المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة العلق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٦ من ١٢

81 قال صلى الله عليه وآله وسلم[:الرؤيا الصالحة]رواه البخاري، ومالك وزاد [:يراها الرجل المسلم، أو ت رى له ]كذا في( التيسير ) . وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [: إن الرسالة والنبوة قد انقطعتا ، فلا رسول بعدي ولا نبي ، ولكن المبشرات ] قالوا: يا رسول الله وما المبشرات ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:رؤيا المسلم– أي : الصالحة – وهي جزء من أجزاء النبوة ]عزاه في( الدر المنثور ) إلى ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والترمذي وصححه . وأما البشرى لهم في الآخرة فهي الجنة : جاء في الحديث ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله تعالى : {لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة }؟. فقال له صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت ، هي : الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، فهي ب شراه في الحياة الدنيا ، وبشراه في الآخرة الجنة ] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى : {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة }قال صلى عليه وآله وسلم [ :هي في الدنيا: الرؤيا الصالحة ، يراها العبد الصالح أو ترى له ، وفي الآخرة الجنة ] . وهذا كما قال سبحانه وتعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } . عزاه في(الدر المنثور) إلى الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن أبي شيبة وغيرهم . قال في (الدر المنثور): رواه ابن جرير ، وأبو الشيخ ، وابن مأر د ويه اهـ .

عدد الصفحات ٨١

82 وقال الله تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملانكةهذا يومكم الذي كنتم توعدون } . اللهم اجعلنا منهم بجاه حبيبك الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . الثانية : مأ ن أراد أأ ن يكون الله تعالى مأ عأ ه بالنصر والتأييد ، والتوفيق والتسديد ، فعليه بتقوى الله تعالى : قال الله تعالى :{واعلموا أن الله معالمتقين }. وقال سبحانه وتعالى:{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}. وهذه معية خاصة ، وهي على مراتب : فهناك معية للأتقياء ، وهناك معية للأنبياء ، كما قال سبحانه وتعالى لموسى وهارون صلوات الله تعالى على نبينا وعليهما :{إنني معكما أسمع وأرى}وقالالله تعالى مخبراً عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم }. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( يعني بكلمة الذين كفروا الشرك ،وكلمة الله هي : لا إله إلا الله ) . وجاء في ( الصحيحين ) ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، سنل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ] وأما معيته سبحانه وتعالى العامة لجميع عباده فهي المذكورة في قوله تعالى :{وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير}.

عدد الصفحات ٨٢

83 وفي قوله تعالى :{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا }أي: بعلمه المحيط بهم ، وأ سأ معه لكلامهم ، ورؤيته لهم ؛ مهما أسأ ر وا ، وأخفوا واستخفوا . الثالثة : مأ ن أراد الخروج من الشداند والمضايق ، وأراد سعة الرزق : فعليه بتقوى الله تعالى : قال سبحانه وتعالى :{ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب }أي: من جهة لا تخطر على باله ، ولا يدري بها {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره }أي: منفذ قضاءه وأحكامه في خلقه ، كما يريده ويشاؤه سبحانه {قد جعل الله لكل شيءٍ قدراً }. روى الإمام أحمد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو علي هذه الآية :{ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب }حتى فرغ من الآية ، ثم قال [:يا أبا ذر ، لو أأ ن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم ] قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن أجمع آية في القرآن هي :{إن يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى }الآية. قال : وإن أكبر آية في القرآن فرجاً : {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} الآية. الرابعة : مأ ن أأ راد أن يجعل الله تعالى له نوراً ي فأ رق به بين الحق والباطل ؛ فعليه بتقوى الله تعالى : قال سبحانه وتعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيناتكم }. وهذا الفرقان قد فسرته الآية الثانية: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم }.

عدد الصفحات ٨٣

84 الخامسة : مأ ن أراد حسن العواقب في الدنيا والآخرة ؛ فعليه بتقوى الله تعالى : قال تعالى : {فاصبر إن العاقبة للمتقين}. وقال سبحانه وتعالى: {وأمرأهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى }أي: والعاقبة الحسنة ملازمة وتابعة للتقوى . ومعنى الآية الكريمة : {وأمر أهلك بالصلاة}أي: لأنك راعيهم ، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته {واصطبر عليها}أي: وأنت اصطبر على أداء الصلاة كاملة ، بقيامها وركوعها وسجودها ، دون استعجال في أدانها ؛ توفيراً لوقت الاشتغال في أعمال الدنيا ، والسعي في الرزق ،لا نسألك رزقاً }أي: ما نطلب منك أن ترزق نفسك حتى تستعجل في أداء الصلاة لربك ، وتنهمك في طلب رزقك ،نحن نرزقك }أي: هو سبحانه المتكفل برزق الإنسان ، كما قال سبحانه : {وما من دآبة في الأرض إ على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين }وقال تعالى : {وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم}. فما على الإنسانإلا أن يقوم بعبادة الله تعالى ، ويؤدي أوامر الله تعالى كاملة ، ويسعى في طلب رزقه ، دون أن يشغله ذلك عن القيام بأوامر ربه وعبادته ؛ ورزقه على ربه سبحانه وتعالى . روى ابن ماجه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً ، وأسد فقرك ، وإن لم تفعل : ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك ] وروى ابن ماجه أيضاً، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول [ :مأن جعل الهموم هماً واحداً ؛ هم المعاد

عدد الصفحات ٨٤

85 :كفاه الله تعالى هم دنياه ، ومن تأشأع بت به الهموم في أحوال الدنيا : لم يبال الله في أي أوديته هلك ] فعلى المؤمن أن يكون أكبر همه الآخرة، ويسعى لها سعيها ، ولا يكن أكبر هأ م ه الدنيا ، ومالِ ها وحطامها وزخارفها . قال الله تعالى : {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}أي: وسوف ت ترك وتفنى {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أم}فالباقيات التي تنفع صاحبها هي : الصالحات من الأعمال ، والأقوال ، والأخلاق . جاء في الحديث ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أأ ن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:استكثروا من الباقيات الصالحات] قيل: وما هن يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:التكبير، والتهليل ، والتسبيح ، والحمد لله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ] . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:قل: سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله : فإن هن الباقيات الصالحات ، وهن يأح ط ط نأ الخطايا كما تحط الشجرة ورقها ، وهي من كنوز الجنة ] . ويرحم الله تعالى القانل : يا من بدنياه اشتغل وغر ه ط ول الأمل الموت يأتي بأغ تة والقبر صندوق العمل السادسة : كرامة العبد عند الله تعالى على حأسأبِ تقواه لله تعالى : قال الله تعالى :{إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}. قال في( الترغيب ): رواه أحمد ، والنساني واللفظ له . رواه الطبراني ، ورواه ابن ماجه باختصار كما في ( الترغيب).

عدد الصفحات ٨٥

86 روى الإمام البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سنل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي الناس أكرم ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:أكرمهم عند الله أتقاهم] قالوا: ليس عن هذا نسألك . قال [:فأكرم الناس ي وسف، نبي الله ابن نبي الله ، ابن نبي الله ، ابن خليل الله ] قالوا: ليس عن هذا نسألك . قال[:فعن معادن العرب تسألوني]؟ قالوا : نعم . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فق هوا ]أي: فقهوا في دينهم ، اعتقاداأ وعملاً وخ لقاً . وروى الإمام أحمد ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له [:انظر فإنك لستأ بخير من أحمر ولا أسود ، إلا أن تفضله بتقوى الله عز وجل ] وإن أتقى خلق الله لله تعالى ، وأخشاهم له ، وأعلمهم به ، هو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إمام الأنبياء والمرسلين ، الذي أعلأمأنا بذلك ، وأعلن ذلك ، متحدثاً بنعمة ربه تعالى الذي قال له :{وأما بنعمة ربك فحدث }فهو أكرم الخلق عند الله تعالى، وأكرمهم عليه ، صلى الله عليه وآله وسلم . روى الشيخان ، عن أم المؤمنين السيدة عانشة رضي الله تعالى عنها قالت : صأنعأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيناً تأرأخ ص فيه ، فتنزه عنه قوم ، فبلغه ، فخطب صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثم قال [:ما بال أقوام يتنز هون عن الشيء أصنعه، فوالله إن ي لأعلمهم بالله ، وأشد هم له خشية ]

عدد الصفحات ٨٦

87 وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رأه ط إلى ب يوتِ أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يسألون عن عبادته ، فلما أ خبروا كأنهم تأقأال وها ، قالوا : أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخ رأ . فقال أحدهم :أم ا أنا فأصلي الليل أبداً . وقال الآخر : وأنا أصوم الد هر ولا أفطر . وقال آخر ، وأنا أعتزل النساء ، ولا أتزوج أبداً . فجأاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم فقال [:أنتم الذين ق لتم كذا وكذا ؟ أأمأا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رأغِبأ عن سنتي فأليس مني ]رواه الشيخان والنساني كما في ( التيسير). فليس الدين الإسلامي هو اتباع آراء المتشد دِين ، ولا أهواء المتفلتين ، وإنما دين الإسلام هو اتباع سيد المرسلين ؛ سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن اله دى الذي جاء به هو فوق كل هدى ، ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول في خطبته [:أم ا بعد: فإن خير الحديث كتاب الله تعالى ، وأخير الهدي هأدي محمد صلى الله عليه و آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ] ثم يقول صلى الله عليه وآله وسلم[:أنا أأو لأى بكلِ مؤمن مِن نفسه ، مأن ترك مالاً فلأهله ، وأمأن ترك دأينا أو ضياعاً – أي: عيالاً وأطفالاً فقراء – فإلي وأعألأي ] . وجاء في رواية لأحمد وغيره[:أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وإن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشر قال في ( الترغيب): رواه مسلم ، وابن ماجه وغيرهما.

عدد الصفحات ٨٧

88 الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ] الحديث. فهو صلى الله عليه وآله وسلم أأع لأ م خلق الله تعالى ، وأتقاهم ، وأخشاهم له ، وأكرمهم عليه سبحانه وتعالى . روى الترمذي ، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:أنا أأو ل الناس خروجاً إذا ب عثوا ، وأنا خطيبهم إذا وأفأد وا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، ولواء الحمد يومنذٍ بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر ] وروى الترمذي أيضاً، عن أ بي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إذا كانيوم القيامة كنت أنا إمام النبيين وخطيبهم ، وصاحب شفاعتهم ؛ غير فخر ]أي متحدثاً بنعمة الله تعالى. مراتب التقوى وأما مراتب التقوى : فإن التقوى على مراتب متعددة ، ترجع إجمالاً إلى خمس مراتب : الأولى : هي تقوى الكفر والشرك ، وذلك باجتناب ما ي وجب الكفر ، والابتعاد عن الوقوع في الشرك الأكبر ، وهو : أن يأج عل مع الله تعالى إلهاً آخر ، وهذا معلوم ، وأنواع الكفر مفصلة في بحث الردة من كتب الفقه . قال الله تعالى :{هو أهل التقوى وأهل المغفرة}. روى أصحاب السنن،أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية :{ هو أهل التقوى وأهل المغفرة}فقال صلى الله عليه وآله وسلم[:قال ربكم : أنا أهل أأن أ تقى ، فأمأن لأم يأج عأل مأعِيأ إلهاً آخر فأنا أهل أن أغفر له ] وفي رواية[:فمن اتقاني فألأم يجعل معي إلهاً آخر فأنا أهل أن أغفر له] انظر( الجامع الصغير).

عدد الصفحات ٨٨

89 وهذا نظير قول الله تعالى:{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }. فأمر العصاة معلق على مشينته سبحانه ؛ إن لم يتب العاصي من معاصيه : إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ، كما جاء ذلك مصرحاً به في الأحاديث النبوية ، وقد ذكرت ذلك مفصلاً في ( تفسير سورة الحجرات ). المرتبة الثانية : هي تقوى المحرمات : روى الترمذي وغيره ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:اتق المحارم تأك ن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله تأك ن أغنى الناس ، وأأأح سِن إلى جارك تكن مؤمناً ، وأحب ل لناس ما ت حب لنفسك تكن مسلماً ، ولا تكثرِ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ] وفي هذا يقول الحسن البصري رضي الله عنه : المتقون هم الذين اتقوا ما حرم الله تعالى عليهم ، وأد وا ما افترض الله تعالى عليهم . اهـ. المرتبة الثالثة : اتقاء الشبهات : روى الشيخان وغيرهما، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:الحلال بأي ن، والحرام بأي ن ، وبينهما أمور مشتبهات ، لا يأعلم ه ن كثير مِنأ الناس ، فأمأنِ ات قى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه – أي: حص ل البراءة لدينه وعرضه – وأمأن وأقأع في الشبهات وأقأ ع في الحرام ، كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن ي واقعه ، أألاأ وإن لِك ل مألك حمى ، أألاأ وإن حمى الله في أرضه محارمه . أألاأ وإن في الجسد م ض غأةً ، إذا صألحت : صلح الجسد كله ، وإذا فسدت : فسد الجسد كل ه ، أألاأ وأهِيأ ال قلب ] . والكلام على هذه المرتبة مفصلاً تجده في( تفسير سورة الحجرات ).

عدد الصفحات ٨٩

91 المرتبة الرابعة: اتقاء ما لا بأس به مِن المباحات , م خافة الوقوع فيما به بأس ، وهو الوقوع في المنهيات ، أو المكروهات والشبهات : روى الترمذي ، عن عطية السعدي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [:لا يبلغ العبد أأن يكون من المتق ين حتى يأدأع - أي: يترك – ما لا بأس به حذراً مما به بأس ]رواه ابن ماجه، والحاكم . وفي ذلك يقول الحسن البصري رضي الله عنه : ما زأالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام . اهـ. المرتبة الخامسة : تقوى الله ح ق تقاته : قال الله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }أي: مستسلمون منقادون لله تعالى ، إيماناً واعتقاداً ، وعملاً وقولاً ، وقياماً وقعوداً ، وعلى جنوبكم . جاء في ( مسند ) الإمام أحمد وغيره ، أأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص [:قل: اللهم احفظني بالإسلام قانماً ، اللهم احفظني بالإسلام قاعداً ، اللهم احفظني بالإسلام راقداً ، اللهم لا ت ش مِت في عأدو اً ولا حاسداً ]الحديث. وروى الحاكم وصححه ، وابن مردويه ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:اتقوا الله حق تقاته ؛ أأن ي طاع فلا ي عصى ، وأأن ي ذكر فلا ي نسى ] وجاء من طريق أخرى عن الحاكم، وابن مأر دويه ، وعبد الرزاق ، وغيرهم ، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى :{اتقوا الله حق تقاته }قال[:أأن ي طاع فلا ي عصى ، ويذكر فلا ي نسى ، وي شكأر فلا ي كفر ] وروي مرفوعاً وموقوفاً. وروى أصحاب السنن ، والإمام أحمد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم [:لو أأن قطرة من الز قوم قأطأرت – أي: على الدنيا – لأفسدت على

عدد الصفحات ٩٠

91 أهل الأرض عيشهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا من الزق وم ]أي: وهم أهل جهنم -، والعياذ بالله تعالى . فتقوى الله تعالى بها يتفاضل المؤمنون ، وبها تختلف درجاتهم ، ومنازلهم وكرامتهم عند الله تعالى . قال الله تعالى :{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين }فأمر سبحانه بالمسارعة، وأمر في الآية الثانية بالمسابقة ، فقال سبحانه وتعالى :{سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم }. اللهم اجعلنا منهم يا ذا الفضل العظيم، بجاه حبيبك الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي أنزلتأ عليه هذا القرآن العظيم – آمين . وإن التزود للآخرة هو الذي ينفع صاحبه يوم القيامة ، وهو التقوى ، فإن ه خير الزاد ، قال الله تعالى :{وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}. فلما أمر الله تعالى العباد أن يتزودوا للأسفار في الدنيا ؛ وأرشدهم إلى زاد الآخرة ؛ ذلك السفر الطويل الذي لا رجعة بعده ، وهو استصحاب التقوى ، فإنها خير زادٍ ليوم المعاد . كما أمر سبحانه عباده باللباس في الدنيا فقال:{يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً }ثم أرشدهم سبحانه إلى لباس الآخرة، وهو التقوى ، فقال سبحانه :{ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون } . وقد بين الله تعالى أن المتقين ي ح شرون إلى الرحمن وفداً ، قال الله تعالى :{ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً.}أي: مكرمين بوفادتهم على أكرم الأكرمين ، وأرحم الراحمين ، لا يعتريهم ذلٌّ ولا هوان ، بل أعزة كرام ، في سرور وأمان . وقد ذكرت في ( تفسير سورة الحجرات ) أموراً هامةً حول التقوى لم أذكرها ها هنا اكتفاء بذلك ، فارجع إليها .

عدد الصفحات ٩١

92 يريد المرء أن يحظى مناه ويأبى الله إلا ما أراد يقول المرء فاندتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفاد قول الله تعالى : {أرءيت إن كذب وتولى* ألم يعلم بأن الله يرى } يعني: أبا جهل الضال إن كذب بكتاب الله عز وجل الذي أنزله الله تعالى عليك يا رسول الله ، وفيه القرآن المعجز ، والبينات الساطعة ، والحجج القاطعة ، على حق ي ة رسالتك وصدق نبوتك . {وتولى}وأعرض عن الإيمان بك يا رسول الله وبما جنت به، وراح ي عارض ويعاند ، ويجحد ، ويحاول منعك عن الصلاة لربك سبحانه وتعالى ، وفي كل مرة يأرجع خاسِناً ذليلاً ضالاً ضليلاً . {ألم يعلم بأن الله يرى }فهو سبحانه يرى كل شيء، ولا يخفى عليه شيء ، قال سبحانه :{إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} وقال تعالى:{ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك }أي: لا يغيب {من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين }. فهو سبحانه وتعالى يرى جميع ما ي حاوله أبو جهل الضال مِن م مأانعته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة ، وما وراء ذلك ، وإن ربك لبالمرصاد ، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {كلا لنن لم ينته لنسفعاً بالناصية } {ك}ردع وزجر لأبي جهل عن غي ه وضلاله وطغيانه. {لنن لم ينته}اللام موطنة للقسم أي: والله لنن لم ينته أبو جهل عما ه وأ فيه ، ولم ينزجر ويرتدع عن عداوته ، وطغيانه ومعارضته ، قوله تعالى :{لنسفعاً بالناصية}أي: لنأخذن بناصيته بشدة ، ولنسحبنه إلى النار يوم أي: من الدنيا وزخارفها.

عدد الصفحات ٩٢

93 القيامة، والس فع هو : الجذب بشدة ، أي: لنجرن بناصيته إلى النار بشدة وغلظة . قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى : والناصية هي : شعر مقد م الرأس ، وقد ي عأب ر بها عن جملة الإنسان ، كما يقال هذه ناصية مباركة ؛ إشارة إلى جميع الإنسان ، وخص الناصية بالذكر – أي: في قوله تعالى :{لنسفعاً بالناصية }– على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته : اخذوا بناصيته . وقيل الس ف ع : الضرب أي: لنأل ط مأن وجهه ، وكلها متقاربة المعنى ، أي: ي جمع عليه الضرب عند الأخذ ، ثم ي جر إلى جهنم . اهـ. قوله تعالى :{ناصية كاذبة خاطنة} أي: ناصية أبي جهل كاذبة في قولها ، خاطنة في فعلها ، أي: صاحبها كاذب خاطئ ، وفي هذا إشارة إلى شِد ة كذبه ، وخطينته ، كأن كل جزء من أجزانه كاذب وخاطئ . والخاطئ هو : مأن تعم د فعل الخطينة – أي: الذنب – والمخطئ : من أراد الصواب فصار إلى غيره ، فالخاطئ معاقب مأخوذ بخطينته وذنبه ، فافهم الفارق بينهما . وأي كذب أقبح مِن كأذِب أبي جهل ، الذي كان يأكذب على الله تعالى فيقول : إن الله لم يرسل سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول : إنه ساحر . كأمأا أأن أفعال أبي جهل مأج مأع الخطايا والذنوب ، والقبانح والعيوب : كِبرٌ وعناد ،. وتكذيب وجحود ، فإن ه عألِمأ صِد ق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعرف حأق ي ة القرآن الذي جاء به ، ولكنه لم يعترف ، بل راح يكذب ويجحد ؛ تكبراً وعناداً ، وجهالةً جهلاء ، وعصبية عمياء كما قال الله تعالى :{فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآياتيجحدون }والمعنى : إنهم يعلمون أنك يا رسول صادق ، ولكنهم يجحدون ذلك ، وينكرون ، بعد ما تبين الحق ، وعلموا أنه الحق .

عدد الصفحات ٩٣

94 قول الله تعالى : {فليدع ناديه. سندع الزبانية } سبب نزول ذلك، ما رواه الترمذي وصححه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي – أي: في المسجد الحرام – فجاء أبو جهل : فقال : أألم أن هك عن هذا ؟- أي: عن الصلاة – فانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزبره – أي: زجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا جهل وأغ لظ له القول -. فقال أبو جهل : إن ك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني ، فنزل قول الله تعالى :{ فليدع ناديه* سندع الزبانية }. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( والله لو دعا – أبو جهل – ناديه لأخذته زبانية الله تعالى ). النادي هو : المجلس الذي يأنتدي فيه القوم – أي: يجتمعون فيه – والمراد هنا أهل النادي ، والمعنى : فليدع أبو جهل أهل ناديه ، ومجلسه وعشيرته ، وأل يأستنصر بهم . {سندع الزبانية} قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( يعني : الملانكة الغلاظ الشداد ، الموكلين بتعذيب الكفار في النار ). وقد اختلف في واحد الزبانية : فنقل العلامة القرطبي رحمه الله تعالى عن الكساني واحدهم : زِبنيٌّ . وقال الأخفش : زابن . وقال أبو عبيدة : زِبنية ، وقيل : زأباني ، وقيل : هو اسم للجمع كالأبابيل . ث م قال القرطبي رحمه الله تعالى : وهو مأخوذ مِنأ الزأبن وهو : الدفع . اهـ أي: الدفع بشدة وقوة . وقول ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم في معنى :{سندع الزبانية}قال : يعني الملانكة الغلاظ الشداد ، يشير بذلك إلى قوله تعالى :{يا أيها الذين

عدد الصفحات ٩٤

95 آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملانكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون }. وقوله تعالى:{قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}أما وقاية النفس من النار فهي بفعل الطاعات ، وترك المعاصي والمخالفات ، وأما وقاية الأهل والمراد بهم هنا ما يشمل الزوجة والأولاد ، ووقايتهم من النار هي بحملهم على فعل الطاعات ، وترك المعاصي ؛ بالنصح والتأديب ، فيأمرهم بما أمرهم الله تعالى ، وينهاهم عما نهى الله تعالى . ومِن ذلك تعليمهم الأخ لاق الفاضلة ، والآداب الكاملة . روى ابن المنذر ، والحاكم وصححه ، عن أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه قال في هذه الآية : ( علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم ). اهـ. جاء في الحديث ، عن ابن عأم رو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ، وفرق وا بينهم في المضاجع ] الحديث . والمعنى : إذا بلغ أولادكم سبعاً فأم روهم بأداء الصلاة ، ليعتادوها ، ويأنسوا بها، فإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم على تركها . ومعنى [:وأفر قوا بينهم في المضاجع ]قال العلامة المناوي: أي: فرقوا بين أولادكم في مضاجعهم التي ينامون فيها ، إذا بلغوا عشراً ، حذراً من غوانل الشهوة ؛ وإن كن أخواته . اهـ. رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والحاكم كما في ( الجامع الصغير )، رامزاً لصحته . يعني : الذكور والإناث فلا يناموا مع أخواتهن في فراش واحد .

عدد الصفحات ٩٥

96 وهذا امر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم [:مروا أولادكم]هذا الأمر م وأج ه لأولياء الأولاد ، فإذا لم يأمروا أولادهم بذلك كانوا مسؤولين عند الله تعالى ، ومحاسبين على ذلك . جاء في الحديث ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:كلك م راع، وكل كم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته ، فكلك م راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ] . فعلى المسلم أن يقوم بمهمته الموكلة إليه ، ولا ي قأص ر في ذلك ، وليعلم أأن هناك س ؤالاً عنها . وقوله تعالى :{وقودها الناس والحجارة }أي: تتوقد نار جهنم بالناس والحجارة ، كما توقد نار الدنيا بالحطب . فقال بعضهم : المراد بالحجارة هنا هي الأصنام التي كانت ت عبدأ مِن د ون الله تعالى ، كما قال الله تعالى :{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون }. وقال ابن مسعود رضي الله عنه وغيره: ( هي حجارة كبريت ) والحجارة تشمل الكل . وبعد أن بي ن الله تعالى شِد ة نارها ، بأي نأ سبحانه وتعالى شِدة القانمين بتعذيب الكفار فيها ، وقوتهم فقال سبحانه وتعالى :{عليها ملانكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون }. والمعنى: أأن عليها ملانكة ، موكلون عليها ، وتعذيب أهلها ، غلاظ الأقوال ، شداد الأفعال ، غلاظ الخ ل ق ، شداد الخأل ق ، أقوياء على الأفعال الشديدة ، لا يعتريهم تعب ولا نصب ، ولا كألأل ولا مألل ، ونعوذ بالله من عذاب جهنم . رواه الشيخان ، وأبو داود الترمذي ، والإمام أحمد كما في ( الجامع الصغير ).

عدد الصفحات ٩٦