المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة العلق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٧ من ١٢

97 روى عبد الله ابن الإمام أحمد في( زواند الزهد )، عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ، ما بين منكبي أحدهم مسيرة مانة خريف – أي: سنة – ليس في قلوبهم رحمة ، إنما خلقوا للتعذيب ، يأ ضرب المألأك منهم الرجل مِن أأه ل النار الضربة الواحدة ، فيتركه طِحناً ، من لدن قرنه إلى قدمه اهـ . أي: ومع هذا كله فإن ه لا يموت فيها ، ولا يحيى – أي: حياة تنجيه من العذاب – كما جاء في الحديث ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:أم ا أهل النار الذين هم أهلها – يعني : الكفار – فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم – أي: وهم العصاة – فأماتتهم إمأاتة – أي: نأوعاً من الإماتة – حأت ى إذا كانوا فحماً – أي: صاروا فحماً – أذن في الشفاعة – أي: بالشفاعة بهم – فجيء بهم ضبانر ضبانر ، فبثوا على أنهار الجنة – أي: نهر الحياة على أبواب الجنة – ثم قيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء ، فينبتون نبات الحب ة في حميل الس يل ]رواه مسلم. قول الله تعالى : {كلا لا تطعه واسجد واقترب} {ك}ردع لأبي جهل بعد ردع سابق، وزجر له بعد زجر ، فهو خاسر خاسِ يء،. سفيه وقح . {لا تطعه}أي: لا تطعه يا رسول الله يا محمد فيما ينهاك عنه ، من المداومة على الإكثار من عبادتك لربك ، وص ل لله تعالى حيث شنت ، ولا تباله ولا يأ همأن ك أمره ، فإن الله تعالى هو حافظك ، وناصرك ، وكافيك شر ه ، وأشأر كل ذي شر {والله يعصمك من الناس}. انظر( الدر المنثور) وغيره . جماعات جماعات .

عدد الصفحات ٩٧

98 فقد تكفل الله تعالى بحفظ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكفايته أذاهم وشرهم ، كما تكفل برأد هم على أعقابهم خاسنين ؛ في جميع المواطن التي كانوا فيها يحاولون أأن يتعرضوا لإيذانه صلى الله عليه وآله وسلم . فمن ذلك ما أخبر الله تعالى عنه في قوله سبحانه : {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزنين * الذي يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون}. {فاصدع بما تؤمر}أي: اجهر بدعوتك إلى الله تعالى ، وبأ ل غ ما أمرك الله تعالى ، معلناً ذلك ، ولا يهمن ك أمر المشركين وكثرتهم ، والله تعالى هو يكفيك أمر المستهزنين ، الذين يريدون أن يصدوك عن تبليغ رسالة ربك ، فهو سبحانه يأخذهم بالعقوبات العاجلة ، ويكفيك شرهم . جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : {إنا كفيناك المستهزنين }قال: المستهزنون هم : الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب ، والحارث بن عطل السهمي ، والعاص بن وانل . فأتى جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واستهزاءهم به . فقال جبريل عليه السلام : أرني إي اهم ، فأراه الوليد فأومأ جبريل إلى أكحله . فقال له صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما صنعت شيناً] فقال جبريل: كفيتكه . ثم أراه الأسود بن المطلب ، فأومأ جبريل إلى عينيه . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما صنعت شيناً] فقال جبريل عليه السلام: كفيتكه . رواه الطبراني في ( الأوسط )، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في ( الدلانل )، وابن مأر د ويه بسند حسن ، والضياء في ( المختارة ) كما في ( الدر المنثور) وغيره .

عدد الصفحات ٩٨

99 ثم أراه الأسود بن عبد يغوث، فأومأ جبريل إلى رأسه . فقال صلى الله عليه وآله سلم [ :ما صنعت شيناً] فقال جبريل عليه السلام: كفيتكه . ثم أراه الحارث ، فأومأ جبريل عليه السلام إلى بطنه . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما صنعتأ شيناً ] فقال جبريل عليه السلام: كفيتكه . ثم أراه العاص بن وانل ، فأومأ جبريل إلى أخمصه – عقب قدمه - . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما صنعت شيناً] فقال جبريل عليه السلام: كفيتكه . فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو ي ريش نبلاً ، فأصاب أكحله ، فقطعها . وأما الأسود بن المطلب فنزل تحت سمرة – شجرة- فجعل يقول : يا بني ألا تدفعون عني ، قد هلكت ، وطعنت بالشوك في عيني ، فجعلوا يقولون : ما نرى شيناً ، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه . وأما الاسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه ق روح فمات منها ، وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه ، حتى خرج خرؤه من فيه ، فمات منه . وأما العاص بن وائل فركب إلى الطانف ، فربض على شِب رقة ، فأدخل في أخمص قدمه شوكة فقتلته . فانظر أيها العاقل في حفظ الله تعالى لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وكفايته شر أعدانه . ومن ذلك رد ه سبحانه وتعالى مأك ر أعدانه صلى الله عليه وآله وسلم ليلة هجرته ، وحفظ الله تعالى له :

عدد الصفحات ٩٩

111 قال الله تعالى:{وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين }. في هذه الآية الكريمة ي بين الله تعالى فضله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ودفاعه عنه ، وحفظه له من المشركين ، حين كان في مكة المكرمة ، وما عزم عليه المشركون ليلة هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة بأنواره صلى الله عليه وآله وسلم . جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قوله تعالى :{وإذ يمكر بك الذين كفروا }الآية، قال : تشاورت قريش ليلة بمكة – أي: ليلة هجرته صلى الله عليه وآله وسلم -. فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق . يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقال بعضهم : بل اقتلوه . وقال بعضهم : بل أخرجوه – أي: من مكة المكرمة -. قال : فأطلع الله تعالى نبي ه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك فبات علي بن أبي طالب رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وعند ابن إسحق وغيره : فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونثر على رؤوسهم كلهم تراباً كان في يده ، وهو يتلو قول الله تعالى :{يس* والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين }إلى قوله تعالى:{فأغشيناهمفهم لا يبصرون }فخرج صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار– أي: غار ثور – ومعه أبو بكر رضي الله عنه . وبات المشركون تلك الليلة يحرسون علياً رضي الله عنه ، يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوه علياً رضي الله عنه رد الله مكرهم . فقالوا : أين صاحبك ؟

عدد الصفحات ١٠٠

111 قال: لا أدري . فاقتص وا – أي: تأتأب ع وا – أثره – أثر الخطوات – فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا في الجبل ، فرأوا على باب الغار نسيج العنكبوت . فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه . فمكث في الغار ثلاث ليال ، ومعه أبو بكر رضي الله عنه . وجاء في ( مسند ) البزار ، من حديث مصعب المكي قال : أدركت زيد بن أرقم ، والمغيرة بن شعبة ، وأنس بن مالك رضي الله عنهم يأتأحد ثون ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان ليلة بات في الغار ، أمر الله تعالى شجرة فنبتت في وجه الغار ، فسترت وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن الله تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار . ونقل في ( المواهب ) عن المحدث العلامة الفقيه المالكي قاسم بن ثابت في ( الدلانل )، - أي: دلانل النبو ة – قال : وأرسل الله تعالى حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار ، فعش شأتا على بابه ، وذلك مِم ا صد المشركين عن دخول الغار ، فردهم الله تعالى خاسنين خاسرين . وفي دخوله صلى الله عليه وآله وسلم الغار حين خرج من مكة م هاجراً يبين الله تعالى كفالته بالنصر والتأييد ، والوقاية والحفظ لهذا الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول سبحانه وتعالى معلناً ذلك : {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم }. روى ذلك الإمام أحمد، وعبد الرزاق ، وابن المنذر ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وأبو نعيم وغيرهم ، كما في ( الدر المنثور ) اهـ ، ومكثه صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ثلاث ليال هو المشهور الذي عليه الأكثر كما في ( المواهب وشرحها ). كذا في ( المواهب وشرحها ).

عدد الصفحات ١٠١

112 فقوله تعالى:{إلا تنصروه}أي: تنصروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن الله تعالى ناصره وحافظه و وكافيه شر أعدانه . {إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار }أي: كما نصره الله تعالى وحفظه ، عام هجرته إلى المدينة لأم ا هم المشركون بقتله ، أو حبسه ، أو نفيه ، فخرج من بينهم مهاجراً إلى المدينة المنورة ، ومعه صاحبه ، وهو الص ديق الصادق ، والص د يق أبو بكر رضي الله عنه ، وتوج ه إلى غار ثور ، وبقي ثلاثة أيام فيه ، ليرجع الطلب من المشركين الذين خرجوا في آثارهم ، ثم يتوجه ومعه صاحبه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة المنورة به صلى الله عليه وآله وسلم . وفي خلال المدة في الغار كان أبو بكر رضي الله عنه يعتريه الحزن والخوف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِن أأن يناله أذىً من المشركين ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ي سأكنه وي بشره ، ويقول له [ :يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما] كما روى الشيخان، والإمام أحمد واللفظ له ، عن أنس رضي الله عنه ، أن أبا بكر رضي الله عنه حد ثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهم – أي: المشركين – نظر إلى قدميه لأبصرنا ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ] {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}أي: بالحفظ والتأييد ، والوقاية من شرور الأعداء ،فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها } أي: الملانكة الكرام عليهم السلام . {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا}. روى البيهقي في( الأسماء والصفات ) ، وابن المنذر وغيرهما ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :{وجعل كلمة الذين كفروا السفلى }قال: هي : الشرك {وكلمة الله هي العليا}قال: هي : لا إله إلا الله .

عدد الصفحات ١٠٢

113 وروى الشيخان، وأصحاب السنن ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرجل : يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياءً ، فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:مأن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى ] وقد أشار صاحب البردة إلى قصة الغار ، وما جرى في ذلك مِ نأ المعجزات ، والوقايات الإلهية التي حفظ الله تعالى بها حبيبه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رحمه الله تعالى : أقسمت بالقمر المنشق إن له مِ ن قلبه نِ س بة مبرورة القأ سأ م وما حوى الغار مِ ن خير ومِ ن كرم وكل طرف من الكفار عأ ن ه عأ مي فالص دق في الغار والص ديق لم يرما وهم يقولون ما في الغار من أرِ م ظأ نوا الحمام وظنوا العنكبوت على خأ ي ر البرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عأ ن مضاعفة مِ ن الد روع وعن عالٍ من الأط مِ أي: النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصادق الأمين . أي: لم يبرحا . أي: من أحد نظراً منهم إلى حوم الحمام ونسيج العنكبوت . أي: عن الدروع الكثيرة . أي: الحصون التي يتحصن بها العالية المنيعة .

عدد الصفحات ١٠٣

114 ومِن ذلك وقاية الله تعالى لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طريق هجرته ، حين تعرض سراقة بن مالك بن جعشم ، لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه الصديق ، ليلة الهجرة ، ي ريد منعهما أو رد هما إلى قومهما – وكان م شركاً ثم أسلم بأ ع د . قال في ( المواهب وشرحه ) : وجاء في رواية للبخاري عن أبي بكر رضي الله عنه قال : تبعنا – أي : لحقنا – سراقة ونحن في جلد من الأرض ، فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا . قال [ :لا تحزن إنمعنا ] فلما دنا منا، وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة ، قلت : هذا الطلب قد لحقنا – وبكيت . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما يبكيك]؟ قلت : أمأ ا والله ما على نفسي أبكي ، ولكن عليك – فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال : يا رسول الله أ تينا . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :ك ]ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدعوات . وفي رواية الإسماعيلي وغيره ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :اللهم اكفناه بما شنتأ ] وقي حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري، فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :اللهم اصرعه]فصرعه فرسه فساخت – أي : غاصت قوانم فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين – كما في حديث عانشة رضي الله عنها . قال في ( شرح المواهب ): أسلم سراقة عنده صلى الله عليه وآله وسلم بالجعرانة ، منصرفه صلى الله عليه وآله وسلم من حنين والطانف ، وروى عنه ابن عباس وجابر ، وابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم ، وابن المسيب وطاووس ، وأخرج له البخاري ، والأربعة ، والإمام أحمد . اهـ.

عدد الصفحات ١٠٤

115 وفي حديث أسماء رضي الله عنها عند الطبراني، فوقعت – الفرس – لمنخريها . وعند البزار : فارتطمت فرسه به إلى بطنها . وعند الإسماعيلي : فساخت في الأرض إلى بطنها . وطلب سراقة الأمان ، فقال : أعلم أن قد دعوتما علي ، فادعوا لي . وعند الإسماعيلي فقال : قد علمت يا محمد أن هذا عملك – أي دعاؤك – فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ، ولكما علي أن أرد الناس عنكما . وفي رواية : ولا أضركما وأنا لكما نافع غير ضار . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي : فأطلقته الأرض . قال سراقة : فركبت فرسي ، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أأ ن سأ يأ ظ هر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وجاء في رواية للبخاري ، عن أنس رضي الله عنه قال : فالتفت أبو بكر رضي الله عنه فإذا هو بفارس قد لحقهم ، فقال : يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا ، فالتفت نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال [ :اللهم اصرعه ]فصرعه الفرس ثم قامت– الفرس – تحمحم - والحمحمة : صوت الفرس - . فقال سراقة : يا نبي الله م رني بما شنتأ . فقال له صلى الله عليه وآله وسلم [ :فقف مكانك، لا تتركن أحداً يلحق بنا ] قال أنس رضي الله عنه: فكان أول النهار جاهداً على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان آخر النهار مأ س لأ حةً له – أي : حارساً له بسلاحه . انظر جميع ذلك في ( المواهب وشرحها ).

عدد الصفحات ١٠٥

116 قال في( شرح المواهب ) : وذكر ابن سعد أنه لما رجع سراقة قال لقريش : قد عرفتم نأ ظري بالطريق وبالأأ ثأ ر ، وقد استبرأت لكم فلم أأ ر شيناً ؛ فأ رجعوا . اهـ . فوف ى سراقة بعهده أن لا يترك أحداً من المشركين يلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم قال في ( شرح المواهب ) : وفي الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لسراقة [ :كيف بك إذا لبست سِواري كسرى ] قال: وذكر ابن المنير أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال له ذلك يوم لحقهما في الهجرة ، فعجب – سراقة – من ذلك ، فلما أ تِ يأ بهما عمر رضي الله عنه ، وهو خليفة ، فأتي بسواري كسرى وبتاجه وبمنطقته ، فدعا عمر رضي الله عنه سراقة فأأ لبسه الس وارين ، وقال : ارفع يديك وقل : الله أكبر ، والحمد لله الذي سلبهما كسرى بين هرمز ، وألبسهما سراقة بن مالك ، أعرابياً مِ ن بني مدلج ، ورفع عمر رضي الله عنه صوته ، ثم قسم ذلك بين المسلمين . فانظر أيها العاقل في حفظ الله تعالى لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، ووقايته له من شرور أعدانه الألداء ، وانظر في تلك المعجزات التي أجراها الله تعالى على يده صلى الله عليه وآله وسلم ، وانظر كيف رأ د الله تعالى عنه مكر أعدانه الذين تعاونوا ، وتكاثروا ، وبذلوا جهودهم في منعه من الهجرة ، وحالوا قتله ، وقد حفظه الله تعالى ، ووقاهم صلى الله عليه وآله وسلم شرهم ، وردهم على أعقابهم خاسنين خاسرين . عصمة الله تعالى لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ما يمنعه عن تبليغ الرسالة وتأييده سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم و ر دِّ مكرِ أعدائه عليهم

عدد الصفحات ١٠٦

117 قال الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين }. فقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس}أي: بل غ أنت يا رسول الله رسالتي ، وأنا حافظك ، وناصرك ، ومؤيدك ، فلا تخف ولا تحزن ، فلن يأ صِ ل إليك أحد من أعدانك بسوء أو أذى ، بل الله تعالى ه وأ يرد هم على أعقابهم خاسنين . وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزول هذه الآية ي حرس ليلاً . روى الترمذي وغيره ، عن أم المؤمنين السيدة عانشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ي حرس ليلاً ، حتى نزلت هذه الآية {والله يعصمك من الناس}قالت: فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه من القبة وقال [ :يا أيها الناس: انصرفوا ، فقد عصمني الله عز وجل ] وكان ذلك على أثر هجرته صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ذلك في سنة اثنين من الهجرة . وفي قوله تعالى : {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }قال الإمام البخاري رضي الله عنه : قال الزهري : من الله تعالى الرسالة ، وعلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم البلاغ ، وعلينا التسليم – أي : القبول والعمل - . وقد شهدت له صلى الله عليه وآله وسلم أمته بإبلاغ الرسالة ، وأداء الأمانة ، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل ، وذلك في خطبته يوم حجة الوداع : روى الإمام مسلم ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته يوم حجة الوداع : [أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قانلون]؟ قالوا : نشهد أنك قد بل غت ، وأد يت ، ونأ صحت . تفسير الحافظ ابن كثير وغيره .

عدد الصفحات ١٠٧

118 فجعل يرفع أصبعه إلى السماء، وينك سها إليهم ويقول [ :اللهم هأل بل غت ] أي: ي شهد الله عز وجل على تبليغه . وفي رواية الإمام أحمد : ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبعه إلى السماء فقال [ :اللهم هأل بلغت ] قال ذلك مراراً. وقاية الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم مِ ن س مِّ الشاة التي أهداها إليه اليهود روى الإمام البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( لما ف تحت خيبر أ هدِ يأ ت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاة فيها س م – أهدتها إليه اليهودية – فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:اجمعوا لي مأن كان ههنا مِ نأ اليهود ]فأج معوا له . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إني سانلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه ]؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :مأن أبوكم ]؟ قالوا : فلان . فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم [:كذبتم بل أبوكم فلان] قالوا: صدقتأ وبررتأ . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:هل أنتم صادقي عن شيء إِ ن سألتكم عنه ]؟ فقالوا : نعم يا أبا القاسم ، وإن كذبناك عرفته ، كما عأ رأ ف تأ ه في أبينا . فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم [:مأن أهل النار ]؟ قالوا : نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها .

عدد الصفحات ١٠٨

119 فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[:اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً ] ثم قال لهم رسول صلى الله عليه وآله وسلم [ :هل أنتم صادقي عن شيءٍ إن سأ ألتكم عنه ]؟ فقالوا : نعم يا أبا القاسم . قال صلى الله عليه وآله وسلم [ :هل جعلتم في هذه الشاة سماً ]؟ قالوا : نعم . قال صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما حملكم على هذا]؟ قالوا : أردنا إن كنتأ كاذباً أن نستريح منك ، وإن كنت صادقاً لأم يأ ضر ك ) كذا في ( جامع الأصول ) . وقال في معنى : اخسؤوا : يقال : خسأتأ الكلب إذا طردتأ ه وأبعدته . اهـ . وفي رواية لأبي داود ، من حديث جابر رضي الله عنه : أن يهودية من أهل خيبر سم ت شاة مأ ص لية – أي : مشوية - ، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – أي : هي من جملة المتعاونين في وضع السم في الشاة – وأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعاها – أي : مع جملة من اليهود الذين تقدم ذكرهم - . فقال لها [ :سممت هذه الشاة]؟ قالت اليهودية : مأ ن أخبرك ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :أخبرتني هذه الذراع التي بيدي] فقالت اليهودية: نعم . قال [ :وما أردت إلى ذلك] قالت: قلت : إن كان نبياً لم يضره ، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه . الحديث كما في ( جامع الأصول ) .

عدد الصفحات ١٠٩

111 عصمة الله تعالى لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من أعدائه المشركين ورد كيدهم ومِ ن ذلك ما وقع في غزوة ذات الرِّ قاع روى الشيخان ، عن جابر رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذات الرقاع – وفي رواية لهما : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غأ زأ اةً قِ بل نأ ج د – فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القانلة – أي : وقت القيلولة – في وادٍ كثير العِضاه ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة ، فعل ق سيفه بغصن من أغصانها ، وتفر ق الناس – أي : الصحابة في الوادي يستظل ون بالشجر - . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :إن رجلاً أتاني وأنا نانم ، فأأ خذ السيف ، فاستيقظت وهو قانم على رأسي ، والسيف صلتاً في يديه . فقال : مأ ن يمنعك مني ؟ قلت : الله ، فشام السيفأ ، فهاهوأ ذا جالس ] ثم لم يأ ع رِ ض له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان مأ لِ كأ قومه ، فانصرف حين عفا عنه فقال – الرجل - : لا أكون في قوم هم حرب لك . قال في ( المواهب وشرحها ) : وعند أبي عوانة في حديث جابر رضي الله عنه المتقدم ، فقال : مأ ن يمنعك مني . فقال له عليه الصلاة والسلام : [ الله ]فسقط السيف مِن يده ، فأخذه صلى الله عليه وآله وسلم فقال – للرجل - [ :من يمنعك مني] فقال الرجل: كن خير آخذ – استعمل الحلم - . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :تشهد أن لا آله إلا الله وأني رسول الله ] فقال الأعرابي: أعاهدك على أن لا أقاتلك ، ولا أكونأ مع قوم يقاتلونك .

عدد الصفحات ١١٠

111 فخأل ى سبيله ، فجاء إلى قومه فقال لهم : جنتكم مِ ن عند خير الناس صلى الله عليه وآله وسلم . وفي ( المواهب وشرحها ) نقلاً عن الواقدي في قصة الرجل الأعرابي المتقدم ذكره – أنه أسلم ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير ، وفي رواية ابن إسحاق : ثم أسلم بأ ع د . اهـ . ومن ذلك عصمة الله تعالى لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من مكر المنافقين وهو راجع من تبوك ليلاً وفيهم نزل قوله تعالى :{وهموا بما لم ينالوا }. روى البيهقي في( الدلانل) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقودها ، وعم ار يسوقها ، حتى إذا كنا بالعقبة ، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوا فيها – أي: في طريق العقبة – فأخبرته صلى الله عليه وآله وسلم ، فصرخ بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فول وا مدبرين . فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:هل عرفتم القوم]؟ قلنا : لا يا رسول الله كانوا متلث مين . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. هل تدرون ما أرادوا ]؟ قلنا : لا يا رسول الله . قال [:أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة فيلقوه فيها] كذا في( جامع الأصول )، قال : والعضاه : كل شجر له شوك ، كالسألم والأراك ، وسيف صأل ت إذا كان خارجاً مِن غِمده ، وشِمت السيف : إذا أغمدته ، وإذا سللته فهو من الأضداد . اهـ والمراد فشام السيف جعله في غمده . وكان ذلك ليلاً ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم راجع من تبوك كما في بقية الروايات .

عدد الصفحات ١١١

112 وفي رواية للبيهقي: فأأ خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبرهم – أي: فنزل عليه جبريل عليه السلام فأخبره خبرهم – ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:اللهم ارمهم بالد بأي لة] قلنا: يا رسول الله وما الد بأي لة ؟ قال [:شهاب من نار يوضع على نياط– عروق – قلب أحدهم فيهلك ] أي: يموت. وفي رواية للبيهقي : عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:هل عرفتأ مِن القوم أحداً ]؟ فقال حذيفة رضي الله عنه : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إن الله تعالى قد أخبرني بأسمانهم ، وأسماء آبانهم ، وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح ] فلما أصبح سم اهم لحذيفة رضي الله عنه. قال حذيفة رضي الله عنه : فهم اثنا عشر رجلاً حاربوا الله ورسوله ، وأرادوا قتله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. قال حذيفة رضي الله عنه : وذلك قول الله تعالى :{وهموا بما لم ينالوا} الآية . قال في ( الاستيعاب ): وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأسأل حذيفة عن المنافقين ، وهو – أي: حذيفة – معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عمر رضي الله عنه – أي: حين كان خليفة – ينظر إلى حذيفة عند موت مأ ن مات منهم – أي: من المنافقين انظر ( الدر المنثور ) وغيره ، وجاء في بعض روايات الطبراني وغيره أن المنافقين الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحذيفة كانوا : أربعة عشر رجلاً ، وفي رواية كانوا : خمسة عشر . اهـ.

عدد الصفحات ١١٢