المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير سورة الفاتحة المطيري

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ١٠ من ٢١

150 ﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴿تف ﴾:ﭖ ﭗ﴿ معنى الحمد هو ذكر محاسن المحمود عن رضا ومحبة. والتعريف في الحمد له معنيان: استغراق الجنس، أي كلّ حمد فالله هو المستحقّ له، فكلّ المعنى الأول: ما في الكون مما يستحقّ الحمد؛ فإنما الحمد فيه لله تعالى حقيقة لأنه إنما كان منه وبه. التمام والكمال، أي الحمد التامّ الكامل من كلّ وجه وبكلّ والمعنى الثاني: اعتبار لله تعالى وحده؛ فهو المختصّ به؛ فالله تعالى لا يكون إلا محموداً على كلّ حال، وفي كلّ وقت، ومن كلّ وجه، وبكلّ اعتبار. - فهو تعالى محمود على كلّ ما اتّصف به من صفات الكمال والجلال والجمال. - وهو محمود في جميع أمره. - وهو محمود على كلّ ما خلق وقضى وقدّر. . ﴾ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴿فملأ حمدُه تعالى كلَّ شيء؛ والله تعالى له الحمد بالمعنيين كليهما. أن المعنى الأول يشتمل على أنواع والفرق بين معنَيَيِ التعريف في الحمد: كثيرة؛ فمنها ما يختص بالله تعالى، ومنها ما يقع اسم الحمد فيه على بعض ما يحُمد به بعض خلقه، ومن ذلك ما يحُمد به بعضهم على ما جبَلَهم الله عليه

عدد الصفحات ١٥١

151 من صفات حسنة، وعلى ما وفَّقهم إليه من أعمال خير وإحسان، فحَمْدُهم إنما هو بسبب حمده تعالى، وهو أثر من آثاره، وهذا نظير ما يتّصف به بعض المخلوقين من العلم والرحمة والحكمة وغير ذلك؛ فكلّ ما اتصفوا به من هذه الصفات فهو من آثار علم الله ورحمته وحكمته، ويقال في سائر المعاني التي تطلق ألفاظها على الربّ تعالى وعلى بعض خلقه مثل ذلك. وقد سمَّى الله تعالى نبيّه محمَّداً صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم، لكثرة الصفات التي يحُمد عليها، فاتّصاف بعض المخلوقين بكونم محمودين على بعض صفاتهم وأفعالهم هو كمثل اتّصافهم بالرحمة والعلم ونحوهما؛ يكون للمخلوقين من ذلك ما يُناسبهم، لكن نسبة حمدهم إلى حمده جلَّ وعلا كنسبة علمهم إلى علمه، ورحمتهم إلى رحمته. فعلى المعنى الأول كلّ حمدٍ حقيقته أنه لله تعالى لأنه هو المانّ به، وهو من آثار حمده، فما أَعْطَى أحدٌ من خلقهِ شيئاً يحُمدُ عليه إلا مما أعطاه الله، ولا اتّصف أحدٌ من خلق الله بصفة يحُمد عليها إلا لأنَّ الله تعالى هو الذي جبله عليها وخلقه على تلك الصفة، ووفّقه لما اتصف به من السجايا والأخلاق الحميدة. وأمّا الحمد على المعنى الثاني فهو مختصٌّ بالله تعالى لا يُطلق على غيره؛ لأنَّ معناه الحمد التامّ المطلق الذي لا يشوبه نقص ولا انقطاع، ولا تخلو ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴿منه ذرَّة من ذرَّات الكون؛ وقد قال الله تعالى: ، واقتران التسبيح بالحمد؛ لإفادة معنى التعظيم والتنزيه مع الحمد ﴾ﮟ المشتمل على الحبّ والرضا.

عدد الصفحات ١٥٢

152 فائدة: في اأنواع التعريف بـ(ال ومما ينبغي لطالب علم التفسير معرفته أن التعريف ب متعددة: ﭓ ﭔ ﭕ ﴿منها استغراق الجنس كما في قول الله تعالى: . 1 أي: كلّ إنسان ﴾ﭖﭗ ﮀ ﮁ ﮂ ﴿ ومنها: الكمال والتمام كما في قول الله تعالى: .2 .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴿ وقوله: ﴾ﮃ « ومنها: الأولوية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم .3 «، وقوله الموت واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، .ولا يفطن به، فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس وهو عل ثلاثة والمراد به ما يعهده المخاطَب ويعرفه، العهد، ومنها: .4 أنواع فهي شجرة يعهدها ﴾ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴿ ، نحو: عهد حضوري أ: آدم ويعرفها بمقتضى الإشارة إليها. ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴿ نحو: وعهد ذِكْري: ب: أي الرسول الذي ذُكر في الآية التي قبلها. ﴾ﯟ وهو ما يعهده المخاطب في ذهنه لظهور العلم به نحو: وعهد ذهني: ج: المراد به القصة التي عرفوها فهي معهودة لهم في ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴿ أذهانم.

عدد الصفحات ١٥٣

153 ومعرفة هذه الأنواع من مهماّت ما يحتاجه طالب علم التفسير، وكثيرا ما يكون مرجع الاختلاف بين أقوال المفسين لاختلافهم في معنى التعريف. ويقع بين هذه المعاني شيء من التداخل في بعض الأمثلة، ولها تفاصيل وأحكام تُبحث في علم أصول التفسير، وعلم معاني الحروف. ﴾ﭗ﴿معنى اللام في قوله تعالى: اللام هنا للاختصاص على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأنَّ الحمدَ الاختصاص يقع عل معنىً أُسند إلى ذاتٍ؛ لكن مما تحسن معرفته أن معنيين: ما يقتضي الحصر، كما تقولأحدهما: غيرهم. ما يقع على معنى الأولوية والأحقية، كما يقال: الفضل والآخر: للمتقدّم، أي هو أولى به وأحقّ. إذا تبينّ لك الفرق بين هذين المعنيين؛ فاعلم أنما يتواردان على المعنيين المذكورين للحمد آنفاً؛ فإذا أريد المعنى الأول للحمد؛ فالاختصاص يفيد معنى الأولوية والأحقية. وإذا أريد المعنى الثاني للحمد فالاختصاص يفيد معنى الحصر.

عدد الصفحات ١٥٤

154 الفرق بين الحمد وال مبحث الفرق بين الحمد والشكر من المباحث الاستطرادية، فالحمد هنا المراد به الذكر؛ أي: ما يحمد به العبد ربَّه، وهو أخص من المراد بالحمد في تفسير الآية. لكن لمّا بحث المفسّون هذه المسائل أحببت ذكر خلاصتها للفائدة. فالفرق بين الحمد والشكر أنّ الحمد أعمّ من وجه، والشكر أعمّ من وجه آخر. - فالحمد أعمّ؛ باعتبار أنه يكون على ما أحسن به المحمود، وعلى ما اتّصف به من صفات حسنة يحُمد عليها، والشكر أخصّ لأنه في مجازاة مقابل النعمة والإحسان. - والشكر أعمّ من الحمد باعتبار أنّ الحمد يكون بالقلب واللسان، ﯮ ﯯ ﴿والشكر يكون بالقلب واللسان والعمل؛ كما قال الله تعالى: . ﴾ﯰ ﯱ وقد قال بهذا التفريق شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في مواضع مدارج «من كتبهما، ومن أجمع العبارات في ذلك قول ابن القيّم رحمه ا (والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، : »السالك وأخص من جهة متعلقاته. والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب. ومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافا، وبالجوارح طاعة وانقيادا. ومتعلقه: النعم، دون الأوصاف

عدد الصفحات ١٥٥

155 الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه. وهو المحمود عليها. كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم. فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس. فإن الشكر يقع بالجوارح. والحمد ا.هـ.يقع بالقلب واللسان) وقد ذهب ابن جرير الطبري والمبرّد وجماعة من أهل العلم إلى أن الحمد يطلق في موضع الشكر، والشكر يطلق في موضع الحمد، وأنه لا فرق بينهما في ذلك. وهذا القول إنما يصحّ فيما يشترك فيه الحمد والشكر؛ وهو ما يكون بالقلب واللسان في مقابل الإحسان؛ فليُتنبَّه إلى ذلك. الفرق بين الحمد والمدح وبين الحمد والمدح عموم وخصوص أيضاً: ؛ باعتبار أن الحمد إنما يكون عن رضا ومحبة، - فالمدح أعمّ من الحمد والمدح لا يقتضي أن يكون كذلك؛ بل قد يمدح المرء من لا يحبّه طمعاً في نوال خيره أو كفّ شّه. وهو أن الحمد لا يكون إلا على اعتقاد حسن صفات وباعتبار آخر: المحمود أو إحسانه، والمدح قد يكون مدحاً على ما ليس بحسن؛ كما يمدح أهل الباطل بعض المفسدين بإفسادهم مع أن أمرهم غير محمود.

عدد الصفحات ١٥٦

156 باعتبار أن المدح إنما يكون باللسان، والحمد- والحمد أعمّ من المدح يكون بالقلب واللسان. فهذه خلاصة ما قيل في التفريق بين المدح والحمد، وقد قيل في هذه المسألة أقوال أخرى فيها نظر، بل بعضها خطأ محض فأعرضت عنها. الفرق بين الحمد والثناء والفرق بين الحمد والثناء من وجهين: أن الثناء هو تكرير الحمد وتثنيته، ولذلك جاء في الحديث الأول: ، قال الله ﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴿«المتقدّم ، قال الله تعالى: ﴾ﭛ ﭜ ﭝ﴿تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: .أثنى علي عبدي والتمجيد هو كثرة ذكر صفات المحمود على جهة التعظيم. ، قال: ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ «ولذلك قال في الحديث . مجدني عبدي أن الحمد لا يكون إلا على الحُسْن والإحسان، والثناء والوجه الثاني: يكون على الخير وعلى الشر، كما في الصحيحين من حديث عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: مروا بجنازة، ثم مروا «فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم .«بأخرى فأثنوا عليها شا، فقال فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟

عدد الصفحات ١٥٧

157 «قال .فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض معنى (الرَّبّ) (الرَّبُّ) هو الجامع لجميع معاني الربوبية من الخلق والرزق والملك والتدبير والإصلاح والرعاية، فلفظ الربّ يطلق على هذه المعاني في لسان العرب إطلاقاً صحيحاً، وشواهد هذه المعاني مبثوثة في معاجم اللغة، ودلائل النصوص عليها ظاهرة بيّنة. اأنواع الربوبية: وربوبية الله تعالى لخلقه عل نوعين: ربوبية عامة بالخلق والملك والإنعام والتدبير، وهذه عامة النوع الأول: لكل المخلوقات. ربوبية خاصة لأوليائه جل وعلا بالتربية الخاصة والهداية والنوع الثاني: والإصلاح والنصرة والتوفيق والتسديد والحفظ. والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها.

عدد الصفحات ١٥٨

158 معنى (العا العالمون جمع عالمَ، وهو اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه، يشمل أفراداً كثيرة يجمعها صِنْفٌ واحد. فالإنس عالمَ، والجنّ عالمَ، وكلّ صنف من الحيوانات عالمَ، وكلّ صنف من النباتات عالم، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى من عوالم الأفلاك والملائكة والجبال والرياح والسحاب والمياه، وغيرها من العوالم الكثيرة والعجيبة. ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﴿وقال تعالى: .﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ فكلُّ أمَّة من هذه الأمم عالمَ. (والعالمون جمع عالمٍ، والعالم جمعٌ لا واحد له من لفظه، قال ابن جرير: كالأنام والرّهط والجيش ونحو ذلك من الأسماء الّتي هي موضوعاتٌ ا.هـ.على جماعٍ لا واحد له من لفظه) ثمَّ كلُّ صنفٍ من هذه العوالم ينقسم إلى عوالمَ في كلّ قرن؛ فأهل كلّ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﴿قرن من ذلك الصنف عالمَ كما قال الله تعالى: .﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ (والعالم جمعٌ لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف قال ابن كثير: المخلوقات في السّماوات والأرض في البرّ والبحر، وكلّ قرنٍ منها وجيلٍ ا.هـ.يسمّى عالمًا أيضًا)

عدد الصفحات ١٥٩

159 :﴾ﭘ ﭙ ﭚ﴿ معنى وربوبيّة الله تعالى للعالمين ربوبيّة عامّة على ما تقدّم بيانه من معاني الربوبية. الذي خلق العوالم كلَّها كبيرها ﴾ﭘ ﭙ ﭚ﴿- فهو تعالى وصغيرها على كثرتها وتنوعها وتعاقب أجيالها. وفي هذه العوالم أممٌ لا يحصيها إلا من خلقها، وفي كل مخلوق من هذه المخلوقات دقائق وعجائب في تفاصيل خلقه تبهر العقول، أنشأها من العدم على غير مثال سابق؛ فيستدل المتفكّر ﴾ﭘ ﭙ ﭚ﴿ في شأنا بما تبينَّ له من تلك العجائب على حكمة خالقها جل وعلا وسعة علمه، وعظيم قدرته، فتبارك الله رب العالمين. - وهو ربُّ العالمين المالك لكلِّ تلك العوالم فلا يخرج شيء منها عن ملكه، وهو الذي يملك بقاءها وفناءها، وحركاتها وسكناتها، فيبقيها متى شاء، ويفنيها إذا شاء، ويعيدها إذا شاء. - وهو ربّ العالمين الذي دبَّر أمرها، وسيرّ نظامها، وقدّر أقدارها، وساق أرزاقها، وأعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى. - وهو ربّ العالمين الذي له الملك المطلق والتصرّف التامّ، فما يقضيه فيها نافذ لا مردّ له، وما يريد به أحدا من خلقه من نفع أو ضرّ فلا حائل بينه وبينه، بل لا تملك جميع المخلوقات لنفسها نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه جل وعلا. - وهو ربّ العالمين الذي لا غنى للعالمين عنه، ولا صلاح لشؤونم إلا به، كلّ نعمة ينعمون بها فإنما هي من فضله وعطائه، وكلّ سلامة من شّ

عدد الصفحات ١٦٠

160 وضرٍّ فإنما هي بحفظه ورعايته وإذنه، فهم الفقراء إليه فقراً دائماً متّصلاً، وهو الغنّي الحميد. - وهو ربّ العالمين الذي دلّت ربوبيّته للعالمين على كثير من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فلا يرتاب الموفَّق في بديع خلقه، وعجائب حكمته، وسَعَة مُلْكه، وشدّة قوّته، وتمام غناه، وعظمة مجده، وإحاطته بكل شيء، وقدرته على كلّ شيء، إلى غير ذلك من الصفات التي يدلّ عليها التفكّر في خلق الله تعالى وربوبيّته للعالمين. المستحقّ لأن يعبدوه وحده لا ﴾ﭘ ﭙ ﭚ﴿- وهو تعالى شيك له، وأن لا يجعلوا معه إلهاً آخر، كما أنم لم يكن لهم ربٌّ سواه، ولهذا ؛ فاحتجّ على توحيد العبادة باسم الربوبية. ﴾ﮞ ﮟ﴿قال تعالى: والمقصود أنّ تأمُّلَ معاني الربوبية والتفكر في آثارها في الخلق والأمر يورث اليقين بوجوب التوحيد، وأنَّ العالم لا صلاح له إلا بأن يكون ربه ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴿واحدا، كما قال تعالى: ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﴿ وقال: ﴾ﯫ ﯬ ﯭ .﴾ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ اأقوال العلماء في المراد بالعالمين: كان ما تقدّم من التفسير مبناه على اعتماد القول الراجح، إلا أنه ينبغي لطالب علم التفسير أن يكون على معرفة بأقوال العلماء في هذه المسألة، وأن يعرف سبب الاختلاف، ومآخذ الأقوال وحججها وأحكامها.

عدد الصفحات ١٦١

161 ومن ذلك أن المفسّين اختلفوا في المراد بالعالمين في هذه الآية عل أقوال كثيرة أشهرها قولان صحيحان: المراد جميع العالمَين، على ما تقدّم شحه، وهو قول أبي القول الأول: العالية الرياحي، وقتادة، وتبيع الحميري، وقال به جمهور المفسّين. المراد بالعالمين في هذه الآية: الإنس والجنّ، وهذا القول والقول الثاني: مشتهر عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وروي أيضاً عن ابن جريج. وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من طرق عن قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول قال: (ربّ الجنّ والإنس). ﴾ﭘ ﭙ ﭚ﴿الله عزّ وجلّ: وقيس بن الربيع الأسدي مختلف فيه، كان شعبة يُثني عليه، وقال عفّان: ثقة، وليَّنه الإمام أحمد، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك. وقد كان محمودَ الأمر لكنّه تولىّ منصباً فساء حفظه ووقع في حديثه ما يُنكر. (لم يكن قيس عندنا بدون سفيان، ولكنه استُعمل، قال محمد بن عبيد: .فأقام على رجل الحدّ فمات، فطفى أمره) والأقرب فيمن كان في مثل حاله أنه لا يقبل تفرّده، لكن هذا القول تعددت رواياته عن أصحاب ابن عباس؛ فروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة بأسانيد لا تخلو من مقال، لكن تعدد الروايات وتظافرها على هذا القول مع اختلاف مخارجها دليل على أنَّ هذا القول محفوظ عن أصحاب ابن عباس.

عدد الصفحات ١٦٢

162 ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴿وقد استُدلّ له بقول الله تعالى: ، والمراد بهم هنا المكلّفون من الإنس والجن. ﴾ﯛ ﯜ ﯝ وهذا القول صحيح المعنى والدلالة، وبيان ذلك بالجمع بين أمرين: أن يكون التعريف في (العالمين) للعهد الذهني، وليس أحدهما: للجنس؛ فيكون هذا اللفظ من العامّ الذي أريد به الخصوص. أن يكون لفظ (ربّ) بمعنى (إله)؛ كما في حديث سؤال العبد والآخر: في قبره: من ربّك؟ أي: من إلهك الذي تعبده؟ فلفظ (الربّ) من معانيه (الإله المعبود)، والله تعالى هو (الربّ) وهو (الإله)، وما عبد من دون الله فليس بإلهٍ على الحقيقة، وليس برب على ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴿الحقيقة، وإنما اتخُِّذَ رباً، واتخُِّذَ إلها، كما في قوله تعالى: ﯘ ﯙ ﯚ ﴿ وقوله تعالى: ﴾ﮐ ﮑ ﮒ . ﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ... الحديث، ففهم «قال عدي بن حاتم عَديٌّ رضي الله عنه من هذا اللفظ معنى العبادة، لأن اتخاذ الشيء رباً معناه عبادته، إذ الربوبية تستلزم العبادة. وقال شاعر جاهليّ كان يعبد صنماً فرأى ثعلباً يبول على رأس صنمه؛ فقال: أرَبٌّ يب لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالبُ والثعلبان: ذكر الثعالب.

عدد الصفحات ١٦٣

163 فتبينَّ أن هذا القول المروي عن ابن عباس وأصحابه صحيح في نفسه، ولعلّ الصارف لهم إلى هذا المعنى اعتبار الخطاب للمكلّفين الذين هم ؛ ﴾ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ﴿الإنس والجنّ، كما قال تعالى: فهم أولى من يراد بلفظ العالمين؛ لأنم المكلفون بالعبادة. فهذا توجيه هذا القول، لكن القول الأوّل أعمّ منه، وله دلالة صحيحة ظاهرة، وهو قول جمهور المفسّين. والخلاف في بعض أوجه التفسير الصحيحة كالخلاف في القراءات الصحيحة؛ فيجوز أن يستحضر القارئ أحد المعاني عند قراءته إذا لم يمكن الجمع بينها. وهو أن المراد بالعا وفي هذه المسألة قول ثالث: الرّوحانيّين، وهم الإنس والجن والملائكة، كلّ صنف منهم عا قول ابن قتيبة الدينوري ونصّ عبارته في كتابه وهذا القول نسبه الثعلبي إلى أبي عمرو بن العلاء من غير إسناد، وعلى معنى آخر. (وقال أبو عمرو بن العلاء: هم الروحانيون، وهو معنى قال الثعلبي: ا.هـ.قول ابن عباس: كل ذي روح دبّ على وجه الأرض) ولا يصحّ هذا القول عن أبي عمرو بن العلاء، ولا ما ذكره الثعلبي عن ابن عباس. وابن قتيبة قد اضطرب قوله في هذه المسألة في كتبه، ودعوى تخصيص المراد من غير حُجَّة معتبرة يُستند إليها دعوى باطلة.

عدد الصفحات ١٦٤

164 وقد ذكر الثعلبي في هذه المسألة أقوالاً أخرى ضعيفة، وتبعه على ذكرها بعض المفسّين، وقد أعرضت عنها لضعفها. هـ) رحمه الله في 1393قال شيخ مشايخنا محمد الأمين الشنقيطي(ت لم يبين ﴾ﭘ ﭙ ﭚ ﴿ (قوله تعالى: تفسير سورة الفاتحة: ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴿هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: .)﴾ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ وهذا من أحسن ما يُستدلّ به على ترجيح القول الأول. ﴾:ﭛ ﭜ ﭝ﴿تف تقدّم بيان معنى الاسمين الجليلين، وتضمّنهما صفة الرحمة، وبيان التناسب بين الاسمين، والحكمة من اقترانما، وبيان أنواع الرحمة. بعد ذكرهما في ﴾ﭛ ﭜ ﭝ﴿ الحكمة من تكرار ذكر الب تكلّم في هذه المسألة بعض المفسّين، وقد اختلفوا في ذلك عل أقوال: أنه لا تكرارَ هنا لأن البسملة ليست آية من الفاتحة، وهذا القول الأول: قول ابن جرير. وهذا القول يعترض عليه من وجهين: أنّ اختيار المفسّ لأحد المذاهب في العدّ لا يقتضي بطلان المذاهب أحدهما: الأخرى، كما أنّ اختياره لإحدى القراءتين لا يقتضي بطلان الأخرى.

عدد الصفحات ١٦٥

165 أنَّ المسألة باقية على حالها حتى على اختياره؛ إذ لا إنكاروالوجه الآخر: على من قرأ البسملة قبل الفاتحة ولو لم يعدَّها آية من الفاتحة. التكرار لأجل التأكيد، وهذا القول ذكره الرازي في والقول الثاني: (التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن، وتأكيد كون الله تعالى تفسيره، قال: .رحمانا رحيما من أعظم المهمات) التكرار لأجل التنبيه على علّة استحقاق الحمد، وهذا والقول الثالث: القول ذكره البيضاوي. وهذان القولان مستندهما الاجتهاد بالنظر في التماس الحكمة من التكرار، ولا أعلم عن السلف قولاً في هذه المسألة، وهذا مشعرٌ بأن المسألة لم تكن مشكلة عند السلف؛ لكن لمَّا أثير السؤال كان لا بدَّ من الجواب عليه. وهذا النوع من الأسئلة يرتّب الجواب فيه عل مراتب: النظر في الأقوال المأثورة إن وجدت؛ فإن لم يجد المفسّ المرتبة الأولى: وهي النظر في المرتبة الثانية:قولاً مأثوراً صحيحاً في هذه المسألة انتقل إلى سياق الكلام، وهو أصلٌ مهمّ في الجواب عن مثل هذه الأسئلة؛ فإن أعياه وهي النظر في مقاصد الآيات. المرتبة الثالثة:ذلك انتقل إلى فإن لم يتبينّ له الجواب توقَّف، ووكل الأمر إلى عالمه. وفي هذه المسألة يكشف السياق عن مقصد تكرار ذكر الاسمين في هذين الموضعين.

عدد الصفحات ١٦٦