المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة العلق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٣ من ١٢

33 والعلق : جمع علقة ، وهي دم جامد متعلق بالرحم ، وأتى بصيغة الجمع {من علق} لأنه أريد بالإنسان الجنس. وذكر سبحانه هنا مبدأ خلق الإنسان من علق ، لكون العلقة مبدأ الأطوار التي انتقلت إليها النطفة ، كما جاء في (الصحيحين )، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [: إن أحدكم ي جمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم ي رسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد ]الحديث. وقد بين الله تعالى مبدأ خلق الإنسان ، وأطوار خلقه كلها التي يأمر عليها في الرحم . قال الله تعالى :{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين }أراد آدم عليه السلام {ثم جعلناه}هذا الضمير يعود على جنس الإنسان، وهم ذرية آدم عليه السلام {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين}أي: رحم أمه ، الذي أعد ه الله تعالى لذلك وهيأه ، للتمكن فيه {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين }. الوجه الثاني : من الكلام حول قوله تعالى :{خلق الإنسان من علق}. خص الله تعالى الإنسان بالذكر هنا من بين عموم المخلوقات المشار إليها بقوله تعالى :{اقرأ باسم ربك الذي خلق }أي: خلق جميع المخلوقات ، ثم ذكر سبحانه الإنسان خاصة لما أودعه الله تعالى فيه مِ ن عجانب قدرته وآياته سبحانه ، الدالة على عظمة قدرته سبحانه ، وسعة علمه وحكمته ، وعلى كمال رحمته ، وأنه هو الله رب العالمين ، وأنه قطعة دم جامد ، متعلقة في الرحم ، تعلقاً قوياً . هي : قطعة كالبضعة من اللحم ، وقال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى : هي لحمة قليلة قدر ما ي مضغ . اهـ.

عدد الصفحات ٣٣

34 هو إله الأولين والآخرين، وأنه سبحانه لا رب سواه ، ولا إله إلا هو وحده لا شريك له . وقد شر ف الله تعالى هذا الإنسان وكر مه ، وخص ه بخصانص من بين سانر المخلوقات ، قال الله تعالى :{*ولقد كرمنا بني آدموحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً }. فهو سبحانه كر م بني آدم بأنواع من التكريم والتشريف، فكر مه بالعقل والعلم ، والبيان ، وحسن النطق ، وحسن الشكل ، والصورة الحسنة ، والهينة الجميلة الكريمة ، والقد المعتدل ، واكتساب المعارف والعلوم ، والاستدلال على الأمور، وإقامة الحجج والبراهين ، والتفكر في المخلوقات ، واستنتاج القضايا والعبر ، واكتساب الأخلاق الشريفة الفاضلة ، وعمل البر ، والسعي في الخير ، والجد في الطاعة ، والانقياد لأوامر الله تعالى ؛ التي جاءت بها رسل الله تعالى صلوات الله تعالى على رسولنا سيدنا محمد صلى الله عليه وعليهم وآلهم أجمعين ، وعلينا أجمعين – آمين . فسبحان الله والحمد لله ، الذي خلق هذا الإنسان ، ونقله من حال إلى حال ، بعد أن كان علقة متعلقة في الرحم ، وطو ره وصو ره ، وكم له ، وجم له ، ورق اه حتى صار إنساناً ذا منطق ؛ وبيان ، وحجة ، وبرهان ، وأفاض عليه أنواعاً من التكريم ، والتفضيل ، كما تقدم في قوله تعالى :{ *ولقد كرمنا بني آدم}الآية الكريمة ، والبحث في هذه الآية واسع جداً ، ولعل الله تعالى ييسر لي عودة إلى ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى . الوجه الثالث : حول قوله تعالى :{خلق الإنسان من علق}. في هذه الآية الكريمة إقامة الحجة على الإنسان من نفسه، وهي ت لزمه بالإقرار والإيمان بخالقه ، الذي خلقه ألا وهو الله رب العالمين ، والإله الحق المبين ، واحد لا شريك له ، فإنه سبحانه طو ر هذا الإنسان أطواراً ، وخلقه خلقاً من بعد خلق ، كما قال سبحانه مخبراً عما قال

عدد الصفحات ٣٤

35 نوح عليه السلام لقومه :{ما لكم لا ترجون لله وقاراً* وقد خلقكم أطواراً }. قال جمهور السلف في معنى ذلك: خلقكم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم ثم ... حتى صار أحدهم إنساناً ذا منطق وبيان ، فبعدما ذكر لهم الدليل النفسي ، ذكر لهم الأدلة الآفاقية . فقال:{ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً}الآيات الكريمة. وهذا كما قال تعالى :{يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون }. أي: أين ت صرف عقولكم وأفكاركم ، فتعبدون أصناماً وأحجاراً ، وهي مصنوعة بأيديكم ، فالإله الحق الذي تحق له العبادة وحده ، هذا هو الله الذي خلقكم في بطون أمهاتكم ، خلقاً من بعد خلق ، في ظلمات ثلاث ، وهي ظلمة المشيمة التي هي كالغِ لاف والوقاية للولد ، وظلمة الرحم الذي فيه المشيمة المحيطة بالولد ، وظلمة بطن الأم الحامل بذلك ، فتبارك الله رب العالمين ما أوسع علمه الذي لا يتناهى ، وما أعظم قدرته ، فإنه على كل شيء قدير ، لا ي عجزه شيء ، ولا يصعب عليه شيء ، وما أجل حكمته سبحانه وتعالى . فعلى العاقل أن يفك ر في خلق نفسه ، يأرى في ذلك من الآيات الساطعة ، والأدلة القاطعة التي ت لزمه وتحمله على الإيمان بوجود الله تعالى رب العالمين ، إله الأولين والآخرين . فأنت أيها الإنسان من أكبر الأدلة على وجود الله تعالى ، قال الله تعالى :{وفي أنفسكم أفلا تبصرون* وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون }. وقال بعض العلماء : المراد بالأطوار : الأحوال المختلفة بعد الولادة إلى الموت ، من الصبا والشباب ، والكهولة ، والشيخوخة ، والقوة والضعف . وقال بعضهم : هي الألوان والهينات ، والأخلاق ، والمِلل المختلفة . وقيل : هي الصحة ، والسقم ، وكمال الأعضاء ونقصانها ، والغنى والفقر ونحوهما .

عدد الصفحات ٣٥

36 قول الله تعالى :{اقرأ وربك الأكرم} في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى كرمه العظيم، وفضله الكبير على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول له :{اقرأ وربك الأكرم }فجيء بصيغة الأكرم الدالة على عظمة كرمه تعالى، وأفضلية جوده وإنعامه على جميع عباده عام ةً ، وعلى حبيبه الأكرم ورسوله المعظم صلى الله عليه وآله وسلم خاص ة ، فيخاطبه بقوله سبحانه :{اقرأ وربك الأكرم}. والمعنى: أن ربك الأكرم تبارك وتعالى قد خص ك يا رسول الله بخصانص من أعظم الإكرام لك ، وأفضل الإنعام عليك ، على وجه لم يأنلها غيرك ، فجعلك نبياً ، وخاتم النبيين ، ورسولاً عام اً إلى جميع العالمين ، ولا نبي ولا رسول بعدك . كما خصك ربك الأكرم بهذا القرآن العظيم المعجز للخلانق أجمعين ، المحفوظ بكفالة رب العالمين الذي قال :{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }فلا يمكن أن يجري عليه تبديل ولا تغيير، ولا زيادة ولا نقص ؛ مهما امتدت العصور . كما أكرمك ربك الأكرم بقراءته ، فعل مك قراءته ، كما قال سبحانه :{ إن علينا جمعه وقرآنه}أي: قراءته كما أ نزل ، فعل مه الله تعالى قراءته في حين أنه صلى الله عليه وآله وسلم نشأ أمي اً ، لم يتعلم الكتابة ولا القراءة ، كما قال الله تعالى معلنا ذلك الإكرام الإلهي ، الذي خص ه الله تعالى به فقال جل وعلا :{وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون }. والمعنى: أنك يا رسول الله ما كنت من قبل أن ننزل عليك هذا القرآن {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب}أي: ما كنت تقدر أن تتلو أي كتاب ،ولا تخطه بيمينك }أي: ولا تأق در أن تخطه فتكتبه {إذاً لارتاب المبطلون }أي: الكافرون بك ، أأي : لو كنت تقدر على التلاوة أو الكتابة مِ ن قأًأ بل نزول القرآن عليك ؛ لقال الكافرون : إنك قرأت وتلوتأ الكتب السابقة ؛ ثم كتأبتها وجنتهم بها .

عدد الصفحات ٣٦

37 وهذا كما قال سبحانه وتعالى :{قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون }. والمعنى: قد لبثت فيكم مِن قبل أن ينزل علي هذا القرآن الكريم لبثت فيكم زمناً طويلاً : أربعين سنة ، تعرفونني بالصدق والأمانة ، وأني لا أقرأ ولا أكتب ، ثم جنتكم بهذا القرآن الكريم المعجز للأولين والآخرين ، والخلانق أجمعين {أفلا تعقلون}أأن هذا لا يكون إلا من عند تعالى رب العالمين ، وأن هذا القرآن هو كلام الله تعالى ، وأني رسول الله تعالى ، أنزله الله علي ، وأقرأنيه وأمرني أن أبلغه ، وأن أتلوه وأبينه ، كما قال سبحانه وتعالى :{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }. وقال:{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين }أي: في جاهلية جهلاء ، وضلالة عمياء ، فأخرجهم من الجهالة العمياء ، والضلالة الظلماء ، إلى نور الحق ، والهدى ، والضياء . فكونه صلى الله عليه وآله وسلم نشأ أمياً و ثم إنه على تمام الأربعين سنة : جاء بهذا القرآن المعجز ، ينزل عليه آياتٍ بعد آيات – هذا من أكبر الأدلة على صدق نبوته ، وأنه رسول الله تعالى حقاً . ولذلك وصفه الله تعالى صلى الله عليه وآله وسلم في جميع الكتب السماوية بأنه النبي الأمي ، وأن الله تعالى هو ي نزل عليه كتاباً جامعاً ، وقرآناً عظيماً ، معجزاً للأولين والآخرين ، فيه بيان كل شيء ، وتفصيل لكل شيء . ووصفه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه النبي الأمي ، فهذا الوصف فيه إكبار له صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم ، وبيان رفعة شأنه ومنزلته على غيره ، وأنه سبحانه هو الذي يتولى إقراءه لهذا القرآن ، وبيانه له ، على أكمل الوجوه في القراءة والبيان ، كما قال سبحانه :{إن علينا جمعه }أي: في صدرك وقلبك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {

عدد الصفحات ٣٧

38 وقرآنه}أي: أن نقرنك إياه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه }أي: أن نبينه لك ، ثم أنت يا رسول الله ت بين للناس ما نزل إليهم . فلو لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم حين أنزل الله تعالى عليه القرآن أمياً – بأن كان عالماً بالقراءة والكتابة {لارتاب المبطلون}أي: الذين كفروا به من المشركين ، ومن أهل الكتاب أيضاً ، باعتبار أنه موصوف ومكتوب عندهم في التوراة والإنجيل ، أنه النبي الأمي ، كما قال سبحانه وتعالى :{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبانث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولنك هم المفلحون }. ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يحتج على أهل الكتاب بما هو موصوف ومبشر به في كتبهم ، فلو لم يكن مذكوراً ومكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل لقالوا : هذه التوراة والإنجيل لا نجد صفتك ، وأنك نبي الله تعالى ، بل كانوا ي قِر ون ولكن يخفون ذلك ويكتمون ، وكيف ي قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الاحتجاج عليهم بما هو مكتوب عندهم وهو غير واثق من ذلك كل الثقة ، وموقن بذلك كمال اليقين ، هذا من المستحيل عقلاً ، فإن أي عاقل لا يأقدم على الاحتجاج بما هو مكتوب عند خصمه ، لا يقدم على ذلك إلا وهو على يقين من ذلك . ألا ترى أنه قد يأختلف اثنان في قضية مالية ، فصاحب الحق يقول للآخر : أنا أرضى بما هو مكتوب في دفتر حسابك ، فما أقدم على ذلك إلا وهو واثق أن الذي في دفتر الطرف الآخر هو كما يقول ويدعيه الطرف الأول . هذا وإن خبر القرآن الكريم عن أوصافِهِ صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل ، فإن خبر القرآن عن ذلك هو أقوى من رؤية العيان ، وأقطع في الإثبات من كل دليل وبرهان .

عدد الصفحات ٣٨

39 وقد وصف الله تعالى حبيبه الأكرم، ورسوله المعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السابقة – كما تقدم – بالأوصاف الدالة على أعلى مراتب الكمال التي خصه الله تعالى بها ، ووصف أصحابه الذين معه رضي الله عنهم ، ومدحهم وأثنى عليهم في الكتب كما قال سبحانه وتعالى :{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم } أي: صفتهم {في التوراة ومثلهم}أي: صفتهم {في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً }. روى الإمام البخاري، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة . فقال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن . [يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وحِرزاً للأميين ، أنتأ عأب دي ورسولي ، سأم يتك المتوكل ، ليس بفظٍّ ولا غليظ ، ولا صخ اب في الأسواق ، ولا يدفع بالسينة السينة ؛ ولكن يعفو ويغفر . ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به المل ة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح به أعيناً عمياً ، وآذاناً ص م اً ، وقلوباً غ لفاً ] . بالصاد والسين: وهو الذي يرفع صوته على الناس متعالياً عليهم ، بل هو صلى الله عليه وآله وسلم لي ن الجانب ، رفيق بعباد الله تعالى . أي: ومحمد رسول الله ، فالمراد يأتون بكلمة التوحيد والإيمان ، فإن الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة ؛ لتلازمهما، أو هذا من باب الاكتفاء نحو {سرابيل تقيكم الحر }أي: والبرد . اهـ. كما في ( شرح المواهب ). أي: قلوباً مغلفة ، فيفتحها بنور الإيمان ، الذي جاء به صلى الله عليه وآله وسلم .

عدد الصفحات ٣٩

41 وروى الترمذي، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : مكتوب في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعيسى ابن مريم ي دفن معه . قال أبو مأو دود المدني : قد بقي في البيت – أي: الحجرة الشريفة – موضع قبر. وروى أبو داود ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : سمعت النجاشي صاحب الحبشة – أي: ملك الحبشة – رحمه الله تعالى يقول : ( أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن ه الذي بأش ر به عيسى عليه السلام ، ولولا ما أنا فيه من الم لك ، وما تحم لت من أمور الناس – أي: تدبير أمور الرعية – لأتيته صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحمل نعليه ) أي: يكون خادم نعلي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فلقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنور عظيم من عند الله تعالى ، نأو رأ به القلوب المظلمةأ ، والعقول الضالة القاتمة ، والأعين العمياء فبص رها ، والأذان الصماء فأسمعها ، كما تقدم في صفته صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة . وقد قال سبحانه :{قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }. فيخرجهم من الظلمات إلى النور الباهر، وقوة الضياء ، فيمشون على المحجة البيضاء ، ليس فيها التباس ولا التواء . قال الله تعالى :{فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير }. وقال الله تعالى:{فالذين آمنوا بهوعزروه }أي: عظ موه صلى الله عليه وآله وسلم {ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولنك هم المفلحون }.

عدد الصفحات ٤٠

41 اللهم اجعلنا منهم بجاهه عندك صلى الله عليه وآله وسلم– اللهم آمين . وقال الله تعالى :{قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني }. اللهماجعلنا منهم بجاهه عندك صلى الله عليه وآله وسلم . روى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجِلت منها القلوب ، فقلنا : يا رسول الله إن هذه لموعظة مود ع فماذا تعهد إلينا – أي: ت وصينا به ؟. فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:قد تركتكم على البيضاء– أي: على الشريعة البيضاء الغر اء ليس فيها التباس ولا ارتياب – ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، وأمأن يأعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بما عرفتم مِن سنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ] ورواه ابن أبي عاصم في كتاب( السنة ) بإسناد حسن ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه ، أن ه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول [:لقد تركتكم على مِث ل البيضاء ؛ ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ] فما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته في حيرة، ولا في شك ، ولا في ارتياب ، ولا في عماوة ولا جهالة ، ولا في ظلمة ، بل تركهم على ملة غراء ، وشريعة سمحاء بيضاء ، ليس فيها ليل مظلم ، بل ليلها كنهارها سواء ، على بصيرة وهدى ، ونور ، لا يزيغ ويميل عنها إلا هالك قد اتبع هواه . قول الله تعالى :{الذي علم بالقلم} والمعنى: أنه سبحانه ربك الأكرم ، الذي عل م مأن شاء من عباده ما عل مه بواسطة القلم ، هو عأل م ذلك لا غيره ، فكما أنه سبحانه عل م القارئ بواسطة الكتابة بالقلم ، هو سبحانه رب ك الأكرم ي علمك يا رسول لله بدون القلم ، فإنه ربك الأكرم ، الذي خص ك بأنواع من الإكرام ،

عدد الصفحات ٤١

42 والعطاء، والعلوم ، فهو سبحانه ي قرنك وإن لم تك من قبل قارناً ، بل نشأت أمياً ، وهو سبحانه ي علمك مأا لأم تكن تعلم من عل وم وع لوم ، لا يحصيها إلا الذي أكرمك وعل مك ، كما قال سبحانه وتعالى :{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً }. فخصه الله تعالى الأكرم، فعلمه ما لم يكن يعلم ، فضلاً من الله تعالى خاصاً ، ولذلك قال :{وكان فضل الله عليك عظيماً}. قول الله تعالى :{علم الإنسان ما لم يعلم} وفي هذا دليل على كمال قدرته، وعلى عظيم كرمه عز وجل ، وفضله على عباده ، وفي هذا دلالة وإعلان بأنه سبحانه وتعالى قد تكفل أن ي علم رسوله الأكرم ، ونبيه المعظم سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، من العلوم والمعارف ما يعجز عنه العد والإحصاء ، ولا يحيط به الاستقصاء ، تكريماً له صلى الله عليه وآله وسلم ، وتفضيلاً له على من سواه ، كما قال سبحانه :{وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً }. ولا يزال ي رأق يه في مراقي العلوم والمعارف الإلهية، التي لا يتحملها غيره صلى الله عليه وآله وسلم ، ويزيده علوماً وعلوماً ، إلى ما لا يتناهى ، كما قال الله تعالى :{فاعلم أنه لا إله إ}فهو صلى عليه وآله وسلم لا يزال يترقى في علوم لا إله إلا الله ، لأن الله تعالى يقول له دانماً {فاعلم أنه لا إله إالله }فإن العلم بلا إله إلا الله ، وما تضم نته ، وما دلت عليه من كمالات الله تعالى ، وأسمانه الحسنى ، وصفاته العليا ، ذلك علم لا نهاية له . وقال الله تعالى :{وقل ربي زدني علماً}فهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال يطلب أن يزيده الله تعالى علماً إلى ما لا نهاية . جاء في الحديث ، عن السيدة عانشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، أأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال [: لا

عدد الصفحات ٤٢

43 إله إلا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك ، اللهم زِد ني علماً ، ولا ت زغ قلبي بعد إذ هديتأني ، وهب لي م ن لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ]رواه أبو داود والنساني. وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأعلن أن ه أعلم خلق الله تعالى بالله تعالى ، وأنه أشدهم له خشية . روى الشيخان ، عن السيدة عانشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيناً تأرخ ص فيه ،فتنز ه عنه قوم ، فبلغه ذلك ، فخطب فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه ، ثم قال [:ما بال أقوام يتنز هون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خأشية ] ولا يزال صلى الله عليه وآله وسلم يزيده الله علماً، ويفتح الله تعالى عليه مِن محامده سبحانه ، وحسن الثناء عليه ؛ ما لم يفتحه على أحد غيره ، وذلك على وجه لا ينتهي ولا ينقطع أبداً ، ومما يدلك على ذلك ، ما جاء في أحاديث الشفاعة . جاء في حديث الشفاعة الذي رواه الشيخان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:فيأتونني– أي: الناس يوم القيامة – فيقولون : يا محمد أنت رسول الله ، وخاتم الأنبياء ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخ ر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ] أي: من الشداند وأهوال الموقف ، وشدانده ، وكرباته ، وحر ه الشديد . قال صلى الله عليه وآله وسلم [:فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح الله علي من محامده ، وح سن الثناء عليه شيناً لم يفتحه على أحد قبلي . ثم ي قال : يا محمد ارفع رأسك ، سأل تعطه ، واشفع تشف ع . فأرفع رأسي فأقول : أمتي يا رب ، أمتي يا رب ، أمتي يا رب .

عدد الصفحات ٤٣

44 فيقال: يا محمد أدخل من أمتك مأن لا حساب عليهم مِنأ الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ] الحديث. وجاء في رواية للشيخين ، عن أنس رضي الله عنه – في حديث الشفاعة – وفيه قال صلى الله عليه وآله وسلم [:فأأ و تى – أي: تأتيه الناس يوم القيامة يسألونه الشفاعة – فأقول : أنا لها ] أي: هو صاحب الشفاعة العام ة لا غيره . قال صلى الله عليه وآله وسلم [:ثم أنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، فأقوم بين يديه ، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن ، ي لهمنيها ]أي: يلهمه الله تعالى إي اها ، ويعلمه في ذلك الموقف . قال صلى الله عليه وآله وسلم [:ثم أخِر لربنا ساجداً. فيقول : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشف ع ]الحديث. وجاء في رواية للشيخين ، عن أنس رضي الله عنه أيضاً ، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:فيأتونني، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، فإذا رأيته وقعت ساجداً له ، فيدعني ما شاء الله أي: مدة طويلة وهو صلى الله عليه وآله وسلم ساجد – فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، قل: ي سمع لك ، سل تعطه ، اشفع تشف ع . فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد ي عل منيه ربي ] أي: هو لا يعلمه الآن صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنم ا ي عأل م ه الله تعالى ذلك التحميد في ذلك المقام ، صلى الله عليه وآله وسلم وعلينا معهم آمين . قوله تعالى : انظر تلك الروايات في ( جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ) وفي ( تيسير الوصول) وقد ذكرت تلك الأحاديث بتمامها في بحث الشفاعة المفصل في كتاب ( الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها ) فارجع إليه .

عدد الصفحات ٤٤

45 {الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم } في هذه الآية الكريمة يذكر سبحانه من فضله الكبير، وكرمه العظيم على عباده التعليم بالقلم ، الذي ت حفظ به العلوم ، وتأثبت به الحقوق ، وت علم به الوصايا ، وت حفظ به الشهادات ، وي ضبط به حساب المعاملات بين العباد ، وبه تقي د أخبار الماضين للباقين بعدهم واللاحقين ، فجعل الله تعالى لهم الكتابة وعاءً حافظاً للعلوم من الضياع ، والشكوك والنسيان ، كالأوعية التي ت حفظ فيها الأمتعة من الضياع والفساد . وهكذا نعمته العظيمة جل وعلا على عباده بالتعليم بالقلم ، لها الفواند الكبرى ، والمنافع العظمى ، فدل ذلك على عظيم فضله سبحانه ، وكمال كرمه على عباده. قول الله تعالى {كلا إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى } الكلام على هذه الآيات الكريمة له وجوه: الأول : أما الآيات الخمسة المتقدمة فهي أول ما نزل من القرآن الكريم ، على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما هذه الآية الكريمة وما يليها فإنها نزلت بعد زمان من نزول الآيات السابقة الخمسة ، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يضع هذه الآيات المتأخرة بالنزول بعد تلك الآيات السابقة ، فإن ترتيب الآيات وتأليف آيات الس ور بعضها إلى بعض ذلك بأمر من الله تعالى ، موج هٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما ثبت في الأحاديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، ومِن ذلك : ما رواه الترمذي وأبو داود ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه الس ور ذوات العأدأد ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه شيء – أي: من القرآن الكريم – دعا بعض من كان يكتب – أي: من الصحابة الذين عأي نهم وخص هم بكتابة الوحي – فيقول[:ضأع وا هؤلاء الآيات في السورة التي

عدد الصفحات ٤٥

46 يذكر فيها كذا وكذا] أي: ي عي ن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موضع كتابة الآيات ، ويرتبها لهم في مواضعها من الس ور حسب التعليمات الإلهية ، التي يوحيها الله تعالى إليه صلى الله عليه وآله وسلم . الوجه الثاني : حول قوله تعالى :{كلا إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى }. كلا هنا معناها حقاً ؛ كما جرى عليه العلامة القرطبي في تفسيره، وغيره من المفسرين . قال في ( مختار الصحاح ) : كلا هي كلمة زجر وردع ، معناها : اِن تأهِ لا تفعل ، كقوله تعالى :{أيطمع كل امرئ منهم }أي: الكفار {أن يدخل جنة نعيم . كلا }أي: لا يطمع في ذلك ، قال : وقد يكون بمعنى حقاً إلخ . فهي – أي: كلمة كلا – للردع والزجر إذا تقدمها ما ي زجر وي ردع عنه ، أأو ذ كر مأن ي ردع ، وإذا لم يكن شيء مِن ذلك فهي بمعنى حق ًًاً ، كما هنا في الآية ، والمعنى : إن الإنسان إذا رأى نفسه استغنى بماله ، أو رجاله ، أو عشيرته ، أو نحو ذلك ؛ فإنه يأطغى ، ويتكبر ، فيجاوز حدود الشريعة ، وأيأغلب عليه اتباع هوى نفسه ، ويحمله بأطأره وأشأره وفرحه بماله ، يحمله : على الترف ع والتكبر على غيره ، واحتقار الناس ، ومخالفة أوامر الله تعالى ، وارتكاب ما نهى عنه سبحانه وتعالى ، هذا كله إذا رأى نفسه قد استغنى ، كما قال سبحانه :{إن الإنسان ليطغى * أن رآه }أي: من أجل أن رأى نفسه {استغنى}. بل الواجب على العاقل إذا أعطاه الله تعالى مالاً أو جاهاً أن يعترف بفضل الله تعالى عليه ، ويلازم ما أمره الله تعالى به ، وأن يأشكر الله تعالى على تلك النعمة التي أنعم الله تعالى عليه بها ، وأن لا يرى نفسه إلى تمام الحديث كما في ( تيسير الوصول ). وقال كثير من المفسرين : هي : للردع والزجر .

عدد الصفحات ٤٦

47 قد استغنى، بل ي راقب أن ه فقير إلى الله تعالى في كل شيء ، في: وجوده ، وحياته ، وسمعه ، وبصره ، وقوته ، وماله ، وغير ذلك . قال الله تعالى :{يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }أي: وحده لا غيره ، فكيف يصح للعاقل أن يرى نفسه استغنى ، فيتكبر ويعرض عما أمر الله تعالى ، ويترفع على غيره ، ويجاوز حدود الشريعة ؛ فيطغى ، كيف يصح ذلك في حين أن ه كله فقير إلى الله تعالى الغني الحميد . الوجه الثالث : حول :{إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى }. إن ذكر هذه الآيات بعد الآيات المتقدمة فيه بيان وتأكيد صدق نبوة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه حقاً رسول الله لا ريب في ذلك قطعاً عند كل عاقل ، وبيان ذلك : أن كل عاقل لو راح يفكر ويتبص ر فيما جاء به هذا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن المعجز ، والمعجزات الخارقة للعادات ؛ يعلم يقيناً أن ه نبي الله تعالى المكر م ، ورسوله المعظم صلى الله عليه وآله وسلم . أمّا القرآن المعجز : فقد جاء بهذا القرآن المعجز من وجوه متعددة لا تحصى ، في حين أن ه صلى الله عليه وآله وسلم أميٌّ لم يتعل م القراءة ولا الكتابة ، فجاء بهذا القرآن المعجز يتلوه على الناس ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويزكيهم ، قال الله تعالى :{كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون }وجاء يتحدى العالم كل ه: الإنس والجن أن يأتوا بمثله ، ولو بسورة واحدة مثله ، ويسج ل عليهم عجزهم عن ذلك ، ويعلن عجزهم كما قال الله تعالى آمراً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولأ معلناً :{قل لنن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً }أي: متعاونين وباذلين جهودهم في ذلك . وقد تكفل سبحانه وتعالى لهذا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يحفظ له هذا القرآن الذي أنزله عليه ، يحفظه من التبديل والتغيير ،

عدد الصفحات ٤٧

48 والزيادة والنقص إلى الأبد ، مهما تقادمت العصور ، وتتابعت الأجيال ، وامتدت الأيام والدهور . إذاً جأميع ذلك يأستدل به العاقل على أأن هذا القرآن هو كلام رب العالمين ، أنزله على إمام الأنبياء والمرسلين ، وخاتمهم ، ي ؤ من بذلك كل عاقل منصف ، أم ا مأن رأى نفس ه استغنى بماله ، أو جاهه أو عشيرته ، فطغى وتكب رأ ؛ فإنه ي نكر الحق ولو علم أن ه حق ويجحده وهو يأعلم أنه حق ، فلا يعترف بالحق ولو علم أن ه حق كما قال سبحانه وتعالى فيهم :{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون}أي: وهو قولهم : شاعر وساحر ، إلى غير ذلك {فإنهم يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون }. والمعنى: إن هم يعاندون ويعارضون ، ويجحدون ، وهم يعلمون أنك رسول الله الصادق الأمين ، وأنك لست بشاعر ولا ساحر ، ولكن كبرهم وعصبي تهم الجاهلية ، حملتهم على أن يأجحدوا وي كذبوا ، وأمِنأ المعلوم أأن الج حود ه و إنكار الحق مع العلم بأنه الحق ، فهم يعرفون ولكن لا يعترفون ، كما قال سبحانه وتعالى في فرعون وقومه :{فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها }أي: بالآيات التي جاءهم بها موسى عليه السلام {واستيقنتها أنفسهم}أي: والحال أنهم على يقين أنها آيات الله تعالى {ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين }. روى ابن إسحق عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يسمع قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الليل ، هو وأبو سفيان والأخنس بن شريق ، ولا يأش عر أأ حد منهم بالآخر – أي: جاء كل منهم مختفياً وحده بحيث لا ي شعر غيره – فاستمعوا قراءته صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصباح ، فلما هجم الصبح – أي: أضاء – تفرقوا – ذاهبين إلى منازلهم – فجمعتهم الطريق ، فقال كلٌّ منهم للآخر : ما جاء بك ، فذكر له ما جاء به ، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا . كما في تفسير الحافظ ابن كثير ، و ( الدر المنثور) وغيرهما.

عدد الصفحات ٤٨