231 فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداءٍ وطاعةٍ وعبادةٍ إلى أنّه إنعامٌ منه ا.هـ.عليهم؟) بيان تمام نعمة الله تعالى على هذه الاأمة: قد أتمّ الله تعالى علينا نعمته بفضله ورحمته فهي نعمة تامّة غير ناقصة ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴿كما قال الله تعالى: .﴾ﮃ ﮄ ﮅ فالمراد بالنعمة هنا نعمة الهداية والبيان لما يحبّه الله عزّ وجلّ ويرضاه في كلّ شأن من شؤون المسلمين؛ فلم يترك الله أمراً يحتاج الناس فيه إلى بيان الهدى إلا وبيّنه علم ذلك من علمه وجهله من جهله. ومع تمام هذه النعمة فإنَّ المسلمون يتفاضلون في إدراك نصيبهم منها كلّ بحسب مبلغه من العلم والفقه في الدين. وتمام هذه النعمة له أثر عظيم على نفس المؤمن إذ يطمئنّ به إلى أنَّ ما يطلبه قد تكفّل الله ببيانه وأتمّ النعمة به؛ فيحمله ذلك على تدبّر القرآن والتفقّه فيه وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى يزداد نصيبه من هذه النعمة العظيمة، ويجد ما يحتاج إليه من معرفة الهدى. بيان ما يقت ذكر الإنعام في هذه الآية فيه تنبيه على وجوب شكر النعمة، فالمؤمن اللبيب إذا قرأ هذه الآية؛ علم أنَّه يطلبُ نِعمةً تقتضي شكراً، فيعزم على شكر الله تعالى عند طلبه؛ فيوفّق بصلاح نيّته وصدقه وإخلاصه إلى شكر
عدد الصفحات ٢٣٢232 هذه النعمة؛ فيكون موعوداً بمزيدٍ من فضل الله ورحمته وبركاته، ولا يزال يسأل ربّه من نعمه، ويشكره على إنعامه، وربّه يكرمه ويزيده من فضله حتى يبلغ الدرجات العلى. ﭫ ﭬ ﭭ ﴿الحكمة من الاإ :﴾ﭮ أثار ابن القيّم رحمه الله سؤالاً عن فائدة إضافة الصراط إلى الاسم الموصول المبهم دون أن يقول: (صراط النبيين والمرسلين) مثلاً. وأجاب عل هذا السؤال جواباً حسناً، وتلخيصه أن فيه ثلاث فوائد: التنبيه على علّة كونم من المُنعم عليهم، وهي الهداية؛ فبهداية إحداها: الله لهم كانوا من المنعم عليهم. قطع التعلّق بالأشخاص ونفي التقليد المجرّد عن القلب؛ والثانية: واستشعار العلم بأنّ اتّباع من أمرنا باتّباعهم إنما هو امتثال لأمر الله. أن الآية عامّة في جميع طبقات المنعَم عليهم؛ وأنه تعالى هو والثالثة: الذي هدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كلّ من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فكان ذكرهم بالوصف الجامع أوجز وأبلغ وأعمّ فائدة.
عدد الصفحات ٢٣٣233 اإ﴾ﭭ﴿فائدة اإ ولم يقل المنعَم ﴾ﭬ ﭭ ﭮ﴿وبيان هذا السؤال أنه تعالى قال: . ﴾ﭰ ﭱ﴿عليهم كما قال: وكلام أهل العلم في بيان الحكمة من ذلك يتلخّص في أمور: توحيد الربّ جلّ وعلا، والتصريح بذكر إنعامه وحدَه، وأنّه أولها: لولا إنعامه لم يهتدِ أحد إلى الصراط المستقيم، فكان ذكر الضمير أدلَّ على التوحيد من قول (المنعَم عليهم). أنَّ ذلك أبلغ في التوسّل والثناء على الله تعالى؛ فإنّ ذلك يقتضي والثاني: أنَّ كل مهتدٍ إلى الصراط المستقيم فإنّما اهتدى بما أنعم الله عليه، فيتوسّل بسابق إنعامه على كلّ من أنعم عليهم بأن يُلحقه بهم وأن يُنعم عليه كما أنعم عليهم. (فيقول السائلون: اهدنا الصراط المستقيم الصراط قال ابن عاشور: الذين هديت إليه عبيد نعمك مع ما في ذلك من التعريض بطلب أن يكونوا لاحقين في مرتبة الهدى بأولئك المنعم عليهم، وتهمُّما بالاقتداء بهم ا.هـ.في الأخذ بالأسباب التي ارتقوا بها إلى تلك الدرجات) أن هذا اللفظ أنسب للمناجاة والدعاء والتقرب إلى الله تعالى والثالث: والتضرّع إليه. أنَّ مقتضى شكر النعمة التصريح بذكر المنعِم ونسبة النعمة إليه.والرابع:
عدد الصفحات ٢٣٤234 (الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعِم بها، قال ابن القيّم رحمه الله: وأصل الشكر ذكرُ المنعِم والعمل بطاعته، وكان من شكره إبراز الضمير ﭭ ﴿المتضمّن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: من ذكره وإضافة النعمة إليه ما ليس في ذكر ﴾ﭮ قاله فضمّن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: ا.هـ.)﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴿ وقد ذكر ابن القيّم رحمه الله وغيره أوجهاً أخرى في الجواب على هذا السؤال. الحكمة من تكرار ذكر ال ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴿ أن قوله تعالى: وتوضيح هذا السؤال: فيه ذِكْرُ الصراط أولاً معرّفاً باللام، ثمّ ذكره ﴾..ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ معرّفاً بالإضافة؛ ولم يختصر ذكر الصراط مع تقارب الموضعين. فيقال في جواب هذا السؤال: أنّ ذكره في كلّ موضع له حكمة ومناسبة وفائدة لا تتحقق في غيره. كان الأهمّ للسائل أن يهُدى إلى الصراط المستقيم، ففي الموضع الأول وهو الطريق الصحيح السهل المفضي إلى العاقبة الحسنة، وأنه طريق واحد كما دلّ عليه معنى التعريف والعهد الذهني. أتى ذكر الصراط معرّفاً بالإضافة إلى الذين يُستأنس وفي الموضع الثاني: باتّباعهم واقتفاء آثارهم وليفيد بأنَّه صراط آمن مسلوك قد سلكه الذين أنعم الله عليهم ففازوا بفضل الله ورحمته وحسن ثوابه.
عدد الصفحات ٢٣٥235 (وهذا كما إذا دللت رجلا على طريق لا يعرفهاقال ابن القيّم رحمه الله: وأردت توكيد الدلالة وتحريضه على لزومها وأن لا يفارقها؛ فأنت تقول: (هذه الطريق الموصلة إلى مقصودك)، ثم تزيد ذلك عنده توكيدا وتقوية فتقول: (وهي الطريق التي سلكها الناس والمسافرون وأهل النجاة)، أفلا ترى كيف أفاد وصفك لها بأنا طريق السالكين الناجين قدرا زائدا على وصفك لها بأنا طريق موصلة وقريبة سهلة مستقيمة فإن النفوس مجبولة على التأسيّ والمتابعة فإذا ذُكِرَ لها من تتأسّى به في سلوكها أَنِسْتَ ا.هـ.واقتحمتها، فتأمّله) ولابن عاشور كلام حسن في جواب هذا السؤال أيضاً وخلاصته أن فيه تفصيلاً بعد إجمال مفيد؛ ليتمكّن الوصف الأوّل من النفوس، ثمّ يعقب بالتفصيل المبينّ لحدود الصراط وعلاماته وأحوال السالكين وأحكامهم.
عدد الصفحات ٢٣٦237 هذه آية مستقلة عند جمهور أهل العدد، وفي العدّ المكيّ والكو ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴿قوله تعالى: آية واحدة. ﴾ﭳﭴ وفي تفسير هذه الآية مسائل كثيرة ذكرها المفسّون في تفاسيرهم، والغرض في هذا الباب تلخيص أقوال أهل العلم في المسائل المتعلّقة بتفسير هذه الآية وترك التعرّض لما ليس له صلة ببيان معاني الآية وهداياتها. الاأحاديث المروية عن النبيّ هذه الاآية: ذكر المفسّون وأهل الحديث ثلاثة أحاديث عن النبي صل الله عليه وسلم عند تفسيرهم هذه الآية: حديث عديّ بن حاتم الطائي رضي الله عنه، عن الحديث الأوَّىل: «النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال . رواه أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن خزيمة في ضلال التوحيد، وابن حبان والطبراني في الكبير من طرق عن سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي به، وعباد بن حبيش مجهول. الباب الثاني ع ﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴿
عدد الصفحات ٢٣٨238 وتمام في فوائده من »الأوسط«ورواه ابن جرير الطبري والطبرا طريق عبد الله بن جعفر الرقّي عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عديّ بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله .«عليه وسلم يقول وهذا الإسناد ظاهره الصحّة ورجاله ثقات، لكن له علة وهي أن سعيد بن منصور رواه عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد مرسلاً، .»الدر المنثور«وهو كذلك في تفسير سفيان بن عيينة ك وهو جزء من حديث طويل في خبر إسلام عديّ بن حاتم رضي الله عنه. حديث بديل بن ميسة العقيلي، قال: أخبرني عبد والحديث الثاني: الله بن شقيق، أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بلقين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ ، وأشار إلى اليهود.«قال قال: فمن هؤلاء؟ يعني النصارى.«قال قال: وجاءه رجل، فقال: استشهد مولاك، أو قال: غلامك فلان، قال: رواه عبد الرزاق وأحمد ومحمد بن نصر، « وأبو يع
عدد الصفحات ٢٣٩239 - من طريق »تفسير ابن كث «ورواه ابن مردويه في تفسيره -ك إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم، قال: .«، قلت: الضالين؟ قال« وقد حسّن الحافظ ابن حجر هذا الإسناد والحديث له طرق أخرى فيها اضطراب فمنها الموصول والمنقطع، وتخريجها يطول. حديث سليمان بن أرقم البصري عن الزهري، والحديث الثالث: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قرأ «رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، ثم قال آدم، أنزلت عليك سبع آيات، ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﴿وبينك، فأما التي لي: فـ ﭢ ﭣ ﴿ ، والتي بيني وبينك:﴾ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ منك العبادة، وعليَّ العون لك، وأما التي لك: ﴾ﭤ ﭥﭦ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴿هذه لك: ﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴿فـ : النصارى ﴾ ﭲ ﭳ ﭴ ﴿ : اليهود، ﴾ﭯ ﭰ ﭱ رواه الطبراني في الأوسط. (لا يسوى حديثه وسليمان بن أرقم متروك الحديث، قال فيه أحمد: .(ليس بشيء، ليس يسوى فلساً)، وقال يحيى بن معين: شيئاً) هـ.22وأبو سلمة لم يسمع من أبيّ بن كعب، إنما ولد أبو سلمة عام
عدد الصفحات ٢٤٠240 لكن العمدة على حديث عديّ بن حاتم رضي الله عنه، فقد صححه جماعة من أهل العلم، واستشهد لصحة معناه من القرآن جماعة من أهل (وقد العلم، ومن أوفاهم عبارةً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ إذ قال: ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴿دل كتاب الله على معنى هذا الحديث، قال الله سبحانه: ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ، والضمير عائد إلى اليهود، والخطاب معهم كما دل عليه سياق ﴾ﮈ الكلام. ﴾ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ﴿ وقال تعالى: وهم المنافقون الذين تولوا اليهود باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه. ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴿وقال تعالى: ﮒ ﮓ ﴿ وذكر في آل عمران قوله تعالى: ﴾ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ وهذا بيان أن اليهود مغضوب عليهم.﴾ﮔ ﮕ إلى ﴾ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴿ وقال في النصارى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿قوله: .﴾ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق، ولهذا ناهم عن الغلو، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴿وهو مجاوزة الحد، كما ناهم عنه في قوله: ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴿ ﴾ﭖ ﭗ الآية. ﴾ﭣ ﭤ ﭥ ا.هـ.واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه)
عدد الصفحات ٢٤١241 اأقوال ال روي عن ابن مسعود وابن عباس تفسير المغضوب عليهم بأنّم اليهود، وتفسير الضالين بأنّم النصارى. فروى بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ رضي « قال﴾ﭯ ﭰ ﭱ﴿ الله عنهما في قوله تعالى: .الّذين غضب اللهّ عليهم « قال﴾ﭲ ﭳ ﭴ ﴿ .بفريتهم عليه «قال له، حتّى لا تغضب علينا كما غضبت عل اليهود، ولا تضلّنا كما أضللت النّصارى؛ فتعذّبنا بما تعذّبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم مفرقاً. وقدرتك وهذا الأثر جزء من تفسير الضحاك بن مزاحم الهلالي، وهو لم يلقَ ابن عباس، وإنما أخذ تفسيره عن سعيد بن جبير وعن عبد الملك بن ميسة وغيرهما وساق تفسيره مساقاً واحداً من غير تسمية الواسطة بينه وبين ابن عباس؛ فلذلك لا يجزم بثبوت نصّ التفسير عن ابن عباس من طريقه إذا تفرّد به، وإن كان الضحاك صدوقاً في نفسه إلا أنّ الآفة قد تكون من الواسطة، ولذلك يقع فيما يرويه عن ابن عباس في التفسير ما يُنكر. وقد روي نحو هذا التفسير مختصراً عن ابن عباس من طريق حجاج بن أرطأة عن ابن جريج عن ابن عباس، وهو منقطع.
عدد الصفحات ٢٤٢242 لكن صحّ هذا التفسير عن مجاهد بن جبر وهو من خاصة أصحاب ابن عباس ومن أعلمهم بالتفسير. وابن جريج أخذ التفسير عن أصحاب مجاهد. وروي هذا القول عن ابن مسعود ولا يصحّ عنه، وإنما نُسب إليه لما رواه ابن جرير في تفسيره من طريق السدّي الكبير عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ ﭯ ﭰ ﴿« من أصحاب النّبيّ صلىّ اللهّ عليه وسلّم في قوله تعا . هم النّصارى ﴾ﭲ ﭳ ﭴ﴿ هم اليهود، ﴾ﭱ وهذا الإسناد ليس بمتحقق أنه لهذا الأثر، وإنما هو إسناد تفسير السدّي كلّه؛ فإنّه جمع صحيفة أبي مالك الغفاري عن ابن عباس في التفسير، وصحيفة أبي صالح مولى أمّ هانئ عن ابن عباس، وصحيفة مرة الهمداني عن ابن مسعود، وجمع معها نسخاً أخرى يرويها بأسانيده عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ولم يبينّ أسانيده إلى هؤلاء الصحابة، وقد يكون فيمن روى عنهم الضعيف والمتروك، ولم يميز روايات بعضهم من بعض، وإنما وأدخل هذه الصحف بعضها في بعض، وكمَّل بعضها ببعض، وساقها مساقاً واحداً من غير تمييز، ووضع لهذا الكتاب إسنادا واحداً في أوّله؛ فكان ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما يروون ما يذكره السدّي في تفسيره مفرّقاً بإسناد واحد مخت صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما يروونه من تفسير السدي.
عدد الصفحات ٢٤٣243 ولذلك فلا يصحّ أن ينسب ما قاله في كتابه ذلك إلى ابن مسعود ولا إ ابن عباس، وإنما ينسب إلى السدّي نسبة اختيار. وأما ما يروى عن السدّي بأسانيد أخرى من غير هذا الكتاب فيختلف حكمه، والسدّي ضعّفه بعض أهل الحديث، ووثّقه الإمام أحمد، وروى له مسلم في صحيحه، وهو تابعيّ رأى أنس بن مالك وروى عنه؛ فيُقبل من رواياته ما ليس له علة أخرى في الإسناد، وليس فيه ما يُنكر من جهة المتن. رضي الله عنهم في هذه المسألة. فهذا ما روي عن الصحابة فصحّ هذا القول عن مجاهد، وزيد بن أسلم، والسدي، وأما التابعون: والربيع بن أنس البكري. وقال به من تابعي التابعين: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وآثارهم مذكورة بأسانيدها في جامع ابن وهب وتفسير ابن جرير وتفسير ابن أبي حاتم. وذكر السيوطي في الدرّ المنثور أنّ عبد بن حميد رواه عن سعيد بن جبير. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: (ولا أعلم بين المفسين في هذا الحرف اختلافا).
عدد الصفحات ٢٤٤244 بيان المراد بالمغ صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه وصف اليهود بأنَّم مغضوب عليهم، ووصف النصارى بأنّم ضالون. ولذلك توافقت أقوال السلف على تفسير المغضوب عليهم باليهود، وتفسير الضالين بالنصارى. وهذا لا يقتضي قصر هذا الوصف عليهم؛ لأنه وصف له سبب؛ فمن فعل فعلهم لقي مثل جزائهم. وقد تظافرت أقوال السلف عل: أنَّ سبب الغضب على اليهود أنَّم لم يعملوا بما علموا؛ فهم يعرفون • الحقّ كما يعرفون أبناءهم، لكنَّهم أهل عناد وشقاق وكِبرٍْ وحَسَد؛ وقسوة قلب، يكتمون الحقَّ، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويعادون أولياء الله؛ فاستحقّوا غضب الله. وأنَّ النصارى ضلوا لأنّم عبدوا الله على جهل، متبّعين في عباداتهم • أهواءهم، مبتدعين في دينهم ما لم يأذن الله به، قائلين على ربهّم ما ليس لهم به علم؛ فكانوا ضُلاّلاً لأنَّم ضيّعوا ما أنزل الله إليهم من العلم، ولم يسترشدوا به، وعبدوا الله بأهوائهم، وغلوا في دينهم، واتخّذوا أحبارهم ورهبانم أرباباً من دون الله؛ بطاعتهم فيما يشرّعون لهم من العبادات، وفي تحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرّم الله؛ فضلّوا بذلك ضلالاً بعيداً.
عدد الصفحات ٢٤٥245 التحذير من م وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حذر أمّته من التشبّه باليهود والنصاري، وأخبر أنَّ من هذه الأمّة من سيتبع سننهم؛ كما في الصحيحين من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي « الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ، قلنا: يا شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم .« رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال من حديث حسان بن عطية، »سنن أبي داوود« و»مسند الإمام أحمد«و عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله .«صلى الله عليه وسلم ولأجل هذا اشتهر تحذير السلف رحمهم الله تعالى من التشبه باليهود والنصارى؛ لئلا يصيب من تشبّه بهم من جنس ما أصابهم من الجزاء. (روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم عن قال ابن تيمية رحمه الله: «النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الترمذي: حديث صحيح. ) ضالون (كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من وقال سفيان بن عيينة: .اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى) (احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد وكان غير واحد من السلف يقول: .الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون) ﮤ ﴿فمن عرف الحقَّ ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم: .﴾ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ
عدد الصفحات ٢٤٦246 ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال ا ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿ فيهم: )﴾ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ا.هـ. الحكمة من تمييز الفريقين بو أثار ابن جرير الطبري سؤالاً عن الحكمة من تخصيص اليهود بوصف الغضب عليهم، والنصارى بوصف الضلال مع تلازم الوصفين، وكون الفريقين ضُلالاً مغضوباً عليهم؛ لما تقرّر من أنّ المغضوب عليه ضالّ غير مهتدٍ، وأنّ الضالّ سالكٌ سبيلاً يستحقّ به غضب الله. ثمّ أجاب على هذا السؤال بجواب تعقّبه فيه ابن عطية وتتابعت أجوبة وذكروا في أجوبتهم أوجهاً حسنة، وتلخيصها: المفسّين على هذا السؤال، أن الله تعالى وَسَم كلَّ طائفة بما تُعرفُ به، حتى صارت كلّ صفة .1 كالعلامة التي تعرف بها تلك الطائفة، وهذا حاصل جواب ابن جرير أنَّ أفاعيل اليهود من الاعتداء والتعنّت وقتل الأنبياء وغيرها .2 أوجبت لهم غضباً خاصّا، والنصارى ضلوا من أوّل كفرهم دون أن يقع منهم ما وقع من اليهود، وهذا حاصل جواب ابن عطية. اليهود أخص بالغضب لأنم أمة عناد، والنصارى أخص بالضلال .3 لأنم أمة جهل، وهذا جواب ابن القيّم وتبعه تلميذه ابنُ كثير رحمهما ا (الشقاء والكفر ينشأ من : »بدائع الفوائد«وقال ابن القيم رحمه ا عدم معرفة الحق تارة، ومن عدم إرادته والعمل به أخرى..
عدد الصفحات ٢٤٧247 فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به، وإيثار غير عليه بعد معرفته؛ فلم يكن ضلالا محضاً. وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه؛ فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوباً عليهم ضالين. ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره، وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق، والبغي يمنعه من إرادته؛ كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفا وبيانا وإرشادا وإلهاما وتوفيقا وإعانة؛ فيعلمه ويعرفه، ثم يجعله مريدا له قاصدا لاتباعه؛ فيخرج بذلك عن طريقة المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم، والضالين ا.هـ.الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال) سببي سلبِ نعمة الهداية: وظهر لي وجه آخر، وهو التنبيه على .4 استحقّ سلب نعمة الهداية؛ لمقابلته نعمة ا فمن ترك العمل بالعلم- تعالى بما يُغضب الله إذ لم يتّبع الهدى بعد معرفته به؛ كما فعلت اليهود. الذي جاء من عند الله ضلَّ عن الصراط ومن أعرض عن العلم - المستقيم، وابتدع في دين الله ما لم يأذن به الله؛ كما فعلت النصارى. واستحضار هذا المعنى مما يقوّي في نفس المؤمن الحرص على اتّباع هدى الله واجتناب ما يعرّض العبد للحرمان من نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم.
عدد الصفحات ٢٤٨