المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير سورة الفاتحة المطيري

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ١٣ من ٢١

199 فالظالمون لأنفسهم من الذين اصطفاهم الله هم أصحاب الكبائر من المسلمين؛ اصطفاهم الله على غيرهم من الكفار والمنافقين، وهم على ظلمهم لأنفسهم موعودون بدخول الجنّة لصحّة إسلامهم لكنّهم على خطر من العقوبة على بعض ذنوبهم. والمقتصدون هم المتقون. والسابقون بالخيرات هم المحسنون، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بمنّه وكرمه، وأن يهدينا لما هداهم إليه. :﴾ﭧ﴿ معنى فسؤال الهداية هنا يتضمَّىن : أي أرشدنا ووفقنا لاتّباع هداك؛﴾ﭧ﴿ . سؤال هداية الدلالة والإرشاد، وسؤال هداية التوفيق والإلهام فبهداية الدلالة والإرشاد يُبصر المرءُ الحقّ ويتبينّ حقيقته وعلاماته، .1 ويبصر الباطل ويتبينّ حقيقتَه وعلاماته؛ فيميّز الحقَّ من الباطل، والهدى من الضلال، والطيّب من الخبيث، وما يقرّب إلى الله مما يباعد منه. وهذه الهداية يتفاضل فيها المهتدون تفاضلاً كبيراً: فمنهم من يزيده الله هدى وبصيرة حتى يكون من الموقنين أولى أ: البصائر والألباب، ويجعل الله له نوراً يمشي به، وفرقانا يفرق له بين الحقّ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴿والباطل؛ كما قال الله تعالى: .﴾ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ

عدد الصفحات ٢٠٠

200 وهذه البصيرة التي أنزلها الله تعالى في هذه الآية هي من الهداية التي يهدي بها من يشاء من عباده؛ وهي دالة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيماناً وأتقى لله تعالى كان نصيبه من هذا الفرقان أعظم، وكلما ضعف إيمانه ونقص تقواه ضعفت بصيرته. ومنهم من يكون له أصل الهداية التي يميّز بها الكفر من الإسلام، ب: ويعرف بها كثيراً من حدود الله تعالى كفرائض الدين وكبائر الذنوب، لكن يكون في بصيرته ضعفٌ عن معرفة إدراك كثير من شعائر الإسلام، ومقاصد الدين؛ فيكون له نصيب من هذه الهداية بقدر ما معه من الفقه في الدين. وبهداية التوفيق والإلهام يٌوفَّق المرء لاتّباع هدى الله تعالى، وامتثال .2 أمره، واجتناب نيه، وتصديق خبره، فيحبِّب الله إليه الإيمانَ والعمل الصالحَ ويزيّنه في قلبه، ويعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته، فيكون مهتدياً حقاً. وهذه الهداية هي أصل الفلاح والفوز، وهي لا تتحقق للعبد إلا بتحقّق المرتبة التي قبلها؛ فيكون جامعاً بين العلم النافع والعمل الصالح. مقا إذا تبينّ ما تقدّم من معنى سؤال الهداية، ومعرفة مراتبها، ودرجات المهتدين فيها؛ فاعلم أنّ لكل داعٍ بالهداية مقصدٌ من دعائه؛ والله تعالى يعطي كلَّ سائل ما أراده بسؤاله.

عدد الصفحات ٢٠١

201 فأهل الإحسان مقصدهم جمع مراتب الهداية وبلوغ أعلى درجاتها؛ ويشهدون شدّة حاجتهم إلى أن يُبصرّهم الله بالحقّ في جميع شؤونم، وأن يجعلهم مريدين لاتّباع هداه، وأن يوفّقهم ويعينهم على ذلك. ومَن دونم كلٌّ بحسب مقصده وعزيمته وصدق إرادته، حتى يكون منهم من يذكر الدعاء وهو لا يدري ما يقول. وقد رُوي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: .« ورواه ابن المبارك من حديث صفوان بن سليم مرسلاً والحديث حسَّنه بعض أهل العلم لتعدد مخارجه، وإن كانت أسانيده لا تخلو من ضعف. للنسائي من حديث »السنن الكبرى« و»سنن أبي داوود«ويشهد له ما سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عنمة، أن عمار بن «ياسر قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لينصرف، وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، خمسها .ربعها ثلثها نصفها ورواه الإمام أحمد من طريق سعيد المقبري عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، أن عمارا صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، لا أراك إلا قد خففتهما. قال: هل نقصت من حدودها شيئا؟

عدد الصفحات ٢٠٢

202 قال: لا، ولكن خففته قال: إني بادرت بهما السهو، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول حتى انتهى إلى آخر العدد.وتسعها، أو ثمنها، أو سبعها رواه أبو «وقال سفيان الثوري .»الحلية«نعيم وأما ما اشتهر على ألسنة بعض الوعاظ والعلماء من رفع حديث: (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها). فلا أصل له بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا قريب منه، ولعله مما فُهِم بالمعنى فاشتهر لفظه خطأ. وقد نسبه ابن تيمية في مواضع من كتبه إلى ابن عباس موقوفاً عليه، ولا أعلم له إسناداً في شيء من دواوين السنة التي بين أيدينا. لكن المعنى مستفاد من دلالة حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه، ومن عمل بعض الصحابة رضي الله عنهم. قال أبو رجاء العطاردي: قلت للزبير بن العوام رضي الله عنه: ما لي أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة؟ ، وأبو »شح مشكل الآثار«. رواه الطحاوي«فقال . »معجم الصحابة«القاسم البغوي وفي رواية عند أبي نعيم في الحلية أنه قال: (ولكنكم أهل العراق يطيل أحدكم الصلاة حتى يغيب في صلاته).

عدد الصفحات ٢٠٣

203 اختلاف اأحوال ال مما ينبغي التفطّن له ومعرفة أثره العظيم: اختلاف أحوال السائلين عند سؤالهم الهداية، فلا يستوي سؤال أهل الإحسان في دعائهم وسؤال المقصرّين فيه. وقد دلّت الأدلّة الصحيحة على أنّ الله تعالى ينظر إلى قلوب عباده، وأنّ لما ينبعث منها من أعمال له شأنه واعتباره العظيم عند الله تعالى، كما قال الله ﮏ ﮐ ﮑ ﴿، وقال تعالى: ﴾ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴿ تعالى: ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ .﴾ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ .﴾ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴿وقال تعالى: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴿وقال تعالى: .﴾ﭤ ﭥ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴿وقال تعالى في شأن المنافقين: .﴾ﮘ ﮙ والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول «الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم في صحيحه، وأحمد وابن حبان ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وغيرهم من طريق جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

عدد الصفحات ٢٠٤

204 إذا تبينَّ ذلك؛ فما يقوم بقلب العبد عند الدعاء من شهود الاضطرار إلى هداية الله، والإنابة إليه تعالى وخشيته، وما يصحب ذلك من الخوف والرجاء، والصدق والإخلاص، والتوكّل على الله، وحسن الظنّ به؛ كلّ ذلك من الأعمال القلبية العظيمة التي إذا صاحبت الدعاء كان الداعي أسعد بالإجابة والإثابة. ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﴿وقد قال الله تعالى: ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ . ﴾ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ فهاتان الآيتان تدلان دلالة بيّنة على أنَّ من كان هذا حاله في دعائه فهو من أهل الإحسان، وأنَّ رحمة الله قريب منه. ومن كان في دعائه شيء من التقصير والتفريط والإساءة كان حظّه من دعائه بقدر ما أحسن فيه. ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ومن اشتدّ حرصه على رضوان الله تعالى وكرمه وثوابه ودخول جنَّته والفوز بشرف رؤيته تعالى كان خوفه مما يحول بينه وبين ذلك أعظم. ولذلك فإنَّ أهل الإحسان أشدّ الناس حرصاً على الهداية وبصيرة بعظم الحاجة إليها في جميع شؤونم لما يبصرونه من كثرة الفتن والابتلاءات، وما يعتبرون به من أنواع العقوبات التي حلّت بالمسيئين؛ فأورثهم هذا الفقه من المعارف الجليلة والبصائر النافعة والأعمال التعبّدية ما طهرت به قلوبهم، وزكت به نفوسهم، وخشعوا به لربهّم جلّ وعلا في صلاتهم؛ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿فكان من ثوابهم تحقّق فلاحهم كما قال الله تعالى:

عدد الصفحات ٢٠٥

205 ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ الآيات. ...﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ تلخي الذين يسألون الله تعالى الهداية ليسوا سواءً في هذا السؤال العظيم، بل يتفاضلون فيه من وجوه: حضور القلب عند الدعاء؛ فليس دعاء الغافل اللاهي كدعاء أحدها: المدرك الواعي. الإحسان في الدعاء؛ فليس من يدعو الله تعالى بتضرّعٍ والوجه الثاني: وتقرّبٍ خوفاً وطمعاً؛ ويشهد اضطراره لإجابة الله دعاءه كمن هو دون ذلك. فمن كان من أهل الإحسان في الدعاء كان نصيبه من الإجابة أعظم وأكمل، ومن كان دونه كان نصيبه بقدره، وقد جعل الله لكلّ شيء قدراً. مقاصد الداعي من سؤال الهداية، فإنما الأعمال بالنيات، والوجه الثالث: ولكلّ امرئ ما نوى، والله يعلم قصد كلّ سائل من سؤاله، ولذلك فإنَّ الأكمل للإنسان أن يقصد بسؤاله الهداية التامة التي يبصر بها الحقّ، ويتّبع بها الهدى، وأن يهديه بما هدى به عباده المحسنين.

عدد الصفحات ٢٠٦

206 الهداية منّة من الله تعا الهداية للحقّ منَّةٌ من الله تعالى، لا تكون إلا به، وكلّ الناس ضالّون إلا من هداهم الله، كما في الحديث القدسي الجليل الذي رواه مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله [عليه وسلم عن ربّه جلّ وعلا أنه قال .هديتُه فاستهدوني أهدكم والناس لا يهتدون إلى شيء ينفعهم في دينهم ودنياهم إجمالاً وتفصيلاً إلا بالله تعالى. وقد جَعَل الله تعالى الهداية للحق علامة بيّنة على استحقاقه للعبادة، ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴿وبطلان عبادة ما سواه؛ كما قال الله تعالى: ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ . ﴾ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﴿وقال تعالى: .﴾ﮜ ﮝ ﴾ﭷ﴿ والضمير ﴾ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴿ وقال تعالى: هنا لإفادة الحصر، أي هو وحده الذي يهدي السبيل. ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴿وقال تعالى: . ﴾ﮛ ﮜ والآيات في هذا المعنى كثيرة، كلّها تبينّ أنَّ الله تعالى هو الذي يمنّ بالهداية على من يشاء من عباده، وأنَّ الله يحول بين المرء وقلبه؛ فإن شاء أن

عدد الصفحات ٢٠٧

207 يقيم قلبه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه ولذلك كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بتثبيت قلبه؛ كما في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله «صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول .دينك فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ .«قال وقد روي نحو هذا الحديث عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهود هذه الحقيقة يدفع عن العبد طغيان الشعور بالاستغناء عن طلب الهداية الذي هو من أعظم أسباب الحرمان. الحكمة من اشتهر في كتب التفسير وغيرها السؤال عن الحكمة من سؤال المسلم الهداية إلى الصراط المستقيم وقد هداه الله إلى الإسلام، وكذلك الحكمة من تكرار هذا الدعاء في كلِّ ركعة، ولم أقف على ذكر أوّل من أثار هذا السؤال، والذي يظهر أنّ هذه المسألة لم تكن مشكلة عند السلف حتى يُسأل عنها، وإنما نشأ السؤال بعدهم، وللمفسّين كلام مشتهر في الجواب على هذا السؤال الكبير، وما تقدّم شحُه من المسائل كافٍ بإذن الله تعالى في إيضاح الجواب، لكن تلخيص أقوال أهل العلم فيما أجابوا به على هذا

عدد الصفحات ٢٠٨

208 السؤال نافع بإذن الله تعا فذهب ابن جرير وأبو إسحاق الزجاج وأبو جعفر النحاس وجماعة من اللغويين إلى أنّ المعنى: ثبّتنا على الهدى. وهم مهتدون: ثبّتنا على الهدى، كما ﴾ﭧ﴿ (ومعنىقال الزجاج: تقول للرجل القائم: قم لي حتى أعود إليك. تعني: اثبُتْ لي على ما أنت ا.هـ.عليه) وشيخ الإسلام ابن تيمية أطال بحث هذه المسألة في مواضع من كتبه، وله عناية بالجواب على هذا السؤال لاتّصاله بالردّ على بعض أهل الأهواء الذين أساؤوا فهم هذه المسألة. ﭧ ﭨ ﴿(وهذا كما يقول بعضهم في قوله: ومما قاله في ذلك: فيقولون: المؤمن قد هُدي إلى الصراط المستقيم؛ فأي ﴾ﭩ ﭪ فائدة في طلب الهدى؟ ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى كما تقول العرب للقائم: قم حتى آتيك. - أو يقول بعضهم: أَلْزِم قلوبنا الهدى؛ فحذف الملزوم. - ويقول بعضهم: زدني هدى. وإنما يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم الذي يَطْلُب العبدُ الهداية إليه؛ فإنَّ المراد به العمل بما أمر الله به، وترك ما نى الله عنه في جميع الأمور.

عدد الصفحات ٢٠٩

209 والإنسان وإن كان أقرَّ بأن محمداً رسول الله، وأن القرآن حقٌّ على سبيل الإجمال؛ فأكثر ما يحتاج إليه من العلم بما ينفعه ويضره وما أمر به وما نى عنه في تفاصيل الأمور وجزئياتها لم يعرفْه، وما عرفه فكثير منه لم يعمله، ولو قدر أنه بلغه كلُّ أمرٍ ونيٍ في القرآن والسنة؛ فالقرآن والسنة إنما تُذكر فيهما الأمور العامة الكلية لا يمكن غير ذلك، لا يذكر مايخصّ به كل عبد. ولهذا أُمِرَ الإنسان في مثل ذلك بسؤال الهدى إلى الصراط المستقيم، والهدى إلى الصراط المستقيم يتناول هذا كله: يتناول التعريف بما جاء به الرسول مفصلاً.- ويتناول التعريف بما يدخل في أوامره الكليات.- ويتناول إلهام العمل بعلمه؛ فإن مجرد العلم بالحق لا يحصل به - الاهتداء إن لم يعمل بعلمه. ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿ولهذا قال لنبيه بعد صلح الحديبية أوَّلَ سورة الفتح ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴿ وقال في حق موسى وهارون ﴾ﭥ ﭦ ا.هـ. )﴾ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ وله في مواضع أخرى من كتبه كلام حسنٌ في الجواب على هذا السؤال، ولتلميذه ابن القيّم رحمه الله عناية أيضاً بالجواب على هذا السؤال.

عدد الصفحات ٢١٠

210 وتلخيص الجواب عل هذا السؤال: أن دخول المسلم في الإسلام هو أصل الهداية؛ لكنّه يحتاج إلى هدايات كثيرة متنوّعة ومتجددة، وبيان ذلك من وجوه: أن الهداية قائمة على العلم والعمل، وهما يتفاضلان؛ فيحتاج المؤمن .1 إلى البصيرة في الدين، وإلى الإعانة على الطاعة، والعصمة من الضلالة كلّ أمرٍ من أموره. أنّ الهداية الإجمالية لا تغني عن الهداية التفصيلية. .2 أن القلب يتقلّب، وحاجة المرء إلى سؤال الله تعالى التثبيت والهداية .3 دائمة متجددة أن الفتن التي تعترض المؤمن في يومه وليلته كثيرة متنوّعة ومن لم .4 يهده الله ضلّ بها، وكم أصابت الإنسان المقصرّ من فتنة تضرر بها وبعقوباتها ولو أنَّه أحسن الاستعاذة بالله منها وسؤاله الهداية لَسَلِم من شّ كثير. أنّ لكل عبد حاجات خاصّة للهداية، بما يناسب حاله، فهو محتاج .5 إلى أن يمدّه الله بتلك الهدايات، وإن لم يهده الله لم يهتد ﴾ﭧ﴿ معنى لا خلاف في أنّ المنفرد يدعو بهذا الدعاء كما أنزله الله تعالى بصيغة الجمع ، وأن هذا الدعاء وإن كان من المنفرد فهو دعاء صحيح، قد وعد ﴾ﭧ﴿ «الله عبده الإجابة عليه، كما في الحديث القدسي المتقدّم ذكره ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴿ .قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ﴾ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ

عدد الصفحات ٢١١

211 ﴾ﭧ﴿ السؤال عن الحكمة من الإتيان بضمير الجمع في قوله: ولمّا أثير مع أنَّى الداعي قد يكون منفرداً، اختلف العلماء في جوابه عل ثلاثة أقوال: لأنَّ كلَّ عضو من أعضاء العبد وكل حاسة ظاهرة القول الأول: وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به فأتى بصيغة الجمع تنزيلاً لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه، وهذا القول حكاه ابن القيّم (عرضت هذا الجواب على شيخ عمّن لم يسمّه ثم قال: »بدائع الفوائد« في الإسلام ابن تيمية فاستضعفه جداً، وهو كما قال؛ فإن الإنسان اسم للجملة لا لكل جزء من أجزائه وعضو من أعضائه، والقائل إذا قال: « لجملته ظاهرِه وباطنِه؛ فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألة تخصه يفرد ا.هـ.لها لفظة) فهذا القول ضعيف، وإنما ذكرته ليعلم. ليتضمّن دعاؤه الدعاء لإخوانه المسلمين بالهداية؛ والقول الثاني: فيكون له أجر بالدعاء لنفسه ولإخوانه، وليحظى بدعوة الملَك له بمثل ما دعا لإخوانه، وهذا القول ذكر معناه ابن كثير في تفسيره. لأنّه ﴾ﭧ﴿(ثمّ يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: قال: ا.هـ.أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة) وهذا القول وإن كان صحيحاً في نفسه إلا أنه لا يستقلّ بالجواب. ﭢ ﭣ ﴿ الجمعُ هنا نظير الجمع في قوله تعالى: والقول الثالث: ، ومطابق لهما، وهذا جواب ابن القيّم رحمه الله ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ، وقد أحسن فيه وأجاد. »بدائع الفوائد«تعا

عدد الصفحات ٢١٢

212 ﭢ ﭣ ﭤ ﴿(الصواب أن يقال هذا مطابق لقوله: فقال: والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم ﴾ﭥﭦ فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته؛ فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاش عبيدك مقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه: نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك فيكون هذا أحسن وأعظم موقعاً عند الملك من أن يقول أنا عبدك ومملوكك، ولهذا لو قال: أنا وحدي مملوكك استدعى مقته؛ فإذا قال: أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم؛ لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثيرٌ جداً، وأنا واحدٌ منهم وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك فقد تضمن ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد فتأمله وإذا تأملت أدعية ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴿القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: ونحو دعاء آخر البقرة وآخر ﴾ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ا.هـ.آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن الكريم) الحكمة من تعدية فعل الهداية بنف تعدية فعل الهداية في القرآن له أنواع: ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﴿ كما في قوله تعالى: - فيأتي معدّى بإلى ﮒ ﮓ ﮔ ﴿ وقوله: ﴾ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴿وقوله: .﴾ﮕﮖ

عدد الصفحات ٢١٣

213 وقوله﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴿ كما في قوله تعالى: - ويأتي معدّى باللام ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴿، وقوله: ﴾ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ﴿ .﴾ﭥ ﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴿ كما في هذه الآية - ويأتي معدّى بنفسه .﴾ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴿وقوله: وقد اختلف العلماء في دلائل هذا التنويع في تعدية الفعل، وهذه المسألة من دقائق مسائل التفسير البياني، وكثير من العلماء يتجوّزون في التعبير عن الجواب؛ لأنَّ غاية المفسّ تقريب المعنى، وهذا يتأدّى بأيّ عبارة مقاربة تحصل بها الإفادة. والقاعدة في مثل هذه المسائل مراعاة معاني الحروف، وما يحتمله السياقُ من المعاني المضمَّنة بالتعدية، وما يناسب مقاصد الآيات، وهذا يختلف من موضع لآخر. تضمّن فعل ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴿ففي قوله تعالى: الهداية معنى الدعوة أي تهديهم وتدعوهم إلى صراط مستقيم؛ ففيه بيان أنّك على الهداية وأنّك مع اهتدائك تدعوهم إلى صراط مستقيم دعوة حقّ لتعدية فعل الهدى بإلى في هذا الموضع أربع فوائد أنت مهتدٍ فيها؛ فكان ظاهرة: الحكم بأنّك على الهدى.الأولى: الحكم بأنّ دعوتك دعوة هداية. والثانية: الإفادة بأنك تدعوهم إلى صراط مستقيم لا إلى غيره.والثالثة:

عدد الصفحات ٢١٤

214 اختصار اللفظ وحسن سبكهوالرابعة: ﮛ ﮜ ﴿وأما في قوله تعالى عن أنبيائه صلى الله عليهم وسلم، فيضمّن الفعل ﴾ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ما يناسب السياق من معنى الإيصال والأخذ بأيديهم إلى ما تقرّ به أعينهم من المراتب العالية في الهداية. فليس كلّ تعدية بحرف يكون المعنى جامداً عليها؛ إذ لا بدّ من مراعاة السياق. وأما تعدية فعل الهداية باللام فهو لتحقيق ثمرة الهداية وبيان اختصاصها ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴿بالمهتدي، فقوله تعالى عن أهل الجنة: . ﴾ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ فالمشار إليه ما هم فيه من النعيم الذي هو من ثمرات هدايتهم. أي يهدي من استهداه حتى يكون على ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴿وقوله: الحقّ، ولو قال: يهدي إلى الحق، لكان المعنى محتمل الاختصاص بهداية ﴾ ﭰ ﭱ﴿الدلالة والبيان، لكن المراد هنا تحقيق ثمرة الهداية وأن الله أي يهيّئ لعبده ما يتحقّق به أنّه على الهدى. وأنت إذا عرض لك عارضٌ ثمَّ اتّبعت هدى الله فحصلت لك الطمأنينة وفرّج الله عنك كربك ووجدت ثمرة اتّباعك للهدى من السكينة والطمأنينة وانشراح الصدر قلتَ: الحمد لله الذي هداني لهذا، أي هيأ لي هذا الذي أنعم به، واختصّني به.

عدد الصفحات ٢١٥