَــومُ مُــذ فَــارقــتَ مَــكــةَ أعْــيــنٌ تــأبَــى الــكَــرَى وجَــوانــحٌ تتَمَلمَلُ ولما دخلا المدينة طفق الناس يسألون: أيهم رسُول الله؟ لا يعرفونه، لأنه لم يكن يتميز عن غيره بلباس أو هيئة، بل كان يلبس ما يلبَس الناس، ويأكل ما يأكلون. ولقد كان في أصحابه الأغنيَاء الموسِرون، ولكنه أحب أن يعيش بسيطاً، وأن يموت عزيزاً لـــبـــسَ الـــمـــرَقَّـــع وهُـــــو قــــائِــــدُ أمَّــــةٍ جَــبَــت الــكُــنُــوزَ وحَــصَّــلــتْ أغْــلالــهَــا من الغار إلى مَكة، ثم مشَى من مكة إلى « المدينة، ثم مشَى أصحابه وأتباعه يحمِلون العدل والعلم والإنسَانية إلى الشَّام، ومشوا إلى العراق، ومشَوا إلى مصر، وبلغوا أقصَى المشْرق وأقصَى المغرب، ونصبوا راية الإسلام على روابي الصين، وعلى بطَاح فرنسَا، ومشوا شمالاً وجنوباً حتى ملؤوا الأرض رجالاً وعدلاً ونوراً وفضائل وأمجَاداً، وكانوا خلاصَة البشر، فأحنوا الرؤوس لذلك الرجُل الذي دخل المدينة لا يحُف به موكب، ولا يحرُسه جند، ولا تلوح فوق رأسه راية، ولا يلمع على هامته تاج، ولا يقرع عند رأسه طبل، ولكن تحف به الملائكة، وترفرف فوقه رايات الإيمان والقرآن، ويلمَع .)1(»على جبينه نور النبوة، ويحرسُه ا الله المدينة فصار النسَاء والصبيان يركضون ويهتفون: دخل أكبر الله أكبر، جاء محمد جاء رسول الله، وثار بنو النجار إليه وأتوه وهم متقلدوا ).82 سيد رجال التاريخ (ص )1(

عدد الصفحات ٤١

42 من مقامات النبوة أسلحتهم، فجعل لا يمر بحي من أحياء الأنصَار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العَدد و العدة، والعزة والمنعَة، فيقول: دعوها - يقصد ناقته - فإنها مأمُورة، فلما مر ببني النجار خرج فتيات صغيرات ينشدن واصفَات حبهن ومحبة جوار النبي لهم فيقلن:  نَــــحْــــن جَــــــــوارٍ مــــن بَـــنـــي الـــنَـــجَّـــار يَـــــا حَـــــبَّـــــذَا مُــــحــــمَّــــدٌ مــــن جَـــــارِ وقال في تواضُع وحنو: الله يعلَم إني فوقف عندهن رسول ا ثم مشت به ناقته حتى بركت به في مكان مسجده، فأتى أبو أيوب )1(لأُحبكن وحمله إلى بيته، فكان  فأخذ متَاع رسول ا الأنصاري أول عملٍ عمله هو بناء مسْجده وغرف أزواجه، راسماً في أذهان أصحابه عِظَم العبادة في الإسْلام، مؤكداً على أن مشاعل الهداية تنطلق من بيوت الله، إن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين، ففيه تُوحد الصفوف، وتُهذب النفوس، وتُوقظ القلوب والعقول، وتُحل المشاكل، وتظهر فيه قوة المسلمين وتماسكهم، ولقد أثبت تاريخ المساجد في الإسلام أنّه انطلقت منه جحافل الجيوش الإسلامية لعمارة الأرض بهداية الله، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت، وهل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وسعد وأبو عبيدة، وأمثالهم من عظماء التاريخ الإسلامي إلا تلامذة المدرسَة المحمدية التي كان مقَرها المسجِد النبوي؟ أخرجه ابن ماجه، واختلف في صحته، وصححه من المتأخرين الألباني. )1(

عدد الصفحات ٤٢

43 من مقامات النبوة أنه تنبعث منه في كل أسْبوع كلمة الحق وميزة أخرى للمسْجد في الإسلام مدوية مجلجِلة على لسَان خطيبه، في إنكار منكر، أو أمر بمعروف، أو دعوة إلى خير، أو إيقاظ من غفلة، ويوم يعتلي منَابرها ويؤم محاريبها دعَاة أشداء في الحق، علمَاء بالشريعة، مخلصُون لله ورسوله، ناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم، يعود للمسجد في مجتمعنا الإسلامي مكان الصدارة، ويعود ليعمل عمله في تربية الرجال، وإخراج الأبطال، وإصلاح الفساد، ومحاربة المنكر، وبناء المجتمع على أساس من تقوى الله ورضوانه، وذاك عندما تحتل هذه الطليعَة الطاهرة من منابره شبابنا المؤمن العالمة بدين الله، المتَخَلقة بأخلاق رسول ا . )1(»وأرجَاءه بدأ العَمل بعمَارة المسجد والحُجُرات وكان الصحَابة كاليَد الواحدة، وكالساعد للمرفق يشده ويؤازره، وكان في مقَدمة العاملين في هذا البناء هو محمد وهو يرتجز:– صَلوات الله وسَلامه عَليه – الــلــهُــم لا خَــيــر إلا خَــيــر الآخِـــرة فَــاغــفِــر لــأنــصَــار والــمــهَــاجِــرَة والصحابة يعملون ويرتجزون فيقولون: لــئــن قَـــعَـــدْنـــا والـــنَّـــبـــي يــعــمَــل )2(لَــــذَاك مــنَّــا الــعَــمَــل الــمــضَــلــلُ  .)85 السيرة النبوية لمصطفى السباعي (ص )1( )، والبيت الثاني عند ابن هشام 1804)، ومسلم 6051 أخرج الخبر والبيت الأول: البخاري )2( السيرة

عدد الصفحات ٤٣

44 من مقامات النبوة L العِنَايَةُ الإلَِيَّة J في لحظات عصيبة، وسَاعَات حَزينة، وزَفَرات من الآهات والتوجعَات التي سحق فيها معسكر الإيمان وكتَائب تركتها وخلفتها معرَكة بدْر الكُبرى، الرحمَن غطرَسة وكبرياء قريش، فلا تسَل ولا تحدث عن مدى أثر تلك الصدمة والفجيعة في قلوبهم، وفي لحظَات الأنين وحر نار المصيبة، اجتمع اثنان من سَادات قريش تحت ميزاب الكعبة، في هدوء وسكون الليل الذي تطيب فيه نفثَات التشَكي، ويُلقى فيه فيض الهم والألم، كانا يتذاكران ويتحَدثان فيما أصيبوا به من فقد أشرَافهم، ومقتل ساداتهم، وكَسر شَوكتهم، فقال عُمير بن وَهب وكان من شجعان قريش: والله لولا ديْنٌ علي ليس له عندي قضاء، وعيَال أخشى عليهم الضيعة، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فقال صَفوان بن أميَّة -وكان قد قُتِلَ أبوه وأخوه في معركة بدر-: عليّ ديْنك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء وأعجَز عنهم، ففرح عمير واستبشَر وقال لصَفوان: فاكتُم عني شأني وشأنك. ثم انطلق عُمير لبيته وأخذ سيفه وشحذه سماً حتى يبلغ أثره، ويتمكن بثقة وركب ناقتَه مُسرعاً متعَجلاً إلى المدينة يريد أمراً ويريد الله غيره، من القتل، فأناخ ناقته عند بابه، وكان فلما دخَل المدينة أتى مسجد رسول ا لعمير ابنٌ قد أُسِر في بدر، فكان يتَذرع أنه جاء لفك أسره، فلما أناخ رآه عمَر بن الخطاب فاروق الأمة، وكان في جمَاعة من الصحَابة يتحدثون عن كرَامة الله لهم في بدر، فقَام مسرعاً إليه - ووهَج الفراسة يشتَعل في عينيه-، فدخل إلى رسول فقَال: يا رسول الله هذا عدو الله عمير قد جَاء متوشحَاً سيفه، ا

عدد الصفحات ٤٤

45 من مقامات النبوة : أدخله عليّفقال فلبّبه بحُمالة سيفه فأدخله، وقال لفتية من الأنصَار: ادخلوا فأقبل إلى عمير عند رسول الله واحذروا عليه من هذا الخبيث. أبشِروا بوقعة تأتيكم وفي هذه الأثناء كان صَفوان بن أمية يقول لأهل مكة: الآن في أيام تنسيْكم وقعة بدر، وكان يخرج كل يوم يتلقى الركبَان ويسألهم عما قال: أنعموا استجَد من الأخبار، فلما دخل عمير على رسول ا «صَلوات الله وسَلامه عَليه – صَباحاً. فقال النبي فقال: تحيتك يا عُمير، بالسَّلام تحية أهْل الجنة «جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال «فقال عمير: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شَيئاً يوم بدر؟ فقال قال: ما جئت إلا لذلك.ما الذي جئت له؟ : بل قعدت أنت وصَفوان بن أمية في الحِجر، فذكرتما  فقال أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا ديْنٌ عليّ وعيَال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحَمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حَائل بينك وبين ذلك. أشهَد أنك رسُول الله، قد كنا نكذبك يا رسول الله بما كنت تأتينا فقال عمير: من خَبر السمَاء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصَفوان! فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحَمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا « :السيَاق ثم تشهد شهادة الحق. فقال النبي الكريم

عدد الصفحات ٤٥

46 من مقامات النبوة .)1(دينه، وأقرئوه القُرآن، وأطلقوا له أسِيره ورجع ذلك فعَاد هذا الغيظ وذلك الحنق والغضَب، رحمةً وأمناً وسلاماً، محملاً بالبشر والنور والقرآن، فلما علم صفوان أقسَم العدو داعياً إلى ا بالله لا يكلمه ولا ينفعه بنفع أبداً. أقام بها يدعو إلى الإسلام ، فأسلَم على يده بشَر كثير. فلما وصَل عمير مكة وإذا الــعِــنَــايــة لاحَــظَــتــك عُيونها نَـــم فَـــالـــحـــوَادث كُــلــهُــن أمَــــانُ  أتى عبد الله بن شهَاب الزهري وكان من فرسَان قريش وفي مَعركَة أحُد، فجعل يصُول ويجُول وهو يقول: دلوني على مُحمَّد، فلا نجوت إن نجا، ورسول إلى جَانبه، ما معه أحَد، ثم جاوزه ولم يعلم به ولم يره، فعاتبه في ا ذلك صفوان وهو يرى أنها فرصَة نادرة، فسيفٌ صارمٌ، وفارسٌ شجاعٌ، ومحمد خالٍ ليس معه أحد، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة .)2(فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك ومـــن يــكُــن الإلَـــــه لَـــه حَــفــيْــظَــاً فَـــحَـــاشَـــا أن يُـــضَـــيِّـــعـــهُ الإلَــــه ونعيش في هذا الحدث مع ألمع أناس سطروا أقبح الأمثلة وأبرز الوسَائل في الخيانة والغَدر، فتاريخهم حَافل بخياناتهم وغَدرهم، وكذبهم وبهتانهم، فهم أعلام هذا الميدان، فلا مسَابق ولا مجاري لهم في ذلك، ولعلهم سبقوا إلى ) مرسلاً، وقال الهيثمي: إسناده جيد، وينظر: السيرة 58 /17 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير )1( )82 /2). سيرة ابن هشام ت السقا488 /2النبوية لابن كثير ).413 /1)، وينظر: سير أعلام النبلاء82 /2 أخرجه ابن هشام في السيرة )2(

عدد الصفحات ٤٦

47 من مقامات النبوة الذهن فلا أسبق منهم في هذا المجال خرج وبدايَة القصة أن عَمرو بن أمية الضَّمْري وكان صَحَابياً عدّاءً لا يُسبق، من المدينة فلقي رجلين نائمين فقَتلهما، وظنهما مشركين ولم يعلم بإسلامهم، يجمع المال لديتهمَا، فأتى إلى يهود بني النَّضير فجعل رسول ا ليعينوه في الدية وكان ذلك من بنود المعَاهدة التي عاهدهم عليها، فلما دخَل عليهم وجلس معهم فأخبرهم لما أتى إليه فأبدوا اسْتعدادهم وتهيؤهم وقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك. فجلس إلى جنب دار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعَدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من . أصحابه وسَول لهم الشيطَان الشقَاء الذي كتب لهم، وخَلا اليهود بعضُهم إلى بعض، ، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحَى، فيصعد فيلقيها فتآمَروا على قتله على رأسه فيشدَخه بها؟ فقال أشقاهم وهو عَمْرو بن جِحَاش: أنا. فقال أحد عقلائهم وهو سلاَّم بن مِشْكم: لا تفعلوا فوالله ليُخبَرنَّ بما هممتم به، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، ولكن إبليس جثَم على قلوبهم فأبوا إلا إمضَاء خطتهم، وقربت سَاعة التنفيذ، وأخذ عمرو الرحى، وتأهب ليقوم بأداء دوره ومهمته، ووجَم اليهود انتظاراً لما سيحدث، وترقباً لما ستنتهي عليه هذه الخطة الماكرَة  إلى الحبيب.. وفي هذه اللحظة الفاصِلة نزل رُوح القدس يخبره بما همّ به القوم من الغدر، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحَابه وقد فجَأهم قيامه وذهابه، فقالوا: نهضتَ ولم نشعر! فأخبرهم بما همت به اليهود.

عدد الصفحات ٤٧

48 من مقامات النبوة ويحيط به الأبرَار، ويؤيده ثم قدم عليهم بجُند الله في جيش تحفُّه الملائكة، الله، فزلزلت حصونهم هيبةً ورعباً حتى نزلوا على أمر رسول ا .)1(فأجلاهم من المدينة كَـــأنـــه وهــــو فَـــــرد في جَـــلالَـــتِـــه في مَــوكِــب حين تلقَاه وفي حَشَمِ عِــنَــايــة الله أغــنَــت عــن مُضَاعَفَة من الــدرُوْع وعَــن عَــال من الأُطُــم وهذا شَيْبة بن عُثْمان بن أبي طَلحة يقول: ما كان أحد أبغض إليّ من رسول وكيف لا يكون كذلك وقد قتل منا ثمانية كل منهم يحمل ا اللِّواء، فلما فتح الله مكة أيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخَلت العَرَب في دينه فمتى أدرك ثأْري منه؟! أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب ثم قلت: من محمد غرة فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها. وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته، فكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس اقتحم رسول ا عن بغلته، وأصلت السيف فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كدت أسوده، فرفع لي شواظ من نار كالبرق كاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري . « فنادى خوفا عليه، والتفت إلي رسول ا . قال: فوالله لهو كان «فدنوت فمسح صدري ثم قال ساعتئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان بي. فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، الله يعلم أني أحب أن « ثم قال )44 /2 أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى )1(

عدد الصفحات ٤٨

49 من مقامات النبوة أقيه بنفسي كل شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حياً لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد، وقربت فاستوى عليها، فخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل بغلة رسول ا وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه، فدخلت عليه، ما دخل عليه غيري، «حباً لرؤية وجهه وسروراً به، فقال .بنفسك قال: ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لأحد قط. ، ثم قلت: فقلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، .)1(«استغفر لي يا رسول الله، فقال وفي غَزْوة تَبُوك كان الجيش الإسْلامي يسير في شدَّة حرارة الجَو، وفي جَهْد حتى كانوا يستظلون بأيديهم من حَرارة الشَّمس، وكانوا إذا نزلوا ومشَقَّة وجُوع، ليسْتَظل بها، ولو استطاعوا وادياً تركوا الشجرة العظْمى لرسول ا أن يحجُبوا أشعَّة الشَّمس عنه بأيديهم لحجبوها، فأتى رسول ا تحت ظل شجرة لتقيه حر الظَّهيرة والقَائلة، فنزع ثوبَه وبقي في إزار وردَاء، وعلَّق السَّيف عنْد رأسه ونام، فجاء رجل مشرك فظٌّ غليظ يتربَّص الدَّوائر برسول الله فاغتنم هذا الموقِف، فرسول الله نائم، وليس عنده أحَد من أصحَابه،  ،وسيفُه معلَّق، فاخْتَرط تلك اللحظة وبخفَّة سيفه وأيقظ الرسول فلما فتح عينيه وإذا بلمعان السَّيف يكاد يخطِف بصَره، فقال: من يمنعك مني فاهتَز الأعرابي وانتفَض وسقط السَّيف «يا محمَّد؟ فقال وهو سيد المتَوكلين )، وبنحوه البيهقي في الدلائل وذكر أن له شاهدا.257 أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى )1(

عدد الصفحات ٤٩

50 من مقامات النبوة فقال: كن خير«منه، ثم أخذه عليه صلوات الله وسلامه فقال )1(.آخذ يا محمَّد، فعفا عنه يا مادحاً تبَّعاً أو سيف ذي يزن دعــهــم وخـــل بــنــي شَــــدَّاد في إرم دعْ عنك كسْرى ومن حازوا جوائزَه وكــل أصْــيــد أو مــا قيل في هَــرم واكتُب على مفرِق التَّاريخ رائعة من القَريضِ فدتك النَّفس من قدم وامـــدَح بها أحــمَــد في كــل قافيَة وامأ بها في قَوافي الشِّعْر من حِكم  .)200 /2)، وأسد الغابة217 /1 ينظر: الثقات لابن حبان )1(

عدد الصفحات ٥٠

51 من مقامات النبوة L مَقَامُ الترَّبيَة J قبل أن تتصفح هذا المقَام، وقبل أن تبحر في كلمَاته ومقاصِده، أجِل فكرك ثم استخرج من ذلك واسبَح بخاطِرك، واسترجع ذكرياتِك وذاكرتك وحياتك، الكم الهائل، والعَدد الضَّخم من البشر الذين جمعتك بهم موافقات الحياة وأيام الدُّنيا، ثم عليك بعد هذا أن تصَفي تلك الوجوه وتنتقي منها أبرز شَخص ورجُل جمعك به لقَاء في هذه الحياة، وعش لحظَات في سر إعجابك به في أخلاقه وسُمُو روحه، وفي عذوبة منطقه، فلن تجد من خلال تلك الأعداد التي استخلصْت منها ذلك الرجل مع كثرتها ووفرتها رجلاً جمع خصَال الحمْد، ومزايا الخُلُق، وعذوبة المنطق، وفصَاحة اللسَان، ولين الجانب، وبسَاطة التواضُع، وسمُو الرُّوح، ونبل .الغَاية، وإخلاص العمَل، كما اجتمعت لنبينا هو أمَّــة الأخْـــلاق شيدت فيه من كَــــــرَم ولُــــطْــــفٍ لـــإلَـــه حــبَــاه ولن تَجد في تلك المحَاضِن والمدارس منهَج تعَلم، وخطَّة عمَل، وجَلالَة كما كان في المدرسَة المحمَّدية التي خرَّجت الأبْطال هدَف، وصدْق انتمَاء، الفاتحين، والقَادة الميَامين، والدعاة المخْلصِين، والأسخيَاء الباذلين، والأعْلام الصَّادقين، فقد كانت بحقٍّ تصفية روح، وتهذيب خُلق، وتريبة نفْس، وتنمية مهَارة في كل ما يخدم هذا الدين ويرضي رب العالمين. ، والمسَاعد هو أبو بكر وعمر وإذا علمت بأن المعلِّم هو محمَّد ، والدَّاعم ، وكامن السر حُذيفة ، وصاحب الخزينة بلاَل ، والتلاميذ سعْد وطلْحة ومصْعب والزُّبير ، والفِدائي عليعثمان . ، والمكان والمدرسة في مسجِد رسول ا وأُسَيد وأنس

عدد الصفحات ٥١

52 من مقامات النبوة فلو اجتمعت جامعَات الدنيا وأسَاتذة لقد بنيت على تقوى من الله ورضْوان، العصر وعباقرة العالم، على أن يخرّجُوا مثل تلك القيَم، وتلكم المبادئ، وذلك السُّمو، لما استطاعوا أن يقاربوه أو يُدانوه لا أن يصلوا إليه، وتأمل كيف أخرج من رعاة الغَنم قادةً للأمم، ومن عبدة الأوثان وسدَنة رسول ا الأصنام دُعاةً للإسلام، ومشاعل للإيمان، حتى تربعوا على قصور كسْرى وقيصَر، وهيمنوا على ملكهم. مُدَّ بصرك في ولتعرف شيئاً من نسِيم تلك التربية، وتشم شيئاً من عبيرها بعض رياض تلك المثل، وانظر إلى الميْزان والمعيار الذي كان يربيهم عليه في معرفة الرجال وقدرهم.رسول ا جالسَاً وعنده رجل من أصحابه ففي أحَد الأيام كان رسول ا فمر بهم رجُل يلوح عليه شارة الغنى، وعلامة الثراء، قد لبس من أجمل الثياب، - يقصد «فسأل رسولُ الله الرجلَ الذي بجانبه فقال الرجل الثري - فقال: يا رسول الله هذا رجل من أشراف الناس حري إن خطب وجلس أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفّع، وإن قال أن يُسمع، فسكت قليلاً فمر رجل آخر، رثُّ الحال، متواضع الهيئة، قد ظهرت عليه آثار الفقْر وقلة « للرجل الذي سأله قبل قليل ذات اليد، فقال فقال: يا رسول الله هذا رجل من أوسَاط الناس، حَري إن خطب ألا الرَّجل؟ يُنكح، وإن قال ألا يُسمع لقوله، وإن شفع ألا يُشفّع، فقال النبي لمعرفته بإيمان هذا الرجل: – - وهو يرسم ميزان الرجَال ومقياسهم في الإسلام هكذا هو معيار الإسلام فلا مظَاهر، )1(« .)4803 أخرجه البخاري )1(

عدد الصفحات ٥٢