182 اأق• الناس في العبادة والاستعانة عل أقسام: - فأفضلهم الذين أخلصوا العبادة والاستعانة لله تعالى؛ فكانوا من أهل ، وهم على درجات لا يحصيهم إلا ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿ من خلقهم؛ لأن المسلمين يتفاضلون في إخلاص العبادة وفي الاستعانة تفاضلاَ كبيراً؛ ومن أحسن في هذين العملين فهو سابق بالخيرات بإذن ربه. - وقد يقع لدى بعض المسلمين تفريط وتقصير في إخلاص العبادة والاستعانة؛ فيحصل لهم بسبب ذلك آفات وعقوبات. فالتقصير في إخلاص العبادة تحصل بسببه آفات عظيمة تحبط العمل أو تنقص ثوابه كالرياء والتسميع وابتغاء الدنيا بعمل الآخرة، وأخف من هؤلاء من يؤدي هذه العبادات لله لكن لا يؤديها كما يجب؛ فيسيء فيها ويخلّ بواجباتها لضعف إخلاصه وضعف إيمانه. والتقصير في الاستعانة تحصل بسببه آفات عظيمة من الضعف والعجز والوهن فإن أصابه ما يحِبُّ فقد يحصل منه عجب واغترار بما يملك من الأسباب، وإن أصابه ما يكره فقد يصاب بالجزع وضعف الصبر. وكلا التفريطين لا يحصل لصاحبهما طمأنينة قلب ولا سكينة نفس ولا تطيب حياته حتى يحقق هذين العملين الجليلين. وبهذا يعلم المؤمن أنَّ كماله وسعادته ورفعة درجاته بحسب إحسانه في عبادة ربّه واستعانته به.
عدد الصفحات ١٨٣183 ولابن القيّم رحمه الله تعالى كلام حسن أقسام الناس في العبادة والاستعانة باعتبار آخر، وفي كلامه طول على حسنه؛ فتركته خشية التطويل، وذكرت هذه المسألة لبيان التفاضل في هذه الأعمال وما ينبني عليه من أحكام، حتى يتبينّ المتأمّل تناسب الأعمال والأحكام، وانقسام الناس فيها إلى أقسام، وفقه هذه المسائل مهمّ جداً، ويفيد طالب العلم في جواب كثير من الأسئلة التي يثيرها السائلون. اأنواع ا • الاستعانة بالله تعالى عل أنواع: - فأفضلها وأحبها إلى الله تعالى: الاستعانة بالله على طاعة الله، وكلما كان المؤمن أشد حباً لله ورجاء في فضله وخوفاً من سخطه وعقابه كان على هذا الأمر أحرص، وعرف أن حاجته إليه أشد. والمؤمن مأمور بأن يستعين الله تعالى في جميع شؤونه حتى في شسع نعله فإنه إذا لم ييسه الله لم يتسير، وقد روي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مختلف في صحته، ومعناه صحيح، وقد أمر الله تعالى بالسؤال وهو يشمل فضله في الدنيا ﴾ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴿من فضله فقال: والآخرة. لكن من الناس من يغلب عليه الاستعانة بالله لتحقيق المطالب الدنيوية حتى تشغله عن المطالب الأخروية؛ فإن تحقق له ما يطلب من أمور الدنيا فرح به وضعفت رغبته في الاستعانة بالله تعالى على طاعة الله، وإن حُرمه ابتلاء واختباراً جزع وسخط؛ فهذا النوع في قلوبهم عبودية للدنيا، وقد
عدد الصفحات ١٨٤184 تُعجَّل لهم مطالبهم فتنة لهم ثم تكون عاقبتهم سيئة ﭑ ﭒ ﴿وسبب ذلك أنم شابهوا الكفار فيما ذمهم الله به؛ فقال تعالى: ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ .﴾ﮉ ﮊ ﮋ وهم وإن لم تبلغ بهم إرادتهم للدنيا مبلغاً يرتكبون به ما يخرجهم من دائرة الإسلام من ترك الصلاة أو ارتكاب أي ناقض آخر من نواقض الإسلام إلا أنَّم لمّا بلغ حبّهم للدنيا ما جعلهم يتركون بعض الواجبات ويرتكبون بعض المحرمات عمداً كان ذلك دليلاً على ضعف إخلاصهم العبادة لله تعالى؛ وكان في قلوبهم عبودية صغرى للدنيا يستحقّون بها من العذاب وضنك المعيشة ما يناسب جرمهم وتفريطهم. وقد علموا أنَّ أصل بلاء الكفار إيثارهم الحياة الدنيا على الآخرة كما .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴿ قال تعالى: ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﴿وقال: .﴾ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ .﴾ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ﴿وقال: فمن شابههم في بعض أعمالهم التي ذمّهم الله عليها استحقّ من العذاب بقدر مشابهته لهم.
عدد الصفحات ١٨٥185 ﴾ﭤ ﭥﭦ ﴿ على ﴾ﭢ ﭣ ﴿الحكمة من تقديم • هذه المسألة من مسائل التفسير البياني، وهي مسألة ظهرت عناية المفسّين بها واشتهرت، وتعددت أقوالهم فيه وكثرت، وتنوّعت مسالكهم في الجواب عنها، والبيان عن حِكَم هذا التقديم العجيب، في سورة قد أُحكمت غاية الإحكام. وأشهر الأقوال في هذه المسألة ستة أقوال: الحكمة مراعاة فواصل الآيات في السورة، وهذا القول القول الأول: ذكره البيضاوي وجهاً وكذلك النسفي وابن عاشور وغيرهم. أنه لا فرق في المعنى بين تقديم العبادة على الاستعانة والقول الثاني: (لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا والعكس، وهذا القول قاله ابن جرير قال: سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل- كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه . كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك، أو قلتَ: أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة. لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ. فكذلك سواءٌ قول القائل: اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك، وقوله: ا.هـ.اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ) وهذا القول فيه نظر.
عدد الصفحات ١٨٦186 أن العبادة أعم من الاستعانة، لأن الاستعانة نوع من القول الثالث: أنواع العبادة فقدم الأعم على الأخص، وهذا القول ذكره البغوي في تفسيره. أن العبادة هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها، وهذا القول الرابع: قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه، وقال به ابن كثير في تفسيره. ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿ (قال في الفاتحة:قال ابن تيمية: ﭤ ﴿ لأنه المقصود لنفسه﴾ﭢ ﭣ﴿فقدَّم قوله: لأنه وسيلة إلى ذلك، والمقاصد مقدمة في القصد والقول ﴾ﭥ ﭦ ا.هـ.على الوسائل) ﭤ ﴿ على ﴾ﭢ ﭣ ﴿(وإنما قدم: وقال ابن كثير رحمه الله: لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، ﴾ﭥ ﭦ ا.هـ.والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم) أنه لبيان أن عبادة العبد لربه لا تكون إلا بإعانة الله القول الخامس: تعالى وتوفيقه وهذا مما يستوجب الشكر ويذهب العجب فلذلك ناسب أن يتبع قوله: (إياك نعبد) بـ(إياك نستعين) للاعتراف بفضل الله تعالى في توفيقه للعبادة والإعانة عليها، وهذا القول ذكره البيضاوي وجها، وألمح إليه أبو السعود. (ووجه قول ابن عاشور إذ قال في التحرير والتنوير: القول السادس: أن ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﴿على قوله: ﴾ﭢ ﭣ ﴿تقديم قوله: العبادة تَقَرُّبٌ للخالق تعالى فهي أجدر بالتقديم في المناجاة، وأما الاستعانة
عدد الصفحات ١٨٧187 فهي لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدِّم المناجي ما هو من عزمه وصنعه على ما يسأله مما يعين على ذلك، ولأن الاستعانة بالله تتركب على كونه معبوداً للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على الاستعانة في التعقل . وقد حصل من ذلك التقديم أيضاً إيفاء حق فواصل السورة المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو ا.هـ.القريب في مخرج اللسان) وفي المسألة أقوال أخرى حتى أوصلها الألوسي في روح المعاني إلى أحد عشر وجهاً، وفي بعضها نظر. ﭢ ﴿وهذه الأقوال كما ترى مبناها على تلمّس الحكمة من تقديم ، وقد تقرر أنَّ الله تعالى حكيم ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ على ﴾ﭣ عليم، وأن الله قد أحكم كتابه غاية الإحكام، وأن القرآن قد بلغ الذروة العليا في الفصاحة وحسن البيان، فلذلك قد يجتمع في المسألة الواحدة من المسائل البيانية حِكَمٌ متعدّدة ويتفاوت العلماء في إدراكها وحسن البيان عنها. والقاعدة في مثل هذه المسائل أن يُقبل ما يحتمله السياق وترتيب الكلام ومقاصد الآيات وغيرها من الدلالات بشرطين: أن يكون القول في نفسه صحيحاً.أحدهما: أن يكون لنظم الآية دلالة معتبرة عليه. والثاني: ومن أمعن النظر في هذه الأمور وكانت له معرفة حسنة بعلم البيان تبيّنت له حكم متعدّدة في غالب الأمر، بل ربّما ظهر له من الدلائل ما مدارج «غفل عن ذكره كثيرون، كما فعل ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه
عدد الصفحات ١٨٨188 في جوابه على هذا السؤال؛ فقد أحسن بيان جملة من الحكم »السالك والأسرار البديعة التي لا تكاد تجدها في كتب التفسير بمثل تنبيهه وبيانه، وقد استفاد أصلها من شيخه ابن تيمية لكنَّه بنى على هذا الأصل من التفصيل والتفريع ما أجاد فيه وأفاد. (تقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم فقال رحمه الله: الغايات على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خُلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها. ﭤ ﴿متعلق بألوهيته واسمه ﴾ﭢ ﭣ ﴿- ولأن ﴾ﭢ ﭣ﴿متعلق بربوبيته واسمه ﴾ﭥ ﭦ كما قدم اسم ﴾ﭤ ﭥ ﭦ﴿ على السورة. قِسْم ﴾ﭢ ﭣ﴿- ولأن قِسْم ﴾ﭤ ﭥ ﭦ﴿هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به، و »﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴿العبد؛ فكان من الشطر الذي له، وهو إلى آخر السورة. - ولأن عابد لله عبودية تامة مستعين به ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم، ولهذا كانت قسم الرب. - ولأن - ولأن
عدد الصفحات ١٨٩189 - ولأن مخلص ومن غير مخلص. - ولأن ع من التعرض لصدقته. - ولأن بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم، والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدا، حتى يقضي العبد نحبه. به، وما له ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ له، و ﴾ﭢ ﭣ ﴿- ولأن مقدم على ما به، لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه، وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار، والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته: طاعتهم وإيمانم، فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. ﭤ ﴿ على ﴾ﭢ ﭣ ﴿فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم ا.هـ.)﴾ﭥ ﭦ
عدد الصفحات ١٩٠190 (وإتيانه بقولهوذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وجهاً حسناً فقال: فيه إشارة إلى أنه لا ﴾ﭢ ﭣ﴿ بعد قوله: ﴾ﭤ ﭥ ﭦ﴿ ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر، ﮘ ﴿وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيناً واضحاً في آيات أخر كقوله: .)﴾ﮙ ﮚ :﴾ﭢ ﭣ﴿معنى النون في قوله تعالى: • في هذه المسألة أقوال لأهل العلم: المراد الإخبار عن جنس العباد والمصليّ فرد منهم، ذكره القول الأول: ابن كثير. إن ذلك ألطف في التواضع من (إياك أعبد) لما في الثاني والقول الثاني: من تعظيمه نفسه. إنّ ذلك أبلغ في التعظيم والتمجيد، وهو قول ابن والقول الثالث: (الإتيان بضمير الجمع في الموضعين : »بدائع الفوائد«القيم رحمه الله؛ قال أحسن وأفخم فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاش عبيدك مقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه: نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك؛ فيكون هذا أحسن وأعظم موقعاً عند الملك من أن يقول: أنا عبدك ومملوكك. ولهذا لو قال: أنا وحدي مملوكك استدعى مقته؛ فإذا قال: أنا وكلّ من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم؛ لأن ذلك يتضمن
عدد الصفحات ١٩١191 أن عبيدك كثير جداً وأنا واحد منهم، وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك، وطلب الهداية منك؛ فقد تضمَّن ذلك من الثناء على الربّ بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ ا.هـ.الإفراد؛ فتأمله) الإتيان بضمير الجمع أغيظ للمشركين، وأبلغ في الثناء والقول الرابع: (وفي العدول عن ضمير على الله، وهو قول ابن عاشور إذا قال في تحريره: الواحد إلى الإتيان بضمير المتكلم المشارَك الدلالة على أن هذه المحامد صادرة من جماعات، ففيه إغاظة للمشركين إذ يعلمون أن المسلمين صاروا في عِزة ومَنَعة، ولأنه أبلغ في الثناء من أعبد وأستعين لئلا تخلو المناجاة عن ثناء أيضاً بأن المحمود المعبود المستعان قد شهد له الجماعات .وعرفوا فضله) النون للتعظيم الذي يُشعِر به شفُ العبادة، وهذا والقول الخامس: القول ذكره الرازي في تفسيره، وفيه نظر. والأقوال الأربعة الأولى حسنة، ويجمعها أنّ الإتيان بضمير الجمع يتضمن إقرار القارئ بأنه إنما هو عبد من جملة العباد الذين يعبدون الله وحده ويستعينون به ولا يشركون به، ويضاف إليها بيانُ أن الجملة في خبرية متضمّنة ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ خبرية، وفي ﴾ﭢ ﭣ ﴿ معنى الطلب. فالإتيان بضمير الجمع في مقام الإخبار أبلغ في التعظيم والتمجيد، من (إيَّاك أعبد).
عدد الصفحات ١٩٢192 والإتيان بضمير الجمع في مقام الطلب أبلغ في التوسّل، فأضاف إ التوسّل بالتوحيد التوسّل بكرمه تعالى في إعانة إخوانه المؤمنين؛ كأنّ المعنى (أعنّي كما أعنتهم) فهي في معنى (اهدني فيمن هديت). ﴾:ﭥﭦ﴿و ﴾ﭣ﴿فائدة الإتيان بالفعل المضارع في • الإتيان بالفعل المضارع هنا لإفادة التجدّد والتكرار. فائدة تحول الكلام من الغيبة إلى الخطاب:• وهذا ما يُسمّى بالالتفات في علم البلاغة، وله فوائد في تنويع الخطاب، والبيان عن التنقّل بين مقامات الكلام، والتنبيه على نوع جديد من الخطاب يستدعي التفكّر في مناسبته، واسترعاء الانتباه لمقصده. (وتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف قال ابن كثير رحمه الله: الخطاب له مناسبةٌ، لأنّه لمّا أثنى على اللهّ فكأنّه اقترب وحضر بين يدي اللهّ وفي هذا دليلٌ ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴿تعالى؛ فلهذا قال: على أنّ أوّل السّورة خبرٌ من اللهّ تعالى بالثّناء على نفسه الكريمة بجميل ا.هـ.صفاته الحسنى، وإرشادٌ لعباده بأن يثنوا عليه بذلك) في الآية مرتين:﴾ ﭢ﴿ فائدة تكرر• في الآية مرتين له فائدة، وقد اجتهد العلماء في التماس ﴾ ﭢ﴿تكرّر بحسب اختلاف ﴾ﭢ﴿(وتكررت هذه الفائدة؛ فقال ابن عطية: ا.هـ.الفعلين، فاحتاج كل واحد منهما إلى تأكيد واهتمام) مرة أخرى دلالة على تعلق هذه ﴾ﭢ﴿ (وفي إعادة قال ابن القيم: الأمور بكل واحد من الفعلين، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء
عدد الصفحات ١٩٣193 لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت لملك مثلا: إياك أحب، وإياك أخاف، كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره، ما ليس في ا.هـ.قولك: إياك أحب وأخاف) .(وكرّر للاهتمام والحصر) وقال ابن كثير: وقد تطرّق بعض المفسّين إلى مسائل في هذه الآية لم أذكرها اختصاراً، وهي عل أنواع: التي لا يختلف بها المعنى، وعامتها - فمنها مسائل تتعلّق بالقراءات قراءات شاذّة؛ فتركت ذكرها وتفصيل كلامهم فيها اختصاراً. ليس من مقصدي في هذا - ومنها مسائل نحوية وإعرابية وعلل صرفية التفسير التوسّع فيها، وإنما أذكر من المسائل اللغويّة ومسائل القراءات ما له أثر على المعنى، أو كان لذكره فائدة تتصل ببيان بعض المسائل التي نحتاج إلى ذكرها. ، وقد اكتفيت - ومنها مسائل استطرادية في العقيدة والفقه والسلوك بذكر ما أرى لزوم معرفته لفقه معاني الآيات والاهتداء بهداياتها، وما زاد عن ذلك من التفصيل فيبحث في موضعه.
عدد الصفحات ١٩٤195 مق هذه الآية دعاء ومسألة لله تعالى، وهي مقصود العبد بعدما تقدّم من الحمد والثناء والتمجيد لله تعالى، والتوسّل إليه بإخلاص العبادة والاستعانة له، وما يتضمّن هذا الإخلاص من البراءة من الشرك وما يقدح في إخلاص العبادة لله تعالى، والبراءة من الحول والقوّة إلا به تعالى. كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴿«يرويه عن ربّه تبارك وتعا ﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ .قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل وهذا الدعاء الذي اصطفاه الله تعالى لهذه الأمّة ورضيه لها، وفرضه عليها؛ أعظم الدعاء وأنفعه، وأحبّه إلى الله، وقد وعدها الإجابة عليه؛ فمن أحسن الإتيان بما دلَّ عليه أوّل هذه السورة كان أسعد بإعطاء مسألته، وإجابة دعوته في آخرها. (أنفع الدعاء، وأعظمه وأحكمه قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴿دعاء الفاتحة: ؛ فإنه إذا هداه هذا الصراط ﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ الباب العا ﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴿
عدد الصفحات ١٩٦196 أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه ش، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لكن الذنوب هي من لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى في كل ا.هـ.لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب) (والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء وقال أيضا: الله المتقين كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة، مع علمهم بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائما في أن يهديهم الصراط ا.هـ.المستقيم؛ فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين) وإذا حصلت الهداية حصل ما يترتب عليها من النصر والرزق والتوفيق وأنواع الفضائل والبركات، وما تطلبه النفس من أحوال السعادة، ومن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. بيان مراتب الهداية: الهداية عل مرتبتين: ثمرتها: هداية الدلالة والإرشاد، وهي هداية علمية، المرتبة الأولى: العلم بالحقّ، والبصيرة في الدين. ثمرتها: هداية التوفيق والإلهام، وهي هداية عملية، والمرتبة الثانية: إرادة الحقّ والعمل به. ولا تتحقّق الهداية إلا بالجمع بين المعنيين؛ وهو مقتضى الجمع بين العلم والعمل.
عدد الصفحات ١٩٧197 ولذلك فإن من لم يعرف الحقّ لا يهتدي إليه، ومن عرفه لكن لم تكن قلبه إرادة صحيحة له فهو غير مهتدٍ. ويطلق لفظ ﴾ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴿تارة كما في قوله تعالى: ﭥ ﭦ ﴿. وقوله: ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴿ وقوله تعالى: .﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴿ويأتي تارة مراداً به المعنى الثاني كما في قوله تعالى: أي ﴾ﯱ ﯲ﴿ وقوله تعالى: ﴾ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ بعملهم الصالح وسيرتهم الحسنة. ﯮ ﯯ ﯰ ﴿ويأتي تارة بما يحتملهما كما في هذا الموضع، وقوله تعالى: .﴾ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﰐ ﰑ ﰒ ﴿ويطلق لفظ الهدى على معانٍ أخر كما في قوله تعالى: المراد به الإلهام الفطري لكلّ الكائنات بما تقوم به ﴾ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ مصالحها، وهذا من دلائل ربوبيّته تعالى. درجات المهتدين: والمهتدون عل ثلاث درجات: الذين تحقق لهم أصل الهداية، وهم الذين هداهم الدرجة الأولى: الله لأصل الإسلام اعتقاداً وقولاً وعملاً، فأدّوا ما صحّ به إسلامهم، واجتنبوا نواقض الإسلام، مع اقترافهم لبعض الكبائر وتفريطهم في بعض الواجبات؛ فأصحاب هذه الدرجة مسلمون، لهم نصيب من الهداية
عدد الصفحات ١٩٨198 بحسب ما معهم من الإيمان علماً وعملاً، لكنَّهم ظالمون لأنفسهم بسبب ما ارتكبوا من المعاصي. وهؤلاء وإن كانوا موعودين بدخول الجنّة إلا أنّم مستحقون للعقاب والعذاب الأليم على بعض ما اقترفوا من المحرّمات وما فرّطوا فيه من الواجبات؛ فمنهم من يُعذّب في الدنيا بأنواع من العذاب، ومنهم من يعذّب في قبره، ومنهم من يعذّب في عرصات يوم القيامة، حتى يكون منهم من يعذّب في النار حتى يُطهّر من ذنوبه فلا يدخل الجنّة إلا هو طيّب قد ذهب عنه خَبَثُه، ويعفو الله عمن يشاء. المتقّون، وهم الذين هداهم الله لفعل الواجبات وترك والدرجة الثانية: المحرمات؛ فنجوا بذلك من العذاب، وفازوا بكريم الثواب. المحسنون، وهم أكمل الناس هداية، وأحسنهم عملاً، والدرجة الثالثة: وهم الذين هداهم الله لأن يعبدوه كأنّم يرونه، فاجتهدوا في إحسان أداء الواجبات، والكفّ عن المحرّمات، وأحسنوا التقرّب إلى الله تعالى بالنوافل حتى أحبّهم. وأصحاب كلّ درجة يتفاضلون فيها تفاضلاً كبيراً لا يحصيه إلا من خلقهم. ﭣ ﭤ ﭥ ﴿وقد جمع الله هذه الأصناف الثلاثة في قوله تعالى: ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ .﴾ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ
عدد الصفحات ١٩٩