المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

من مقامات النبوة

نايف بن محمد اليحيى

صفحة ١ من ٨

»فوائد فقهية« خدمة 00966576975885للإشتراك (واتس أب Fiiqhللإشتراك (تليجرام للإشتراك (تويتر): »فوائد فقهية نسائية« خدمة 00966576890441للإشتراك (واتس أب Fiiqhwللإشتراك (تليجرام للإشتراك (تويتر): Fiiqhw_ @Fiiqh1 @mrdsyahNET ضمن برامج مكتب الدعوة بالمريدسية ببريدة تصلك مسائل فقهية منتخبة من كتب وأقوال أهل العلم يكتبها / نايف بن محمد اليحيى عضو الدعوة والإرشاد بمركز الدعوة ببريدة naif_alyahya

عدد الصفحات ٤

5 من مقامات النبوة الحَمد لله رب العَالمين، وصَلى الله وسَلم وبارك على خَاتم النبيين، وخَليل رب العَالمين، وعلى آله وصَحبه أجمَعين، أما بعْد: وقد وسِيرته، فأقدم كتَابي هذا لكل مُحب لهدي المصطَفى ، وذِكر حرصْت على إظهار جَوانب التكَامل في شَخص رسول ا الأخبَار في ذلك مُضمنة بعض الفَوائد، ومزجتهَا ببعض مُلتقطات الأدب، وروائع الأبيَات، وليس لي منها إلا النقل والاختيار، وقد رجَعت إلى أصول كتُب السنَّة والسِّيرة لمحاولة توثيق النص وضَبطه، ولم أتوسع في العزو لئلا يطول الكتاب وتكثُر الحواشي، وحاولت ذكر ما صَح من الأحاديث، وأما القصص فلم ألتزم فيها بالصحة، وقد كان الأئمة يتسامحون في مرويات السير والمغازي ما لم تتضمن حكماً. فيما أخرجه البيهقي في المدخل:قال الإمام عبد الرحمن ابن مهدي في الحلال والحرام والأحكام، شددنا في « الأسانيد، وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب، سهلنا الأسانيد وتسامحنا في الرجال « :وقال الإمام أحمد يجيء شيء فيه حكم

عدد الصفحات ٥

6 من مقامات النبوة «وقال في رواية عباس الدوري عنه الأحاديث - يعني: المغازي - ونحوها، وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً .)1(هكذا، وقبض أصابع يديه الأربع وكنت قيدت النقول التي أوردتها في الكتاب قديماً، وبعضها لم أقيد مرجعه في فما وضعته من كلام بين علامتي تنصيص فهو من نقلي لا من قولي. ذلك الوقت، وهذه الطبعة الثالثة تمت مراجعته هـ ثم طبع ثانية،1427وطبع أول طبعة عام فيها وتنقيحه وإضافة بعض الفوائد. وقد تولى طبعه الإخوة الكرام في مكتب الدعوة بالمريدسية ببريدة جزاهم الله خير الجزاء وبارك فيهم. ومن كان لديه إفادة أو تصْويب فليكرمني به على أحد وهذا جُهد المقِل، برامج التواصل نايف اليحيى naif_alyahya وله مني الشكر والدعاء  )، النكت على كتاب ابن350 /1)، فتح المغيث362 ينظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب (ص )1( .)888 /2الصلاح لابن حجر

عدد الصفحات ٦

7 من مقامات النبوة الحَمدُ لله وحْدَه، والصَّلاة والسَّلام علَى من لا نَبي بعده، وبعْد: فقَد قرَأت لمؤلِّفِه/ نَايف بن مُحمَّد اليَحيَى، (من مقَامَات النُّبوَّة) الكتَاب الذي هُو بعُنوان: فألفَيته كتَاباً جَيداً، اعتمَد فيه مُؤلفُه على كَثيرٍ من كتُب السُّنة والسِّيرة، وتحرَّى في ذلك، وقَد جَاء بأسلُوبٍ في كَثيرٍ من الموَاضع ما ثَبت عن النبي أدَبي، وعبَارةٍ سَهلة، نفَع الله به كَاتبه وقَارئَه، وبالله التَّـوفيق. كَتبَه أ.د. خَالد بن عَلي المشَيقح الأستاذ بكلية الشريعة في جامعة القصيم والمدرس في الحرمين الشريفين 

عدد الصفحات ٧

9 من مقامات النبوة L بين يَدي المقَامَات J لا يَزال المؤمن يجتَني أطَايب الحكَم، وجَوامع الكَلم، وكَرائم الأخْلاق، وأمعَن القرَاءة  كلمَا أعَاد النظَر في سِيرة الحبيْب وفرَائد الآدَاب، فيها، فَهي بحَق مأدُبة فضَائل، ومَائدة شمَائل، ينهَل منها الكبَار، ويتَربى على مُثُلها الصِّغار، فليسَ لأحَدٍ الاستغنَاء عنهَا، عَالماً أو مُتعَلماً، صَغيراً أو كَبيراً، ذَكراً أو أُنثى، فَهي المعين الصَّافي، والسَّبيل الشَّافي، لكلِّ من أراد الأنسَ والسَّعادة والفَائدة. لذَا عُني بها السَّلف والأئمَّة عنايةً شَديدة، فَهذا علي بن الحسَين .” كمَا نُعلَّم السُّورة من القُرآن كنَّا نُعلَّم مغَازي النبي“ يقول: كان أبي يعَلمُنا “:  ويقُول إسماعيل بن محمَّد بن سَعد بن أبي وقَّاص . ”مغَازي رسُول الله يعدُّها عَلينا، ويقول: هذه مآثر آبائكُم فلا تضيِّعوا ذكرَها ولا يجمُل بأولي العِلم، إهمَال مَعرفة الأيام “: ويقول الإمام ابن كَثير .”النبَويَّة، والتَّواريخ الإسْلامية وبناءً على ذلك ورغبةً في الإسهَام في رشْفةٍ من رَحيق إمام هذه الأمة ونَبيهَا ذكَرت إشَاراتٍ وإلماحاتٍ، وإضَاءاتٍ وَوَمضَاتٍ، من عَبير تلك وقائدهَا، ....المقَامات، التي قامهَا أسْأل الله أن ينفَع بها قارئهَا وكَاتبهَا . . . إنه جَوادٌ كريمٌ . . . 

عدد الصفحات ٩

10 من مقامات النبوة L من مَقَامَاتِ النُّبُوَّة J لما أرَدت استِهْلال هذه المقَدمَة وكتَابتهَا، ووضَعت قَلمي على الورق، جَرى بسُرعةٍ ومضَى بخفَّة، يسَطر غَرامَه وأشوَاقه، وحُبه وموَدته، ولهفَتَه وحُرقَته، وهو يلتَفت يَمنةً فيرى المحبِّين في لُهَاثهم، ويسْرة فإذا الغَارقون في شَهواتهم، فسَطر بمِداد الحُب حُروف الأشواق، وأخَذ يدبِّج العبَارات، ويصُوغ المقَامات، ويصْدح بهذه الكلمَات فمن شَــاء فليَذكر جــمَــال بُثينَةٍ ومن شَــاء فليَغزل بحُب الرَّبائبِ سَــأذكُــر حُــبــي للحَبيب محمَّدٍ إذا وصَف العشَّاق حُب الحبَائبِ ويــبْــدو محيَّاه لعَيني في الــكَــرى لــنــفْــسِــي أفـــديْـــهِ إذاً والأقَـــــاربِ وتُــدركُــنــي في ذكــــرِه قَــشــعَــريــرةٌ من الوَجد لا يحوِيه عِلم الأجَانبِ إن لكِل رسَالة من الرسَالات وأمةٍ من الأمم أمجَاداً وحضَارات، ومزَايا ومآثر تتَشَرف بها وتتَبنى فضَائلها، وإن لهذه الأمَّـة مقَاماً خَاصاً، وشَرفاً رَفيعاً، ومنَاقب متَميزة؛ ذاك أنها . )1(»على ا فعَلى كل مؤمن أن يحمد بل جَعلها الله شَاهدةً وشهيدةً على الأمم قبلها، ربه من أعمَاق قلبه، مغتبطاً مجتذلاً رافعاً أسمَى آيات الثنَاء والمدْح والتمجِيد، مبتهلاً إلى المالك الأحَد، قائلاً في صِدق وحب ووفَاء: ومـــمَّـــا زَادني شَـــرفـــاً وتــيــهَــاً وكــــدتُ بــأخــمُــصِــي أطَــــأُ الــثُّــريَّــا ). 232/2)، وقال ابن تيمية: حديث جيد. الجواب الصحيح219/33 أخرجه الإمام أحمد )1(

عدد الصفحات ١٠

11 من مقامات النبوة دخُــولــي تحْت قولك يــا عبَادي وأن صَـــيَّـــرت أحـــمَـــد لـــي نبيَّا إذا أرَدت أن تجعَل يومَك عيداً، ولحظَاتك أنسَاً، وحَياتك سعادةً فلتكن مع .سيرة وهدي محمد عَزَفت الأقلام بسِيرته فكَانت أروَع ما كتبَت، وتنَاقل الأجيَال أخبَاره فكان " أمتَع ما سمعَتْ؛ أُذن الخَير الذي استَقبل آخرَ رسَائل السَّماء لهدَاية الأرض، خير من مشَى على قدَم، وخَير من أُرسِل للأمَم، وخير من حَكم وعَدل، سبَّح الحصَى في يديه، وسَلم الحجَر عليه، وشَكا الجمَل إليه، وبكَى الجذع على فرَاقه، ونبع الماء بين أصَابعه، وشَهد الذئب لرسَالته، وكثُر الطعَام ببرَكته، وكلَّمَه ذرَاع الشَّاة، .)1("وظَلله الغَمَام، وحَدثه الطَّير ولـــه كــمَــال الــدِّيــن أعــلَــى هــمَّــةً يــعْــلــو ويــسْــمُــو أن يــقَــاس بــثَــانِ لــمــا أضَــــاء عــلــى الــبَــريَّــة زانــهَــا وعَــــلا بــهَــا في طــاعــة الــرحــمــنِ فَوجَدت كل الصَّيد في جَوف الفَرا ولــقِــيــتُ كُـــل الــنَّــاس في إنــسَــانِ مهمَا أوتي الأدَباء من أعنَّة الفَصَاحَة، وأزِمَّة البَلاغة، وجَوامع الكَلم، وبَديع النَّثر، وجَزيل الشِّعر، ورَوائع النَّظم، ومهمَا تبَارت القَرائح تشْدو أناشِيْد عَظمَته، فسَتَظل خَجْلى أمَام زكَاء سِيرته وصَفَاء سَريرته. يَـــروحُ بـــأروَاحِ المحَامدِ حُسنهَا فَيرْقى بهَا في سَاميَاتِ المفَاخِرِ وإن فُضَّ في الأكْوان مِسْك ختَامهَا تــعَــطــرَ مــنــهَــا كُـــل نــجْــدٍ وغَــائــرِ ما من نَبي من الأنبيَاء ولا مَبعُوث من الرُّسل إلا وأُيِّد بآية ثم ذَهبَت، ومعْجزَة )، وانظر هذه المعجزات في كتاب: دلائل النبوة لأبي نعيم وكذلك كتاب البيهقي في 7 الزهاد مائة (ص )1( نفس العنوان

عدد الصفحات ١١

12 من مقامات النبوة ثم انصَرمت، وشَريعةٍ ثم نُسخَت؛ لكِن آيتَه ومعجِزته خَالدَةٌ تَالـدَةٌ باقيـةٌ ما بقي النيِّران، وما وجد في الأرضِ إنسَان جَــاء النَّبيون بالآيات فانصَرمَت وجِــئــتــنَــا بــحَــكــيــمٍ غَــيــر مُــنــصَــرمِ آيــاتُــه كلمَا طـــالَ الــمــدَى جُــددٌ يــزيــنــهُــن جَــــلالُ الــعِــتــق والــقِــدمِ « ليصِيغَ منظُومَة الأخْلاق الأبَدية بأقْلام من كَحِلمِه، وهَكذا أرسَله ا نُور الهدَاية، ثم أسَّس أول مدرسَة لتَواضُع العظَمَاء، وقَف على جُثمَان كبريَاء . )1(النَّفس يوَدعه، وغَزَا الأفئِدة بتوَاضُعه، وأخَذ مكَانه بين البُسطاء والضُّعفَاء كان يخصِف نعله، ويَحلب شَاتَه، ويكون في مهنَة أهْله، ويلبَس الصُّوف، ويركَب الحمَار ويُردف عليه .. ومع هذا فقد ميَّزه الله بكريم الخِلال وشَريف الخصَال، وشَرح صَدرَه، وأعْلى ذِكرَه. عن عمله في بيته قالتلما سئلت أم المؤمنين عائشة ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه .)2(ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ضَــم الإلــه اسْــم النَّبي إلــى اسمِه إذا قال في الخَمس المؤَذن أشهَدُ وشَـــــق لـــه مـــن اســـمِـــه لــيُــجــلَّــهُ فذو العَرش مَحمُودٌ وهذا محمَّدُ جمَع في شَخصِه وبين جنبَيه أجَلَّ المقَامَات، وأسمَى المرَاتب، وأكمَل المنَاقِب، فإذا ذُكِرَ العُبَّاد وتهجُّدهم فهو إمامُهم، وإذا أشِير إلى العُلمَاء وفقههم ).14 الزهاد مائة (ص )1( أخرجهما الإمام أحمد في المسند وصححهما الألبا )2(

عدد الصفحات ١٢

13 من مقامات النبوة فهو أستَاذُهم، وإذا امتُدح الشُّجعان وبسَالتهم فهو قَائدهم، وإذا تميَّز الدُّعاة بأسْلوبهم فهو قُدوتهم، فله في كُل منقبةٍ أوفَر حَظ وأكمَل نَصيْب. فلقَد سَرَت مسرَى النجُوم هُمومه ومَضَت مُضي البَاترات عَزائمه « وشيد بالتأييد، ويُسِّرَ بالتوفيق، وهو الكلامُ الذي ألقَى اللّه عليه المحبّةَ، وغشَّاهُ بالقَبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبَيْن حُسنِ الإفهام، وقلّة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقِلّةِ حاجة السامع إلى معاوَدته. لم تسقط له كلمة، ولا زَلّت به قَدَم، ولا بارَتْ له حجَّة، ولم يَقُم له خَصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذُّ الخُطَبَ الطِّوال بالكلِم القِصار، ولا يَلتمِس إسكاتَ الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتجُّ إلا بالصِّدق. ثم لم يسمَع الناس بكَلامٍ قَط أعمّ نَفعاً، ولا أصْدق لفْظَاً، ولا أعدَل وزناً . )1(من كَلامه يــا أيُّــهــا الأُمــــي حَــســبُــك رُتــبَــةً في العِلم أن دانَـــت لــك العُلمَاء وُلِدَ فلمَّا ظهَر للدُّنيا أضَاء الكَون، واستَبشر التَّاريخ، وسَعِدت البشَرية ، فللَّه ما أجمَل )2(بمَولده، ورَأت أمه نُوراً خَرَج منها فأضَاء مَدَائن بُصْرى والشَّام تلك اللحَظَات، وما أجَل ذلك اليَوم الذي ولدَ فيه يـــومٌ يتيه على الــزَّمــان صَــبَــاحُــه ومــــسَــــاؤه بــمــحــمَّــدٍ وضَّـــــــاءُ كانت لحَظَاتُ حيَاته وأيام ولادَته مِلأها البرَكَات والنفَحَات، فلم تَعرف )2/13 البيان والتبيين للجاحظ )1( .)229/1 صححه الحاكم، وقال ابن كثير هذا اسناد جيد قوي )2(

عدد الصفحات ١٣

14 من مقامات النبوة البشَرية أكمَل خَلْقاً، ولا أنبَل خُلُقاً، ولا أكرَم نسَباً، ولا أشرَف حسَباً، ولا أعظَم فقد كانَت سيرَته نبرَاسَاً وضَّاءً في برَكةً وصَفَاءً وطهراً وصِدقاً منه طَريق كُل مؤمن، ونورَاً وهَّاجاً في درب كل مسْلم، فقَد نُقلت بأدق تفصِيل وأكمَل ) هو إن محَمداً "بيَان، وأوضَح حَال؛ كما قال أحَد النُّقاد الغَربيين: ."الوحيْد الذي ولد على ضَوء الشَّمس وقد شَهد بكمَال أخْلاقه وسُمو روحِه وصِدق لهجَته، القَريب والبَعيد، والموَالي والمعَادي، والموَافق والمخَالف، فدُونك صُورٌ من أقوال بعضِ المستَشرقين الذين ما ملكُوا أنفسَهم أمام تلك العظَمَة التي بهَرتهم إلا أن يسَطروهَا ما أحوَجَنا اليوم إلى رجُل كمُحَمَّد يحُل « يقول أديْب أيرلَنْدا برنَارْدشُو بأقلامهِم: مشَاكل العَالم وهو يحتَسي فنَجاناً من القَهوة لم يكُن الإصْلاح أعسَر ولا أبعَد منه منَالاً وقت ظهُور «ويقول السير موير محمَّد، ولا نعْلم نجَاحاً وإصْلاحَاً تم كالذي تركَه عند وفَاته «وقال ليونَارد على هذه الأرض قد أخلَص له، وفَني في خدمَته بقصْدٍ شَريف ودافع عَظيم، فإن هذا الرجُل بلا ريْب هو محمَّد نبي العَرَب « وفي دائرة المعَارف البريطَانية نبي ولا مصْلح ديني في زَمن من الأزمنَة « وقال بوزَورث سميث الذي هو في نظَر المسْلمين خَاتم الأنبياء والرُّسل، فمحَمدٌ ونبي الرحمة والزكاء والنبل، هو في نظَر المفَكرين من الملل الأخرَى أعظم

عدد الصفحات ١٤

15 من مقامات النبوة المصْلحين، فلا يحِق لنا أن نتحَدث عن سِيرة رجُل دون أن نشَرف حديثَنا به ؛ فتَنَقل في بسَاتين هذا الكتاب لتَستَنْشِق من عَبيْر مقَامَاتِه، ولتَقطِف من زَهر "أولاً ، ولا يسَعني إلا أخْلاقه وحيَاته، ولتَتَذوق من مَعِين شمَائله وصفَاته :أن أرَدد قَول حسان مــا إن مَــدَحْــت محمَّداً بمقَالتي لكن مَــدَحــت مقَالتي بمحمَّدِ 

عدد الصفحات ١٥

16 من مقامات النبوة L مِيْلادُ الحَيَاة J وانْصرَمت الأشهُر والليالي فأحَست آمنةُ بنت وهب أن شَيئ مضت الأَيام، يتَحرك في دَاخلها وكأن مَولوداً يَعيش في أحشائِها، إلا أن آلام الحمل ومواجعَه لم يظهَر منها شيء، ولم يبد منها ما يدلُ على ذلك. لما حملت به آمنة بنت  كنا نسمع أن رسول اتقول عمته: وهب كانت تقول: ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت له ثقلة كما تجد النساء، إلا أني قد أنكرت رفع حيضتي، وربما كانت ترفعني وتعود، وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنك حملت؟ فكأني أقول: ما أدري، فقال: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها، وذلك يوم الأثنين، قالت: فكان ذلك مما يقن .)1(عندي الحمل بل وُلدت الحياة بأسرِها وعِندها وضعت ذلك الطهر وتلك الشَمائل، في أحضَان ذلك الطفل الصَغير، الذي كانت الدُنيا تَنتظرهُ ليُغير مَسارها، ويُنير طَريقها، ويخرج مَن فيها مِن غَياهب الظُلمات إلى مَشاَعِل النُور والهِداية، كُل ذلك بإذن الحَكيم الخبير. رأت نوراً ساطعاً عظيماً ظَهر مِنها حَتى أنار قصور وعِندَما وضعَته وولدته « :بُصرى والشَام، كما قال عن نفسه .)2(عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام )1/350)، وينظر: شرف المصطفى لأبي سعيد الخركوشي1/98 طبقات ابن سعد )1( أخرجه الإمام أحمد في المسند من عدة طرق، وصححه محققوا المسند، ورواه الطبري والحاكم )2( وصححه

عدد الصفحات ١٦

17 من مقامات النبوة وجَعل يَبحث عن ثَدي يَلتقِمه كَغيره دبّ هذا الطفل الصَغير على الأرضْ، من الصِبية ليسكِن جُوعه ويُذهِب ظمأه .. ولكن تِلك الأُم التي يَملؤها الحَنان، ويُحِيط بها البِشْر، لم يكن فيها ما يسُد رَمقه، وفي هذه الأثَناء جَاء نِسوة من بني سَعد يلتمِسن الرُّضعاء يرضعنهم ومن بَينهن امرأةٌ تسمى حَليمة، فَلندَع القلم بيدِها لتُسطِّر لنا حِكايتها وقصَتها مع ذلك الغُلام فتقول زَوجي وابن لي صغير أرضِعُه مع نِسوة من بني سَعد نلتمس الرضعاء، وذلك في لنا والله )1(سَنةٍ شهباء لم تُبقِ لنا شيئاً، فخرجت على أتَان لي قَمراء، معنا شارفٌ ما تَبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمعَ من صبينا الذي معنا من بُكائه من الجوع، ما في ثدييِ ما يُغنيه، وما في شَارفنا ما يُغذيه، ولكنا كنا نَرجو الغيَث والفَرج، فخرجت بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قَدِمنا )2(على أتاني وقد أدمَت فتأباه إذا مكة، فوالله ما علمتُ منا امرأة إلا عُرِض عليها رسول ا قِيل لها إنه يتَيم، وذلك أنا إنما كُنا نَرجو المعروف من أبي الصبي، فكُنا نقول: يَتيم! وما عَسى أن تَصنع أمه وجَده؟ فَكُنا نكرهه لذلك. فلما أجمَعنا الانطِلاق قُلت فما بَقيت امرأةٌ كانت معي إلا أخَذت رضيعاً غيري، لصَاحبي: والله إني لأكره أن أرجَع من بين صواحِبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهَبن إلى ذلك اليَتيم فآخذنّه، قال: لا عليك أن تَفعلي، عسى الله أن يَجعل لنا فيه بَركة. فذهَبت إليه فأخَذته، فو الله ما هو إلا أن جَعلته في حِجري فأقبل عليه قالت: ثَديي بما شَاء من اللبن، فشَرب وشَرب أخوه حتى رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حَافل، فحلبَ وشَربنا حتى رَوينا، فبتنا شباعاً رواء وقد نام الأتان: أنثى الحمار، والشارف: الناقة المسنة. )1( أي: حبستهم وأخرتهم من ضعفها وهزالها )2(

عدد الصفحات ١٧

18 من مقامات النبوة صِبيانُنا، قال أبوه: والله يا حَليمة ما أراك إلا قد أصَبت نسَمَةً مُباركة، ثم خَرجنا، فوالله لقد خرجَت أتاني أمام الركب قد قَطعتهن حتى ما يتَعلق بها أحد، فقدِمنا مَنازلنا من حَاضرة بني سعد بن بكر، فقدمنا على أَجدب أرض الله، فوالذي نفسي بِيده إن كانوا لَيسرحون أغنامهم ويَسرح راعي غنمي، فَتروح غنمي بطاناً لُبَّناً حُفَّلاً، وتَروح أغنامهم جياعاً، فيقولون لِرعاتهم: ويلكم ألا تَسرحون حيث يَسرح راعي حليمة؟ فَيسرحون في الشِّعب الذي يَسرح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعاً ما بها من لَبن، وتروح غنمي لُبَّناً حُفَّلاً. ويَشب في الشهر يَشِب في يومه شَباب الصبي في الشهر، وكان شَباب الصبي في سنة، قالت: فقَدمنا على أمه فقلنا لها: ردي علينا ابنَنا فإنا نخَشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضَن شيء به مما رَأينا من بَركته، قالت: فَرجعنا به فَمكث عِندنا شَهرين، فبينا يَلعب وأخوه جَاءه رَجُلان فشَقا بطنه، فخَرجنا نشتْد فأتينَاه وهو قائم مُنتقِع اللون، فاعتَنقهُ أبوه وأنا، ثم قال: مَالك يا بُني؟ قال: أتاني رجُلان فأضجَعاني ثم شقَّا بطني، فو الله ما أدري ما صنعَا، فرجعنا به، فقال أبوه: يا حَليمة ما أرى هذا الغُلام إلا قد أُصيِب، فانطلقي فلنرُده إلى أهلِه، فرَجعنا به إليها فقالت: ما ردكما به؟ فقلت: كَفلناه وأدينَا الحق ثم تخَوفنا عليه الأحدَاث، فقالت: والله ما ذاك بكما فأَخبِراني خَبركُما، فما زَالت بنا حتى أخبرناهَا، قالت: فَتخوفتم عليه؟ كلا والله إن لابني هذا شأناً، إني حَمَلت به فلم أحْمل حملاً قط كان أخَف مِنه ولا أعظَم بركة، ثم رأيت نوراً كأنه شهَاب خَرج مني حين وَضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببُصرى، ثم وضَعته فما وقع كما يَقعُ الصُبيان، وقع .)1("واضعاً يديه بالأرض رافعاً رأسه إلى السَماء، اترُكاه والحقَا بشأنِكما )1/46 رواه أبو يعلى والطبراني وابن حبان، وقال الذهبي: إسناده جيد. تاريخ الإسلام )1(

عدد الصفحات ١٨

19 من مقامات النبوة بأبي هو وأمُي فلَقد كان حمله خيراً ووِلادته نوراً، وصِباه بَركة، وشبابُه أَمانة فما من لحظة مِن لحظات حَياته وسِني عمُره إلا وصِدقاً، ورِسالتهُ هُدىً ورَحمة، وَهي النُّور والخيْر والبَركَة، ثم هو مع ذلك وهو في أحشاء أُمه يموت والده فَيخرُج إلى الحياة يَتيماً، ويَرضع اليتم منذ الولادة، ثم لم يُكمل السَادسة حتى فَقد أمه، ثم يَتبع ذلك جده فيموت وهو في الثَامنة، لَكن الله بلطفه ورعايته حفظه ورعاه وَإِذا العنايةُ لا حَظَتكَ عُيونُها نَـــم فَــالــمَــخــاوِفُ كُــلُّــهُــنَّ أَمـــانُ إن اليُتم ليس صِفة نَقص إذا كان الشخص واثقاً، وليس جَانب ضَعف إذا كانت النَفس سامِقة تواقة، وليس إشارة عجز إذا كان الله بلطفه قد أحاط به، فقد كان كَثير من الأنْبياء أيتام، وكذلك الكثير من الأئِمة والأعلام، كأمثال الشَافعي وبين ومَالك وأحمد؛ فهذا اليُتم لم يَكُن حائِلاً بين رسول ا تَطلعَاته وهِمتِه، فها هو ابن الثَمان سنين يأتي إلى جده في الحِجر، وكَانَ يوضع لعبد الْمطلب فرَاش فِي ظلّ الْكَعْبَة، وَكَانَ لاَ يجلس عَلَيْهِ أحَد من بنيه إجلالاً لَه، يَأْتِي حَتَّى يجلس عَلَيْه، فَيذهب أَعْمَامه يؤخرونه وَكَانَ رَسُول ا .)1(فَيَقُول جده: دعوا ابْني، فيمسح على ظَهره وَيَقُول: إِن لابني هَذَا لشأن أَصاب قُريشاً جدبٌ وفي أحَد الأيَام وعندما كَان في صِباه في الرابعة من عُمره وقحطٌ حتى هَزلت مواشيهم وسَغبت بطونهم، فخَرجوا يستَسقون فقال بعضهم: اِعتَمدوا اللات والعزى!، وقال آخرون: اعتمدوا لمناة الثَالثة الأُخرى!، فبينا هُم كذلك إذ أقبَل أبو طالب معه ابن أخيه ذاك الصبي فالتَزم به الكعبة، وألصَق ظَهره بها، ثم أخَذ بأصبعه فأشار به إلى السماء وما فيها قَزعة، فأقَبل السَحاب من ها هُنا وهاهُنا وأغدق واغدودَق، وانفجَر له الوادي، وأخصَب النادي والبادي، )1/138 أخرجه ابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم، ينظر: الخصائص الكبرى للسيوطي )1(

عدد الصفحات ١٩

20 من مقامات النبوة وفي ذلك يقول أبو طالب وأبيضُ يُستَسقَى الغَمَام بوَجهه ثُــمــال اليتَامى عِصمةٌ لــأرَامِــلِ ي)1(فهم عــنــدَه في نِعمةٍ وفــضَــائــلِ ولما نَاهز الحلم وبَلغ ثنتي عَشرة سنة خرَج مع عمِّه أبي طالب في تجارة إلى الشَام، فلما بلغ بُصرى ونَزلوا بها، وكان فيها رَاهب من أَعلم النصارى في صَومعة له يُقال له فقال له أحدُهم في تَعجُّب: يا بحيرا ما كُنت تَصنع هذا فما شأنك؟ فأخذ بيد النبي وقال: لأجل هذا سيدِ العَالمين ورسولُ ربِ العالمين! فقالوا له:  وما عِلمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أقبلتم من العَقبة لم يبقَ شجرة ولا حَجر إ خَر ساجداً، ولا يسجدون إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا؛ وسأل أبا طالب أن يرده ؛ فتأمل خَطرهم على الإسلاَم )2(ولا يقدم به الشام فرَده خوفاً عليه من اليهود حتى قبل قيَامه وقَبل الرسالة. ثم شبَّ وكَبر وتَزوج بخديجة، وكان لا يأتي ما يأتيه قَومه من الأصنام وعِبادتها والخمر وشُربها، ثم حَصل شيء غريب وحَادث عجيب وهو  .)53-52/1 ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي )1( أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي، وقد اختلف في صحته، فصححه بعض المتأخرين كالألبا )2(

عدد الصفحات ٢٠