49 فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم، ظناً أن صاحبيه لا يجينان ، لما سبق من العهود على أن لا يعودوا ، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق ، فتلاوموا وتعاهدوا على أن لا يعودوا . فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضاً ، فلما أصبحوا تعاهدوا على أن لا يعودوا لمثلها أبداً ، ثم تفرقوا . فلما أصبح الأخنس بن شريق ، أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته ، فقال له : أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد – صلى الله عليه وآله وسلم -! فقال أبو سفيان : والله لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ، ولا ما يراد بها . فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به – أي- مثلك -. ثم خرج الأخنس مِن عند أبي سفيان فأتى أبا جهل ، فدخل عليه في بيته ، فقال له : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد – صلى الله عليه وآله وسلم -؟ فقال أبو جهل : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشأرأف ، فأطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا – أي: للمحتاجين – فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الر كب ، وكنا كفأرسأي رِهان – أي: سواء في المفاخر – قالوا : مِن ا نأبيٌّ يأتيه الوحي من السماء – أي: افتخروا علينا بأن فيهم نبياً ي وحى إليه من ال سماء ، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المرسلين صلوات الله تعالى عليه وعليهم أجمعين -. قال أبو جهل : فمتى ندرك هذه الفضيلة والمفخرة ، ومِن أين نأتي بنبي ؟ قال أبو جهل : والله والله لا نؤمن به أبداً ، ولا نصدقه . فقام عنه الأخنس وتركه . اهـ . وفي رواية لغير ابن إسحق : تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف إلخ .
عدد الصفحات ٤٩51 فلقد علم أبو جهل وأمثاله أأن سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقاً ، ولكن العصبية الجاهلية ، وأنانية كبرياء النفس ؛ حالت دونه فلم ي قر ، ولم يعترف بل جحد وأنكر . وجاء في رواية لابن جرير : فقال أبو جهل : والله إن محمداً لصادق ، وما كأذأب محمدٌ قط ، ولكن ذهبت بنو هاشم باللواء ، والسقاية ، والحجابة ، والنبوة ، فماذا يكون لسانر قريش . اهـ. وأما المعجزات وهي : خوارق العادات التي أي دأ الله تعالى بها رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فهي كثيرة لا تحصى ، ولا تستقصى ، وهي أنواع متنوعة ، أقامها الله تعالى ح ج ة على جميع العالمين ، وسانر الأمم إلى يوم الدين. فمنها المعجزات السماوية ، ومنها المعجزات الأرضية ، ومنها المعجزات النباتية والشجرية ، ومنها المانية ، ومنها الطعامية والشرابية ، ومنها المتعلقة بالحيوان ، ومنها المتعلقة بالطيور ، ومنها المتعلقة بالجمادات ، ومنها الإخبارات الغيبية، وهي على أنواع : فمنها الإخبارات عن الأمور الماضية ، ومنها الإخبارات عن أمور حالية ، ومنها عن الأمور الآتية ، والحوادث الزمنية ، وهناك معجزات ومعجزات لا يمكن استقصاؤها ... وإن كل واحدة إذا فأك ر فيها العاقل يأعلم يقيناً أن الذي جاء بها هو رسول الله تعالى حقاً ، لا ي نكر ذلك إلا مأن رأى نفسه قد استغنى بمال أو جاه ، أو عشيرة ، أو بدعواه قد بلغ من الذكاء والفهم مبلغاً فغرته نفسه ، وزينت له أنه قد استغنى بذلك ، فيتكبر ويترفع عن قبول الحق – وهو يعلم أنه الحق – ويتبع هوى نفسه ، وما تزينه له ، ويعرض عن الحق القاطع ، والبرهان الساطع الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما قال تعالى :{فإن لم يستجيبوا لك}أي: بعد أن ظهر لهم الحق الذي جنت به ، والبينات القطعية التي جنتهم بها {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين }.
عدد الصفحات ٥٠51 فهم قوم ظالمون لأنفسهم، عرفوا الحق فلم يعترفوا به ، ورأوا النور الساطع فأعرضوا عنه ، وجحدوا ، فهم كفار ، رأوا نور الهدى واتضح لهم فأنكروا ذلك ، وأخفوه ، وأعرضوا عنه ، قال الله تعالى :{ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم }أي: ظهر لهم {ما كانوا يخفون من قبل} أي: حين كانوا في الدنيا {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }. وهكذا عادة الكفار المعاندين والجاحدين، أنهم يلجؤون إلى الله تعالى حالة الشداند والاضطرار ، ويعطون العهد على أن لا يعودوا ، حتى إذا انجلت عنهم تلك المهالك والشداند : عادوا لِمأا كانوا ، قال الله تعالى :{هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلكوجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لنن أنجيتنا من هذه }أي: الشدة الشديدة ، والمهلكة الكبرى {لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم }أي: إلى البر {إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } الآية الكريمة. وهذا كما قال الله تعالى في الكفار :{وإذامسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً }. أي: يعرف نعمته عليه ، وقدرته ، ولكنه يجحد وينكر ، وهو يعلم أنما ينكره ويجحده هو حق ، كما قال تعالى :{يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون }. ومنأجل ذلك قال سبحانه :{ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إ الكفور }. أي: المنكر للحق بعد ما تبين له أنه الحق ، فهذا شأن المتكبر العنيد ، ومن المعلوم أن العنيد هو كالحديد لا ت لينه إلا النار .
عدد الصفحات ٥١52 قال الله تعالى :{ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. مناع للخير معتد مريب }الآيات الكريمة. الوجه الرابع : حول قوله تعالى :{إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى }. فلقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم بهذا القرآن المعجز ، الذي أنزله الله تعالى عليه ، وأقرأه إي اه ، وبي نه له ، وأمره أأن ي بينه للناس ، وأأن يتلوه عليهم كما أقرأه الله تعالى إي اه ،وأي ده الله تعالى بالمعجزات التي لا ت حصى ، وأرسله الله تعالى إلى جميع العالمين ، ليقيم الحجة على جميع العالمين . ولذلك وصفه الله تعالى بأنه البي نة ، أي: بينة الله تعالى ، وحجته على جميع العالمين ، كما وصفه سبحانه وتعالى بأن ه صلى الله عليه وآله وسلم ب رهان مِن رب العالمين . أما البينة فقد قال الله تعالى :{لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين }أي: عب اد الأوثان ، والنيران ، من العرب والعجم { منفكين}أي: تاركين ومفارقين ما هم عليه قبل البعثة {حتى تأتيهم البينة }مِن عند الله تعالى ، ت بين لهم الحق بياناً جلياً ، ظاهراً لا ريب فيه ولا شك ، ثم فس ر سبحانه وتعالى تلك البينة ما هي فقال :{رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة * فيها كتب قيمة }. فالبينة هي: سيدنا محمد رسول الله تعالى ، فإنه بينة الله تعالى الكبرى ، وحجة الله تعالى العظمى على العالمين أجمعين ، إنسهم وجنهم ، وعربهم وعجمهم ، فلا نبي ولا رسول بعده أبداً ، فجاء صلى الله عليه وآله وسلم يتلو هذا القرآن العظيم ، المكتوب في صحف مطهرة في الملأ الأعلى ، كما قال تعالى :{في صحف مكرمة* مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة }. وموضعه من الإعراب النحوي: بدل مطابق ، وهو المعروف بـ : بدل كل من كل ، أي: بدل من البينة .
عدد الصفحات ٥٢53 وقد اشتمل هذا القرآن العظيم على سور متعددة، كل واحدة منها كتاب قي م ، فيه بيان الحق جلياً واضحاً ، ليس فيها التباس ولا تعارض . وقد بين الله تعالى أن هذا القرآن العظيم هو مكتوب في أم الكتاب عنده سبحانه ، قال الله تعالى :{حم* والكتاب المبين * إنا جعلناه }أي: صيرناه {قرآناً عربياً لعلكم تعقلون* وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }فالجعل هنا في قوله تعالى:{إنا جعلناه}ليس بالجعل التكويني ، فإن القرآن العظيم كلام الله تعالى ، وليس بمخلوق . وفي هذه الآيات الكريمة ي بين الله تعالى لعباده شرف هذا القرآن الكريم في الملأ الأعلى ، ورفعة قدره ؛ ليعظ مه ويجل ه ويتبع ما فيه أهل الأرض ، ولذلك قال سبحانه :{وإنه في أم الكتاب لدينا}أي: عندنا { لعلي}ذو منزلة عليا، وشرف رفيع ، ومجد عظيم ، وفضل كبير { حكيم}أي: محكم ، ليس فيه خلل ولا التباس ، ولا زيغ ، ولا عبث ولا باطل ، بل هو الحق المبين ، وفي هذا تنبيه للعباد على عظمة هذا القرآن الكريم ، وعلو مجده وشرفه . قال الله تعالى :{بلهو قرآن مجيد * في لوح محفوظ }وقال تعالى :{ق والقرآن المجيد}فله المجد الأعلى، وقال الله تعالى :{إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من رب العالمين }. روى الإمام الترمذي، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:يقول الرب تب ارك وتعالى : مأن شأغله القرآن عن مسألتي : أعطيته أفضل ما أعطي السانلين ، وفضل كلام الله تعالى على سانر الكلام : كفضل الله على خلقه ]كذا في( الترغيب). ورواه الدارمي أيضاً في ( سننه ).
عدد الصفحات ٥٣54 وروى البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال [:فضل القرآن على سانر الكلام: كفضل الرحمن على سانر خلقه]وصححه في( الجامع الصغير ). فما أعظم هذا القرآن الكريم ، وما أجل ه ، وما أشرفه ، وما أمجده ؟ نعم إن ه كلام الله تعالى المعجز ، أنزله على أكرم خلقه عليه ، وأحب هم إليه ، ألا وهو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي أرسله رحمة لجميع العالمين ، وفض له على جميع الأنبياء والمرسلين ، صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين . جاء في الحديث ، عن أمير المؤمنين ، سيدنا علي رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول [:أأمأا إِن ها ستكون فتنة ] قلت: فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم [:كتاب الله تعالى، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وح كم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، مأن تركه مِن جب ار قصمه الله تعالى ، وأمأ ن ابتغى الهدى في غيره : أضل ه الله تعالى . وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا تأش بع منه العلماء ، ولا يأخلأق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجانبه . أي: هو الفاصل بين الحق والباطل . هو كله جأد وحق ، لا هزل فيه ولا عبث ، فخذوه بجد وحزم ، وتعظيم وإجلال ، ولا تتخذوا آيات الله هزواً ، ولا تساهل ولا احتيال ، كما قال تعالى :{إنه لقول فصل * وما هو بالهزل }أي: فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، ولا تحتالوا في ذلك .
عدد الصفحات ٥٤55 وهو الذي لم تنته الجنإذ سمعته حتى قالوا :{إنا سمعناقرآناً عجباً * يهدي إلى الرشد فآمنا به } . مأن قال به صدق ، وأمأن عمل به أ جر ، ومأن حكم به عأدأل ، ومن دعا إليه ه دِي إلى صراط مستقيم ]رواه الترمذي، والدارمي في ( سننه ). فيا أيها المسلمون والمسلمات : عظ موا كتاب الله تعالى ، وأجل وه ، وأكثروا من تلاوته ، واعملوا بما جاء به ، وذلك بأن تأتمروا بأوامره ، وتنتهوا عما نهى عنه ، ولا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا زخارفها ، ولا أموالها ، ولا مظاهرها ، ولا يشغلنكم ذلك عن تلاوته والعمل بما جاء به ، وسلوا الله تعالى أأن يجعل القرآن العظيم ح ج ةً لكم ، وشفيعاً بكم ، ولا يكون حجة عليكم . فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم ، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:الط هور شأطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور ، والصدقة ب رهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبانع نفسه : فمعتِق ها – أي: من النار – أو موبقها ]أي: مهلكها في النار . فقوله صلى الله عليه وآله وسلم [:والقرآن حجة لك]إن عملتأ بما جاء به ، مِن أوامر عملية ، أو قولية ، أو خ لقي ة ، وانتهيتأ عما فيه من المناهي والمحرمات . ويكون حجة عليك إن خالفت ما جاء به ، فلم تعمل بأوامره ، ولم تنته عما نهاك وحذرك منه ، كالذي يقرأ قول الله تعالى ولا يرعوي ولا ينتهي : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا } اتركوا{ما بقي من الربا}أي: من أنواع الربا كما كان عليه الجاهلية {إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا الرشد والرشاد ضد الغي والضلال .
عدد الصفحات ٥٥56 }أي: لم تتركوا الربا {فأذنوا}أي: اعلموا {بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون }. فقوله تعالى:{وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم}نأصٌّ ظاهر قاطع بتحريم الربا كله ، ولا واحد في الألف . وفي هذه الآية تحذير شديد مِن تعاطي الحيل ، وأساليب المكر ؛ الموصلة إلى الربا ، فالربا حرام ك ل ه ، قليله وكثيره ، ظاهره أو خفيه ، تحت ستار الحيل ، والمكر ، والأساليب الملتوية . وروى ابن حبان في ( صحيحه) عن جابر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال [:القرآن شافع مشف ع، وما حِل مصد ق ، مأ ن جعله أ مامه – أي: عمل به – قاده إلى الجنة ، وأمأن جعله خلف ظهره – أي: لم يعمل بما جاء به – ساقه إلى النار ]كذا في( الترغيب). وروى مسلم وغيره ، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ]:اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ، اقرؤوا الزهراوين : البقرة وآل عمران ، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان ، أو غيايتان ، أو فرقان مِن طير صأواف : تحاج ان عن صاحبهما ، اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا يستطيعها البأطألأة ] . الماحِل: بكسر الحاء ، والمراد به هنا : أنه ي حاول ويدافع عن صاحبه إن عمل به ، وخأص م له إِن لأم يعمل به . تثنية الزهراء وهي : النيرة البيضاء . تثنية الغمامة وهي : السحابة . تثنية الغياية وهي : كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه . أي: قطعتان ، وفرقتان من الطيور عظيمتان . البطلة هنا السحرة ، والمعنى : أن قراءة سورة البقرة تكون حجاباً عظيماً من سحر السحرة ، لا يستطيعون خرقه .
عدد الصفحات ٥٦57 وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ]رواه مسلم وغيره كما في( الترغيب). وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال[:إن الله كأتب كتاباً قأ بل أأن يخلق السماوات والأرض بألفي عام ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، لا ت قرآن في دار ثلاث ليالٍ فأيأقربها شيطان ]رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب ، ورواه النساني ، وابن حبان في (صحيحه) كما في ( الترغيب) وغيره . فعلى كل مسلم ومسلمة أن يكثرا من تلاوة القرآن الكريم ، مع العمل بما جاء به من الأوامر ، والبعد عن ما نهى عنه ، ولا يتم ذلك إلا بالرجوع إلى السنة النبوية ، المشتملة على أعماله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقواله ، وأخلاقه ، فإن السنة النبوية هي بيان للقرآن ملازمة له ، كما تقدم في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم [:إني تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله تعالى ، وسنة نبيكم ] صلى عليه وآله وسلم . وصفه سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه برهان تقدم أن الله تعالى قد وصف رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن بأنه البينة ، وقد تقدم الكلام على ذلك ، كما وصفه بأنه صلى الله عليه وآله وسلم ب رهان ، قال الله تعالى :{يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً }. جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن المراد بالبرهان هنا : هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وروى ابن عساكر ذلك عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى . ص ( ).
عدد الصفحات ٥٧58 وقال في( شرح المواهب) : روى ابن أبي حاتم ، عن سفيان بن عيينة في :{قد جاءكم برهان من ربكم}قال: هو : سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وجزم به ابن عطية والنسفي ولم يحكيا غيره . اهـ. وإنما وصفه سبحانه بأنه برهان لأنه حجة الله تعالى على خلقه كلهم ، وهو حجة نيرة ظاهرة واضحة ، لما جاء به من القرآن المعجز ، الذي أنزله الله تعالى عليه ، ولما جاء به من المعجزات التي أيده الله تعالى بها ، الدالة على صدقه -كما تقدم – صلى الله عليه وآله وسلم . {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}وهو القرآن العظيم، الذي فيه تبيان لكل شيء ، وتفصيل لكل شيء ، وما فر ط الله تعالى في الكتاب من شيء . قال الله تعالى :{ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين }. وقال الله تعالى:{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون }. أي: يعلمون أنه حق ، بعد ما عقلوا وفكروا فيما جاء ، فيؤمنون إيماناً جازماً ، ولا يرتابون ، ولا ينكرون ، ولا يجحدون ، تكبراً وتجبراً ، أوِ اتباعاً لأهوانهم الفاسدة ، وآرانهم الكاسدة . وقد أخبرنا الله تعالى عن مواقف الأمم السابقة مع رسلهم ، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والأدلة ، قال الله تعالى في قوم صالح عليه السلام :{ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون . قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون }. فالمستكبرون مِن قوم صالح عليه السلام وج هوا سؤالاً إلى المستضعفين الذين آمنوا بصالح عليه السلام ، وهو أنهم اتبعوا صالحاً عليه السلام وصدقوه : مسايرة ، أو تساهلاً منهم ، أو عن تغفل منهم وعدم تفكير ،
عدد الصفحات ٥٨59 أم أنهم اتبعوه وصدقوه بناء على علم منهم قاطع ، ي ثبت لهم صدقه ، وأنه رسول الله حقاً ، بعد التفكر والنظر فيما جاء به . فأجابوهم :{إنا بما أرسل به مؤمنون}أي: مصدقون تصديقاً جازماً ، وإيماناً حقاً ، مبيناً على نظر وتفكر ، وعلم بحقية ما جاء به ، وأنه رسول الله حقاً ، لا يقبل الشك . {قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون }. ومن المعلوم في اللغة أن مادة الكفر من حيث الاشتقاق تعطيمعنى الستر والخفاء ، فيقال : الليل كافر – أي: ساتر بظلامه – فقولهم :{ إنا بالذي آمنتم به كافرون }يريدون بذلك أنهم كافرون بصالح عليه السلام ، ولو جاء بأدلة ظاهرة تدل على صدقه ، كالناقة وغيرها ، فهم ساترون للحق ، ومكذبون به بعدما ظهر لهم ، وذلك بسبب كبرهم وعتوهم ، وتعاظمهم في أنفسهم عن قبول الحق ؛ ولو كان حقاً جازماً . وهذا كما قال الله تعالى :{إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى }فمن رأى أنه استغنى بماله أو عشيرته أو نحوهما ، يحمله ذلك على الطغيان والتكبر ، والإعراض عن قبول الحق . قول الله تعالى :{إن إلى ربك الرجعى} الرجعى: مصدر بمعنى : الرجوع ، وفي هذا تهديد ووعيد للطاغي الذي تكبر وأعرض عن الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا نظير قوله تعالى :{فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر * إن إلينا إيابهم }رجوعهم {ثم إن علينا حسابهم}ففي هذا كله تحذير للطغاة والبغاة، والمعرض عن قبول الحق النازل من عند الله تعالى ، النازل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا كما قال الله تعالى :{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً الطغيان هو : مجاوزة الحد ، والتعاظم النفساني .
عدد الصفحات ٥٩61 وأنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم }. فالله تعالى الذي خلق العباد هو حكيم عليم، ومِن مقتضى حكمته سبحانه أن يتعه د عباده بالهدي الإلهي ، والبيانات الإلهية ، التي تدلهم على ما ينفعهم ، وما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وتحذرهم مما ي فسدهم ويضرهم ، كما قال سبحانه وتعالى :{قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولنك أصحاب النار هم فيها خالدون}. فأنزل الله الكتب، وأرسل الرسل صلوات الله على نبينا وعليهم ، وأعظم الكتب الإلهية وأفضلها وأجمعها هذا القرآن العظيم ، والكتاب النازل على إمام الأنبياء والمرسلين ، وخاتمهم أجمعين ، سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فما خلق الله تعالى العباد عبثاً ، أو باطلاً ، بل خلقهم خلقاً صادراً عن علمه وحكمته ، فإنه سبحانه هو العليم الحكيم ، فأمر العباد بالأوامر التي تضمن لهم مصالحهم وسعادتهم ، وكرامتهم ومنافعهم في الدنيا والآخرة ، ونهاهم سبحانه عما فيه فسادهم وشقاؤهم و وخسرانهم في الدنيا والآخرة . ولذلك قال سبحانه :{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً}أي: لا لحكمة ، ولا تشريع فيه بيان الأوامر والمناهي ، والحلال الذي فيه نفعكم ، والحرام الذي فيه ضرر عليكم ، وهذا كما بين الله تعالى ذلك في قوله سبحانه وتعالى :{أيحسب الإنسان أن يترك سدى }. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في معنى هذه الآية الكريمة{أيحسب الإنسان أن يترك سدى } :أي: لا ي ؤمر ولا ي نهى اهـ. أي: بدون أن تتوجه إليه أوامر منأ الله تعالى تبين له طريق السعادة ، ولا نهي ي حذره من الشقاء ، ولذلك قال :{أفحسبتم أنماخلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون }.
عدد الصفحات ٦٠61 فأخأل ق العباد بلا تشريع وأمر ونهي ؛ هذا عأبأث ؛ والله تعالى منزه عن العأبأث . وتشريع وأوامر ونهي بلا مسؤولية ، ورجوع إلى الملك الحأكأم العأد ل ؛ هذا باطل ، ولذلك قال تعالى :{فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم }. أي: فتعالى الله وتنزه عن أن يخلق العباد ولا ي نزل عليهم أوامر ، فيها سعادتهم ، ومنافعهم ومصالحهم ، ولا ينهاهم عما فيه فسادهم ، وضررهم ، وشقاؤهم ، وتعالى الله أن يتركهم بلا مسؤولية ولا محاسبة على ذلك ، بل لا بد بمقتضى حكمته سبحانه أن يرجعهم إليه ، للسؤال والحساب ، والجزاء :{ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى }. فتعالى الله أن ي ساوي بين المحسن والمسيء، والصالح والفاسد ، والظالم والعادل ، والباغي والمأب غي عليه ، قال الله تعالى :{أم حسب الذين اجترحوا }أي: فعلوا {السينات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون * وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون }فلا بد من يوم الفصل ، والجزاء ، والسؤال ، والحساب . فالله تعالى لا ي ساوي بين المحسن في عمله : مع الله تعالى ، ومع عباد الله تعالى ؛ وبين المسيء المخالف لأوامر الله تعالى ، والمسيء إلى عباد الله تعالى . قال سبحانه وتعالى :{وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلاً ما تتذكرون * إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }. فالساعة حقٌّ لا ريب فيها ، وفيها يجري السؤال والحساب ، وجزاء المحسن وثوابه ، وجزاء المسيء وعقابه وعذابه .
عدد الصفحات ٦١62 وهذا كما قال سبحانه وتعالى :{وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا }أي: بل خلقناهم بالحق ، والحكمة {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار . أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب }. أي: أهل العقول السليمة ، الخالصة من سيطرة الأوهام والأهواء الفاسدة عليها ، فهم الذين يقتحمون بعقولهم ح جب الأهواء الفاسدة ، والآراء الفاشلة ، ويأصلون إلى ل باب الأمور ومقاصدها ، وحكمتها ، فهم أهل التذكر والتدب ر في آيات الله تعالى القرآنية المتلوة ، كما أنهم أهل التفكر في آيات الله تعالى التكوينية المرنية ، فيفهمون ويعرفون الحكمة في خلقها ، وأنها خلقت بالحق ، ولم تخلق عبثاً ولا باطلاً ، كما قال سبحانه وتعالى : {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار } اللهم: آمين . قول الله تعالى: {أرءيت الذي ينهى. عبداً إذا صلى } الكلام حول هذه الآية له وجوه : الوجه الأول : في سبب النزول : روى الإمام مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : هل ي عف ر محمد وجهه بين أظهركم ؟ يعني : بذلك صلاته صلى الله عليه وآله وسلم عند البيت المعظم ، وسجوده على الأرض . فقالوا : - أي : جماعة أبي جهل – نعم- أي : هو يصلي عند البيت ، ويسجد على التراب - .
عدد الصفحات ٦٢63 فقال أبو جهل: واللا ت والع ز ى لنن رأيته يفعل ذلك ، لأطأن على رقبته ، أو لأعف رن وجهه في التراب . ثم إن ه – أبا جهل – أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي – أي : عند البيت المعظم – ليطأ على رقبته ، قال : فما فجأهم منه إلا وهو – أبو جهل – يأ نكص على عقبيه ، ويتقي بيديه . فقيل له : - أي : قال قومه له – مالأ كأ ؟ أي : راجعاً خانفاً . فقال – أبو جهل - : إن بيني وبينه لخندقاً من نارٍ ، وهأ و لاً ، وأجنحة – أي : أجنحة الملانكة التي جاءت لتختطفه - . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ :لو دنا منيختطفته الملانكة عضواً عضواً ]،فأنزل الله تعالى : {كلا إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى }إلى قوله{كلا لا تطعه واسجد واقترب } . الوجه الثاني : حول قوله تعالى : {أرءيت الذي ينهى* عبداً إذا صلى } . المراد بالذي ينهى أبو جهل، والمراد هنا بعبد إذا صل ى هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أي : فما أجهل هذا الناهي ، وما أضل ه ، وما أقبحه ، وما أشد وقاحته ، إنه ينهى عبداً إذا صل ى – أي : ينهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة لربه تعالى – وهذا في أول الأمر حين كان صلى لله في مكة المكرمة . ووصف الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه عبد – أي : عبد الله - هذا من باب التشريف والتكريم ، والتفخيم له صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه أفضل العِ باد والع ب اد ، قد انفرد بأعلى منزلة في العبدية والعبودية ، والعبادة لله تعالى . أقسم أبو جهل باللا ت والعز ى وهما أعظم الأصنام عندهم . التعفير هو : التمريغ في التراب . النكوص هو : الرجوع إلى وراء ، وهو القهقرى . أي : يقي وجهه بيديه من النار التي رآها . الاختطاف هو : الاستلاب بسرعة ، والأخذ بشدة .
عدد الصفحات ٦٣64 ولذلك وصفه الله تعالى في أعالي مراتبه صلى الله عليه وآله وسلم ومقاماته ؛ بأنه عبد الله تعالى : فقال سبحانه في مقام إنزال الكتاب المعجز ، المهيمن على ما سواه ، قال سبحانه وتعالى :{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا }. وقال تعالى في مقام الإسراء والمعراج ، الخاصين به صلى الله عليه وآله وسلم :{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير }. وقال الله تعالى :{فأوحى إلى عبده ما أوحى* ما كذب الفؤاد ما رأى }. وقال الله تعالى في مقام التحدي :{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله }الآية. وقال الله تعالى في مقام النصر يوم بدر - وهو يوم الفرقان - :{إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير }. وقال الله تعالى:{ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً }. أي: متراكمين على بعضهم ، ومتزاحمين حرصاً على سماع القرآن الكريم منه صلى الله عليه وآله وسلم . وروى البخاري ، عن عطاء بن يسار قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله في التوراة . فقال : أجل إنه صلى الله عليه وآله وسلم لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن [:يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وحِ ر زاً للأم يين ، أنت عبدي ورسولي ]الحديث كما تقدم.
عدد الصفحات ٦٤