المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة العلق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ١ من ١٢

1 كتاب حول تفسير سورة العلق بقلم الإمام المفسر المحدِّث الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني رضي الله عنه

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم أيها القارئ الكريم : اقرأ سورة الفاتحة كلما قرأت في كتاب من كتبي ، واهدِ ثوابها إلى العلامة الشهير ، والعارف الكبير ، حامل لواء الحجة بالكتاب والسنة ، المفسر والمحدث بالأسانيد المتصلة ، عن كبار المحدثين – في حلب ودمشق والمغرب وغيرها من البلاد الإسلامية – بإجازات عالية الأسانيد – محفوظة عندي – سيدي وشيخي والدي الكريم ، الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني ، رحمه الله تعالى ، وجزاه عن المسلمين خيراً ، إنه هو السميع العليم . آمين

عدد الصفحات ٢

3 بسم الله الرحمن الرحيم {اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم * كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ينهى * عبداً إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرءيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لنن لم ينته لنسفعاً بالناصية * ناصية كاذبة خاطنة * فليدع ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب} بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم ، على سيدنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين ، وأكرم الأأ و لين والآخرين على رأ ب العالمين ، صلوات الله تعالى وسلامه عليه ؛ وعلى جميع النبيين وآله وآلهم أجمعين . وبعد: فهذه سورة {اقرأ باسم ربك}وهي مكية، وتسمى : سورة العلق . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم }. الكلام على هذه الآيات الكريمة له وجوه متعددة: الوجه الأول: هذه الآيات الخمسة الكريمة هي أأ و ل ما نزل من القرآن الكريم على رسول الله ، سيدنا محمد خاتم النبيين، صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . روى الإمام البخاري في: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

عدد الصفحات ٣

4 عن السيدة عانشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( أو ل ما ب ديء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِ نأ الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى ر ؤيا إلا جاءأ ت مِ ث ل فأ لأ قِ الص بح ، ثم ح ب بأ إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحن ث فيه – وهو التعب د – الليالي ذوات العدد ، قأ ب ل أن ينزع إلى أهله ، ويتزو د لذلك ، ث م يأ رجع إلى خديجة ، فأ يأ تأ زو د لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك – أي: جبريل عليه السلام – فقال له : اقرأ . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:ما أنا بقارئ] قال صلى الله عليه وآله وسلم[:فأأأ خذني فغط ني حتى بأ لأ غ مِ ن ي الجأ هد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . قلت: ما أنا بقارئ . فغط ني الثانية ، حتى بلغ مني الجهدأ ، ثم أرسلني فقال: اقرأ . فقلت : ما أنا بِ قأ ارئ . فأخذني فغط ني الثالثة ثم أرسلني فقال:{اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم }.] - هكذا الرواية هنا، ولكن رواه في كتاب التفسير وفيه : {اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم }-. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد – السيدة أم المؤمنين رضي الله عنها – فقال [: زأم ل و ني زأ م ل وني ] فزملوه حتى ذهب عنه الر و ع . أي: واضحة جلية . أي: فضم ه بقوة. أي: النصب والتعب.

عدد الصفحات ٤

5 فقال لخديجة: - وأخبرها الخأ بأ رأ – [لقد خأشِ يت على نفسي ]أي: أن لا أتحم ل ذلك . فقالت له خديجة رضي الله عنها : كلا والله ما ي خزيك الله أبداً ، إن ك لتصل الر حِ م ، وتحمل الكأ ل ، وت كسب المعدوم ، وتأ قري الضيف ، وت عِ ي ن على نوانب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت به وأ رأ قأ ة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، ابن عم خديجة ، وكان امرءاً قد تنص ر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب . وكان شيخاً كبيراً قد عمي . فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك . فقال له : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أن زأ ل الله على موسى ، يا لأ ي تأ نِ ي فيها جأ ذأ عاً ، ليتني أكون حي اً إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:أأوأ م خرجي ه م ]؟ قال: نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جنتأ به إلا ع ودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نأ ص راً مؤز راً . ثم لم ينشب ورقة أأ ن ت وف يأ . قال في ( شرح المواهب) : الكأل بفتح الكاف وشد اللام هو من لا يستقل بأمره ، ويدخل فيه الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك . جمع نانبة ، أي: حوادثه ، وهذه جامعة لأفراد ما سبق ولغيره ، وق يدت بالحق لأنها تكون في الحق وفي الباطل . اهـ. ( شرح المواهب) والمعنى : أن ك تعين على الأمور الحقة النافعة التي فيها الخير والبر . الناموس : هو صاحب السر ، والمراد به جبريل عليه السلام ، فإنه صاحب سر الوحي الإلهي . كذا في ( شرح المواهب). يريد بذلك أن يكون شاباً قوياً ليكون من أنصاره .

عدد الصفحات ٥

6 وفتر الوحي). فأو ل ما نزل من القرآن الكريم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الآيات الخمسة من أول سورة {اقرأ}ثم فتر الوحي القرآني مدة من الزمن ، ثم أ نزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم أو ل سورة المدثر إلى قوله تعالى :{والرجز فاهجر}. فقد روى البخاري ومسلم ، والترمذي والنساني ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال[: جاورت بحراء شهراً ، فلما قضيت جواري – أي م جاورتي – هبطت فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أأ رأ شيناً ، ونظرت عن شمالي فلم أأ رأ شيناً ، ونظرت خلفي فلم أأ ر شيناً ، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فلم أثبت له – وفي رواية [:فرعبت منه ]- فأأتيت خديجة فقلت: دث روني دثروني ، فأ أأ نزل الله تعالى :{يا أيها المدثر* قم فأنذر }إلى قوله تعالى:{ والرجز فاهجر} فحمي الوحي وتتابع] وهذه الآيات الكريمة هي ثاني ما نزل من القرآن الكريم عند الجمهور. قال الحافظ في ( الفتح): وليس المراد بفترة الوحي – أي: الوحي بالقرآن الكريم – وهي ما بين ن ز ول : {اقرأ}و{يا أيها المدثر}عدم مجيء جبريل عليه السلام إليه ، بل تأخر نزول القرآن فقط ، أي: فكان جبريل عليه السلام يترد د إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينقطع عنه ، ولم تزل الإمدادات الإلهية ، والتعاليم الربانية تتوارد عليه صلى الله عليه وآله وسلم . في التفسير والأدب وبدء الوحي ، ورواه مسلم في التفسير كما في ( شرح المواهب). أي: في مدة فترة الوحي ، غير الشهر الذي نزل عليه فيه جبريل عليه السلام بالآيات الخمسة ؛ أو ل سورة {اقرأ}كما في( شرح المواهب ) . اهـ. انظر جميع ذلك في ( المواهب اللدنية وشرحها ).

عدد الصفحات ٦

7 وتفصيل الكلام على الحديث المتقدم، وهو حديث بدء الوحي ، وما اشتملت عليه هذه الغط ات الثلاثة ، وهي الضم ات الجبريلية ، وما جمعته من العلوم والمعارف الإلهية ، والأسرار والمعاني الربانية ، التي نزل بها جبريل عليه السلام ، من عند الله تعالى الحكيم العليم ، والتي أمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن ي فيضها ويلقيها على الحبيب الأكرم ، والرسول المعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما هنالك من خصوصيات ومكرمات ، وتفصيل الكلام على شرح الحديث الشريف المتقدم ، سيأتي في موضع آخر إن شاء الله تعالى . الوجه الثاني : قوله تعالى :{اقرأ باسم ربك الذي خلق}. والمعنى: اقرأ ما أنزل الله تعالى عليك ، مفتتحاً ومبتدأً باسم ربك الذي خلق، فإن ه سبحانه وتعالى هو الذي يفتح عليك ، فيقرنك هذا القرآن ، على أكمل الوجوه ، وإن كنتأ غير قارئ – أي: لم تتعلم القراءة والكتابة – فإنه سبحانه هو يفتح عليك ويعلمك ذلك ، كما قال سبحانه :{ لا تحرك بهلسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه }. فقد تكفل سبحانه وتعالى أن يجمع له القرآن في صدره محفوظاً ويقرنه إياه كما ي لقى عليه ، وأأن ي بينه له صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فهذه أمور ثلاثة . جاء في الحديث ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ي حأر ك شفتيه إذا أ نزل عليه – أي: يعجل بقراءة ما أنزل عليه قبل أن ي قضى إليه وحيه – فقيل له : {لا تحرك به لسانك }يخشى أن يتفل ت منه،إن علينا جمعه وقرآنه }أي: أن نجمعه في صدرك – أي: محفوظاً - {وقرآنه}بأن تقرأه كما ي لقى إليك ،فإذا قرأناه }يقول: أنزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم {فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه }أن نبينه على لسانك . هذه إحدى روايات البخاري في كتاب التفسير من ( صحيحه) والحديث مروي في ( الصحيحين) وغيرهما .

عدد الصفحات ٧

8 فقد تكفل سبحانه لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يحفظ عليه القرآن ، ويجمعه له في صدره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن ي قرنه إياه على الوجه الذي يلقيه عليه ، بواسطة جبريل عليه السلام ، كما قال تعالى :{وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم}وأن ي بين الله تعالى هذا القرآن الكريم لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم على أكمل الوجوه . وقد أمر الله تعالى رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن ي بأي ن للناس ما ن زل إليهم ، قال الله تعالى :{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرن }أي: يتفكرون فيما جاء به هذا القرآن الكريم من البينات القاطعة ، والبراهين الساطعة ، والحِكم البالغة ، والحجج الدامغة ؛ الدالة على حأق ي ةِ وحدانية الله تعالى ، وكمالاته ، وأسمانه ، وصفاته ، وعلى حقي ة وصدق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي أنزل الله تعالى هذا القرآن الكريم عليه ، وعلى حقية ما جاء به هذا القرآن الكريم مِنأ الإخبارات الغيبية ع ما مضى ، وما هو آتٍ ، وعلى حقية الشريعة الغر اء، وما فيها من الأحكام الصادرة عن الحكمة الإلهية ، وما في ذلك من الأوامر والمناهي ، وبيان الحلال والحرام ، وسانر الأحكام الشرعية ، الكافلة لجميع المصالح البشرية ، وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، ونجاحهم وفلاحهم . وقد بين ذلك كله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بياناً كاملاً ، كافياً ، شافياً ، كما قال الله تعالى :{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }، فهو صاحب البيان عن القرآن ، على أكمل الوجوه وأحسن تبيان ، وقد جاءت بياناته في أحاديثه الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم المشتملة على الأقوال والأعمال، ، ولذلك قال الله تعالى :{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب }. روى الإمام أحمد في( مسنده ) عن علقمة ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال [:لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات ، والمتفل جات للحسن ، المغي رات خلق الله عز وجل ]

عدد الصفحات ٨

9 قال: فبلغ ذلك امرأة يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه فقالت : بلغني أنك قلتأ كيتأ وكي تأ – أي: اللعن كما تقد م-. فقال ابن مسعود رضي الله عنه : ( ما لي لا ألعن مأن لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي كتاب الله تعالى ). فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحي ه – أي: المصحف الكريم – فما وجدته . فقال: ( إن كنتِ قرأتيه فقد وجدتيه ، أما قرأت قول الله تعالى :{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }.) قالت: بلى – أي: قرأت الآية -. قال: ( فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك ). ورواه الشيخان ، وأصحاب السنن بلفظ : عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:الواشمات والمستوشمات ، والمتنم صات ، والمتفل جات للحسن ، المغي رات خلق الله تعالى ] فقالت له امرأة في ذلك. فقال: ( وما لي لا ألعن مأن لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي كتاب الله تعالى ، قال الله تعالى :{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }) . انظر( الترهيب) للمنذري. قال : المتفل جة هي : التي ت فل ج أسنانها بالمبرد ونحوه للتحسين – أي: لا للمداواة -. قال : والنامصة هي التي تنقش الحاجب حتى ت رق ه – أي: تجعله رقيقاً ، فهذا لا يجوز إلا لمن غلظت حواجبها -. والمتنمصة المعمول بها ذلك . والواشمة : هي التي تغرز اليد أو الوجه بالإبر ، ثم تحشو ذلك المكان بكحل أو مداد – وهذا يقال له في البدو : الدقة -. والمستوشمة : المعمول بها ذلك .

عدد الصفحات ٩

11 وفي(الصحيحين) ، عن أسماء رضي الله عنها قالت[ :لعن رسول صلى الله عليه وآله وسلم الواصلة والمستوصلة ] الواصلة : هي التي تصل الشعر لبعض النساء بشعر غيرها . والمستوصلة : هي التي ي عمل بها ذلك . روى الحافظ ابن عبد البأر في كتاب ( العلم) له ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، أنه رأى م حرِماً عليه ثيابه ، فنهى المحرِمأ . فقال :انتني بآية من كتاب الله تعالى تنزع ثيابي . قال: فقرأ عليه {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . اهـ. وقد حذ ر الله تعالى من مخالفة أمره صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الله تعالى :{لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}. فحذ ر وأوعدأ من يخالف أمره صلى الله عليه وآله وسلم. وقوله تعالى :{لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً} قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( يعني : كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه ، ولكن وق ر وه ، وعظ موه ، وقولوا : يا رسول الله ، ويا نبي الله ). وقال قتادة في الآية الكريمة : أمر الله تعالى أن ي هابأ نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأأن ي بج ل ، وأن يعظ م ، وأن يفخ م . انظر تفسير العلامة القرطبي . رواه أبو نعيم كما في ( الدر المنثور).

عدد الصفحات ١٠

11 وفي رواية عنه: وأن ي سو د – أي: ي دعأى وينادى بصفة السيادة يا سيدنا . اهـ. ولا شك في أنه صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد العالمين . فنهى الله تعالى أن ينادوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسمه ، بدون اقترانه بتعظيم ، كما ينادى غيره ، بل يجب تعظيمه وتوقيره ، فيقولون : يا رسول الله ، يا نبي الله ، يا أكرم الخلق على الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم [:وأنا أكرم الأولين والآخرين على ربي ولا فخر ] كنا نهى سبحانه عن رفع الصوت في حضرته صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الله تعالى :{يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم }الآية. الوجه الثالث : قوله تعالى :{اقرأ باسم ربك}. والمعنى اقرأ باسم ربك، فإنه سبحانه هو الذي يقرنك وإن كنتأ أم ياً لست بقارئ ، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم نشأ أمي اً ، لم يتعلأ م القراءة ولا الكتابة ، كما قال سبحانه وتعالى مخاطباً له صلى الله عليه وآله وسلم :{وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون }. أي: لو كان صلى الله عليه وآله وسلم متعل ماً القراءة والكتابة ، وجاءهم بهذا القرآن لارتاب الجهلة من الناس ، ولقالوا : إنما تعلم هذا القرآن من ك ت بٍ قبله ، مأثورة عن الأنبياء ، ومع ذلك فقد قال المبطلون الجهلة والحمقى ، قالوا ذلك ، وهم يعلمون أنه صلى الله عليه وآله وسلم هو أميٌّ ، لا يحسن الكتابة ، وقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله :{وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً }. انظر تفسير ابن كثير و( الدر المنثور).

عدد الصفحات ١١

12 وأرأد الله تعالى عليهم افتراءهم ، ودعواهم الكذب، فقال سبحانه :{قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض }الآية. والمعنى : أن الله تعالى هو الذي أنزله عليك ، وأقرأك إي اه ، وجمعه لك ، محفوظاً في قلبك الذي هو في صدرك صلى الله عليه وآله وسلم ، كما قال تعالى :{نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين}. وهذا من أعلام نبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله تعالى هو الذي تكف ل له أن يأجمع له القرآن محفوظاً ، وأن ي قرِنه إي اه كما أ نزله عليه ، وأن يبينه له ، وأمره أن يبينه للناس ، كما قال سبحانه وتعالى :{ إن علينا جمعه وقرآنه}أي: نقرنك إياه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إن علينا بيانه }. وقد تكلمت على هذه الآية فيما تقدم . روى الإمام مسلم في ( صحيحه) عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم في خطبته – وفي رواية : خطب ذات يوم ، وفي رواية له : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم خطيباً فقال-: [إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما عل مني يومي هذا : كل مالٍ نحلته عبداً حلال . وإني خلقت عبادي ح نفاء كل هم ، وإن هم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحأر مت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرت هم أأن ي شركوا بي ما لأم أنزل به سلطاناً . أي: رزقته من طريق شرعي فهو حلال له ، وفي هذا ردٌّ على المشركين الذين يحرمون بعض أموالهم على أنفسهم ويجعلونها لأصنامهم . أي: على الدين الحنيف ، والفطرة السليمة الإيمانية . أي: اجتذبتهم وكفرتهم .

عدد الصفحات ١٢

13 وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم : عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب . وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تأقرؤه نانماً ويقظان ]الحديث. ومعنى [:تقرؤه نانماً ويقظان]هو كناية عن حفظه في الصدور ، فحفظه أولاً في قلبه وفي صدره صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تلق ت ه عنه أمته فحفظه كثير منهم في قلبه وصدره ، وحفظه كثير منهم في سأطره وكتابته ، وهكذا تتابع حفظه جيلاً بعد جيل، وهذا من خصانص هذا القرآن الكريم ، الباقي إلى يوم الدين ، وذلك أأن ه محفوظ في صدور هذه الأمة ، يحفظه الخاص والعام ، والكبير والصغير، والرجل والمرأة ، في كل زمان إلى يوم القيامة ؛ لا ي زاد فيه ، ولا ي نقص منه ، ح ج ة قانمة على جميع الأمم ، ت شهدهم أنه : لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فهو كلام الله المعجز ، أنزله على رسوله الأكرم ، وأقرأه إياه وجمعه له وبينه له. قال الله تعالى :{قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ }الآية. أي: لينذر به مأن أدركه في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا ، وينذر به مأن بلغه بعده ممن سيأتي إلى يوم الدين ، فإن القرآن الكريم باقٍ محفوظ بحفظ الله تعالى إلى يوم القيامة . جاء في الحديث ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:مأن بألأغه القرآن فكأنما شافهته به ]ثم قرأ :{وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}الآية . أي: إلا المؤمنين المتمسكين بكتب رسلهم ، الذين أرسلهم الله تعالى إليهم . وذلك بالتكاليف الإلهية والأوامر الشرعية . قال في ( الدر المنثور) : أخرجه ابن مأر د و يه ، وأبو نعيم ، والخطيب.

عدد الصفحات ١٣

14 حفظ هذا القرآن العظيم في صدور هذه الأمة المحمدية هو من الخصائص التي أكرمهم الله تعالى بها روى أبو نعيم في ( الدلانل) بإسناده ، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:لما فرغت مما أمرني الله تعالى به من أمر السماوات والأرض – أي: في ليلة المعراج – قلت : يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كأر م ته : جعلتأ إبراهيم خليلاً ، وموسى كليماً ، وسخرت لداود الجبال ، ولسليمان الريح والشياطين ، وأحييتأ لعيسى الموتى ، فما جعلتأ لي ؟ قال – سبحانه -: أأوأليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله ؟ إني لا أ ذكأر إلا ذكرتأ معي ، وجعلت صدور أمتك أناجيل – أي: مصاحف- يقرؤون القرآن ظاهراً ، ولم أ عطها أم ةً – أي: من قبلك – وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ] وروى الطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [:صفتي: أحمد المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، يجزي بالحسنة الحسنة ، ولا يكافئ – أي: يقابل بالسينة – مولده بمكة ، وم هاجأره طيبة ، وأمته الحم ادون ، يأتزرون على أنصافهم ، ويوضنون أطرافهم ، أناجيلهم – أي: مصاحفهم التي فيها القرآن – في صدورهم ، يأصف ون للصلاة كما يصفون للقتال ، قربانهم الذي يتقر بون به إلي – أي: إلى الله تعالى – دماؤهم ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار ] كذا في( الفتح الكبير ) . لا يعذب الله قلباً وعى القرآن أي: عن ظهر قلب . يكثرون الحمد لله تعالى في جميع الأحوال .

عدد الصفحات ١٤

15 جاء في الحديث، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، أأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال[:اقرؤوا القرآن، فإن الله تعالى لا ي عذ ب قلباً وعى القرآن] . وقال الحافظ ابن حجر في( الفتح ): أخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح ، عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال : ( اقرؤوا القرآن ، ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة ، فإن الله تعالى لا ي عذب قلباً وعى القرآن ). فقلوب المؤمنين الذين يحفظون القرآن الكريم هي نعمت الأوعية المشر فة بكلام الله تعالى ، وحفظه فيها . روى الترمذي ، عن أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:من قرأ القرآن فاستظهره– أي: حفظه – فأحل حلاله ، وحر م حرامه : أدخله الله تعالى الجنة ، وشف عه في عأشأرة من أهل بيته كل هم قد وجبت له النار ] فالحافظ لكتاب الله تعالى، العامل بأوامره ، والمنتهي عما نهى عنه ، هذا مضمون له أن يدخله الله تعالى الجنة ، وأن يشف عه الله تعالى في عشرة من أهل بيته قد وجبت لهم النار ؛ بسبب معاصيهم ، وارتكابهم لما نهى الله تعالى عنه ، وماتوا ولم يتوبوا من ذلك . فما أكرم حامل كتاب الله تعالى عند الله تعالى إذا هو عمل بمقتضاه ، اللهم اجعلنا منهم . وعن عبد الله بن عأم رو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ، ورت ل كما كنت ترت ل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ] . عزاه في( الجامع الصغير) إلى تمام في فوانده رامزاً لحسنه . يعني : ينبغي للمسلم أأن ي واظب على تلاوة القرآن بدون كسل ، ولا يكتفي بتعليق المصحف في بيته من غير قراءة فيه ، فإن المصاحف ينبغي أن تكون منشورة للقراءة فيها ، لا معلقة مهجورة . قال الحافظ المنذري : رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ، وابن حبان في ( صحيحه) وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . اهـ.

عدد الصفحات ١٥

16 أي: فلا يزال يقرأ ولا يزال يترقى في المنازل العالية في الجنة ، والحمد لله على ذلك . وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:يقول الرب تبارك وتعالى : مأن شغله القرآن عن مسألتي : أعطيته أفضل ما أعطي السانلين ، وفضل كلام الله تعالى على سانر الكلام : كفضل الله على خلقه] رواه الترمذي. الوجه الرابع : قوله تعالى :{اقرأ باسم ربك}. أي: اقرأ باسم ربك الذي هو خالقك ، ومرب يك بعنايته الخاص ة بك منذ صغرك ، فإن ه سبحانه هو الذي تعه دأ بك ، ورعاك أحسن رعاية ، وأحاطك بحفظه لك من دنس الجاهلية ، فنشأت على الهدى والرشاد ، والكمال والسداد ، كما قال سبحانه :{ما ضل صاحبكم وما غوى}أي: بل هو على الهدى والرشاد ، وإن قومه الذين نشأ بينهم ليعلمون ذلك ، ويشهدون له أنه الصادق الأمين ، ما جر بوا عليه إلا الصدق والأمانة . فالله تعالى هو ربك الذي أنشأك على أكمل الأحوال ، وأحسن الأخلاق ، وأمد ك وأعد ك ، وهيأك ، وجعل فيك الاستعداد الكامل الخاص ، وحب ب إليك العبادة والخلوة عن الناس ، لتتوج ه بكليتك إلى ربك ، ثم أعطاك النبوة الخاتمة ، والرسالة العام ة ، وأنزل عليك هذا القرآن ، بواسطة جبريل الأمين عليه السلام فـ {اقرأ باسم ربك الذي خلق} . فلقد رب اه سبحانه بعنايته، ورعاه برعايته ، منذ صغره إلى ما وراء ذلك . فهو صلى الله عليه وآله وسلم في عين العناية ، قال الله تعالى :{ واصبر لحكم ربك فإنكبأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم}. ومعنى قوله تعالى:{واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}أي: اصبر على أذى أعدانك المشركين ، وقولهم : إنك شاعر أو ساحر؛ ونحو ذلك ، كما تقدم في حديث السيدة عانشة أم المؤمنين رضي الله عنها .

عدد الصفحات ١٦