166 البسملة، وغرضها الاستعانة بالله تعالى والتبرّك بذكرفالموضع الأول: اسمه واستصحابه على تلاوة القرآن وتدبّره وتفهّمه والاهتداء به؛ فيكون لذكر هذين الاسمين في هذا الموضع ما لا يخفى من المناسبة، وأن التوفيق لتحقيق هذه المقاصد إنما يكون برحمة الله تعالى، والتعبّد لله تعالى بذكر هذين الاسمين مما يفيض على قلب القارئ من الإيمان والتوكّل ما يعظم به رجاؤه لرحمة ربّه، وإعانته على تحقيق مقاصده من التلاوة. ﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ﴿ والموضع الثاني: جاء فيه ذكر هذين الاسمين بعد ذكر حمد الله تعالى وربوبيّته العامّة للعالمين؛ فيكون لذكر الاسمين في هذا الموضع ما يناسب من معاني رحمة الله تعالى وسعتها لجميع العالمين، وأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء، وأنه تعالى عظيم الرحمة كثير الرحمة فيكون ذكر هذين الاسمين من باب الثناء على الله تعالى تقدمة بين يدي مسألته التي سيسألها في هذه السورة. وإذا ظهر الفرق بين مقصد ذكر هذين الاسمين في البسملة، وبين ذكرهما بعد الحمد؛ ظهر للمتأمّل معنى جليل من حكمة ترتيب الآيات على هذا الترتيب البديع المحكَم. وقد أساء من حمََل على من يعدّ البسملة آية من الفاتحة؛ بأنه لو كانت الآية من الفاتحة لكان تكرار هذين الاسمين لغوا لا معنى له، وهذه زلَّة لا ينبغي أن تصدر من مؤمن، واختيار المرء قراءة من القراءات أو مذهباً من مذاهب العدّ لا يسوّغ له الطعن في غيره مما صحّ عند أهل ذلك العلم، بل تُعتقد صحّة الجميع، والاختيار فيه سعة ورحمة، ويدخله الاجتهاد.
عدد الصفحات ١٦٧167 بيان مق مقصد هذه الآية تمجيد الله تعالى والتفويض إليه؛ كما صحَّ في الحديث القدسي المتقدّم ذكره؛ فقد وردت فيه الروايتان في صحيح مسلم: فأمَّا تمجيد العبد لربّه بذكر ملكه ليوم الدين فتدلّ عليه لوازم هذا الوصف العظيم ودلائله الباهرة؛ التي تدلّ على عظمة ملكه تعالى، وكثرة جُنده، وكمال قوّته، وقهره لعباده، وقدرته على بعثهم بعد موتهم، وسعة علمه فلا يعزب عنه شيء، وإحاطته بكلّ شيء، وإحصائه أعمال عباده، وسرعة حسابه ومجازاته إياهم، وعدله في جزائه، ورحمته وإحسانه لأوليائه، وعزَّته وشدّة انتقامه من أعدائه، وحكمته الباهرة في موافقة الجزاء للعمل، وقدرته على توفية كلّ عاملٍ جزاءه، إلى غير ذلك من المعاني العظيمة، والصفات الجليلة الباهرة؛ التي هي من أظهر معاني تمجيد الله تعالى. وأمَّا التفويض إلى الله تعالى فيدّل عليه تلاشي كلّ ملك دون ملك الله تعالى، واضمحلال قدرة كلّ أحد على أن يملك لنفسه أو لأحد غيره شيئاً، فلم يبق إلا التفويض لله تعالى، وهذا المعنى كما دلَّ عليه لازم معنى الآية، ونصّ الحديث القدسي، دلَّ عليه أيضاً قول الله تعالى في سورة الانفطار: ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴿ . ﴾ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ الباب الثامن: تف ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿
عدد الصفحات ١٦٨168 فيوم الدين هو يوم التفويض التامّ إلى الله تعالى من الخلق كلّهم برّهم . ﴾ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ﴿وفاجرهم والمؤمن إذا تلا هذه الآية معتقداً معانيها عالماً بمقاصدها هداه ذلك إلى تمجيد الله تعالى والتفويض إليه؛ فينفعه هذا التمجيد والتفويض يوم يلقى ربَّه في ذلك اليوم العظيم. القراءات في الاآية في هذه الآية قراءتان سبعيتان متواترتان: بإثبات الألف بعد الميم، وهي قراءة ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ الأولى: عاصم والكسائي. بحذف الألف، وهي قراءة نافع ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ والثانية: وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء وحمزة وابن عامر. بيان معنى القراءتين أمَّا المَلِك فهو ذو المُلك، وهو كمال التصرّف والتدبير ونفوذ أمره على من تحت ملكه وسلطانه. تفيد الاختصاص؛ [وإضافة المَلِك إلى يوم الدين لأنه اليوم الذي لا مَلِكَ فيه إلا الله؛ فكلّ ملوك الدنيا يذهب ملكهم وسلطانم، ويأتونه كما خلقهم أوَّل مرة مع سائر عباده عراة حفاة غرلاً؛ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﴿كما قال الله تعالى: .﴾ﯽ ﯾﯿ
عدد الصفحات ١٦٩169 وأمَّا المالك فهو الذي يملِكُ كلَّ شيء يوم الدين، فيظهر في ذلك اليوم عظمة ما يَـمْلِكه جلَّ وعلا، ويتفرّد بالمِلك التامّ فلا يملِك أحدٌ دونه شيئاً إذ يأتيه الخلق كلّهم فرداً فرداً لا يملكون شيئاً، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﴿ولا ضراً، ولا يملك بعضهم لبعضٍ شيئاً . ﴾ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ فالمعنى الأولّ صفة كمال فيه ما يقتضي تمجيد الله تعالى وتعظيمه والتفويض إليه، والمعنى الثاني صفة كمال أيضاً وفيه تمجيد لله تعالى وتعظيم له وتفويض إليه من أوجه أخرى، والجمع بين المعنيين فيه كمال آخر وهو اجتماع المُلك والمِلك في حقّ الله تعالى على أتمّ الوجوه وأحسنها وأكملها؛ فإذا كان من الناس من هو مَلِكٌ لا يملِك، ومنهم من هو مالكٌ لا يملُك، فالله تعالى هو المالك الملِك، ويوم القيامة يضمحلّ كلّ مُلك دون ملكه، ولا يبقى مِلكٌ غير مِلكه. المراد بـ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴿هذه الآية يفسّها قول الله تعالى: . ﴾ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ فالمراد بيوم الدين هنا هو يوم القيامة، من غير خلاف بين المفسّين، وسمّي يوم الدين لأنه يومٌ يُدان الناس فيه بأعمالهم، أي يجازون أي جزاءهم ﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ﴿ ويحاسبون، كما قال الله تعالى: الذي يستحقونه. أي الجزاء كائن لا بدّ منه. ﴾ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ﴿وقال تعالى:
عدد الصفحات ١٧٠170 قال﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿قال قتادة في قوله تعالى: العباد بأعمالهم ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ معنى الاإ الإضافة في مالك يوم الدين لها معنيان: إضافة على معنى (في) أي هو المالك في يوم الدين؛ ففي المعنى الأول: يوم الدين لا يملك أحد دونه شيئاً. إضافة على معنى اللام، أي هو المالك ليوم الدين.والمعنى الثاني: . (إن معنى مالك يوم الدين: أنه يملك مجيئه ووقوعه)قال ابن الساج: ذكره أبو حيان. وكلا الإضافتين تقتضيان الحصر، وكلاهما حقّ، والكمال الجمع بينهما. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
عدد الصفحات ١٧١171 ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿تف مق• فيما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ «وسلّم .قال فهذه الآية قسمها الله تعالى بينه وبين عبده: حقّه جلّ وعلا، وهو إفراده بالعبادة. فقسمها الأوَّىل: سؤال العبد الإعانةَ من الله وحده دون ما سواه. وقسمها الآخر: فمن قام بحقّ الله تعالى في القسم الأول أعطاه الله ما سأله في القسم الآخر. وقد اشتملت هذه الآية عل: التبرؤ من كلّ معبود يُعبد من دون الله تعالى؛ ففيها معنى .1 ا والتبرؤ من الاستعانة بغيره جلّ وعلا؛ وذلك مستلزم للإيمان .2 بقدرته تعالى على الإعانة؛ ففيها معنى الباب التا ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿
عدد الصفحات ١٧٢172 فإخلاص العبادة يستلزم الكفر بكلّ ما يُعبد من دون الله تعالى، وأن يكون القلب سليماً لله تعالى ليس فيه تعلّق بغيره. وإخلاص الاستعانة يستلزم التوكّل على الله تعالى، وتفويض الأمور إليه، ورجاء عونه وتوفيقه. (الدّين يرجع كلّه إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال ابن كثير رحمه الله: ﭢ ﭣ ﴿قال بعض السّلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه الكلمة: فالأوّل تبرّؤٌ من الشرّك، والثّاني تبرّؤٌ من الحول ﴾ﭤ ﭥ ﭦ والقوة، والتفويض إلى اللهّ عزّ وجلّ. وهذا المعنى في غير آيةٍ من القرآن، ،﴾ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﴿كما قال تعالى: ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴿ ﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﴿، وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴾ﮊ ﮋﮌ ا.هـ.)﴾ﭥﭦ كثيراً ما سمعت شيخ الإسلام -قدس الله وقال ابن القيّم رحمه الله: ( ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ تدفع الرياء، ﴾ﭢ ﭣ ﴿روحه- يقول: ا.هـ.تدفع الكبرياء) :﴾ﭢ ﭣ﴿معنى قوله تعالى: • أي نُخلِص لك العبادة؛ فنطيع أوامرك محبّة وخوفاً ورجاء خاضعين مستكينين لك وحدك لا شيك لك. التَّذلُّلُ والخُضوعُ والانقيادُ مع شدَّةِ المحبَّةِ والتعظيمِ. والعِبادةُ هي:
عدد الصفحات ١٧٣173 بيان معنى العبادة في اللغة • (العبودية عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة، وأنا قال ابن جرير رحمه الله: ).تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة (معبَّدًا) (ومن ذلك قول طَرَفَة بن العَبْد: قال: تُبَارِي عِتَاقًا نَاجي وَظِيفًا وظيفً يعني بالموْر: الطريق، وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء، ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج: معبَّد، ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه) ا.هـ. (ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع وقال أبو منصور الأزهري: ا.هـ.الخضوع، ويقال طريقٌ مُعَبَّدٌ إذا كان مذلَّلا بكثرة الوطء) ويشهد لما ذكره أبو منصور ما أنشده الخليل في العين لمن لم يسمّه: تَعبَّىدَني نِمْرُ بن س ونمر بن سعدٍ لي مطيع ومُهْطعُ فهذا تعريف لها باعتبار أصل معناها الملازم لها، واعتبار هذا المعنى مهم. بيان معنى العبادة • والعبادة في الشرع لها تعريفات متعددة ذكرها أهل العلم، وقد سلكوا مسالك في تعريفها، ومن أحسنها تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (العبادة هي اسم جامع لكل في رسالة (العبودية)؛ إذ قال رحمه الله تعالى: ا.هـ.ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)
عدد الصفحات ١٧٤174 قوله: (من الأعمال والأقوال) هذا قيد يخرج الأشخاص والأمكنة والأزمنة التي يحبها الله فلا توصف بأنا عبادة، لأن العبادة تتعلق بما يُتعبَّد به. وتعريف شيخ الإسلام للعبادة حسن بديع، وهو وصف جامع مانع للعبادات الشرعية، وأما العبادات الشركية والبدعية فلا يشملها هذا التعريف لأن الله تعالى لا يحبها ولا يرضاها ولا يقبلها، وإن كانت داخلةً في اسم العبادة لغة؛ لأن كلَّ ما يُتقرَّب به إلى المعبود فهو عبادة؛ كما قال الله ؛ فسمَّى ما ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴿تعالى: ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴿يفعلونه عبادة، وقال تعالى: « وقال النبي صلى الله عليه وسلم﴾ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ رواه مسلم. عليه أمرنا فهو رد فالعبادات الشركية والبدعية وإن كان يشملها اسم العبادة لغة وحقيقة من جهة كونا صادرة عن تذلل وخضوع للمعبود، لكنها عبادات باطلة عند الله؛ فمن عبد اللهَ عبادةً غير خالصة له فهي مردودة عليه، وكذلك من عبد الله بعبادة لم يأذن الله بها فهي مردودة عليه. فتعريف شيخ الإسلام للعبادة تعريف بالحدّ الرسميّ لغرض بيان ما يشمله اسم العبادة الشرعية، وتعريف ابن جرير وأبي منصور للعبادة تعريف بالحد الحقيقي لغرض بيان ماهية العبادة وحقيقتها؛ فهي لا تكون إلا بتذلل وخضوع. ويصحب هذه الذلة في العبادات الشرعية التي أمر الله بها ثلاثة أمور: .التعظيم، والانقياد، والمحبة
عدد الصفحات ١٧٥175 والعبادةُ تكونُ بالقلبِ واللسانِ والجوارحِ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بإخلاصِ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴿العبادةِ له وَحْدَه لا شَيكَ له؛ قال اللهُ تعالى: . ﴾ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴿وقال تعالى: ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴿وقال تعالى: . ﴾ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ :﴾ﭢ﴿ فوائد تقديم المفعول • فيه ثلاث فوائد جليلة: ﴾ﭣ﴿ عل الفعل﴾ﭢ﴿ تقديم المفعول إفادة الحصر؛ وهوَ إثباتُ الحكمِ للمذكورِ ونفيهُ عما عداهُ؛ إحداها: فكأنَّهُ يقولُ: نعبدكَ، ولا نعبدُ غَيركَ، أوقول: (لا نعبد إلا إيَّاك)؛ مع اختصار اللفظ وعذوبته. ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴿ومما يوضّح هذا المعنى قول الله تعالى: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ . ﴾ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ظاهر في أنّ هذا التركيب يفيد الحصر، أي: تدعونه ﴾ﮯ ﮰ ﮱ﴿ وحده ولا تدعون غيره مما كنتم تشركون بهم. تقديم ذكر المعبود جلَّ جلاله. والثانية: إفادة الحرص على التقرّب؛ فهو أبلغ من (لا نعبد إلا إياك). والثالثة:
عدد الصفحات ١٧٦176 وكنت قد لخّصت هذه الأوجه من كلام المفسّين في كتب التفس مدارج «ثمّ وجدتُ ابن القيّم قد أحسن جمعها والبيان عنها في كتابه (وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين، ففيه: أدبهم فقال: »السالك مع الله بتقديم اسمه على فعلهم، وفيه الاهتمام وشدة العناية به، وفيه الإيذان بالاختصاص، المسمى بالحصر، فهو في قوة: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، والحاكم في ذلك ذوق العربية والفقه فيها، واستقراء موارد استعمال ذلك مقدما، وسيبويه نص على الاهتمام، ولم ينف غيره) ا.هـ. :﴾ﭤ ﭥ ﭦ﴿معنى قوله تعالى: • أي نستعينك وحدك لا شيك لك على إخلاص العبادة لك؛ فإنا لا نقدر على ذلك إلا بأن تعيننا عليه، ونستعينك وحدَك على جميع أمورنا؛ فإنّك إن لم تعنّا لم نقدر على جلبِ النفعِ لأنفسنا ولا دفع الضرّ عنها. فائدة حذف متعلَّق ا • المراد بمتعلَّق الاستعانة ما يُستعان الله تعالى عليه، فههنا استعانة ومستعان به ومستعان عليه؛ فالاستعانة فعل العبد، والمستعان به هو الله، والمستعان عليه لم يُذكر في هذه الآية ولذلك تكلم العلماء في بيان متعلَّق وحاصل ما قالوه يرجع إلى معنيين: الاستعانة هنا، نستعينك على عبادتك؛ لتقدّم ذكرها. أحدهما: نستعينك على قضاء حوائجنا، وجميع شؤوننا؛ فلا غنى والمعنى الآخر: لنا عن عونك وإمدادك.
عدد الصفحات ١٧٧177 والصواب الجمع بين المعنيين؛ إذ كلاهما حقّ، فالأوَّل طلب الإعانة ع أداء حقّ الخالق جلّ وعلا، والآخر طلب الإعانة على ما يحتاجه المخلوق. وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يفيد الجمع بين عل طاعتك ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﴿«المعنيين؛ فقال في قوله تعا . أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم. وعل أمورنا كلّها وحذف متعلّق الاستعانة هنا يفيد عمومَ ما يُستعان بالله عليه؛ ليشملَ كلَّ ما يحتاج العبد فيه إلى عون ربّه لجلب نفع أو دفع ضرّ في دينه ودنياه أو دوام نعمة قائمة، أو دوام حفظ من شّ، فكلّ ذلك مما لا يناله العبد إلا بعون ربّه جلّ وعلا. بيان معنى ا • الاستعانة هي طلب العون؛ والاعتماد على المستعان به في جلب المنافع ودفع المضارّ. والاستعانة أوسع معاني الطلب، وإذا أطلقت دلَّت على معنى الاستعاذة والاستغاثة؛ لأنَّ حقيقة الاستعاذة: طلب الإعانة على دفع مكروه، وحقيقة: الاستغاثة: طلب الإعانة على تفريج كربة. فالاستعانة بمعناها العام تشمل الدعاء والتوكل والاستعاذة والاستغاثة والاستهداء والاستنصار والاستكفاء وغيرها؛ لأن كل ما يقوم به العبد من قول أو عمل يرجو به تحصيلَ منفعة أو دفع مفسدة فهو استعانة. وحاجة العبد إلى الاستعانة بالله تعالى لا تعدلها حاجة، بل هو مفتقر إليه في جميع حالاته؛ فهو محتاج في كل أحواله إلى الهداية والإعانة عليها،
عدد الصفحات ١٧٨178 ومحتاج إلى تثبيت قلبه على الحق، ومغفرة ذنبه وستر عيبه وحفظه من الشرور والآفات وقيام مصالحه. والعبدُ حارثٌ همَّامٌ يجد في قلبه كلَّ وقت مطلوباً من المطلوبات يحتاج إلى الإعانة على تحقيقه، والله تعالى هو المستعان الذي بيده تحقيق النفع ودفع الضر، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو سبحانه. فلا يحصل لعبدٍ من عباد الله نفعٌ في أمر من أمور دينه ودنياه إلا بالله جل وعلا، فهو المستعان وحده على كل ذلك. وكل سبب من الأسباب التي يبذلها العبد لتحقيق النفع أو دفع الضر لا يستقل بالمطلوب، فلا يوجد سبب مستقل بالمطلوب، بل لا بد أن يكون معه سبب مساعد ولا بد معه أيضاً من انتفاء المانع، ولا يكون كلُّ ذلك إلا بإذن الله جل وعلا. فمن أبصر هذا حقيقةً أسلمَ قلبَه لله جل وعلا، وعَلِمَ أنه لا يكون إلا ما يشاء الله، وأن ما يطلبه من خير الدنيا والآخرة لا يناله إلا بإذن الله وهدايته ومشيئته، وأن لنيل ذلك أسباباً هدى الله إليها وبيَّنها. ومن كان على يقين بهذه الحقيقة قامَت في قلبه أنواعٌ من العبودية لله جل وعلا من المحبة والرجاء والخوف والرغب والرهب والتوكل وإسلام القلب له جل وعلا والثقة به وإحسان الظن به. ويجعل الله في قلب المؤمن بسبب هذه العبادات العظيمة من السكينة والطمأنينة والبصيرة ما تطيب به حياته وتندفع به عنه شور كثيرة وآفات مستطيرة.
عدد الصفحات ١٧٩179 تحقيق ا • تحقيق الاستعانة يكون بأمرين: التجاء القلب إلى الله تعالى بصدق طلب العون منه، وتفويض - أحدهما: الأمر إليه، والإيمان بأن النفع والضر بيده جل وعلا، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء. اتّباع هدى الله تعالى ببذل الأسباب التي أرشد إليها وبينها، - والآخر: فيبذل في كل مطلوب ما أذن الله تعالى به من الأسباب. «وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذين الأمرين بقوله . رواه مسلم من حديث أبي هريرة على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز رضي الله عنه. في أمور دينك ودنياك. »« أي: اطلب عونه لتحقيق ما ينفعك»واستعن با« لأنَّ العجز هو: ترك بذل السبب مع إمكانه »ولا تعجز« فتبينَّ بذلك أنَّ من يترك بذل السبب الممكن غير محقّقٍ للاستعانة ومن حقّق الاستعانة أعانه الله، والله لا يخلف وعده.
عدد الصفحات ١٨٠180 اأق• الاستعانة عل قسمين: استعانة العبادة، وهي الاستعانة التي يصاحبها معانٍ القسم الأول: تعبدية تقوم في قلب المستعين من المحبة والخوف والرجاء والرغب والرهب فهذه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله عز وجل، ومن صرفها لغيره فهو مشرك كافر، وهي الاستعانة التي أوجب الله تعالى إخلاصها له جلَّ ﭢ ﭣ ﭤ ﴿وعلا، كما قال الله تعالى فيما علّمه عباده المؤمنين: ؛ وتقديم المعمول يفيد الحصر، فيستعان بالله جل ﴾ﭥ ﭦ وعلا وحده، ولا يستعان بغيره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وإذا استعنت فاستعن با«عباس والاستعانة ملازمة للعبادة فكل عابد مستعين؛ فإنه لم يعبد إلهه إلا ليستعين به على تحقيق النفع ودفع الضر. استعانة التسبب، وهو بذل السبب رجاء نفعه في تحصيل القسم الثاني: المطلوب مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله جل وعلا، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فهذه الاستعانة ليست بعبادة لخلوّها من المعاني التعبّدية، وهي كما يستعين الكاتب بالقلم على الكتابة؛ وكما يستعين على معرفة الحق بسؤال أهل العلم. استعانة التسبب حكمها بحسب حكم السبب وحكم الغرض فإذا كان الغرض مشروعاً والسبب مشروعاً كانت الاستعانة مشروعة، وإذا
عدد الصفحات ١٨١181 كان الغرض محرماً أو كان السبب محرماً لم تجز تلك الاستعانة، فإن تعلق القلب بالسبب كان ذلك شكاً أصغر من شك الأسباب. ﴾ ﮰ ﮱ ﯓ ﴿إذا تبينَّ ذلك فاعلم أنَّ قول الله تعالى: «وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب لمّا أعطاه عطيَّة رواه ابن خزيمة. بها على دنياك ودينك وحديث قابوس بن المخارق عن أبيه، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه «وسلم رجلٌ فقال: يا رسول الله، الرجل يأتيني يريد مالي، قال . با قال: فإن لم يذكر الله؟ .«قال قال: فإن لم يكن حولي أحد؟ .« قال قال: فإن نأى عني السلطان؟ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن أبي شيبة والنسائي. شهداء الآخرة أو تمنع مالك فهذه النصوص وما في معناها المراد بالاستعانة فيها استعانة التسبّب، وأمَّا استعانة العبادة فلا يجوز أن تصرف لغير الله تعالى.
عدد الصفحات ١٨٢