17 كما تقدم في الآيات السابقة على هذه الآية، ولا تبال بهم ، ولا يهمن ك أمرهم ، ولا تعبأ بهم ، فإنك على مرأى من ربك ، ناظر إليك ، فهو حافظك بحفظه ، ومؤي دك بتأييده ، وناصرك بنصره العزيز . وقوله تعالى :{وسبح بحمد ربك حين تقوم}قد اخت لف في المراد بهذا القيام . فقال بعضهم : هو القيام من المجلس ، واستدلوا على ذلك ، بما رواه أبو داود والنساني ، وابن أبي شيبة ، وغيرهم ، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يقوم من المجلس قال [:سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ]،وقال صلى الله عليه وآله وسلم [:هي كف ارة لما يكون في المجلس ] . وقال بعضهم: المراد من القيام في الآية هو القيام للصلاة ، واستدلوا على ذلك بما جاء عن أم المؤمنين ، السيدة عانشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا افتتح الصلاة قال [: سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جأد ك ، ولا إله غيرك ] . وقال بعضهم: هو قيامه صلى الله عليه وآله وسلم مِن نومه وفراشه ، إلى صلاة الليل . روى أبو داود والنساني ، عن أم المؤمنين السيدة عانشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استيقظ من الليل قال [:لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك ، اللهم زدني علماً ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ] انظر( الدر المنثور). رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
عدد الصفحات ١٧18 وقوله تعالى:{ومن الليل فسبحه}أي: صل له ، ويدخل في هذا قيام الليل وقت السحر ، {وإدبار النجوم}أي: وصل له تعالى الركعتين قبل صلاة الفجر ، وذلك حين تدبر النجوم – أي: تغيب بسبب انشقاق الفجر وضوء الصبح - . وقد جاءت الأحاديث المتعددة في فضل الركعتين قبل فرض صلاة الفجر، أذكر طرفاً منها هنا: عن أم المؤمنين السيدة عانشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال [:ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ]رواه مسلم والترمذي . وعنها رضي الله عنها قالت: ( لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً – أي: تمسكاً – منه على ركعتي الفجر ) رواه الشيخان ، وأصحاب السنن . روى أبو داود ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:لا تأدأعوا– أي: لا تتركوا – ركعتي الفجر – أي: السنة قبل الفرض – ولو طردتكم الخيل ]أي: خيل العدو . وفي هذا تنبيه إلى الحرص على أدانها ، والتمسك بفعلها ؛ لعظم فضلها . وبمناسبة ذكر سنة الفجر ، أذكر الحديث الآتي ليستفيد المسلم ، وينتفع به : روى العلامة الخطيب ، والمستغفري ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن رجلاً قال يا رسول الله : إن الدنيا أدبرت عني – وفي رواية المستغفري : قأل ت ذات يدي -. المراد بهما السنة قبل فرض صلاة الصبح . أي: في رواة مالك كما في ( المواهب) للحافظ القسطلاني. أي: أصابه فقر شديد .
عدد الصفحات ١٨19 فقال له صلى الله عليه وآله وسلم[:فأين أنت من صلاة الملانكة، وتسبيح الخلانق ، وبه – أي: وبالتسبيح – ي رزقون . قل عند طلوع الفجر – وفي رواية المستغفري : ما بين الفجر إلى أن تصلي الصبح - : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ، أستغفر الله - مانة مرة تأتيك ] أي: فإنك إذا فعلتأ ذلك تأتيك الدنيا صاغرة ، وفي رواية المستغفري [: راغمة]أي: بسهولة وي سر . ويرحم الله تعالى القانل : يا مأن يراني في علاه ولا أراه يا من يجيب المستجير إذا دعاه يا مأن يجود على العباد بفضله وهو الغني بذاته عما سواه ومما يدل على عظيم إكرام الله تعالى لرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعظيم عنايته به ، وتربيته الخاصة به ، التي أكرمه الله تعالى بها، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم على مأرأى من الله تعالى ، ورعايته ، وتوليته له صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أحواله ، وأموره ، وأطواره ، وتقلباته ، يدل على ذلك قوله تعالى :{والضحى* والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاً فهدى * ووجدك عانلاً فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السانل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث }. ويدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى :{وتوكل على العزيز الرحيم* الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين }كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى . قال الحافظ الزرقاني : وهذه الرواية – أي: رواية المستغفري – مفسرة للعندية – أي: رواية الخطيب – فإن الحديث واحد . اهـ.
عدد الصفحات ١٩21 قوله تعالى:{والضحى* والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاً فهدى* ووجدك عانلاً فأغنى* فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السانل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث }. فقوله تعالى:{ألم يجدك يتيماً فآوى }يبين في ذلك سبحانه وتعالى عنايته بحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم ، منذ صغر سنه ، وتعهده إياه ، ورعايته له صلى الله عليه وآله وسلم ، تنبيهاً إلى أن الله تعالى الذي تولاه بعنايته منذ صغره ، وأتحفه بنعمه سبحانه سوف يواصل إليه بِر ه وإكرامه ، وأي ديم عليه فضله وإنعامه ، ويحقق له ما وعده به ، ويحيطه بعنايته ، ويكلأه صلى الله عليه وآله وسلم برعايته سبحانه ، أأبأد الأبد ، بلا انقطاع ولا نفاد . فقال سبحانه :{ألم يجدك يتيماً فآوى}والمعنى: أنه صلى الله عليه وآله وسلم على مرأى من ربه ، وأنه سبحانه يرعاه بعين العناية الإلهية في جميع أطواره وأحواله ، ولذلك قال سبحانه :{ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاً فهدى * ووجدك عانلاً فأغنى }فأعاد وأكد سبحانه قوله تعالى :{ألم يجدك}وقوله تعالى:{ووجدك}وقوله تعالى:{ ووجدك}مع تخصيصه صلى الله عليه وآله وسلم بالخطاب ، تنبيهاً إلى أنه صلى الله عليه وآله وسلم هو على مرأى من الله خاصٍّ به ، محفوف بالعناية الإلهية الخاص ة ، والرعاية الربانية الخاصة ، صلى الله عليه وآله وسلم . فنشأ صلى الله عليه وآله وسلم على أكمل المعرفة بالله تعالى ، والتوحيد له سبحانه ، والعبادة لله تعالى ، والتعظيم له ، والثناء عليه ، بعيداً عن ضلال الجاهلية والشرك ، وعن الأوثان والأصنام . كما أنه بعيد عن دنس المعاصي ، والفواحش ، وأنواع الغواية التي كان عليها الجاهلية ، معتزلاً لذلك كله ، ومبغضاً ، ومنكراً عليهم ذلك ، كما وصفه الله تعالى بقوله :{ما ضل صاحبكم وما غوى}أي: وأنتم – معشر قريش وغيرهم – تعلمون ذلك ، لأن ه صلى الله عليه وآله وسلم
عدد الصفحات ٢٠21 نشأ بينكم، فهم يعلمون صدقه ، وأمانته ، وعفته ، ونزاهته ، وترف عه عن سفاسف الأمور ، ولذلك سم وه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم . فقوله تعالى :{ما ضل صاحبكم وما غوى}نفى عنه صلى الله عليه وآله وسلم الضلال والغواية ، وفي هذا قوة إثبات كمال الهدى والرشاد له صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وآله وسلم على أكمل الهدى ، وأكمل الرشاد والسداد . وذلك لأن الضلال هو ضد الهدى ، والغواية هي ضد الرشاد . فنشأ صلى الله عليه وآله وسلم على اله دى في إيمانه بالله تعالى ، وتوحيده له ، ومحبته وتعظيمه له سبحانه ، وعبادته له سبحانه ، بعيداً عن جميع أنواع الكفر والشرك . كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم نشأ على كمال الرشاد في جميع أعماله ، وأقواله ، وأخلاقه ، وأحواله ، بعيداً عن أنواع الغواية من الفواحش ، والمنكرات ، والمعاصي ، وجميع ما هنالك من أدناس الجاهلية . وذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ترب ى على مرأى من الله تعالى ، وعنايته به ، ورعايته سبحانه وتعالى له ، وحفظه وتوليته إياه . ولم يزل صلى الله عليه وآله وسلم ؛ ولا يزال في عناية الله تعالى ورعايته ، وتوليته الخاصة به ، في جميع أحواله وتقلباته في الأمور ، وعلى مرأى خاص من الله تعالى ، يدل على ذلك قوله تعالى :{وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم }. انظر تفصيل هذا البحث والكلام حول تفسير سورة{والضحى}مفصلاً في كتابي ( سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ). انظر ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه حول تفسير هذه الآية الكريمة في كتاب : ( هدي القرآن الكريم إلى معرفة العوالم والأكوان ) وفيه بحث مفصل مع
عدد الصفحات ٢١22 فهو صلى الله عليه وآله وسلم على مرأى خاص من الله تعالى في جميع أحواله وأموره ، وهو سبحانه يراه حين يقوم من الليل يصلي لربه متهجداً ، وهو على مرأى منه سبحانه حين يصلي إماماً بجماعة المسلمين المصلين، قانماً ، وراكعاً ، وساجداأًً إماماً في المصلين وراءه – وإنما ذكر السجود وأراد به الصلاة كلها ، لأن السجود هو أقرب أحوال العبد المصلي من ربه سبحانه وتعالى . وروى الإمام مسلم وغيره ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال[:أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء] وعن ثوبان رضي الله عنه، أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عأ مأ ل ي دخله الله تعالى به الجنة . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة ، وحط بها عنك خطينة ] رواه مسلم وغيره . الوجه الخامس : حول قوله تعالى :{اقرأ باسم ربك الذي خلق}. أي: الذي خلق كل شيء ، فهو سبحانه وتعالى الرب الواحد ، الموجد للأشياء كلها ، وفي هذا إعلام وإعلان ، وبرهان ساطع ، ودليل قاطع ، دالٌّ على أن ه هو حق سبحانه ، أي: واجب الوجود ، وأنه واحد لا شريك له ، وأن ه وحده الرب الحق، المعبود حقاً ، ففي قوله تعالى :{ الذي خلق}إقامة الحجة البالغة ، والبينة القاطعة الدامغة ، على حأق ي ةِ ذلك كله . وبيان ذلك : أأن المخلوقات هي كاننة موجودة ، ومرنية مشهودة ، عالم الإنسان ، والعوالم : السماوية ، والأرضية ، والبرية ، والبحرية ، والحيوانية ، والنباتية ، وما هنالك ، فأمأنِ الذي خألأقها ، وأأو جأدها ، الأدلة على نجاة السيدين الأبوين الشريفين ، وطهارة عمود النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكفر ، والشرك ، والسفاح ؛ وجميع الأدناس .
عدد الصفحات ٢٢23 ونقلها مِن ظلمة العدم إلى نور الوجود ، فإن ه لا ب د للمخلوق من خالق ، ولا بد للمصنوع من صانع ، ولا بد للمأبني من بانٍ ، ولا بد للمتحرك من محر ك – هذا أمر معقول بدي هِ يٌّ . فهذا الإنسان لم يكن ، ثم كان ، فلا بد مِن مكو ن ، وهكذا سانر العوالم كلها. نعم : الخالق لذلك كله هو لله تعالى وحده ، كما قال سبحانه :{الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل }وقال:{هل من خالق غير} الآية. فالآيات والأدلة على حقية وجوب وجوده سبحانه وتعالى ووحدانيته ، هي أدل ة قطعية وآيات مشهودة مرنية ، وقد نبه سبحانه وتعالى وبأًأ ي ن جميع ذلك : قال الله تعالى :{وفي الأرض آيات للموقنين* وفي أنفسكم أفلا تبصرون * وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون }. والمعنى: إن في عالم الأرض التي أنتم على ظهرها ، آيات دال ة على حقية ربوبية خالقها، وعظمة قدرته ، وسعة علمه وحكمته ، وتلك الآيات تحمل العاقل المتبصر ، والمفكر فيها؛ على اليقين الجازم بأن الله تعالى هو حقٌّ واجب الوجود ، وأنه العليم الحكيم ، الحي القيوم ، وأنه المتصف بالكمالات المطلقة التي لا نهاية لها، على الوجه الذي لا يحيط بعلمه إلا هو سبحانه وتعالى :{وفي أنفسكم أفلا تبصرون }أي: وفي أنفسكم آيات وآيات ، ت شهدكم سعة علمه سبحانه وحكمته ، وحسن صنعه، وعجانب قدرته :{أف تبصرون }. وهذا كما قال سبحانه وتعالى:{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد }. وقد بسطت الكلام مع الأدلة العقلية القاطعة ؛ على أنه لا بد للمخلوق من خالق، ولا بد للموجود من مًً وجد ، ولا بد للمصنوع من صانع ،
عدد الصفحات ٢٣24 ذكرت ذلك في كتابي( هدي القرآن ) وفي ( تفسير سورة الإنسان ) فارجع إلى ذلك . فالله تعالى هو الرب المعبود حقاً وحده ، لأنه هو الخالق وحده لا شريك له ، قال تعالى :{يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون }. فجميع العوالم: السماوية والأرضية ، وما بينهما ، وما وراءهما، كل ها آيات بينات دال ة على أنه لا إله إلا الله ، وكل ها شواهد ومشاهد تدل على حقية وجوب وجوده ، وعلى سعة علمه ، وعظمة قدرته . قال الله تعالى :{الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً }أي: فتبص روا يا أولي الأبصار ، وتفكروا فيها يا أولي الألباب ، واخترقوا بعقولكم ح ج ب الأهواء الفاسدة ، والآراء الكاسدة ، والأوهام الباطلة ، فإن ذلك كله يوقع صاحبه في متاهات الظلام ، وصحراء القتام . ولذلك حث الله تعالى عباده على التفكر في خلق السماوات والأرض ، وفيما خلق الله من شيء : كبير أو صغير حتى الذرة ، قال الله تعالى :{ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء } الآية. ويرحم الله القانل : فوا عجباً كيف ي عصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل تحريكة وتسكينة أبداً له شاهد يقال في اللغة العربية : نظرت إلى الشيء إذا أبصرته ، ونظرت فيه إذا فكرتأ فيه .
عدد الصفحات ٢٤25 وفي كل شيء له آية تدل على أن ه واحد الوجه السادس : في الكلام حول قوله تعالى :{اقرأ باسم ربك الذي خلق }. أي: أوجد وكو ن جميع المخلوقات ، وسانر الكاننات ، فالمراد هنا بالخلق في قوله تعالى :{الذي خلق}الخلق الإيجادي التكويني. وذلك لأن الخلق يأتي في القرآن الكريم بمعنى الإيجاد والتكوين ، وهذا كما قال سبحانه وتعالى :{وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم* ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل }. وقال الله تعالى:{الله خالق كل شيء وهو على كلشيء وكيل }. وقال الله تعالى:{هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين }وهكذا آيات وآيات. فالخلق بمعنى : الإيجاد والتكوين هو من صفاته سبحانه ، الخاصة به ، فهو الخالق وحده لا شريك له . وقد يراد بالخلق : الخلق التصويري لا الإيجادي التكويني : قال الله تعالى مخبراً عن سيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام :{ورسولاً إلى بني إسرانيل أني قد جنتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهينة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله }. فمعنى:{أخلق لكم من الطين كهينة الطير }أي: أ صو ر من الطين كهينة الطير ، ثم إن الله تعالى يقول لتلك الصورة : كن ، عند نفخ عيسى عليه السلام فيها ، فتكون طيراً بإذن الله تعالى – أي: بأمره وإرادته جل وعلا . فالخلق المضاف إلى عيسى عليه السلام هو التصوير ، وأما تكوين ذلك طيراً فبخلق الله تعالى وإيجاده ، وحده لا شريك له .
عدد الصفحات ٢٥26 وقد روى الشيخان، عن ع مر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:إن الذين يصنعون هذه الص ور يعذ بون يوم القيامة ، يقال لهم : أحي وا ما خلقتم ]أي: ما صو رتم . وقد يراد بالخلق : الخلق التقديري كما هو أحد القولين في هذه الآية التي نحن فيها :{وإذ تخلق من الطين كهينة الطير }وكما في قوله تعالى :{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }فقال بعضهم: المراد به الخلق التصويري ، وقال بعضهم : المراد به الخلق التقديري ، وأما الإيجاد والتكوين فهو بقوله تعالى :{ثم قال له كن فيكون }. وقد يراد بكلمة الخلق : الاختلاق والكذب : قال الله تعالى :{وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً }الآية، أي: تختلقون كذباً وافتراء . والمعنى : أن الأصنام التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع ، وإنما اختلقتم لها أسماء ، وافتريتم ، فسميتموها آلهة ، وإنما هي مخلوقة مثلكم ، فأنتم تختلقون إفكاً ، حيث تسمونها آلهة ، وأما أسماؤها الحقيقية فهي : حديد – إن كانت من الحديد – أو حجارة – إن كانت مصنوعة من الحجارة -، أو نحاس ونحو ذلك حسب ما ص نعت منه . فالله تعالى هو وحده الرب الحق الخالق – أي: المكو ن الموجد لجميع العوالم : المرنية وغير المرنية . قال الله تعالى :{يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون }أي: أين ت صرأف عقولكم ، فتفكروا في ذلك واعتبروا ، فهذه بينات وآيات ، مشهودة مرنية لديكم ، كلها ت شهدكم أنه لا إله إلا الله وأأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي جاءكم بهذا القرآن الم عجز من عند الله تعالى .
عدد الصفحات ٢٦27 وقد بين سبحانه وتعالى أنه الخلا ق العليم، وأنه يخلق ما يشاء ، وأنه لا يعجزه خلق شيء مهما كان ذلك الشيء كبيراً وعظيماً . قال الله تعالى :{ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير }. فهو سبحانه لا يعجزه خلق شيء، ولا يأعظ م عليه خلق شيء ، وهو قادر وقدير على كل شيء ، وهو عليم بكل شيء ، وعلمه محيط بكل شيء ، وكل شيء خلقه سبحانه فهو عليم به ، علماً قديماً لا أول له ولا آخر له . قال الله تعالى :{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. فالذي خلق وهو الله تعالى، هو أعلم بما خلق ، علماً محيطاً ، قديماً لا أول له ، ولا آخر له ، فلولا أنه سبحانه علمه بالأشياء قديم سابق على وجود الموجودات التي أوجدها لولا ذلك لما صح عقلاً وجود الموجودات ، فإنه لا يتصور في العقل أن يوجد شيناً لا يعلمه ، فهذا أمر بديهي ، ولذلك قال سبحانه تنبيهاً للعقلاء ، وتذكرة لمن يتذكر :{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. فهو سبحانه يعلم علماً محيطاً بالواجب وجوده ، ويعلم المستحيلات التي لا يمكن وجودها ، كتعداد الآلهة ، وأن يكون له سبحانه شريك أو ولد وما هنالك ، ويعلم الممكنات التي توجد ، والممكنات التي لا توجد ، ويعلم الممكنات التي لا توجد كيف تكون لو وجدت . قال الله تعالى :{ولو ترى إذ وقفوا}أي: الكفار يوم القيامة {على النار فقالوا يا ليتنا نرد }أي: نعاد إلى الدنيا {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل }فإنهم يخفون الحق ويجحدونه حين كانوا في الدنيا {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }فهو سبحانه يعلم أنهم لو ردوا وأعيدوا إلى الدنيا لعادوا إلى كفرهم وبغيهم ، وضلالهم ، مع أنهم دخلوا النار وعاينوها .
عدد الصفحات ٢٧28 الوجه السابع : من الكلام حول قوله تعالى :{اقرأ باسم ربك الذي خلق } أي: الذي خلق كل شيء مما ي بصرون وما لا يبصرون ، وفي هذا تنبيه للعباد وحثٌّ لهم على التفكر فيما خلق الله تعالى من شيء ، وأن كل شيء إذا تفكروا فيه دلهم على حقية وجود الله تعالى ، ووحدانيته ، وحأق ي ةِ ربوبيته ، وألوهيته ، فإن ذلك كله مشهود وظاهر في جميع المظاهر . قال الله تعالى :{أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء }الآية. والمعنى : أأوألأم يتفكروا – يقال : نظر إليه إذا رآه ، ونظر فيه إذا فك ر فيه كما تقدم . والمعنى : أأوألأم يتفكروا في خلق السماوات والأرض ، وتلك العوالم الكبرى ، فإنها تدلهم على سعة علمه سبحانه ، وعظمة قدرته ، وبديع حكمته ، بل ينظروا في كل شيء ولو صغيراً ، ولو كان جزءاً لا يتجزأ ، حتى واحدة التراب ، من حيث : كونها ، ولونها ، وحجمها ، ومكانها ، وما هنالك ، فإن ذلك يدل على خالقها ، وأنه العليم الحكيم ، القدير على كل شيء سبحانه وتعالى . وقال الله تعالى :{إن فيخلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب }ومعنى{لآيات لأولي الألباب} :أي: دلالات قاطعة ، وبراهين ساطعة على وجود الله تعالى ، ووحدانيته ، وكمال صفاته ، وسعة علمه ، وعظمة قدرته ، فهي آيات بينات لأولي الألباب ، أي: لأصحاب العقول الكاملة ، الخالصة من شوانب الوهم ، والحس ، وظلمات الأهواء الفاسدة ، والآراء الكاسدة ، فإن لب الشيء هو خالصه من : الكدورات والشوانب . فهؤلاء أولوا الألباب ، لم يقفوا مع ظواهر الحس ، وشوانب الوهم ، بل اخترقوا حجاب الوهم ، وراحوا يتفكرون فيما وراء ذلك ، كما قال
عدد الصفحات ٢٨29 سبحانه في وصفهم:{الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض }أي: يتبص رون بما فيهما من الآيات الكونية ، والعجانب المرنية ، وفي ذلك من بدانع الحِكم الدالة على عظمة الخالق ، وقدرته ، وسعة علمه ، وحكمته ، وأنه هو الله رب العالمين ، وأنه الإله الحق الذي تأجِب له العبادة وحده حقاً سبحانه وتعالى ، ولذلك كانت نتيجة التفكر أنهم قالوا كما أخبر الله تعالى عنهم :{ربنا ما خلقت هذا باطلاً} أي: ما خلقت هذه الخلق عأبثاً باطلاً لا لحكمة ، بل ما خلقته إلا بالحق والحكمة {سبحانك}تنز هتأ عن العبث والباطل {فقنا عذاب النار}. قال تعالى:{وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل }. وقال تعالى:{وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار }. أي: بل لا ب د من إثابة الصالح ، وعقاب الفاجر ، كما قال الله تعالى :{ ولله ما في السماوات وما في ارض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى }. ولذلك قالوا بعد التفكر في خلق السماوات والأرض :{ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار }أي: فوفقنا اللهم لعمل الصالحات ، وفعل الحسنات والخيرات ، لنكون من الذين أحسنوا ، وعملوا الصالحات ، ولنكون من الذين قلت فيهم : {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }واحفظنا من عذاب النار. وقال الله تعالى :{أم حسب الذين اجترحوا}أي: فعلوا {السينات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون * وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون }.
عدد الصفحات ٢٩31 وقال الله تعالى:{أولم يتفكروا في أنفسهم ماخلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون }. فالتفكر فيما خلق الله تعالى يفتح للعاقل باباً عظيماً لمعرفة عظمة قدرة الله تعالى ، وسعة علمه سبحانه ، وحكمته ، وعزة ربوبيته ، وسيادة ألوهيته ، وبذلك يأعلم أأن علمه سبحانه لا يتناهى ، وقدرته لا تتناهى ، وأنه لا ي عجزه شيء سبحانه وتعالى ، ولا يصعب عليه شيء ، ولذلك أثنى الله تعالى على الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض ، فيزدادون إيماناً بالله تعالى ، ومعرفةً بعظمته وكبريانه ، وكمال أسمانه وصفاته . فجميع مخلوقاته سبحانه هي آثار أسمانه وصفاته ، فتنظر في خلق السماوات والأرض وما بينهما ؛ وما هنالك ، فتعلم يقيناً أنه هو العليم الحكيم القدير ، وأنه الفع ال لما يريد ، وأن العالمأ كلهم له عبيد ، وأن ه المحيط بكل شيء علماً ، والمحيط بكل شيء قدرة . قال الله تعالى :{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً } فهو سبحانه المحيط بمخلوقاته علماً في الأزل الذي لا ابتداء له ، والأبد الذي لا انتهاء له . وأما هو جل وعلا فلا يحيطون به علماً ، وكيف يتصور أن يحيط المخلوق المحدود الم حاط بخالقه سبحانه المحيط ، الذي لا يتناهى في ذاته ، ولا في أسمانه ، ولا في صفاته جل وعلا . جاء في الحديث ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قوم ذات يوم وهم يتفك رون . فقال صلى لله عليه وآله وسلم [:ما لكم لا تتكل مون]؟ فقالوا : نتفكر في الله .
عدد الصفحات ٣٠31 فقال[ :تفكروا في الخلق ، ولا تفك روا في الخالق ، فإنكم لا تقدرون قدره ] . أي: لا تقدرون على أن تحيطوا به علماً ، ولا على معرفة حقيقة ك ن هِ ذاته ، فإنه سبحانه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}فذاته سبحانه لا تشبه الذوات ، وصفاته لا تشبه الصفات . وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال [:تفك روا في آلاء، ولا تفك روا في الله ] . أي: تفكروا في نعمه التي أنعم بها عليكم ، الظاهرة والباطنة ، في أنفسكم من السمع والبصر ، والعقل ، وما وراء ذلك ، وفي نعمه المحيطة بكم . [ولا تفكروا في الله ]أي: لأن العقول عاجزة عن إدراك ما هنالك ، لأن العقول مخلوقة ، ومحدودة ، ومتناهية ، ووجودها ممكن ليس بواجب ، بل الإنسان بذاته ووجوده وصفاته كلها وجميع العوالم كلها فقيرة إلى الله تعالى أن يمدها بالوجود في كل لحظة ، بل أقل من ذلك ، فإن الله تعالى هو الحق الواجب الوجود الذاتي ، الغني الحميد وحده . قال الله تعالى :{يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }والمعنى: أنتم الفقراء إلى الله تعالى بذاتكم ووجودكم ، وصفاتكم ، والمحتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات ، والله تعالى هو وحده الغني الحميد ، هو الغني بالغنى الذاتي المطلق ، والحميد في جميع ما يفعل ، وما يقول ، وفيما يقد ر ويشرع ، ويقضي ويحكم ، وهو الحميد فيما يخفض ويرفع ، ويعطي ويمنع جل وعلا . جاء في الحديث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:يد الله ملأى لا يغيضها– أي: لا ي نقصها رواه أبو الشيخ في كتاب ( العظمة ) كما في ( الجامع الصغير). عزاه في ( الجامع الصغير ) إلى أبي الشيخ ، والطبراني في ( الأوسط ) وابن عدي ، والبيهقي .
عدد الصفحات ٣١32 – نفقة، سح اء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ؛ فإنه لم ي غض ما في يده ، وكان عرشه على الماء ، وبيده الميزان يخفض ويرفع ] . وروى الإمام مسلم، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخمس كلمات – أي: ج مل جامعة لمعاني كثيرة وكثيرة -. فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسطأ ويرفعه ، ي رفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت س ب حات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ]جل وعلا سبحانه وتعالى . قول الله تعالى :{خلق الإنسان من علق} الكلام على هذه الآية الكريمة له وجوه: الوجه الأول : س م ي الإنسان بذلك لأنه ي ؤنس وي بصر من الأنس بخلاف الجن فإنهم أخفياء ، كما قيل : وما سمي الإنسان إلا لأنسه وما القلب إلا أنه يتقلب وقيل : هو مأخوذ من النسيان ، كما قيل : وما س مي الإنسان إلا لنسيه وأول ناسٍ في الورى أو ل الن اسِ والقول الأول : أصوب ، فهناك عالم الإنس ، وهناك عالم الجن ؛ فإنهم أخفياء لا ي رون . رواه الشيخان ، والترمذي ، والإمام أحمد وابن ماجه كما في ( الفتح الكبير ). هذا نوع من أنواع رفع أعمال العباد إلى الله تعالى ، وقد فصلت الكلام على رفع الأعمال وأنواع الرفع ، وبأعض الحِكم لهذا الرفع في كتاب ( صعود الأقوال ورفع الأعمال ) فارجع إليه .
عدد الصفحات ٣٢