المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

من مقامات النبوة

نايف بن محمد اليحيى

صفحة ٢ من ٨

21 من مقامات النبوة L مَقَامُ الرِّسَالَة J في إِحدَى ليالي الصَيف القائضَة شديدة الحَر، حيثُ كانت تُسيطر على فجاج وكان أهل مكة في هذه اللحظَات مَكة وسُهولهَا رَمضاء شديدة التوهج والحَرارة، كلٌّ مُنهمِك في عَمله، كان يوماً كسابقه من الأيَام بالنسبة لأهل مكة ورجالها، فلا جَديد ولا غَريب في هذه الأَثناء، ولكن البَشرية كُلها، والكَون بأَسرِه يتطلع إلى ذلك الجَبل الشَاهق الطَويل، الذي سَينعقد فيه أعَظم لِقاء، وأجَل حَدث، أتدريْ من الآمر بهذا اللِقاء؟ وهل تَعرف تلك الشخصيات التي ستَلتقي فيه؟ وهل تَعلم شئياً عن المادة والسبَب الذي عُقِد من أجْله؟ إنها أسئلةٌ كَثيرة تتهَافت إلى الذِهن، وتتَسابق إلى الفؤاد لتبَحث لها عن إجابة في واقع الحِس المُشاهد. لقد كان الآمر بهذا اللِقاء في ذلك الزمان وفي تلك البُقعة من المكان هو وأما شَخصيات اللِقاء فهي بين أَزكى وأشرف رَجل من البشر، وأكرم وأجل مخلوق من الملائكة. إنه بين روح القُدس جِبريل الوسِيط بين الله ورسله، وأَعظم الملائكة خَلقَاً وأقربهم من الله، وبين محمد بن عبدالله سيد الثقلين وخَير المرسلين وخاتمهم. مُتحنثاً في غَار حِراء في جَبل النور المجاور لمكة كان النبي فقال له: اقرأ . فقال: ما أنا بقارئ! فأخَذه فَغطه وضَمه ضَمة فأتاه جبريل ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴿شديدة ثم قال: اقرأ ثلاثاً .. ثم قال: )1(﴾ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ).160) مسلم6581 أخرجه البخاري )1(

عدد الصفحات ٢١

22 من مقامات النبوة مُسرعاً إلى بيته ، فعندَ ذلك خَرج رسول ا )5-1(سورة العلق، الآيات يَرجف فؤاده، فلقي زوجهُ خديجة فحاورته، ثم انطلَقت به لورقة بن نوفل ابن وكان شَيخاً كبيراً قد كتب عَمها فكلمته في ما حَدث لرسول ا الإنجيل وعرفه، فأخبرها أن هذا هو النَاموس الذي أُنزل على موسى، وأعلمه أن ذلك علماً على نُبوته، وجلّى له ما يحصل لأهل هذه المقامات من البلاء، وأنهم يعادون ويخرجون من دِيارهم، وتحارب هذه الدَعوة وهذه القيم التي يحملون، ثم تمثل وَرقة بعد ذلك بأبيات يخاطب بها خديجة فيقول: إن يــكُ حَقاً يا خَديجة فاعلَمي حَــديــثَــك إيــانَــا فــأحــمَــد مُــرسَــلُ وجبريل يأتيه ومِــيــكَــال معهُمَا من الله وحْي يَشرحُ الصَّدر مُنزلُ يَــفــوز بــهــا مــن فَـــاز فــيــهَــا بتوبةٍ ويَشقَى به العَاني الغَوي المضَللُ فسُبحان من تهوي الــرِّيــاح بأمرِه ومــن هو في الأيَّـــام ما شَــاء يفعَلُ ومن عَرشُه فوق السَّماوات كلهَا وأقـــضَـــاؤه في خَــلــقِــه لا تُــبــدَّلُ ذات يوم في فبينما رسول اوذَهبت الأيام بعد ذلك اللقاء، غَار حراء قد تحَنث فيه شهراً، فلما قَضى تعبُّده ونَزل من الغار واستَبطن الوادي ونَزل فيه سمِع صوتاً يُناديه، فالتفت يمنةً ويسرةً فلم يَر شيئاً! ثم نَظر أمَامه وخلفه فلم يرَ شيئاً! ثم رفعَ رأَسه إلى السماء فإذا جبريل على عَرش في الهواء، بين الأرض والسماء، فَخاف ورُعب من ذلك الموقف وهَلع من ذلك الجسم العظيم فأتى تَرجِفُ بوادِرهُ إلى بيته فدَخل على زوجه وهو يقول: دَثِّروني دَثِّروني )1(فغَطوه بِلحَاف وصَبوا عليه ماءً ).2570) مسلم464 أخرجه البخاري )1(

عدد الصفحات ٢٢

23 من مقامات النبوة وفي تلك اللحظة في ذلك الخوف نزل الوَحي السَماوي، والأمر الرباني من ﮱ ﮯ ﮰ ﮮ ﮬ ﮭ ﴿ بتبَليغ الرِسالة وتحَمُّل أعبَاء الدعوة: ا إنه النِداء العلوي الجَليل، “ )4-1(سورة المدثر، الآيات ﴾ ﯘ ﯖ ﯗ ﯕ ﯓ ﯔ للأمر العظيم الثَقيل، نذارة هذه البَشرية وإيقَاظها، وتخَليِصها من الشَر في الدُنيا، ومن النَار في الآخرة، وتوجيههَا إلى الخَلاص قبل فوات الأوان. إنه واجبٌ ثقيلٌ شاقٌ، حين يُناط بفردٍ من البشر، مهما يكن نبياً ورسولاً، فالبشرية من التَمرد والعصيان والضَلال والعتو والعِناد من هذا الأمر ما يجَعل من الدَعوة أصعب وأثقل ما يُكلّفَهُ إنسانٌ من المهامِ في هذا الوجود، لاسيمَا وأنها مهمَّةٌ تمتَد إلى قيَام السَّاعة، وتتكَفل بعلاج مشَاكل البشَرية كُلهَا في كل زمَان ومكَان إلى حين زوال الدُّنيا وفنَاء البشَرية. ربـَّاه أي مقَامٍ هذا؟! من يُطيـقه؟!ومن يَقدر عَليـه؟! ).124(سورة الأنعام، الآية ﴾ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴿ ولكن: إن كل شيءٍ، وكل قيمةٍ، وكل حقيقةٍ صغيرٌ، والله وحده هو الكبير. وتتوارَى الأجرام والأحجَام، والقُوى والقيم، والأحدَاث والأحوال، والمعَاني والأشكَال، وتنَمحي وتَزول في ظِلالِ الجلالِ والكمالِ لله الواحد الكبير المتعال. ومتاعبها ليوَاجه نذارة البَشرية، إنّ هذه الآيات توجيهٌ للرسول وأهوالها وأثقَالها، بهذا التَصور، وبهذا الشعور فيستَصغر كلَّ كَيد، وكل قوة، وكُل . "عَقبة، وهو يستَشعر أن ربه هو الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة فبدأ بِزوجه فكانت أول من آمن به بهذا الأمر خيرَ قيام، لقد قام

عدد الصفحات ٢٣

24 من مقامات النبوة وصدَّق، وفي هذا بيان تأثير المرأة في الإسلام، وذلك أن أول من صدق بالرسالة، . خديجةوتابع وواسى الرسول بل سُرعان ما آمن وصدّق ثم عَرض ذلك على أبي بكر فما تَردد ولا تَلكأ، ، وقام معه يَدعو إلى الله، فما ذَهب على إسلامه بِضعة أيام وآزر النبي حتى أسَلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة، ثم أسلَم علي وزيد وبلال، فقَام ) 124(سورة الشعراء، الآية ﴾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴿ثم أتى الأمر الإلهي على الصَفا وهتَف بأعلى صوته ليوصِل دعوة الله – صَلوات الله وسَلامه عَليه – )1(ورسَالته إلى كُل إنسان، يا صَباحاه! يا صَباحاه فتَجمعت حوله قَبائل قريش ورِجالها ونِساؤها، فجعل يناديهم قبيلةً قبيلة، حتى وَصل إلى قبيلته فجعل يُنادي بأسماء أعمَامه ليرى الناس أنه لا محاباة في دين الله وليبين أنه لا يدعى ولا يستغاث ولا يلجأ إلا إلى الله وحده لا شريك له، وأنه لا نبي ولا ولي ولا وثن يصرف له شيء من الدعاء أو العبادة، وإنما هي حق الخالق على خلقه فيقول: يا عباس عم رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، بل هتف باسم ابنته ومهجة فؤاده فقال: يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار )2(لا أُغني عنك من الله شيئ ، وفي أول خِطاب يُعلنه وفي هذه الأثنَاء وفي أول مَقام يَقومه النبي قال ابن الأثير: هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند )1( الصباح، ويسمون يوم الغارة: يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه، يقول: قد غشينا العدو، وقيل إن المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال، فإذا عاد النهار عاودوه، فكأنه يريد بقوله )7-6/3صباحاه ).348) مسلم3335 أخرجه البخاري )2(

عدد الصفحات ٢٤

25 من مقامات النبوة على الملأ، وهو يَقوم أمام البَشرية كُلها وهي تتخبط في ظُلمات الشِرك والأصنَام والعِصيان، ليدعُوها إلى تَوحيد العبادة لله، وأنه لا معبود ولا مألوه ولا مُطاع بحقٍّ إلا الله، في هذه اللَحظات الحَرجة التي ينَتظر فيها رسَول الله ردّ الجماهير التي تقف أمامه وتسمع كَلامه، يقوم عَمه وأَقرب النَاس إليه، الذي كَان من فرَحه بولادته أن أعتق أمته عندما بَشرته بمولده، فماذا تَظن موقفه في هذه اللحظات وأمام هذه الكَلمات؟! قام وهو ينفض الترَاب من يديه ويقول: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فكَان لمقَام عَمه صَدمة مُفاجئة، ولكنّ عُمق الإيمان، ورسُوخ المبدأ، وصِدق الهَم الذي كان يحمله جعَلته لا يَعبأ بمثل هذه المواقف التي تعترضه وتقف له في طريق تعبيد الناس لرب العالمين. وما حَدث له، ولك أن تتَأمل وتتَفكر في حَاله بهذا المَقام الذي قَامه على الصَفا، وكيف أنه قَام وحيداً بلا أتباعٍ ولا أنصارٍ ولا أعوانٍ، وبحالِه بعد ثلاثٍ وعشرين سنة حِينما قَام في نفس ذلك الموطن وفي ذات البُقعة ولكنه هذه المرة أمام ناظِرَيْه وبين يَديه مائة ألف رَجل كُلهم يلهجون بالتَلبية والوحدَانية لله، وكل فَرد منهم يستنُّ بفعله ويأتم بتصرفاته، فكيف تحَقق ذلك؟ وكيف وَصل إلى هذه الحال؟ وماذا كان بين هذا المقام وذاك المقام من الأحدَاث الجِسام والمَقامات العِظام؟ هذا ما سَنُترجم بعضه في هذه الصَفحات التي صورت شيئاً من مقاماته، وبَذله، وتَضحِيته، وتَعبُّده، ودَعوته، وشفَاعته، ورَحمَته، وتَربيَته، وشَجاعَته، وعنَاية الله به. 

عدد الصفحات ٢٥

26 من مقامات النبوة L مَضَى عَهْدُ النَّوم J ، قام)2(سورة المدثر، الآية﴾ ﮱ ﮯ ﮰ ﴿مع أول ندَاءٍ علويٍ رَبَّاني فلم يعرفِ الرَّاحة ولم تعرفه، وحمل هم إبلاغ الأمانة التي تعجز عن حملها الجبال الرواسي، فبدأ بأقاربه ومن حوله، ووطن نفسه على تحمل الأذى، واحتمَال يريد أن يُنشئ من الأمة المُشركة المُتفرقة الجاهلة أمةً المكاره، واحدةً مؤمنةً عالمةً، فليَصنع كما يصنع البناء: يَضع الحَجر على الحَجر فيكون ، بنى أُمّةً صغيرة من ثلاثة، من رَجل جِداراً، وكذلك فعل محمد وامرأة وصبي، من أبي بكر وخديجة وعلي، فكانت نَواة هذه الأمة الضخمة التي ملأت بعدُ الأرضَ، وكان أسلوباً يخلق احتذاؤه بكل مصلح. فَخرجوا يُعلِنون الإسلام بمُظاهرة ثم صَار المُسلمون عشرة، ثم تموا أربعين، لم تكن عَظيمة بِعددها، ولا بأعلامِها وهِتافها، ولكنها عظيمة بِغايتها ومعنَاها، عَظيمة بأثرِها، عَظيمة بمن مَشى فيها، محمد وأبو بكر وعمر وعلي وحمزة، أربعون لعَاشوا ولماتوا منكرين مجهُولين، فلما لولا كرم الله بإرسال محمد لامسوه وأخذوا من نُورِه، وسَرت فيهم روح من عَظمتِه صاروا من أعلام البَشر، وأصبحت أسماؤهم مَناراً للسَالكين. فلما كانوا ثلاثمائة خاضوا المعركة الأولى في الدِفاع عن الحَق، مَعركة بَدر. فلما بَلغوا عَشرة آلاف فَتحوا مَكة وطهّروا الجزيرة العربية. فلما بَلغوا مائة ألف فَتحوا الأرض!

عدد الصفحات ٢٦

27 من مقامات النبوة فما عَرفت هذه نعم فَتحوها، وفَتحوا معها القُلوب بالعَدل، والعُقول بالعِلم، .)1("الدُنيا أنبَل ولا أكرَم، ولا أرأف ولا أرحَم، ولا أرقَى ولا أعلَم منهم ووقفوا حَجر لقد قامت جاهلية قُريش أمامه وواجَهوه بالسُخرية والأذى، عَثرة في طريق دعوتِه، وحَذروا الناس مِنه، ووصفوه بأبشَع الأوصاف والألقَاب، حتى كان الرجُل إذا أرادَ الحَج حذَّره قومُه من فتى قُريش أن يسحَره ويغَير قلبه، فهَذا الطُّفيل بن عَمْرو كان من سَادات دَوس وعقَلائهم يقول: لما قَدمت مَكة تلقَّاني رجال قُريش وحَذروني من محمد وقالوا: إن له قَولاً يسحَر به الناس، حتى يفَرق بين الرجُل وولده والمرْأة وزوجهَا، فما زالوا بي يحذرونَني حتى وضَعت في أذُني الكُرسُف - وهو القُطن - لئَلا أسمَع كلامه فيسْحَرني! فنظر في نفسه وأنه سيد عاقل فطن فجاء فاستمع لرسول لكن الله أراد به الخير، . )2( فتابعه وصدقه مباشرة وكان من خُلص أصحابه ا ويعْرض نفسَه في وهذا أبو لهَب يتبَعه ويلحَقه وهو يدعُوا إلى ا الموَاسم وفي أسوَاق مِجنة وعُكاظ وذي المجَاز فيحثو عليه الترَاب ويقول: يا أيها .)3(الناس إن هذا قد غَوى فلا يُغوينكم عن آلهة آبائكُم وكَانت أم جميْل بنت حَرب بن أمَية تحمِل الشَّوك في طريقه، حتى إذا خَرج .)4(تَعثر به وهي حَمالة الحطَب ).51 سيد رجال التاريخ للطنطاوي (ص )1( ينظر في قصة إسلامه: سيرة ابن هشام، ودلائل النبوة للبيهقي، والخصائص الكبرى للسيوطي )2( أخرجه الإمام أحمد في المسند )3( ينظر: تفسير الطبري وابن كثير لسورة المسد )4(

عدد الصفحات ٢٧

28 من مقامات النبوة ، وبلغ الأمر أن جاء« وهووكان أمية بن خلف يلمزه ويهمزه عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فألقاه فوقه وهو ساجد. كلمَا قام من محله قعَد مكانه وحَدثهم من حديث وكان النضر بن الحَارث .)1(حديثي والله أحسَن من حديث محَمد «مُلوك فارس وقال فلم تؤثر هذه الأهوَال كلها في عزيمته، ولم تنقص من إيمانه بدعوته، والصدع فلما يئسوا من رده عن تبليغ هذه الرسالة عن طريق الأذَى بها والثبَات عليها، والسخْرية والتهكم والاستهتَار، لجؤوا إلى الوسيلة المقابلَة لثنيه وصده عن دعوته، وهي التي قل أن يثبت أمامها ويصمُد تجاهها أحد، وهي وسيلة الإغراء وشراء المبادئ. فلما جلس فأرسلوا له عتبة بن ربيعة وهو جَالس عند الكعبة ليفَاوضه، إليه قال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من البسطَة في العشيرة، والمكان في النسَب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جمَاعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتَهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمَع مني بأدب عالٍ أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبَل بعضَها. فقال ، فقال عتبة: «في الحوار وهو يجيبه بكنيته مع أنه عدو له مشرك إن كنت إنما تريد بما جئت به مالاً جمعنا لك من أموَالنا، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً، سَودناك علينا، حتى لا نقطَع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجُل حتى يداوى منه! )، والقصة في سيرة ابن هشام.25 رجال من التاريخ للطنطاوي (ص )1(

عدد الصفحات ٢٨

29 من مقامات النبوة ليعطيهم سيادة الأرض « وزعَامة الدنيا، ويضَع في أيديهم مفاتيح الكنوز، كُنوز المال وكُنوز العلم، ويمنحهم ما يملك كسرى وقيصر، وهم يدعونه ليعطُوه إمارة هذه القَرية النائمة )1(»بين جبَلين وراء رمال الصحرَاء؟ وقد أنصت له حتى انتهى من كلامه:  فلما فرغ عتبة قال له ، ثم قرأ عليه سورة فصِّلت « فقال: نعم، فقال « فقام وقد أيس منه بل جاؤوا إلى عمه أبي ولم تنته هذه المحاولات والإغرَاءات والتهديد، طالب، وقالوا له: إن ابن أخيك سفّهَ أحلامنا، وذم آلهتنا، وعاب ديننا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخَلي بيننا وبينه. فأبق علي وعلى فدعَاه أبو طَالب، وأخبَره بما قاله سادة قريش ثم قال له: أنه خَاذله ومُسلِمُه، نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق، فظنّ ولكن هذا لم يجعله يتردد في الإجابة أو يتلكأ في الرد عن ثباته على دعوته، وإنما «قال في الحال فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط، ارجعوا الشمس شعلة من نار . )2(راشدين ).59 سيد رجال التاريخ (ص )1( ): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأبو يعلى باختصار يسير6/15 قال الهيثمي في مجمع الزوائد )2( من أوله، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح

عدد الصفحات ٢٩

30 من مقامات النبوة وعدمفلما رأى صناديد قرَيش مناصَرة أبي طالب لرسول ا اجتمعوا واتفقوا على أن يقاطعوا بني هاشم، فلا ينَاكحوهم، ولا تسليمه لهم، يبايعوهم، وحصَروهم في الشعب، فجَلسوا فيه ثلاث سنوات حتى أكلوا فيها ورق الشجر، وكان الصبيَان يتضَاغون في الليل من الجوع ما يجد أحدهم ما يأكل، فلما إلى عمه أبو طالب فقال: إن مضَت السنون الثلاث أتى رسول ا الله قد بعَث الأرضَة على الصحيفة التي تعاقدوا فيها فأكَلَت كل ما فيهَا من شركٍ وظلمٍ وأبقَت ما فيها من اسمٍ لله، فانطَلق أبو طالب بعصَابة من بني عبد المطلب إلى المسجِد وهو حَافل من رجَال قريش، فقال لهم: إن ابن أخي أخبرني أن الأرضَة أكلت كل اسم لله في الصحيفة وبقي فيها غدركم وقطيعتكم، والثَّواقب ما كذبني! فإن كان ما قال صحيحَاً فوالله لا نسلمه أبداً حتى نُقتل عن آخرنا، وإن كان باطلاً دفعناه إليكم فصَنعتم فيه ما بدا لكم، فرضوا بذلك؛ فلما فتحوا الصحيفَة وجدوها .)1( فرفعوا الحصر ومزقوا الصحيفَةكما أخبر النبي في ذاك العام الذي أطلق ثم تتابعت الأحزَان على رسول ا عليه عام الحزن، فتوفي فيه أبو طالب عضُده وساعده وأعظَم الناس مناصرة له، ثم لحقته أول مؤمنة ومصدقة ومناصرة للرسالة، فتوفيت خديجة )2(بعده بثلاثة أيام فاغتنم ذلك كُفار قريش فصَبوا غضبهم من السخرية والأذى برسول الله  إلى رمضَاء مكة  وبأصحابه، حتى كانوا يخرجون ببلال  في شدة وهَج الظهيرة في حمأة القَيض فيجردونه من ثيابه، ويضعون ظَهره على .»أحَدٌ أحَد «الأرض، ويضعون صخرة على صَدره وهو يهتف ويقول )55 أخرجه البيهقي وأبو نعيم في دلائل النبوة، وينظر: الدرر في اختصار المغازي والسير (ص )1( )1/215 ينظر: شرح النووي على مسلم )2(

عدد الصفحات ٣٠

31 من مقامات النبوة فيقول حال صهيب وبلال والمقدادويحكي ابن مسعود أخَذهم المُشرِكونَ وأُلبِسوا أدراعَ الحديد، وصهَروهم في الشَّمس، فما منهم أحَدٌ إلاَّ وَاتاهم على ما أرادوا إلاَّ بلال، فإنَّه هانَت عليه نفسُه في الله، وهان على قومِه فأخَذوه فأعطَوْه الوِلْدان، فجعَلوا يطوفونَ به في شِعابِ مكَّة وهو يقول: )1(أحَدٌ أحَدٌ يمر بسُمية وزوجها ياسِر وابنهما عَمار وهم وكان رسول ا )2( فلا يستطيع أن يقدم لهم إلا قول: صَبراً آل ياسر فإن موعدَكم الجنة يعذبون أخذ الحربة فطَعن بها سمية في فرجهَا فلما أيس أبو جَهل من ردهم عن دينهم ، وكل ذلك بمرأى زوجها، )3(«فماتت، فحَازت على وسَام ولم يهُد شيئاً من ثباته وإيمانه، ولم ينقص ذرةً من إرادَته وعزيمته.  وفي يوم اجتمَع فيه كفار قريش فذكَروا ما أصابهم من رسول ا فقام أبو جَهل زعيم القَوم فأعلن أمام الملأ: أنه قاتل وعيبه لآلهتهم وسَب دينهم، محمداً إن صلى ثانية بجوار الكَعبة! فلما كان الغَد اجتمعت قريش في مجالسهَا ونواديهَا وكان يوماً مشهُوداً وهم ينتظرون تلك اللحَظات الحاسمَة في هذه القضية التي طالما أرقتهم، فدخل إلى المسجد ثم توجه للحجر فاستلمه، ثم أقبل يصَلي، رسول ا فلما سجَد أقبل أبو جهل بصَخرة عظيمَة في يده فاشرَأَبت أعناق القوم وخَيم ).1/217 أخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الذهبي في تاريخ الإسلام )1( )، وصححه، وصححه الألباني في تعليقه على (فقه السيرة388 /3 أخرجه الحاكم )2( .)1/409 ينظر: سير أعلام النبلاء )3(

عدد الصفحات ٣١

32 من مقامات النبوة الصمْت وأطبق على الجميع، وحَانت ساعة الصفر، وأصَاخ الكون، وانتَظر التاريخ نهاية تلك اللحظَة ليسَطرها في سجِل أوراقه، فلما وقف خلف رسول الله ومعه صخرته ورفعها وأراد قذفهَا انتفَض منتقعاً لونه مرعوباً قد  يبست يداه على حجره حتى قذف الحجَر من يده، فقام إليه كفار قريش يقولون مالك يا أبا الحكم؟ فقال: قمت إليه فلما دنوت لأقتله عرَض لي دونه فَحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هَامته ولا أنيابه لفَحل قط، فهم بي أن يأكلني!! فذُكر .)1(« فقالذلك لرسول ا ثم تتابع مشْوار الأذى والسُّخرية حتى مشى أُبي بن خلف إلى رسول الله فقال يا محمد أتزعُم أن الله يبعث هذا بعد ما بعظم بالٍ قد أرْفت،  ، فقال له رسولأرِم؟! ثم فته في يده ثم نفخَه في الريح نحو رسول ا « :ا ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴿، فأنزل الله: النار (سورة يس، الآيات ﴾ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ )2(.)79-78 وكان وكان أبي بن خَلف هذا صَاحباً وصديقاً حميماً لعقبة بن أبي مُعيط، وسمع منه فعَلم بذلك أُبي فقال له: ألم عقبة قد جلس إلى رسول ا يبلغني أنك جالست محمدًا وسمعتَ منه؟ وجهي من وجهك حرام أن أكلمك أخرجه ابن إسحاق، والبيهقي وأبو نعيم في دلائل النبوة، وينظر للاستزادة: السيرة النبوية لابن كثير )1( .)1/465( )، وصحيح السيرة للألبا 2/55 أخرجه ابن إسحاق، وينظر للاستزادة: السيرة النبوية لابن كثير )2( .)200(ص

عدد الصفحات ٣٢

33 من مقامات النبوة إن أنت جلستَ إليه أو سمعتَ منه، أو لم تأته فتتفل في وجهه، ففعل قاتله الله، ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴿فأنزل الله فيهما: ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ . )29-27(سورة الفرقان، الآيات) 1(﴾ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ من مصَاولة أهل مكة ودعوتهم، فلم « يستجيبوا وآذوه أشد الإيذاء، وحارَبوه، وبلغ الأذى غَايته، وقد أوصَدوا أبواب وهو حَريص عليهم، وعلى الهداية عن نفوسهم في طَريق الرسول نجاتهم وفَوزهم، فلا القَريب يرحَم، ولا البَعيد يستَجيب، ولا صاحب الرأي يحمله رأيه ليفاوض هذا النبي الأمي. وهو لا يعرف اليأس والإحبَاط، وهذا شأن الداعيَة الناجح، فماذا يفعَل؟ كلما أغلق باب فإنه يلج إلى باب آخر، وإذا لم يستجب له شخص بحَث عن غيره، وإن أعرضَت عنه قبيلة توجه إلى أخرى، وإن طُرد من قرية انتقل إلى ثانية، فلا يضعف أو يتخَاذل بل يستمر ويواصِل، ولما لم تستجب مكة لهذا النور، إلى ولم تقبل هذه الهداية، ورَدت أمر الله وندائه، انتقل رسول ا "الطائف، حيث إنها أقرب القُرى إلى مكة يـــا طَــــريــــدَاً مَـــأ الــدُّنــيــا اســمُــه وغـــدَى لحْناً على كُــل الشِّفَاه وغَـــــــــدَت سِـــيـــرتـــه أنــــشُــــودة يـــتَـــلـــقَّـــاهَـــا رُواة عَــــن رُواة ليتَ شعْري هل درَى من طَــارَدوا عَـــابـــدوا الـــــلاتِ وأتـــبَـــاع مَــنَــاة هـــل درَت مـــن طَــــارَدتْــــه أمَّـــة هُــبــلٌ مــعــبــودهَــا شَـــاهَـــت وشَـــاه )1/361 أخرجه ابن هشام في السيرة )1(

عدد الصفحات ٣٣

34 من مقامات النبوة طَـــــاردت في الـــغَـــار مـــن بــوأهَــا سُـــــؤدداً لا يــبــلُــغُ الــنَّــجــم مَـــدَاه طَــــاردَت في الــبِــيــد مــن شَـــاد لهَا ديـــــنُـــــه جَـــــاهـــــاً أي جَـــــاه سُــــؤدد عَــالــي الــــذُّرى مــا شَـــاده قــيــصَــرٌ يــومــاً ولا كِــسْــرى بَــنَــاه وحيداً بلا خدم، ولا حشَم، ولا قافلَة، ولا « ذهب يمشي على قدميه مرَاكب، ولا موَاكب، ولا رفاق، إلا الواحِد الأحَد، الشريفتين، وهذا والله غاية الجهَاد، وغاية البذل والتضحيَة والعطاء للدعوة أنه لم يُنزل معه جنوداً من السماء، ولا والمبدأ الحق، ومن حكمة ا جَيشاً عرَمرَماً يحميه، ليلقى الأذى بشخصه الكريم، وليكون قُدوةً لكل داعية، )1("وإمَاماً لكل مجاهد، ومثالاً لكل عَالم، فيدعو ويصبر، ويتحَمل ويواصل ويعطي في سبيل الله وطاعته ومرضَاته ورضوَانه .. ، ودخل على سَادة ثقيف لينير قلوبهم بعد ظلامها، فلما وصَل إلى الطائف وليحيي أرواحهم بعدَ موتها، فما حُيي بحفاوة، ولا قُوبِل بتكريم، بل ما إن عرَض عليهم دعوته ورسالته حتى قام أحدهم فقال: أما وجَد الله أحداً يرسله غيرك؟ وقال الآخر في ازدراء وسخرية: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنتَ رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظَم خطراً من أن أرد عليك كلام، ولئن كنت تكْذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك، وقال الثالث: أنا أسرق ثياب الكَعبة إن كان الله بعثك بشيء )2(قط ولهيْب الحزن في كبده، وحاله تتفَطر لها القلوب، أحزان « تُذكره بخديجة وأبي طالِب، ودعوة مطاردة، تثيرها جدران مكة وطرقاتها .. ).60 سيد رجال التاريخ (ص )1( .)21 أخرجه ابن إسحاق، وينظر: الدرر في اختصار المغازي والسير (ص )2(

عدد الصفحات ٣٤

35 من مقامات النبوة وأتباع تتخَطفهم أيدي طغاة مكة، وقلوب أمامه قاسية لا تحمل معنىً من معَا الإنسَانية .. فلما أراد الخروج من الطائف، وسلك طريق العودة إلى مكة، لم ينته مسَلسَل الأذى والإهانة بعد، بل أغرَوا صبيانهم وغلمانهم بمطاردته، فصَفوا له "صفين ورموه وأذلقُوا عقبيه بالحجارة، حتى خرج من حدود وربوع الطائف رسول رب العالمين وخليله، وأشرَف مخلوق فيا لله ما أعظَم ذلك الموقف، وأزكى مرسَل، يسب ويؤذى، ويدمى ويلاحقه الصبيان، فو الذي نفسي بيده: إن القَلم ليعجز عن تسطير ذلك المشهد، وإن اللسَان ليعيى أن يجلي تلك التضحيَة وذلك البذل وذاك الثبَات. كيلومتراً 50( كسيراً حزيناً فما يفيق إلا على أبعد من خرج .)1(تقريباً) وذلك في قرن الثعَالب  ملك الجبَال يستأمر رسول اوفي هذه الأثناء يرسِل ا وهما الجبَلان المطبقان على مكة- فقال وهو يبعث أن يُطبق عليهم الأخشَبين - رسالة إلى أمته أن الدعوة ليسَت عبئاً ثقيلاً على ظهر الداعي يريد أن يرميه، بل هو همٌّ يخالج النفس، ويخالط القَلب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور: . )2(»« في هذه الحال من الشدة، وفي هذا الرسول« الموقف الذي يقنط أجلد الرجَال بسببه، رأى بادرة قبول للدعوة عند عبد ضعيف وقد اختلف في موضع قرن الثعالب على أقوال، فقيل بأنه نفس ميقات السيل الذي هو قرن المنازل، )1( ورجحه القاضي عياض وياقوت الحموي، وقيل: جبل في منى أو عرفة، ورجحه الأزرقي والفاكهي، وقيل غير ذلك. ينظر: تحقيق المطالب بمكان قرن الثعالب د.عمر العمروي. ).1795) مسلم3059 أخرجه البخاري )2(

عدد الصفحات ٣٥

36 من مقامات النبوة ، فلم يمنعه كل ما لقي من أن يبلغه دعوة الله، وينصَرف إليه، "عدَّاس "يقال له وينسى ألمه وتعبه، فما زال به حتى أسلم! هذا موقف صغير بالنسبَة للرسول العظيم، ولكنه عظيمٌ بالنسبة إلى دعَاة ولا يستطيع باحث أن يلقى في الإخلاص لله في الدعوَة البشر في كل تواريخهم، " ونسيان الذات في سَبيلها، موقفاً مثله لرجُل آخر غير محمد فطاف بالكعبة وهو في جوار المطْعم مكة، وصل رسول ا ابن عَدي، وكلما استحكمت الشدة لاح الفرج، وفي آخر ظلام الليل يلوح النور، ومن صدق مع الله فتحت له السبل، ومن توكل عليه كفاه وأغناه، ففي هذه الليالي بحال أرفَع، ومنزلة أعظَم، حيث أُسري به إلى المسجد شرف الأقصَى، فأمّ النبيين فيه ثم عُرج به إلى السمَاء، فصعد فوق أطباق السمَاوات حتى بلغ سدرة المنتَهَى، وفي تلك الحال رأى جبريلَ -عليه السَّلام- على صورته التي خلقه الله عليها أسْــــرَى بــك الله لــيــلاً إذ مَلائكه والرُّسل في المسْجد الأقصَى على قَدمِ كنتَ الإمَــام لهم والجَمع محتفِل أعــظِــم بمثلك مــن هَـــادٍ ومُؤتممِ لما حَــضَــرت بــه التفوا بسَيدهم كالشُّهب بالبَدر أو كالجُند بالعَلمِ وقـــيْـــل كـــل نَـــبـــي عـــنْـــد رُتــبــتِــه ويــا محمَّد هــذا الــعَــرش فاستَلمِ حَتى وصَــلــت مكَاناً لا يُــطــار له على جَناحٍ ولا يُسعَى على قَــدمِ من ليلته تلك إلى مكة، فلما أصبح مر به أبو جهل، ثم رجع فسأله عن الجديد من أمره فقال: أُسري بي البَارحة إلى بيت المقْدس، فضحك أبو جَهل وقال: إن أنا دعيت قريشاً تقول لهم ما ذكرت لي؟ فقال:نعم! فدعَاهم فلما

عدد الصفحات ٣٦