1 فيلا وكذلك الاسكتلندي, سواء الفرد منهم أو الشعبء بل الآخرون هم الذين يرون فيه ذلك ولعل مسألة ذكر نقائص الشعوب دون محامدها هي أمر تجنبته الثقافة العربية الإسلامية وحضارقاء فليس في هذه الحضارة كتاب مثل رواية "شكسبير" الانجليزي الموسومة ”تاجر البندقية" التي تصف اليهودي بالبخيل وليس هناك كاتب عربي مثل الفرنسي 'موباسان" الذي يصف البربر الجزائريين بالهمجية؛ طبعا يشير لهم كعرب, فلم تكن في وقته قد بدأت سياسة تفتيت الجزائريين. ولأن أمر الحضارة والثقافة العربية كذلك؛ فإن شيخنا الزواوي فلت من هذا الفخ الذي يقود إلى الانغلاق, حتى يتحول الاعتزال القرمي إلى تعصب واستعلاء! والانغلاق يؤدي إلى الجهلء والجهل إلى الأنانية» والأنانية إلى الفناء! فلت أبو يعلى الزواوي وعدّد (من خلال الحديث النبوي الشريف) الفضائل التي يتمتع يما الروم وهي ذات الفضائل التي يمكن أن يتمتع يما أي شعب آخرء لأفها موجودة في كل شعب وفي كل فرد فإن صارت هي الغالبة في نفس الفرد ارتفع شأنه بين الأفراد, وما ينطبق على الفرد بين الأفراد ينطبق على الشعب بين الشعوب ولكن الاستعمار خبيث فالرغبة في اسستعباد الآخر وظلمه صفة منحطة وخبيثة في الفرد وكذلك في الشعب.. ولأن الاستعمار الفرنسي "وكل الاستعمار" هو أبشع وأحط الصفات, راح من أجل أن يطيل عمره ويواصل استعباد الشعوب, يبحث عن نقائص هذه الشعوب وتناقضاقاء ويركز هذه النقائص في نفسية أفرادهاء فالعرب كل العرب» والفيتناميون كل الفيتناميين» والأفارقة كل الأفارقة» والألمان كل الألمان, 48
عدد الصفحات ٤٩والإنجليز كل الإنجليز. هم أمام الفرنسي مج متخلفون. متوحشون, أدمغتهم لا تشتغل ومعاقون فسيولوجياء وليسوا لطفاء المعشر. وليس لديهم لغة جميلة معبرة أو أدب رفيع, فكلنا يذكر مثلا الصراع بين الفرنسسية والألمانية والإنجليزية وكان الفرنسيون يصفون اللغدين الأخريين كما شعبيهما بأقذع الأوصاف وأقبحها.. علما بأن اللغات الثلاث والشعوب الثلاث ذات أصل لاتيني واحد! وقد تمكنت الألمانية من الانتتصار في صراعها على الفرنسية, أما الإنجليزية فاخترقت الفرنسية وها هي تكاد تحتويها حيث اشتهرت الألمانية كلغة أدب وفلسفة واشتهرت الإنجليزية كلغة علم وتجارة. ومن أجل أن يطيل الاستعمار عمره بين ظهرانينا راح يفصل بين العرب والبربر بما شاء له من أساليب الفرقة والفصل ثم يقيم بينهم نوعا من التفاضل والتفاخر فالتنابز فالضغائن فالأحقاد فالحروب.. وهذا ما يجعله هو السسيد الذي يسود الطرفين دائما وأبدا.. فلذلك ألفت كتب وقيلت أطروحات في هذه المفاضلات السخيفة بين العرب والبربر فهناك من يقول أن العربي هو الأكرم فينبري آخر ويقول أن العربي كسول لا يعمل لأنه ابن الصحراء فيأيَ آخر ليقول أن البربري لا يعرف سوى الالتفاف بالبرنوس وتدخين الحشيش.. ولو أراد الواحد أن يعدد الكتب والمقالات التي أقامت هذا النوع اللدبحط من "الثقافة" لوضع فهرسا طويلا خاصة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين» ومن الملاحظ أن الكتب والمقالات الفرنسية تشكل العدد الأكبر في هذا الفهرس الذي لا يشرف الإنسان فردا أو شعوبا ولا يشرف اللغة الفرنسية نفسها بل يحط من قدرهاء والحقيقة أن الذين يفعلون ذلك إنمايخدعون 49
عدد الصفحات ٥٠ا شعوهم: فموباسان وفيكتور هيجو وألبير كامو وغيرهم من الفرنسيين الذين احتقروا الجزائريين بربرا وعربا مثلهم مثل شكسبير الإنجليزي الذي احتقر اليهود وروديارد كيلنغ الذي احتقر الهنود, مثلهم مثل اليهودي في العوراة الذي احتقر كل شعوب الأرض.. إنما هؤلاء جميعا يحتقرون أنفسهم ويضللون شعويمم وينقلون الاعتزاز الوطني والقومي إلى الانغلاق عبر الاستهلاك وصولا إلى الأنانية والفناء. وهكذا فإن شيخنا كان متحصنا بثقافته العربية الإسلامية التي لا تقبل الميز بين الشعوب» فذكر محامد الزواوة كجزء من جامد العرب؛ وذكر محامد العرب كجزء من محامد الزواوة» وذكر الجميع بأن للروم وللأعاجم محامدهم» وهذه صفة الإنسان "الأممي" بالمعنى الواسع والحقيقي.. فمهما اختلفنا اليوم في النظرة إلى الإسلام كفلسفة أو دين فإن الحقيقة تظل هي الحقيقة فالإسلام هو أول دين أممي يعلن صراحة عن أئميته وأن لا فرق بين البشر أبيضهم وأسودهم عريهم وعجمهم.. فهذه هي الحقيقة حتى وإن لم يطبقها المسلمون, سواء كان الإسلام دينا "اخترعه" محمد أو "أنزل" من السماء.. وسواء كان "تقدميا" أو "رجعيا" فالحقيقة تظل هي الحقيقة» والإنسان الأتمي والدين الأثمي لا بمكن أن يكون إرهابيا. والواقع أن الاستعمار وسيلته الأولى هي احتقار الشعوب وإقناعها بأنها أقل شأنا منه, فإذا كان الاستعمار الفرنسي يضم كل عمل عريي بالرداءة خدمة عرب فإن المستعبدين الأتراك كانوا يقولون: (إن حافر حصان التركي أفضل من أي بني عربي) ولا زال الإنجليزي حتى اليوم يعتبر اندي بقرة..) 50
عدد الصفحات ٥١والاستعمار يحتقر الشعوب ويسعى لأن يقنع هي بحضارقا ثم يعمد في نفس الوقت إلى أن تحتقر فئات الشغب الواحد بعضها بعضا ويشجع على ذلك فيقوم رجاله من العساكسر والإداريين والمبشرين بنشر هذه الأفكار الخبيفة, فيقولون للقبائل أنكم أفضل من الشاوية وأكثر تمدنا وأن الشاوي بغل *مجي. ويقولون للشاوية أن القبائل عنصريين يأكلون الخترير ولا يغارون على شرفهم.. ثم يعمدون إلى تحريض هؤلاء ضد العرب والعرب ضد بعضهم وضد هؤلاء. وليس الاستعمار الفرنسي وحده الذي يفعل ذلك بل الاستعمار الإنجليزي أيضاء ففي ففي الخليج العربي والعراق مثلا حرض السنة ضد الشيعة والأكراد ضد العرب.. بل وصل الأمر في بلاد الشام إلى تحريض أهل المدن على أهل الريف كما في مصر بحري ضد الصعيد.. بل وفي منطقة الزواوة موضوع هذا الكتاب نجد الاستعمار قد دق الأسافين بين زواوة بجاية وزواوة تيزي وزو يعد قبائلي ومرابط. وللأسف الشديد فإن مثل هذه السخافات التي تخطتها الشعوب جميعا.. وهي تصنع مجد الإنسان على وجه هذه المعمورة, تجد لها عند بعض أدعياء الثقافة والتقدمية والعصرنة من الجزائريين أذانا صاغية؛ فهناك بعض منهم ينضم إلى الأكاديمية البربرية في باريس وهو يعلم أهدافها الخبيئة وبعض منهم ينضم إلى معهد العلم العربي فيها وهو يعلم أهدافه الخبيثة بل هناك نفسر بنضم إلى المؤسستين في نفس الوقت وينه ينتج إنتاجا أقل ما يمكن وصفه به أنه إنتاج يخدم أفكارا تجاوزقا البشرية فلم تعد عصرانية ول تعد تقدمية ولم تعد 51
عدد الصفحات ٥٢ثقافية, فالذي يسعى لأن يقتمل الجزائريون تحت يافطة عرب-بربر كالذي يسعى لاقتتالهم تحت يافطة مسلمون- نصارى أو يافطة عصرانيون-أصوليون» فقد اقتتل اللبنانيون مدة 15 سنة تحت هذه اليافطات وكانت النتيجة تدمير لبنان بكل فتئاته. وهذا بالضبط ما يراد بالجزائرء وبالطبع لن يشرف البربر أو العسرب في الجزائر أن يتقاتلوا تحت أي عنوان كان فضلا عن هذا العنوان العنصري البغض. والحقيقة أن ما يراد بالجزائر هو ما يراد بالوطن العربي كله فالحضارة الأوروبية التي بدأت تدخل مرحلة التدهور بعد أن وصلت قمة مهرم أخذت تخشى نهو الحضارة العربية من جديد سواء بنوب عصران حداثي علماني أو بنثوب إسلامي سلفي أو متجدد. فمن الواضح أن العرب استجابوا للتحدي وتحررت أوطافهمء وقد سجل هم التاريخ أنهم أكثر شعوب الأرض مقاومة للظاهرة الاستعمارية.. وكانت الجزائر على رأس هذه الاستجابة للتحدي.. لذلك فالحضارة الأوروبية وبدوافع شتى لا تخلوا من صليبية أيضا تسعى لأن تمنع نمو العرب فبعد أن فتتهم إلى أكثر من 23 دولة واقتطعست أجزاء منهم ومن أراضيهم أعطتها لتركيا وإيران وإثيوبيا وتتزانيا وحتى أسبانيا وأقامت إسرائيل فإنها تسعى لتفتيتهم إلى قوميات متناحرة متقاتلة فالشاوية في قتال مع القبائل وهؤلاء مع الشلوح وفي مصر الصعايدة مع السوبيين والمسلمين مع الأقباط, والعرب في لبنان مع الفينيقيين وهكذا دواليك. إذ أن الاستعمار يخلق ثقافات متضادة المزاج تمهيدا للحروب الأهلية. 52
عدد الصفحات ٥٣وفي اعتقادي أن الزواوي في حديثه عن الصفات السيسيولوجية والعادات الاجتماعية للزواوة ومقارنتها مع صفات وعادات العرب وضع يده على نقطة مهمة وهي وحدة المزاج البربري_-العربي. وهي وحدة لا نكاد نجدها مع الشعوب المسلمة الأخرى فالمزاج الفارسي مثلا يختلف اختلافا بينا عن المزاج العرب حتى أن الدول الإسلامية التي قامت في المنطقة وكانست ذات مزاج فارسي لم تعمر طويلا سواء في المغرب أو في المشرق فالدولة الفاطمية مشلا أقصر عمرا من الدولة الأموية والدولة العباسية بينما عمرت الدولة الأموية وهي أكثر الدول الإسلامية عروبة عمرت في المغرب العربي أكثر من 700 عام» وينطبق الأمر نفسه على الأتراك الذين لم تعمر دولتهم في المشرق أكفر من حمسمائة عام لنكتشف بعد ذلك أن التركي والعربي رغم أن الإاسلام -السني- يجمع بينهما إلا انما لا يملكان نفس المزاج, وينطبق هذا على الأكراد أيضا. ويذه الملاحظة الذكية يكون أبو يعلى قد فسر لنا حربما من حيث لا يقصد- لاذا كان البربر والعرب يملكان تاريخا واحدا. وحدة العشيرة كثيرا ما تتشابه أسماء العشائر والعائلات والأماكن ما بين المشرق والمغرب )وهو تشابه ليس من الممكن أن يكون من صنع (الاستعمار العربي الحلالي) كما يورد هؤلاء الذدين لا يضمرون للجزائر سوى الشر والذين يرغبون في إعادة احتلانهاء وهم الذين ظلوا يعيدون احتلانها طوال 130 سنة تقريا! لأننا في هذه الحالة لابد أن نقول أن الأسماء البربرية في المشرق العربي هي نتيجة
عدد الصفحات ٥٤(استعمار بربري) وهو أمر لا يقول به أحد ولن يصدقه أحد, لأنه أيا من كتب التاريخ (على اختلاف مدارسها) لم تذكر مغل هذا الاستعمار البربري للمشرقء إذن فإن الأمر المنطقي هو العلاقة "القدبهة جد ولمتواصطلة والمتساوية" بين الجهتين المشرق والمغربء إذ أننا نجد بعد تشابه الأماكن تشاجما في العشائر في علاقة تاريخية ثقافية قدبمة متطابقة. وهذه العلاقة وحدها التي يمكن أن تفسر لنا لماذا كان أبوليوس يعبد الههة المصريين ولماذا عبد البربر آهة الفينقيين» ولماذا كان البربر ضمن فراعنة مصر والذين كانت تتبعهم الشام والجزيرة العربة» ولماذا جوهر الصقلي البربري هو الذي بنى القاهرة المصرية ولماذا طارق بن زياد هو قائد الجيش العربي الذي فتح إسبانيا... وهي التي تفسر لنا لماذا لم تنعشر المسيحية انتشارا واسعا بين البربر رغم طول القرون بينما اعتنقوا بشكل شامل الإسلام العربي في أقل من أربعين سنة.. إنه لولا تلك العلاقات القديمة والمتواصلة والمتساوية لما أمكن للعرب إقناع البربر بالإسلام, في الوقت الذي عجزت فيه أوروبا عن إقناعهم بالمسيحية وهذه العلاقة القديمة المتواصلة والمتساوية والتشابه العشائري يفسرها النظام الاجتماعي العشائري القبلي بين البربر والعرب ويقول في ذلك آخر بحث صدر في الموضوع وهو بحث الدكتور سعد الدين إبراهيم؛ الذي سبقت الإشارة إليه. يقول في صفحة 87 (والتنظيم الاجتماعي للبربر م يختلف كثيرا عن مثيله بين العرب حيث يتمحور حول القبيلة والعشيرة, ومن البربر من استوطن واحترف الزراعة منذ قديم الأزل. ومن قبائلهم من احترف الرعي وعاش حياة البداوة... وقد حاولت فرنسا في أثناء احتلانها 54
عدد الصفحات ٥٥لأقطار المغرب, أن تحدث الفرقة بين العرب والبربر ولكن الجماعتين قاومما تلك المحاولة معا بشدة وحسم. كما اشترك العرب والبربر بالتعساوي في النضال ضد الاستعمار الفرنسي في كل بلاد المغرب) ولعلنا نلاحظ هنا أن فرنسا حاولت "تأبيد النظام الاجتماعي العشائري في منطقة القبائل بقصد منع تطور المنطقة. وحصدت غير ما كانت تتوخى إذ أنما بذلك "حافظت" دون أن ترغب. على التشابه بين هذا النظام البربري مع شقيقه العربي سواء في الجزائر أو المغرب العرب أو في الوطن العربي عموما. كما نلاحظ هنا أن الوطنية ومفهوم الوطن عند البربر مسر بسنفس المراحل التي مر يما عند العرب من فبلية وعشيرة تتنقل في عالم البداوة إلى أن تتوطن في عالم الزراعة وتبدأ رحلة الحضارة والدخول في التاريخ. كما نلاحظ أن بعض الكتب الصادرة بالفرنسية أعقاب 1988 وهصي تسعى لتشويه المفهوم الوطني لدى الجزائريين بتشويه تاريخ الثورة الجزائرية والحركة الوطنية الجزائرية قبلها تحاول أن تدق أسافين بين الجزائريين عربا وبربراء فيقول بعضها أن البربر هم صانعوا حركة النضال الجزائري ضد الاستعمار.ء وأخرى تقول أن العرب هم الذين فعلوا ذلك.. وحقيقة الحال أن الجزائريين كل الجزائريين عريهم وبربرهم قاموا معا ضد الغزوات الاستعمارية كائنا ما كان مصدرها. وذلك انطلاقا من وحدة المزاج ووحدة الوطن ووحدة النظام الالجتماعي العشائري الذي يشبه شقيقه في المشرق العربي عبر كل مراحل تطوره. 55
عدد الصفحات ٥٦والقضاء البدوي أو العرف الذي تعمل فيه العشائر في كل مكان من الأردن أوالعراق وسورية والجزيرة العربية ومصر لا يختلف كثيرا أو قليلا عن القضاء المعمول به في جبال جرجرة سواء تيزي وزو أو بجاية أو حتى التوارق» فنظام "الجماعة" هو ذاته في المشرق والمغرب وهو على كل حال يستحق الدراسة المفصلة؛ ولعل التشابه ليس فقط في أسلوبه, بل وفي هدفه. ذلك أنه يهدف في جرجرة وعسير وردفان إلى إيجاد نوع من التناغم بين القوانين التي كانت سائدة قل الإسلام والشريعة الإسلامية نفسها دون إحداث خلل كبير في البنية الاجتماعية وهذا يدل على عبقرية المجتمع العربي في كل مكان من المشرق والمغرب». ا أكد في تشريعه القرآن كثيرا من القوانين والعادات التي كانت قبله وطور بعضها بعضها وألغى البعض الآخر وحاول أن يطور النظام القبلي برمته فمن جهة يقر العشائرية والقبلية (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ومن جهة يقيم الدولة على أسس إيديولوجية وهي الدين؛ أي أن هناك محاولة واضحة للعبور با مجتمع من مرحلة العشائرية إلى القومية إلى الأثمية عبورا سلسا وهادئا دون صراع قبلي أو عرقي. وهكذا نجد أن مهمة القضاء البدوي في المشرق والمغرب هي نزع فتيل هذه الصراعات وتطويع القوانين القديمة مع الشريعة الجديدة, ونلاحظ هنا أن القوانين القديمة متشابمة فالبربر يتشددون كما يشير أبو يعلى الزواوي في قضايا الجنس وكذلك البدو في الجزيرة والشام.. وأي دارس لمسألة تطور مفهوم الجنس عند العرب وهناك كتب هامة تناولت هذا الموضوع ومنها كتاب الزواج عند العرب- يجد أن المجتمع في جرجرة وصحراء الجزائر 56
عدد الصفحات ٥٧والمشرق العربي يحمل نفس المفاهيم زمر بنفس التطورات, وهذا لا يمكن أن يتأتى من علاقة استعمارية أو علاقة عداوة. فإن اختلاف ابن الأطلس عن ابن ردفان هو لا يعدو اختلاف بطنك عن ظهرك فكلاهما أنت!! وفي اعتقادي أن هذه العلاقة ناججمة عن أن الإنسان هو نفسه في الطرفين, فالعشائر القديمة كما العشائر الحديثئة هي ذاها.. وقد أورد محمد علي مادون في كتابه جدولا بأسماء هذه العشائر والقبائل في المشرق والمغرب, وأعتقد أن كل مؤرخي أوروبا كائنا من كانوا لا يستطيعون المزايدة على العسرب (في المشرق أو في المغرب) بموضوعة الأنساب, فعلم الأنسساب-هو علم عربي مائة بالمائة, م تم به أمة كما اهتموا.. ولعلي أود هنا الإدلاء بملاحظة تتعلق بقول البعض أن في داخل التنظيم العشائري للبربر عادات لا تتفق مع الإسلام وهي أقرب إلى المسسيحية أو الوثنية. وهذه العادات التي يركز عليها مؤرخو الاستعمار تؤكد في نظري القاعدة ولا تنفيهاء كما يرغبون! فحتى اللحظة التي نعيشها في هذا القرن, هناك عادات لدى القبائل والعشائر العربية في نجد وعسير وحضرموت وعمان والعراق والشام لا تتفق مع الإسلام؛ لكنها لم تعني لسنفس الباحثين أن تلك القبائل الشامية أو اليمانية أو العراقية أها قبائل غير عربية؟! ومن هذه العادات وشم النساء وأشكال الوشم.ء فهي تتم لدى نساء المشرق والمغرب بنفس الطريقة وبنفس الأشكال. ويرجع بقاء هذه العادات (وبالتالي عدم فهمها أو محاولة تزييفها من قبل المدر سة الاستعمارية في كتابة التاريخ) إلى أن الإسلام أدخل النظام 57
عدد الصفحات ٥٨الاجتماعي العشائري نفسه في صلب عملية " الأسلمة” وهذا النظام هو الذي تولى مهمة تنحية الشوائب؛ فإن كانت القبيلة مثلا تعبد الشجرة فإن الإسلام رفض ألوهية الشجرة.. لكنه أعطاها شيئا من القداسة والاحتسرام.. "كالقسم بالتين والزيتون" وتولى النظام الاجتماعي نفسه عملية التفريق بين الألوهية و القداسة وهكذا هبوطا إلى أبسط الحالات الاجتماعية اليومية وأعقدها.. فكم هو الطلاق سهل في الإسلام والعشيرة شكلا وكم هو معقد صعب مضمونا وتنفيذا.. إن ذلك كله نظام اجتماعي عربي لا يملكه أي تشكيل قومي في أوروبا سكسونيا أو غير ساكسويء وهو متشابه في جبل ردفان وجبل جرجرة. ولعل ما يفسر كل ذلك أيضا هو أن الحضارة العربية» والبربر جزء مؤسس فيها تبدي اهتماما واسعا بالإنسان ونظام اجتمع العشائري.. وهناك مئات الكتب.. لكنها لا تبدي اهتماما بالطوائف والإثنيات.. فليس في الحضارة العربية سوى عدد ضئيل جدا من الكتب التي تتم بالإثنيات ولعل في طليعتها كتاب "الملل والنحل" فالفكر الإسلامي باعتباره نتاج تفاعلات فكر قومي قدبم تطور من مفهوم العشائرية إلى الوطنية فالقومية إلى الأثمية» لم يكن ينفي أو يلغي وجود الطوائف والاثنيات داخل التشكيل القومي للأمة العربية لكنه يركز على تطويرها نحو فكرته الأثمية عبر تماسكها الأصلي "كأرومة واحدة" ونعتقد انه نجح في ذلك نجاحا يستحق الدراسة.. فقد أرجع معظم العرب مشرقا ومغربا إلى جد واحد من جهة واعتنق معظمهم دينا واحدا على مذهب واحد تقريبا فمعظم العرب ومنهم البربر مسلمون سنة. 58
عدد الصفحات ٥٩فحوالي 80 9/0 من العرب كانوا عام 1990 يدينون بالإسلام على المذهب السني. ويدخل البربر في هذه الأغلبية سواء لجهة الدين أو المذهب. فمعظم البربر هم مسلمون سنة والملاحظ أن نسبة الشيعة القليلة لدى المسلمين العرب هي مرتفعة لدى المسلمين غير العرب. وسؤالي الآن إلى كل محاولي زراعة الفرقة وإشاعة العنصرية ولبغضاء ألا يعني هذا التطابق العشائري والديني والمذهبي بين العرب والبربر في المغرب العربي -والجزائر خصوصا- من جهة وبين هؤلاء والعرب في المشرق من جهة أخرى شيئا آخر غير الغزو الهلالي -ولاذا لم يحدث مثل هذا التطابق مع الغزو الفرنسي وهو الذي بملك إمكانيات وأدوات لسحق ثقافة الشعوب؛ لم يكن يملكها الهلاليون- أعتقد أن على مثقفي الاستعمار من أوروبيين وجزائريين وعرب أن يثبتوا لنا بأفم ليبمسوا من خريجي مستشفيات المجانين؟! أو أن يعترفوا بأفم لا تجمعهم مع شعبنا "وحدة العشيرة" التي جمعت بين حسين آبت أحمد ومحمد بوضياف وأحمد بن بلة وكريم بلقاسم ومحمد خيضر ورابح بيطاط في مرحلة من أصعب مراحل مجتمعنا ووحدة العشرة هذه هي التي جعلت المصريين والشوام والعرب عموما يحتضنون الثورة الجزائرية وخصوصا قيادييها من الأمازيغ؛ ويعتبرون الفورة ثورقم والقيادة قيادقم.. وهو أمر لم تفعله ألمانيا ولا أمريكا ولا الاتحاد السوفيايَ ولا المند سواء شعويمها أو حكرماف فلع يكن الداويذ السوفيات أو الأمريكان أو الحنود يحيون كل صباح علم بلادهم بنشيد قسما.. لقد فصل ذلك الأطفال العرب وحدهم دون أطفال العالم وقد فعلوه في كثير من الأحيان بعيدا جدا عن رأي حكامهم, 59
عدد الصفحات ٦٠فهل لدى الذين يدعون أن شعبنا لا يمت بوحدة الدم مع العرب أن يفسروا لماذا ندفع العرب في النضال من أجل الجزائر ولماذا اندفع الجزائريون وخاصة البربر في النضال من أجل فلسطين!! الوحدة التربودة ويتحدث أبو يعلى الزواوي عن الزوايا في بلاد الزواوة ومحافظصها على الثقافة والتربية والأخلاق لدى العامة وموقفهم منهاء ويقول: (إذ لا فرق بين هذه الزوايا ومؤسسات الجمعيات والشركات العلمية الخيرية المقامة بأوروبا وأمريكا بأموال أولي البر من الوصايا والأوقاف ونحو ذلك فزوايا الزواوة كذلك دخلها من أولي البر والصلاح الملتزمين بعطايا من أرزاقهم وكسبهم للمؤسس الصاح المرجو بركته) ص 46 ثم هو يربط يإحكام بين تأثير هذه الزوايا في نفسية الناس العميقة رغم ما اعتراها من ضعف في المظهر نتيجة الضغط على الأصول التربوية التي تعرض لا بعض الناس والطبقات في الزواوة. (ومن عجيب أطوار أفراد من هذه الطبقة أن ترى الواحد منهم يصلي ولا يصوم والصلاة والصوم من أركان الإسلام الخمسة كما لا يخفى لكنك تراه كبير النفس قوي العزبمة ثابت الجأش كثير الأدب لا يكذب ولا يغش ولا يداهن ولا يتملق ولا يخضع ولا يشكو ولا يطمع وهو شديد الغيرة على الإسلام يجتهد في خدمته عامل على رفع شأنه بكل قوته وإذا سمع طعنا فيه أو افتراء عليه قامت قيامته..) ص 79 60
عدد الصفحات ٦١وأعتقد أن هذا النوع من التربية التي بثتها الزوايا والذي يستقر في أعماق النفسس, هو ما عجز الاستعمار عن اكتشافه وهو موجود في المشرق فكثير لا يصومون ولا يصلون لكنهم لا يقبلون في الإسلام قدحا من أحد خاصة من الأوروبيين. عمل الاستعمار الفرنسي المعروف بين الدول الاستعمارية بعنجهيته المتزايدة, وسوء الخلق: وادعاء حمل رسالة المسيح والحضارة. على هدم الزوايا والمساجد في منطقة القبائل وشن حملة تنصير واسعة حيث اختطلف الأطفال وخاصة بعد المجاعات التي تسبب فيها الجيش الاستعماري حين حرق الزرع والصرع. ومن المعروف أن الجزائر وخاصة منطقة القبائل لم تشهد في تاريخها أية مجاعة. إلا بعد الدخول الفرنسي, فقايض المبشر "لافيجري" وجماعته من المبشرين الدين بالرغيف؛ وكان يرسل الكثير فيهم إلى فرنسا لتنصيرهم وتقول الباحثة الجزائرية خديجة بقطاش: (ومن تبقى من هؤلاء الأيتام وعددهم حوالي 378 صبيا و342 بنتا شغلوا بال لافيجري ولاسيما مستقبلهم, وحتى لا تضيع جهوده التنصيرية سدى. وسط المخحيط الذي يعيشون فيه قرر لافيجري عزهم عنه. وذلك بانشاء قرى عربية مسيحية تكون في نظره بمثابة النواة الأولى للأسرة العربية المسيحية) ص 6 -الحركة التبشيرية الفرنسية في الجزائر 1871-1830. وهكذا فإن محاولات هدم الزوايا وعدم تجديدها وحرفها عن رسالتها سواء في منطقة القبائل أو غيرها من مناطق الجزائر ومحاولات تنصير القبائل لم تتوقف حتى هذا اليوم. بل لعل حملة التنصسير اشتدت في أعقاب الحرب العالمية الأولى 61
عدد الصفحات ٦٢جنبا إلى جنسب مع اشتداد خملة التفتيت حيث شعر الاستعمار بقوتمم وضعف العرب في المشرق والمغرب على حد سواء فسعى في تمزيقهم دينيا بالدعوة إلى النصرانية, وسلاليا بالدعوة إلى البربرية وركز حملعه الدينية والعرقية على البربر» وساعده في ذلك بعض المارقين في المغرب العسربي ويقول شكيب أرسلان في كتابه "لماذا تأخر المسلون ولاذا تقدم غيرهم؟: (ليس واحد من هؤلاء ولا من في ظلهم في المغرب إلا وهو مطلع على نيات فرنسا وعلى مراميها من جهة هذا النظام الجديد لأمة البربرء وليس فيهم إلا من هو عارف بوجود جيش من القسوس والرهبان والراهبات يجوس خلال بلاد البربر ويبني الكنائس ويصيد اللقطاء والأيتام والفقراء وضعفاء الإيمان. إلى أن يقول عن هؤلاء الخونة:.. أخزى الله الذين منهم في الملشرق والذين منهم في المغرب ممن يوقعون على اقتراحات الأجانب المضرة بالسدين الوطن) ص 93-92 ويورد رشيد رضا في الصفحة 66 من كتاب شكيب أرسلان المذكور هامشا تحت رقم 3 يقول فيه: (وقد منعوا الوعاظ في شهر رمضان من الذهاب إلى بلاد البربر وكانوا يحبسون من يخالف هذا الأمر وقد أقفلوا منات من الكتاتيب القرآنية في المغرب ومئات من مثلها في الجزائر وأغلقوا دار الحديث في تلمسان واحتجت على ذلك علماء المسلمين في الجزائر فما سمعوا نها كلاما "أصر بعض رجال الدين الإسلامي في الجزائر على تعليم القرآن للأحداث فحاكموهم وحكموا عليهم بالسجن أربعة أشهر بحجة أنهم خالفوا الأوامر 62
عدد الصفحات ٦٣الصادرة. وهلم جرا). وطبعا فإنني هنا لا أفاضل بين دين ودين.. لكن التبشير الفرنسي الديني والذي ازداد نشاطه في العقد الأخير من القرن العشرين حين اضطرب المسن في الجرائر وساءت أحوال الناس الاقتصادية؛ كان ولا يزال ككل تبشسير استعماري, هو التفتيت للوحدة الفكرية للعرب والبربر خصوصا.. ذلك أن البربر ولنحدد هنا الزواوة هم على وحدة فكرية واحدة, فهم مسلمون سنة وهم بذلك يلتقون تماما مع الوحدة الفكرية للأمة العربية حيث أن 80 9/0 من العرب هم مسلمون سنة "المذهب الشيعي ينشر معظمه خارج الوطن العربي". وهذا التوحيد مع العرب له أسبابه. فكما ارتبطت النصرانية والتنصير في هذا العصر بالاستعمار الفرنسي ارتبطت في القرون الميلادية الأولى بالاستعمار الروماي بيزنطيا وغير بيزنطي, كما أن عدم الالتقاء السلالي مع الأوربيين نفر البربر منهم ويقول د.سعد الدين إبراهيم وهو باحث أمريكي من أصل مصري لم يعرف عنه الدفاع عن العروبة والإسلام, يقول في كتابه "تأملات في مسألة الأقليات" ص 86. (والبربر هم جماعة إثنية أصلية في همال أفريقياء وكانوا يمنلون أغلبية السكان الأصليين حينما وفدت إليهم جيوش العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي؛ ولأفهم سلاليا ينتمون إلى الأسرة الحامية-السامية أو الجر متوسطية التي ينتمي إليها العرب. ولأن معظم النظريات عن أصوهم ترجع يحم إلى الجزيرة العربية أو الفينيقيين, فقد سهل ذلك في عمليات التفاعل والمصاهرة والتعريب والأسلمة). 63
عدد الصفحات ٦٤