85 (والذي نعتقده أن كليه: »الن«قال الحافظ ابن الجزري رحمه ا صحيح، وأنَّ كل ذلك حق، فيكون الاختلاف فيهما كاختلاف القراءات) ا.هـ. (والفاتحة سبع آيات بالاتفاق، وقد ثبت وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ﴾ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴿ ذلك بقوله تعالى: « ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وقد كان كثير من السلف يقول البسملة آية منها ويقرؤها، السبع المثا ﴾ﭭ ﭮ﴿ وكثير من السلف لا يجعلها منها ويجعل الآية السابعة كما دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة الصحيح، وكلا القولين حق؛ فهي منها من وجه، وليست منها من وجه، والفاتحة سبع آيات من وجه تكون ﭭ ﴿البسملة منها فتكون آية. ومن وجه لا تكون منها فالآية السابعة ا.هـ. لأن البسملة أنزلت تبعاً للسور)﴾ﭮ وغرضنا في هذا الباب تلخيص كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في مسألة عدد آيات سورة الفاتحة، وما يتّصل بذلك من تفصيل أقوالهم وحججهم وتقريراتهم، وأما ما يخصّ البسملة من مسائل وأحكام فَشرَْحُها في باب تفسير البسملة.
عدد الصفحات ٨٦87 معنى ا الاستعاذة هي الالتجاء إلى من بيده العصمة من شِّ ما يُستعاذ منه والاعتصام به. قال الحصين بن الحمام المري: فع يع (يقال: عاذ فلان بربّه يعوذ عَوْذاً إذا لجأ إليه قال أبو منصور الأزهري: .واعتصم به) ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴿والعِصمة هي المنَعَة والحماية، قال الله تعالى: . ﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴿، وقال: ﴾ﯟ ﯠ ﯡ اأق الاستعاذة عل قسمين: استعاذة العبادة، وهي التي يقوم في قلب صاحبها أعمال القسم الأول: تعبّدية للمستعاذ به من الرجاء والخوف والرغب والرهب، وقد يصاحبها دعاء وتضرّع ونذر. الباب الخام
عدد الصفحات ٨٨88 وهي تستلزم افتقار المستعيذ إلى من استعاذ به، وحاجته إليه، واعتقاده فيه النفع والضر. فهذه الاستعاذة عبادة يجب إفراد الله تعالى بها، ومن صرفها لغير الله تعالى فقد أشك مع الله. ومن صرفها لغير الله فإنه لا يزيده من استعاذ به إلا ذلاً وخساراً، كما . ﴾ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴿قال الله تعالى: استعاذة التسبب، وهي ما يفعله المستعيذ من استعمال والقسم الثاني: الأسباب التي يُعصم بها من ش ما يخافه من غير أن يقوم في قلبه أعمال تعبدية للمستعاذ به. وهذا كما يستعيذ الرجل بعصبته أو إخوانه ليمنعوه من شّ رجل يريد به سوءاً، فهذه الاستعاذة ليست بشرك لخلوّها من المعاني التعبّدية، فهي أسباب تجري عليها أحكام الأسباب من الجواز والمنع بحسب المقاصد والوسائل. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول «الله صلى الله عليه وسلم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من السَّاعي، مَنْ تَشرََّفَ لها .تَسْتَشرِْفْهُ، ومَن وَجَدَ مَلْجأ أو مَعاذا فَلْيَعُذْ به ومعناهما واحد، فهي استعاذة تسبب «وفي رواية عند مسلم لا استعاذة عبادة.
عدد الصفحات ٨٩89 لوازم الاستعاذة عبادة عظيمة تستلزم عبادات أخرى قلبية وقولية وعملية: افتقار العبد إلى ربّه جلّ وعلا، وإقراره بضعفه وتذلّلـه وشدّة فمنها: حاجته إليه. أنا تستلزم إيمان العبد بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ومنها: وتدبيره وتصرّفه التامّ في الكون؛ وذلك أنّ الحامل على الاستعاذة في الأصل إيمان العبد بقدرة ربّه جلّ وعلا على إعاذته، وإيمانه برحمته التي يرجو بها قبول طلب إعاذته، وإيمانه بعزّته وملكه وجبروته وأنه لا يعجزه شيء، وإيمانه بعلم الله عزّ وجلّ بحاله وحال ما يستعيذ منه، وإحاطته بكلّ شيء، وتستلزم أيضاً إيمان العبد بسمع الله وبصره وحياته التامّة وقيّوميّته، إلى غير ذلك من الاعتقادات الجليلة النافعة التي متى قامت في القلب قياماً صحيحاً كان لها أثر عظيم في إجابة طلب الإعاذة. أنا تحمل العبد على الاستقامة على أمر الله جلّ وعلا، وحفظ ومنها: جوارحه ولسانه؛ لأنه يخشى أن يخذل بسبب ذنوبه وما فرّط فيه، فإذا ما وقع في عصيان أو تفريط أثر ذلك في قلبه خشية تحمله على المبادرة إلى التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله جلّ وعلا. أن المستعيذ تقوم بقلبه أعمال جليلة يحبّها الله تعالى، من الصدق ومنها: والإخلاص والمحبّة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والتوكّل والاستعانة وغيرها، وكل هذه العبادات القلبية العظيمة تقوم في قلب المستعيذ حين استعاذته؛ فلذلك كانت عبادة الاستعاذة من العبادات
عدد الصفحات ٩٠90 الجليلة التي يحُبّها الله تعالى ويثيب عليها، ويبغض من أعرض عن التعبّد له بها. اأثر ا عمران القلب بخشية الله وصدق ثمرات الاستعاذة بالله من أعظم الإنابة إليه، وما تثمره من التفكّر والتذكّر والتبصرّ والاستقامة. فلما يقوم بقلبه من المعرفة بالله تعالى وبأسمائه وصفاته - فأمّا الخشية والمعرفة بما كسبت نفسه وفرّطت فيه من أوامر الله؛ فيخشى سخط ربّه وعقابه. فلأجل ما يقوم في قلبه من الإقبال على ربّه، والإعراض - وأمّا الإنابة عما يصدّ عنه، وهذه الإنابة هي المقصود الأعظم للابتلاء بما يُستعاذ منه. ومتى صحّت الإنابة في قلب العبد كان من الذين يهديهم الله كما قال الله ، وقال تعالى: ﴾ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴿ تعالى: ﴾.ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴿ فلأجل أن المستعيذ صادق في طلب الإعاذة لشدّة - وأما الصدق حاجته إلى من يعصمه، واجتهاده في ذلك. ؛ فلأجل أن المؤمن يفزع إلى ربّه جلّ وعلا لا إلى - وأما الإخلاص غيره؛ فيستعيذ به وحده. فلأجل ما يقوم في قلب العبد من التفويض وعزمه على - وأما التوكّل اتّباع هدى الله.
عدد الصفحات ٩١91 فلأجل معرفته بحاجته إلى عون الله تعالى على اتّباع- وأمّا الاستعانة هداه ليعصمه من شّ ما استعاذ منه. الرجاء. والخوف والمحبّة: ومحركات القلوب إلى الله تعالى ثلاثة ؛ فإذا دَهمَ والاستعاذة تستحثّ هذه المحرّكات وتحفّزها في قلب العبد القلبَ ما يزعجه ويخاف ضرره؛ فزع إلى الله تعالى ولاذ بجانبه وأيقن أنّه لا عاصم له إلا هو: ه لطلب السلامة والعصمة مما استعاذ منه؛ . فيعظم الرجاء في الل 1 ذلك لأنّ المستعيذ إنما يحمله على الاستعاذة رجاؤه أن يستجيب له ربّه فيعيذه من شّ ما استعاذ منه. لعلم العبد بأنّه لن يخذل إلا من جهة . ويعظم الخوف من الله تعالى2 نفسه وذنبه؛ فيحمله ذلك على الاستقامة والكفّ عن المعاصي؛ لأجل ما يقوم في قلبه من خوف ردّ استعاذته بسبب ذنوبه، ولذلك كان من شأن المحسنين عند الملماّت تقديم الاستغفار والتوبة إلى الله؛ كما أثنى الله ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴿تعالى على بعضهم بقوله: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﴾.ﰃ ﰄ
عدد الصفحات ٩٢92 فسماّهم الله محسنين وبينّ أنّم يحبّهم ويحبُّ من يعملُ عملهم لمّا أحسنوا الاستعاذة به جلّ وعلا من شّ عدوّهم؛ واتّبعوا هداه بصبرهم وعزيمتهم على جهاد عدوّهم، وخوفهم من ربهّم؛ فحقّقوا بما عملوا وبما قالوا معنى الاستعاذة كما يحبّ اللهُ ويرضى، حتى جعلهم مثلاً يحثّ عباده المؤمنين من هذه الأمّة على الاتّساء بهم في ذلك. ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴿وقال تعالى: .﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ «ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال . »شعب الإيمان« رواه عبد الرزاق والبيهقيإلا ذنبَه، ولا يرجو إلا ربه في قلبه لما يرى من أثر إعاذته له ويجد من طمأنينة . وتعظم محبّة الله3 القلب في الالتجاء إليه والاعتصام به، وإيمانه بأنّ الله وليّه الذي لا وليّ له غيره. ومن قامت في قلبه هذه العبادات العظيمة كانت استعاذته من أعظم أسباب محبّة الله تعالى له، وهدايته إليه. والمقصود أنّ الاستعاذة من العبادات العظيمة التي هي من مقاصد ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴿خلق الله تعالى للإنس والجنّ كما قال الله تعالى: ، وأنا تثمر في القلب أعمالاً تعبّدية يحبّها الله من الصدق ﴾ﭷ ﭸ ﭹ والإخلاص والمحبة والرجاء والخوف والخشية والإنابة والتوكل وغيرها؛ فيحيا القلب بعد موته، ويستيقظ بعد غفلته، ويلين بعد قسوته، وتزكو النفس، وتستنير البصيرة، ويصلح العمل، وتحسن العاقبة.
عدد الصفحات ٩٣93 الحكمة من تقدير ما يُ وبما تقدّم تتبينّ لك بعض الحِكَم الجليلة من تقدير الله تعالى لما يُستعاذ منه، وخلق الأشياء المؤذية والضارة، مع ضمانه لعباده المؤمنين بإعاذتهم «إذا أحسنوا الاستعاذة به؛ كما قال تعالى في حديث الوليّ المشهور .استعاذني لأعيذنّه ولو قُدّر خلو العالم الدنيوي من الشرور التي يُستعاذ منها لفات على العباد فضيلة التعبد لله تعالى بالاستعاذة به، وفاتهم من المعارف الإيمانية الجليلة، والعبادات العظيمة ما يناسب ذلك. والنفس البشرية إذا أمِنَت المضارّ ارتاحت إلى اتّباع الهوى وطول الأمل ودخل عليها من العلل والآفات ما يسوء به الحال والمآل؛ فكان من حكمة الله تعالى أن قدّر من أقدار الشرّ ما يحمل عباده على الاستعاذة به جلّ وعلا واتّباع هداه؛ فتتطهّر قلوبهم وتتزكّى نفوسهم وتصلح أحوالهم وتحسن ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴿عواقبهم، وقد قال الله تعالى .﴾ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ فتقدير المشقّة والضرر لا يريد الله به أن يجعل على عباده المؤمنين حرجاً أو يكلّفهم ما لا يطيقون، وإنما يريد به أن يطهّرهم، وأن تتهيّأ نفوسهم لإنعامه الخاصّ الذي يختصّ به من يستجيب له ويتّبع هداه. والمقصود أنّ الحوادث والابتلاءات مجال رحب يعرّف العباد بربهّم جلّ وعلا وبأسمائه وصفاته، ليجدوا ما أخبر الله به وما وعدهم به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم صدقاً وحقاً.
عدد الصفحات ٩٤94 تحقيق ا تحقيق الاستعاذة يكون بأمرين: التجاء القلب إلى الله تعالى وطلب إعاذته بصدق وإخلاص أحدهما: معتقداً أن النفع والضر بيده وحده جلّ وعلا، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. والآخر: اتّباع هدى الله فيما أمر به ليعيذه، ومن ذلك بذل الأسباب التي أمر الله بها، والانتهاء عما نى الله عنه. فمن جمع بين هذين الأمرين كانت مستعيذاً بالله حقاً. درجات ا أمرَ الله تعالى بالاستعاذة به؛ وهذا الأمر الرباني يتضمّن وعداً كريماً بإعاذة من يستعيذ به، فمن أحسن الاستعاذة بالله تعالى أعاذه الله،كما قال ، والله تعالى لا [الله تعالى في الحديث القد يخلف وعده، ولكن الشأن كلَّ الشأن في تصحيحِ الاستعاذةِ وإحسانا؛ فإن الاستعاذة الصحيحة هي التي تنفع العبد بإذن الله تعالى، وهي التي يكون فيها صدق التجاء القلب إلى الله تعالى، واتباع هداه، فيما يأمر به العبد وينهاه، فإذا سلك العبد سبيل النجاة نجاه الله. وأما من يستعيذ بلسانِه وقلبُه معرضٌ عن صدق الالتجاء إلى الله، أو يستعيذ بلسانه ولا يتبع هدى الله فاستعاذته كاذبة.
عدد الصفحات ٩٥95 ولذلك فإنَّى الناس في الاستعاذة عل درجات أصحاب الاستعاذة الباطلة، وهي الاستعاذة التي تخلَّف الدرجة الأولى: عنها أحد شطي القبول من الإخلاص والمتابعة؛ وهؤلاء استعاذتهم من ﭨ ﴿جَهْد البلاء، لأنم يستعيذون بالله وبغيره؛ فيشركون بالله، ويدعونَ ، وكذلك أصحاب الاستعاذات البدعية مما ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ يحدثه بعض الناس من التعويذات المبتدعة، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الاستعاذة الناقصة، وهي الاستعاذة التي خلت من والدرجة الثانية: الشرك والبدعة، لكنها استعاذة ناقصة ضعيفة لما فيها من ضعف الالتجاء إلى الله، وضعف الاستعانة به، والتفريط في اتباع هداه؛ فيستعيذ أحدهم وقلبه فيه غفلة ولهو عن الاستعاذةِ. والاستعاذةُ نوع من أنواع الدعاء وقد رُوي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم والحديث حسَّنه «قال الألبانيّ رحمه الله. كلاماً معناه: الدعاء دواء »الجواب الكا«قال ابن القيّم رحمه ا نافع مزيل للداء لكن غفلة القلب عن الله تضعف قوَّته. وكذلك من يستعيذ بقلبه لكن في اتباعه لهدى الله عز وجلَّ ضعف وتهاون وتفريط فتكون استعاذته ناقصة بذلك، والاستعاذة الناقصة تنفع أصحابها بعضَ النفع بإذن الله تعالى.
عدد الصفحات ٩٦96 التي الاستعاذة الصحيحة المتقبَّىلة استعاذة المتقين، وهيالدرجة الثالثة: تنفع أصحابها بإذن الله، وهي التي تكون بالقلب والقول والعمل: ؛ فذلك بأن يكون في قلب صاحبها - فأما تصحيح الاستعاذة بالقلب التجاء صادق إلى الله جل وعلا، فيؤمن بأنه لا يعيذه إلا الله، ويتوكل على الله وحده، ويحسن الظنَّ به، ويصبر على ما يصيبه حتى يفرج الله عنه، ولا ينقض استعاذته ولا يضعفها بالاستعجال وترك الدعاء ولا بالتسخط والاعتراض. ؛ فتكون بذكر ما يشرع من التعويذات المأثورة، - وأما الاستعاذة بالقول وما في معناها مما يصحّ شعاً. ؛ فتكون باتباع هدى الله جلَّ وعلا، ولا سيما - وأما الاستعاذة بالعمل في ما يتعلق بأمر الاستعاذة. استعاذة المحسنين، وهي أعلى درجات الاستعاذة الدرجة الرابعة: وأحسنها أثراً، وأصحاب هذه الدرجة هم ممن أوجبَ الله تعالى على نفسه أن يعيذهم إذا استعاذوه، وهم الذين حققوا صفات ولاية الله تعالى كما في وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال »صحيح البخاري« «رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه؛ فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، .ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه
عدد الصفحات ٩٧97 وهؤلاء هم الذين أحسنوا الاستعاذة بقلوبهم وأعمالهم وأحوالهم؛ حتى إنم يستعيذون بالله كأنم يرون الله جل وعلا، يكثرون من ذكر الله، ويحسنون اتباع هدى الله تعالى؛ فتراهم يسارعون في الخيرات، ويكفّون عن المحرّمات، ويتورعون عن الشبهات، ويحسنون التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. فهؤلاء أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واستعاذتهم سريعة الأثر في الغالب، كما كانت استجابتهم لله تعالى سريعة لا تردد فيها ولا توانٍ. وبهذا يتبينَّ أن الناس يتفاضلون في الاستعاذة، بل أصحاب كلّ درجة يتفاضلون فيها، بل إنّ العبد الواحد تتفاضل استعاذاته فيحسن في بعضها ويقصرّ في بعضها، ومن تبصرّ بحقيقة الاستعاذة بالله، وأيقن بنفعها وعظيم أثرها على قلبه وجوارحه وحاله ومآله حرص على إحسانا. وكلما كان العبد أحسن استعاذةً كانت إعاذته أرجى وأنفعَ وأحسنَ أثراً بإذن الله تعالى. والله تعالى يبتلي عبادَه ببعض ما يُستعاذ منه؛ فمن أحسن الاستعاذة به جلّ وعلا أعاذه، واصطفاه، ورفع درجته؛ فكانت حاله بعد استعاذته أحسن وأكمل وأحبّ إلى الله من حاله قبل أن يُقدّر عليه ما استعاذ منه. وقد كتب الله حسن العاقبة لمن يتّبع هداه، وبذلك يطمئنّ المؤمن أنّه ما دام متبعاً لهدى الله فهو على خير، وإلى خير، وما أصابه مما يكره فسيفضي
عدد الصفحات ٩٨98 )1(به إلى ما يحبّ بإذن ا الاأمر با أمر الله تعالى عباده بالاستعاذة من الشيطان الرجيم في آيات من القرآن الكريم: ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴿ فقال الله تعالى: - .﴾ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﴿ وقال تعالى: - .﴾ﮇ ﮈ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴿ وقال تعالى: - .﴾ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴿ وقال تعالى: - .﴾ﯕ ﯖ وهذه الآيات تدلّ دلالة بيّنة على أن للشيطان من الشرور ما يستوجب استعاذة المسلم منه بربّه جلّ وعلا، وأنه لا سلامة من شّه وكيده إلا بتحقيق الاستعاذة بالله تعالى. إحالة: )1( قرّة العين «هذا المبحث كان من جملة مباحث تتعلّق بالاستعاذة بسطت شحها في كتاب ، وذكرت فيه مسائل ذات صلة وثيقة بموضوع هذا الباب، فأحيل إليه »بتفسير المعوّذت من أراد الاستزادة.
عدد الصفحات ٩٩99 وقد بينّ الله تعالى في مواضع كثيرة من القرآن أن الشيطان عدوّ للإنسان، وأنه إنما يريد أن يغوي بني آدم ليكونوا من أصحاب النار، وأن من أعظم حبائله الوسوسة التي يغرّ بها بعض بني آدم ويستزلهّم بها حتى يُنسيهم ما وعدهم الله به من وعد الحقّ إذا آمنوا به وأطاعوه، ولذلك جاء الأمر الصريح باتخّاذه عدوا يجب الحذر منه والانتهاء عن اتّباع خطواته. وقد جمع الله ما تقدّم من هذه الأصول العظيمة في آيتين من كتابه؛ فقال ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴿تعالى: ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ .﴾ﭼ ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿وقال تعالى: ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ . ﴾ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴿وقال تعالى: .﴾ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ .﴾ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴿وقال: اأنواع للشيطان شور كثيرة متنوّعة لا يخلو منها شأن من شؤون الإنسان؛ كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي «صلى الله عليه وسلم قال .شأنه
عدد الصفحات ١٠٠100 وقد ثبت في النصوص أن الشيطان يوسوس وينزغ ويهمز وينفخ وينفث، ويستزلّ ويضلّ، ويخوّف، ويَعِدُ ويمنّي ويزيّن الشهوات المحرمة، ويثير الشبهات المحيرة، بل له تصرفات في بعض أجساد الناس، كما صح أن التثاؤب من الشيطان، والحلم من الشيطان، والاستحاضة من الشيطان، وصراخ الطفل إذا استهل من الشيطان، والغضب من الشيطان، والعجلة من الشيطان، والالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وأن الشيطان يوهم بعض الناس أنه خرج منه ريح وهو لم يخرج، كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله «عليه وسلم قال كما يبس الرجل بدابته، فإذا سكن له أضرط بين إليتيه ليفتنه عن صلاته، فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا . إلى غير ذلك من أنواع الشرور التي تدلّ من تفكّر فيها وفي لا يشك فيه آثارها أنّه لا بدّ له من الاستعاذة بالله تعالى من شّه وكيده. وهذه الأعمال أدلتها معلومة في الكتاب والسنة وشحها يطول ويخرجنا عن المقصود من تلخيص كلام أهل العلم في تفسير الاستعاذة. درجات كيد ال ومما ينبغي أن يعلم أن كيد الشيطان عل درجات: الوسوسة، وهي أصل كيده وأوّله، وهو بلاء عامّ قد الدرجة الأولى: ابتلي به الأنبياء فمن دونم، وهو أصل الابتلاء في هذه الحياة الدنيا، لكنَّ هذه الوسوسة لا تضرّ من يتّبع هدى الله شيئاً كما قال الله تعالى في أوّل
عدد الصفحات ١٠١101 وصية أوصى بها آدم وحواء لما أهبطهما إلى الأرض وأهبط معهما إبليس ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﴿فتنة وابتلاء: .﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿وقال تعالى: .﴾ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ فهذا هو أصل الابتلاء في هذه الحياة الدنيا ليعلم الله من يتبع هداه ممن يتّبع الشيطان. . ابتلاء، واستزلال: التسلط الناقص، وهو عل نوعين والدرجة الثانية: فأمّا الاستزلال فيكون لبعض عصاة المسلمين الذين يتّبعون أ: خطوات الشيطان حتى يستزلهّم، أي: يوقعهم في الزَّلَل؛ فيتسلَّط عليهم تسلّطاً يفتنهم ويغويهم به؛ فيرتكبون بعضَ ما حرّم الله أو يتركون بعضَ ما أوجب الله؛ فيُحرمون بذلك من خير عظيم وثواب كريم، ويتعرّضون ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴿لفتنة أشدّ وعذاب أليم؛ كما قال الله تعالى: .﴾ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴿وقال تعالى: .﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﴿وقال تعالى: ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ .﴾ﯪﯫ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
عدد الصفحات ١٠٢