المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير سورة الفاتحة المطيري

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٨ من ٢١

118 معنى الشيطان مُشتقّ من جامع للبعد والمشقّة والالتواء والعُس. يقال: نوىً شطون: أي بعيدة شاقّة. وبئر شطون: ملتوية عوجاء بعيدة القعر. وحرب شطون: عسة شديدة. . (الشيطان فَيْعَالٌ من شَطَنَ أي: بَعُدَ) قال الخليل بن أحمد: .(شَيْطَنَ الرَّجُل وتشيطن إذا صار كالشيطان وفَعَل فِعْلَه) وقال: وحكى أبو منصور الأزهري عن بعض اللغويين أن الشيطان مشتقّ من شاط يشيط إذا احترق وهلك وقيل: إذا ذهب وبطل. ورجّح أبو منصور القولَ الأول واستشهد له بقول أمية ابن أبي الصلت يذكر سليمان النبي عليه السلام: أي ... ... ... ... ... .(أراد أيما شيطان)قال: (فكأنّ الشّيطان على هذا التّأويل فيعالٌ من شطن؛ وممّا وقال ابن جرير: يدلّ على أنّ ذلك كذلك، قول أميّة بن أبي الصّلت: أي ثمّ يلق ولو كان فعلان، من شاط يشيط، لقال أيّما شائطٍ، ولكنّه قال: أيّما ).شاطنٍ، لأنّه من شطن يشطن، فهو شاطنٌ

عدد الصفحات ١١٩

119 وقد حكى القولين جماعة من المفسين واللغوي والعرب تسمّي الرجل السيع إلى الشرّ وإلى ما يُعاب ويُنكر والبعيد عن الخير شيطاناً. قال جرير بن عطية: أزْمانَ يَدعُونَني الشّيطانَ من غزَلي وك (وإنّما سمّي المتمرّد من كلّ شيءٍ شيطانًا، لمفارقة أخلاقه قال ابن جرير: ا.هـ.وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير) معنى الرجم: ويكون في الأمور الحسية الرجم في اللغة الرمي بالشرّ وبما يؤذي ويضرّ، . والمعنوية الرجم بالحجارة، ورجم الشاطين بالشهب. فمن الأول الرجم بالقول السيء من السبّ والشتم والقذف والتخرّص. ومن الثاني: معنى الرجيم فيه قولان: أنه بمعنى مرجوم، كما يقال: لَعِين بمعنى ملعون، وقتيل أحدهما: بمعنى مقتول، وهكذا فيما كان على فَعِيلٍ وهو بمعنى مفعول. أنه بمعنى راجم، أي يرجم الناس بالوساوس والربائث. والقول الآخر:

عدد الصفحات ١٢٠

120 (وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوسقال ابن كثير: .والربائث والأول أشهر) والربائث جمع ربيثة هي هنا ما يحبس المرء عن حاجته من العلل ويثبّطه عن القيام بما يصلحه. وفي سنن أبي داوود من حديث عطاء الخراساني عن مولى امرأته أم «عثمان قال: سمعت علياً رضي الله عنه على منبر الكوفة يقول يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث .أو الربائث ويثبطونهم عن الجمعة عطاء الخراساني لينّ الحديث، وشيخه مجهول الحال. معنى و الشيطان حيثما كان فهو رجيم مذموم مقذوف بما يسوءه ويشينه، فهي صفة ملازمة لة غاية الملازمة، وهذا أقصى ما يكون في التحقير، وأبلغ ما يُتصوّر من الذلّ والمهانة. وحيثما كان فهو راجم لأتباعه بسهام الفتن وتزيين الباطل والتثبيط عن الحقّ، مجتهد في إغوائهم، وهذا غاية ما يكون من النهمة في الإفساد، واللهث في الغواية.

عدد الصفحات ١٢١

121 المراد بالب ، فالبسملة اسم لهذه ﴾ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿المراد بالبسملة هنا قول الكلمة دالٌّ عليها بطريقة النحت اختصاراً. (العرب تَنْحَتُ من كلمتين كلمةً واحدة، وهو جنس قال ابن فارس: ا.هـ.من الاختصار) واستعمال العرب للنحت قديم، ومن شواهده من شعر الجاهليين قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: وتضحك مني ش كأن لم ت (نَسَبها إلى عَبْدِ شَمْسٍ، فأَخَذَ العين والباء من (عَبْد) وأخذَ قال الخليل: الشينَ والميمَ من (شَمْس)، وأسقَطَ الدال والسِّين، فبَنى من الكلمتين ا.هـ.كلمة؛ فهذا من النَّحت) وذكر الخليل من الشواهد على ذلك قول الشاعر: أق ألمَْ يحَْزُنْ (فهذه كلمة جمُِعَتْ من حَيَّ، ومن على، وتقول منه: حَيْعَلَ ثم قال: ا.هـ.يحَُيْعِلُ حَيْعَلَةً) الباب ال

عدد الصفحات ١٢٢

122 والأصل في البسملة أنا اختصار قولك: (بسم الله)، وقد ورد لفظ البسملة في شواهد لغوية احتجّ بها بعض أهل اللغة، ومن ذلك ما أنشده الخليل بن أحمد وأبو منصور الأزهري وأبو علي القالي وغيرهم من قول الشاعر: لقد بَس في (بَسْمَلَتْ) أي: قالت: (بسم الله) استغراباً أو فزعاً. ونُسب هذا البيت مغيرَّاً إلى عمر بن أبي ربيعة. واشتهر إطلاق اسم البسملة على كلمة (بسم الله الرحمن الرحيم). (يقال: قد أكثرت من البسملة، إذا هـ): 244قال ابن السكِّيت (ت أكثر من قوله أكثرت من قول ا.هـ.قول وأكثر ما يستعمل لفظ الرحمن الرحيم). وأكثر ما تستعمل التسمية لقول (بسم الله). ويقع في كلام بعضهم استعمال اللفظين للمعنيين، والسياق يخصص المراد.

عدد الصفحات ١٢٣

123 هل تُعدُّ الب ﮦ ﴿لا خلاف في أن البسملة بعض آية في سورة النمل في قوله تعالى: اختلفوا فيما عدا ذلك، ، وإنما ﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ وهو عدّ البسملة في أول كل سورة عدا سورة براءة عل أقوال: لا تعدّ آيةً من سورة الفاتحة، ولا من أوّل كلّ سورة، القول الأول: وهذا قول أبي حنيفة والأوزاعي ومالك، وحُكي عن سفيان الثوري. أنا آية في سورة الفاتحة دون سائر سور القرآن الكريم، والقول الثاني: وعليه العدّ الكوفي والمكي كما تقدّم، وهو رواية عن الشافعي. أنا آية في أول كل سورة عدا سورة براءة، وهو قول والقول الثالث: سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وأصحّ الروايات عن الشافعي، ورواية عن أحمد، ورجَّحه النووي. - قال علي بن الحسن بن شقيق: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان الثوري، . رواه البيهقي «قال .»شعب الإيمان« في أنا آية من الفاتحة، وجزء من الآية الأولى من كل سورةالقول الرابع: عدا سورة براءة، وهو رواية عن الشافعي، وقول لبعض الشافعية حكاه الرازي في تفسيره، وذكره شيخ الإسلام وابن كثير وابن الجزري، وهو قول ضعيف. أنا آية مستقلة في أول كل سورة وليست من السور، القول الخامس: فلا تعد مع آيات السور، وهو رواية عن أحمد، وقول لبعض الحنفية.

عدد الصفحات ١٢٤

124 (هو أوسط الأقوال وبهوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: تجتمع الأدلة فإن كتابة الصحابة لها في المصاحف دليل على أنا من كتاب الله، وكونم فصلوها عن السورة التي بعدها دليل على أنا ليست منها) ا.هـ. وأصل الخلاف في هذه المسألة راجع إلى اختيار كلّ إمام للقراءة التي يقرأ بها، ولا ريب أنَّ البسملة آية من الفاتحة في بعض القراءات دون بعض. ولا ريب أيضاً أنا كانت يفصل بها بين السور، وأنّا من كلام الله ﮪ ﮫ ﮬ ﴿ وقد صحّ أنّ النبي صل الله عليه وسلم كان يقرأ تعالى، في غير ما سورة:﴾ﮭ ما في صحيح مسلم من حديث علي بن مسهر، عن المختار - فمن ذلك: بن فلفل، عن أنس بن مالك رضي الله، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: «ما أضحكك يا رسول الله قال ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴿ الرحمن الرحيم .»﴾ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ حديث أمّ سلمة رضي الله عنها في سورة الفاتحة، وقد - ومن ذلك: تقدّم. وقد تواتر النقل عن جماعة من القراء بقراءة البسملة في أوّل كلّ سورة عدا سورة براءة، والبسملة فيها رواية عن عاصم. وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على تجريد المصحف مما سوى القرآن، للفصل بين السور. ﴾ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿وكتبوا

عدد الصفحات ١٢٥

125 ولم يكتبوا (آمين) لأنا ليست قرآناً، مع أنَّ قول آمين بعد الفاتحة من السنن الثابتة. قرآن ﴾ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿ فكلّ ذلك من الدلائل الدالة على أنّ منزّل، ولا ينبغي الاختلاف في ذلك، وإنما الخلاف السائغ: الخلاف في العدد. (لم يختلف أهل العلم في نزول هـ): 458قالَ أبو بكرٍ البيهقيُّ (ت .قرآنا، وإنما اختلفوا في عدد النزول) ﴾ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿ (وفي إثبات الصحابة رسمها حيثُ كتبوها في مصاحفهم دلالةٌ قال: ا.هـ.على صحةِ قولِ من ادَّعى نزولهَا حيث كُتِبَت، والله أعلم) ولذلك كان الخلاف في العدد، وفي القراءة بالبسملة في الصلاة على ما سيأتي بيانه. وقد استقرّت مذاهب العدّ على ستة مذاهب كما سبق بيانه في باب عدد آيات سورة الفاتحة، وهي المذاهب المعتبرة عند القرَّاء، وإن كان بعض الأقوال المأثورة عن بعض القراء الأوائل في الأعداد قد اضمحلّ القائلون بها كما اندثرت بعض المذاهب الفقهية فلم يكن لها أصحاب يحملونا قرناً بعد قرن كما للمذاهب الأربعة، وكذلك الأمر في مذاهب عدّ آي القرآن. وبناء عل ما استقرّت عليه المذاهب في العدّ؛ فإنّ هذه المسألة لها فرعان: عدّ البسملة آية من سورة الفاتحة، وقد سبق البيان بأنا آية الفرع الأول: من الفاتحة في العدّ الكوفي والمكي، وليست آية منها عند باقي أهل العدد. عدّ البسملة الآية الأولى في كلّ سورة عدا براءة. والفرع الثاني:

عدد الصفحات ١٢٦

126 وقد اتّفقت مذاهب العدّ على عدم عدّ البسملة آية، وإن كانوا يقرأون بها في أوّل كلّ سورة غير براءة، لكنَّهم لا يعدّونا من آيات السورة. (وأما إثباتها آية في أول كل هـ): 643قال علم الدين السخاوي(ت ا.هـ.سورة فلم يذهب إليه أحدٌ من أهل العدد) وفي اتفاق أهل العدد على عدم عدّها آية في أوّل كلّ سورة غير الفاتحة دليل على أنّ الآخذ بهذا القول آخذٌ بقولٍ صحيحٍ لا شكَّ فيه، مع قيام الاحتمال القويّ على أنّ الأقوال المأثورة عن بعض أهل العلم في عدّها آية من كلّ سورة قد تكون صحيحة عن بعض القراء الأوائل، وأنّا مما تختلف فيه الأحرف السبعة. ومما يستدلّ به عل صحة قول من لا يعدّها آية في أوّل كلّ سورة: حديث شعبة عن قتادة عن عباس الجُشَميِّ عن أبي هريرة رضي الله .1 «عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال . رواه »﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴿ آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجه والنسائي، وغيرهم. وهو حديث رجاله أئمة معروفون غير عباس الجشمي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر في التقريب: مقبول، ولهذا الحديث شاهد عن أنس رضي الله عنه، وقد حسّنه جماعة من أهل الحديث. وسورة الملك ثلاثون آية من غير البسملة عند جمهور أهل العدد. ﯚ ﯛ ﴿ومن قال بأنا إحدى ثلاثون آية فلم يعدّ البسملة وإنما عدّ آية، كما هو في العدّ المكي، والعد المدني الأخير. ﴾ﯜ

عدد الصفحات ١٢٧

127 وحديث حماد بن زيد عن عاصم بن أبي النجود عن زرّ بن حبيش .2 « قال: قال لي أبي بن كعب قال: قلت له: (ثلاثا وسبعين آية). الحديث، رواه أحمد «فقال في مسنده، وتابع حماداً على هذه الرواية منصور بن المعتمر كما عند النسائي في الكبرى؛ فقولهما أرجح من قول من قال: (بضعاً وسبعين). وسورة الأحزاب قد أجمع أهل العدد على أنا ثلاث وسبعون آية من غير البسملة، لا خلاف بينهم في ذلك. تف في تفسير البسملة مسائل: :﴾ﮪ ﮫ﴿ ا اختلف اللغويون في معنى الباء في (بسم الله) عل أقوال أقربها للصواب أربعة أقوال، وهي أشهر ما قيل في هذه المسألة: الباء للاستعانة، وهو قول أبي حيان الأندلسي والسمين القول الأول: الحلبي، وقال به جماعة من المفسّين. الباء للابتداء، وهو قول الفراء، وابن قتيبة، وثعلب، وأبي والقول الثاني: بكر الصولي، وأبي منصور الأزهري، وابن سيده، وابن يعيش، وجماعة. الباء للمصاحبة والملابسة، واختاره ابن عاشور. والقول الثالث:

عدد الصفحات ١٢٨

128 الباء للتبرك، أي أبدأ متبركاً، وهذا القول مستخرج والقول الرابع: من قول بعض السلف في سبب كتابة البسملة في المصاحف، وأنا كتبت للتبرّك، وهذا المعنى يذكره بعض المفسين مع بعض ما يذكرونه من المعاني. والأظهر عندي أن هذه المعاني الأربعة كلها صحيحة لا تعارض بينها، وما ذكر من اعتراضات على بعض هذه الأقوال فله توجيه يصحّ به القول. ومن ذلك اعتراض بعضهم على معنى الاستعانة بأنّ الاستعانة تكون بالله وليست باسم الله؛ قالوا: الأشهر أن يقول المستعين إذا أراد الاستعانة: أستعين بالله، ولا يقول: أستعين باسم الله. وهذا الاعتراض يدفعه أنّ الذي يذكر اسم ربّه لا ريب أنّه يستعين بذكر اسمه على ما عزم عليه؛ فمعنى الاستعانة متحقق. فهو يستعين بالله تعالى حقيقة، ويذكر اسمه متوسّلاً به إلى الله تعالى ليعينه؛ وهذا هو مراد من قال بمعنى الاستعانة. وقد أرجع سيبويه معاني الباء إلى أصل واحد وهو الإلزاق؛ فقال في .(وباء الجر إنما هي للإلزاق): »الكتاب« وهذا مقبول من حيث الأصل لكن يُعبرَّ عن المعنى في كلّ موضع بما يناسبه، ولذلك استبدل ابن عاشور عبارة الإلزاق في هذا الموضع بالمصاحبة والملابسة وذكر أنا مترادفة، ومن أهل اللغة من يذكر بينها فروقاً دقيقة. والإلزاق ينقسم إلى حسيّ ومعنوي؛ فالحسيّ للمحسوسات نحو: أمسكت بالقلم، والمعنويّ نحو: قرأتُ بِنَهَمٍ.

عدد الصفحات ١٢٩

129 ثمّ يتفرَّع على الإلزاق الحسي والمعنوي أنواع أخرى؛ فقد يكون للاستعانة وقد يكون للتبرك، وقد يكون للاستفتاح، وقد يكون لغير ذلك، وقد تجتمع بعض هذه المعاني. فما اجتمع منها من غير تنافر فيصحّ القول به، ولذلك يصحّ أن يستحضرَ المبسملَ عندَ بسملته هذه المعاني جميعاً، ولا يجد في نفسه تعارضاً بينها. والغرض من التفصيل في هذه المسألة أن يتبينّ طالب علم التفسير أنّ من الأقوال في معاني الحروف ما يجتمع ولا يتنافر، وهذه قاعدة مهمة في التفسير ولها تطبيقات كثيرة في مسائل التفسير. ومن أمثلة ذلك الجمع بين أقوال العلماء في معنى الباء في قوله تعالى: . ﴾ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ﴿ فقيل: الباء للاستعانة، وقيل: للمصاحبة، وقيل: للملابسة، وقيل: للسبيية، وقيل: للتبرّك. وهذه كلها معانٍ صحيحة لا تعارض بينها. لكن مما يُنبَّه عليه ضعف بعض الأقوال التي قيلت في معنى الباء في ﴾.ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿قوله تعالى: فقيل: زائدة، وقيل: هي للقسم؛ وقيل: للاستعلاء. فأمّا القول بالزيادة فضعيف جداً، وكذلك القول بأنّا للقسم، والقسم يفتقر إلى جواب، ولا ينعقد إلا معلوماً. وأما القول بالاستعلاء فيكون صحيحاً إذا كان معنى الاستعلاء عند التسمية مطلوباً؛ كالتسمية عند الرمي، وفي أعمال الجهاد، وسائر ما يطلب

عدد الصفحات ١٣٠

130 .﴾ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴿فيه الاستعلاء كما قال الله تعالى: وهذا المعنى لا يُراد إذا كانت التسمية لما يراد به التذلل لله تعالى والتقرّب إليه كما في التسمية لقراءة القرآن. وبهذا تعلم أن معاني الحروف تتنوّع بحسب السياق والمقاصد وما يحتمله الكلام، وليست جامدة على معانٍ معيَّنة يكرر المفسّ القول بها في كلّ موضع. ﴾:ﮑ ﮒ﴿ا في فواتح ﴾ﮑ ﮒ﴿ اتفقت المصاحف على حذف الألف في كتابة ، وإثباتها في نحو ﴾ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴿السور في قول الله تعالى: ، ولم يختلف علماء رسم المصاحف ﴾ﭻ ﭼ ﭽ﴿، و﴾ﯶ ﯷ ﯸ﴿ في التزام هذا التفريق اتّباعاً للرَّسم العثماني. وقد التمس علماء اللغة وعلماء الرسم سبب التفريق فقالوا في ذلك وهو قول الفرَّاء، وإرادة ﴾ﮑ ﮒ ﴿أقوالاً أشهرها: أَمْنُ اللبس في التخفيف لكثرة الاستعمال، وهو قول جماعة من العلماء، وذكر بعضهم عللاً أخرى. ﮪ ﮫ ﮬ ﴿ (وسقطت الألف في الكتاب من فقال الزجاج: ؛ لأنه اجتمع فيها مع ﴾ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ﴿، ولم تسقط في: ﴾ﮭ ا.هـ.أنا تسقط في اللفظ كثرة الاستعمال) وبنحو ما قال الزجاج قال جماعة من أهل اللغة. : »المقنع في رسم مصاحف الأمصار «وقال أبو عمرو الداني في كتابه (اعلم أنه لا خلاف في رسم ألف الوصل الساقطة من اللفظ في الدرج إلا

عدد الصفحات ١٣١

131 في خمسة مواضع فإنا حذفت منها في كل المصاحف [فأولها: التسمية في فواتح السور وفي قوله في هود لا غير ذلك لكثرة الاستعمال فأما قوله ومرسها ا.هـ.و ا :﴾ﮑ ﮒ﴿ قوله تعالى: الجار والمجرور متعلق بمحذوف مؤخَّر، يقدّر في كلّ موضع بما يناسبه، فإذا قرأت قدّرته باسم الله أقرأ، وإذا كتبت قدّرته باسم الله أكتب. ومن أهل العلم من يقدّر المحذوف بحسب اختياره في معنى الباء؛ فيقول من رأى الباء للابتداء: التقدير: باسم الله أبدأ، أو باسم الله ابتدائي. (عند البصريين المحذوف مبتدأ، والجار قال أبو البقاء العكبري: والمجرور خبره، والتقدير: ابتدائي بسم الله، أي كائن باسم الله؛ فالباء متعلقة بالكون والاستقرار. وقال الكوفيون: المحذوف فعلٌ تقديره ابتدأت، أو أبدأ، فالجار ا.هـ.والمجرور في موضع نصب بالمحذوف) وقد ورد في القرآن تعلّق الجارّ والمجرور في مثل هذا الموضع بالاسم وبالفعل: ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴿ قول الله تعالى: فمثال تعلّقه بالاسم .﴾ﮔ .﴾ﭻ ﭼ ﭽ﴿ قول الله تعالى: ومثال تعلّقه بالفعل

عدد الصفحات ١٣٢

132 ا خلاصة ما ذكره النحاة من أسباب حذف متعلّق الجار والمجرور ثلاثة: تقديم اسم الله تعالى فلا يُقدّم عليه شيء. الأول: التخفيف لكثرة الاستعمال. والثاني: ليصلح تقدير المتعلّق المحذوف في كلّ موضع بحسبه. والثالث: فالقارئ يقدّره بما يدلّ على القراءة من اسم أو فعل، والكاتب كذلك، وكلّ من سمّى لغرض من الأغراض كالأكل والشرب والنوم وغيرها يصحّ أن يقدّر اسماً أو فعلا من ذلك الغرض يكون متعلّقاً بالجار والمجرور. وقد أحسن أبو القاسم السهيلي في نتائج الفكر البيان عن أسباب حذف المتعلّق في مثل هذا الموضع. ا الاسم اختلف في اشتقاقه عل قولين: مشتقّ من السمو، والسموّ الرفعة، وهو القول المشهور القول الأول: عن البصريين. مشتقّ من السِّمَة، وهي العلامة، فكأنّ الاسم علامة على والقول الثاني: المسمّى، وهذا القول مشهور عن الكوفيين. وقد أسهب أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن في نصرة القول الأول، وتخطئة القول الثاني بعلل صرفية تُبحث في مظانّا.

عدد الصفحات ١٣٣

133 والمقصود هنا التعريف بالقولين المشهورين في اشتقاق لفظ وقد كثر تداول هذه المسألة في كتب التفسير. ا هذه المسألة من المسائل التي طال بحثها في كتب التفسير والعقيدة واللغة، ومن أشهر من أفاض في بحثها بإسهاب: ابن جرير الطبري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وعبد الرحمن المعلّمي. وكان مما حمل بعضهم على الإطالة في بحثها ما أثاره المتكلّمون من سؤال الفرق بين الاسم والمسمّى: هل الاسم هو عين المسمَّى، أو غيره، أو لا هو عينه ولا غيره. وبحث هذه المسألة على طريقة المتكلّمين توقع في أخطاء ولا سيّما إذا بني عليها القول في مسائل اعتقادية في أسماء الله تعالى وصفاته وأسماء الأحكام الواردة في النصوص من الكفر والإيمان، والفسق والعصيان، وغيرها. وبحث هذه المسألة ومناقشة حجج المختلفين فيها يطول جداً، وأصحاب كلّ قول فهموا المسألة من وجه فقالوا بمقتضى ما فهموه، وقصرت عبارتهم عن أن تكون جامعة مانعة؛ فرأى فيها من عارضهم بعض ما يخالف ما فهموه. وسأعرض الخلاصة المُفهمة إن شاء الله تعالى بما يستغنى به كثير من طلاب العلم عن التطويل في مناقشة الأقوال وحجج أصحابها واعتراضات بعضهم على بعض.

عدد الصفحات ١٣٤