المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة العلق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ١١ من ١٢

161 والمعنى: من قرأ القرآن ، وعمل بما فيه قاده إلى الجنة ، ومن أعرض عنه ، ولم يتبع ما جاء به ساقه إلى النار . ومعنى [ :ماحِلٌ ]بكسر الحاء المهملة أي: ساع ، وقيل : خصم مجادل ، كذا قال المنذري . اهـ . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :والقرآن حجة لك أو عليك] يعني: أن القرآن العظيم هو ح ج ة لك يوم القيامة ، يشهد لك ، ويدافع عنك ، إن عملت بأوامره ، وانتهيت عما نهاك عنه ، واتبعت ما جاء به . وهو حجة عليك يوم القيامة إذا لأ م تعمل به ، ولم تتبع ما جاء به ، بل خالفت ذلك. روى الإمام مسلم ، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء – وفي رواية [ :والصوم ضياء]– والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبانع نفسه : فمعتقها أو موبقها ] ومعنى هذه الجملة الأخيرة: إن كل إنسان إما أن يكون غادياً وساعياً في سلامته ، وسعادته ، وعتقه مِ نأ النار ، وإما أن يكون غادياً وساعياً في شقاء نفسه ، وهلاكها ، ودخولها في جهنم ، وذلك بأن باع نفسه في اتباع الأهواء الفاسدة ، والشهوات المحرمة ، وانغمس في المعاصي ، فقد خسر نفسه في الدنيا والآخرة فهو : موبق – أي : مهلك – نفسه . أم ا الأول فهو الذي سعى في طاعة الله تعالى ، متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد باع نفسه لله تعالى ، وأعتقها من عذابه وعقابه . قال الله تعالى : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }. فأسلموا أنفسهم لله تعالى ، واستسلموا ، وأطاعوا أوامره ، واجتنبوا مناهيه ، فإذا دخل وقت الصلاة قاموا للصلاة ، وإذا وجبت عليهم الزكاة أد وها

عدد الصفحات ١٦١

162 كاملة ؛ عن طيب نفس، وإن دخل شهر رمضان صاموا مؤتمرين وممتثلين لأمره سبحانه ، لأنهم أسلموا أنفسهم لله تعالى ، مستسلمين لأوامره وأحكامه التي شرعها لهم ، وإن وجب عليهم الحج امتثلوا أمر الله تعالى فحجوا، وإن وجب عليهم قتال الكفرة أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلوا ، وجاهدوا في سبيل الله تعالى ، فهم مستسلمون لأوامره سبحانه ، ومنتهون عما نهاهم ، لأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى ، فيتصرفون فيها كما أمرهم الله تعالى ، وشرع لهم ، لأنه سبحانه اشتراها منهم . وقد وصفهم الله تعالى فقال بعد ما ذكر الآية المتقدمة :{التانبون العابدون الحامدون السانحون الراكعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين }اللهم اجعلنا منهم بفضلك وعافيتك آمين ، بجاه إمام الأنبياء والمرسلين ، صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين . وقوله تعالى :{وبشر المؤمنين}البشارة هي الخبر السار الذي ليس عند المبش ر علم به ، وأما إذا لم يكن الخبر ساراً كقوله تعالى في الكفار :{ فبشرهمبعذاب أليم }فهذا من الاستعارة التهكمية استهزاءً بهم . وقد ذكر الله تعالى بشراه لعباده المؤمنين، وذكر أنواعاً متعددة من البشانر لهم في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز ، وفي ذلك حكأ مٌ كبيرة كثيرة عالية لا ي حيط بعلمها إلا الله تعالى ، أذكر طرفاً منها : أولاً : في تلك البشانر تزداد وتقوى هم ة الجاد ين في عباداتهم لله رب العالمين ، ويعظم نشاطهم في طاعاتهم ، وقرباتهم التي يتقربون بها إلى ربهم ، ويسارعون فيها ، ويتسابقون ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، كما قال سبحانه :{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين }. وقال تعالى :{سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة }الآية.

عدد الصفحات ١٦٢

163 ثانياً: في تلك البشانر الإلهية ، يزيدهم الله تعالى إيماناً مع إيمانهم ، كما قال سبحانه :{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيما * ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيناتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيما }. ثالثاً : في تلك البشانر الإلهية إدخال السرور عليهم ، والفرح بفضل الله تعالى عليهم ، ورحمته بهم ، وتكريمه سبحانه وتعالى لهم : قال الله تعالى :{قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }. فالفرح الأعظم، والسرور الأكبر هو : بفضل الله ، وبرحمته ، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون من أموال الدنيا ، وحطامها وزخارفها . أم ا فضل الله تعالى عليهم فهو الهداية للإيمان ، فهو المنة الكبرى ، والنعمة العظمى ، كما قال الله تعالى :{بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين }. وقال الله تعالى:{ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولنك هم الراشدون * فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم }. وقال الله تعالى:{ولولا فضلالله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم }. وأما قوله تعالى:{وبرحمته فبذلك فليفرحوا }جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسير الرحمة هنا هو : سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قلت : ويدل على ذلك قول الله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. وقال الله تعالى:{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم }أي: هو صلى الله عليه وآله وسلم حريص عليكم بأن

عدد الصفحات ١٦٣

164 يوصل إليكم كل خير ، ويباعد عنكم كل شر في الدنيا والآخرة {بالمؤمنين رءوف رحيم }والرأفة هي : رفع المضر ات ، والمؤذيات ، والمزعجات ، وأما الرحمة فهي : جلب الخيرات ، والمحاسن ، والمسر ات . ولما كان سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو رحمة الله تعالى الكبرى ، وحجته العظمى على العالم ، امتن الله تعالى على العباد ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم فقال :{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل }أي: قبل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم {لفي ضلال مبين }. روى الإمام مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل : يا رسول الله ادع على المشركين . قال[ :إني لأم أ بعث لع اناً ، وإنما ب عثت رحمة ]صلى الله عليه وآله وسلم. وروى عبد بن حميد ، عن عكرمة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله ألا تلعن قريشاً بما أتوك – أي : بسبب ما آذوك - . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:لأم أ بعث لع اناً ، إنما ب عثت رحمة ]يقول الله تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. وروى أبو نعيم في( الدلانل ) عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إن الله بعثني رحمة للعالمين ، وهدى للمتقين ] وروى البيهقيفي ( الدلانل ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إنما أنا رحمة مهداة ] أي: أهداها الله تعالى للعالمين ، صلى الله عليه وآله وسلم . اللهم ارحمنا بمن أرسلته رحمة للعالمين – آمين . فالبشانر الإلهية يفرح بها العبد المؤمن ، وأ يأ دخل عليه السرور التام ، والاغتباط بما ب شر به ، وقد يبكي مِ ن شد ة فرحه .

عدد الصفحات ١٦٤

165 روى الإمام البخاري في( صحيحه ) عن أنس رضي الله عنه قال : ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بن كعب [:إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} ] أي: السورة كلها . فقال أبي : وسم اني لك - أي : ذكرني الله تعالى باسمي - ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:نعم]فبكى) . وفي رواية للبخاري أيضاً ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي [:إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن }أي: سورة البينة . فقال أ بي : آلله سم اني لك . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ : الله سماك ]فجعل أبي يبكي . وجاء في رواية للإمام أحمد ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إني أمرت أأ ن أقرأ عليك سورة كذا وكذا ]أي: سورة البينة . فقلت : يا رسول الله وقد ذ كرت هناك – أي : ذكرني الله تعالى في الملأ الأعلى - . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:نعم]فبكى أبي . فأ قِ ي ل لأبي بن كعب : يا أبا المنذر ففرحت بذلك ؟ فقال : وما يمنعني – أن أفرح – والله تعالى يقول : {قل بفضل وبرحمته فليفرحوا هو خير مما يجمعون }. وإن ذكر الله تعالى لعبده في الملأ الأعلى هي رتبة عليا، ومِ ن ة عظمى ، كما جاء في ( صحيح ) مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى ، يتلون كتاب الله تعالى ، ويتدارسونه بينهم : إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم الله فيمن عنده ]أي: في الملأ الأعلى . رابعاً : البشانر الإلهية تطمنن بها القلوب ، وتنشرح بها الصدور :

عدد الصفحات ١٦٥

166 قال الله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملانكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمنن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم }. وقال الله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملانكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملانكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمنن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم }. خامساً: البشانر الإلهية للمؤمنين تزيد في إيمانهم الجازم ، ويقينهم الصادق . قال الله تعالى : {آلر تلك آيات الكتاب الحكيم * أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم }الآية. قوله تعالى : {أن لهم قدم صدق عند ربهم }هذا يدل على وجوه من المعاني متعددة ؛ ولا ينافي بعضها بعضاً ، وكلهم واردة إما عن : الصحابة رضي الله عنهم ، أو المفسرين من التابعين : الوجه الأول : أن المراد بقدم صدق هو أعمال صالحة قد موها ؛ وهم صادقون فيها ، كما قيل : صأ ل لذي العرش واتخذ قوماً تنجيك يوم العِ ثار والزلل الوجه الثاني : أنه درجة عالية ، ومنزلة رفيعة ، كما قيل : لكم قدم لا ي نكر الناس أن ها مع الحسب العالي طم ت على البحر الوجه الثالث : أنه مقام صدق ، وثواب صدق على أعمالهم الصالحة ، وأقوالهم الصادقة .

عدد الصفحات ١٦٦

167 الوجهالرابع : جاء في رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : { قدم صدق}مأن زل صدق . وجاء عنه أيضاً : أجراً حسناً بما قدموا مِ ن أعمالهم . وجاء عنه أيضاً {قدم صدق}سأب ق السعادة لهم في الذكر الأول اهـ . وهذا كما قال الله تعالى : {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولنك عنها مبعدون }. ويعنى بالذكر الأول: الكتاب الذي ذكر الله تعالى فيه مقادير الأشياء كلها . روى الإمام مسلم ، والترمذي وغيرهما ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ : كتب الله مقادير الخلانق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وعرشه على الماء ]كذا في( التيسير ) . وقد فصلت الكلام على كتابة المقادير في كتاب ( الإيمان بالملانكة عليهم السلام ) فارجع إليه تجد فيه ما ينفعك إن شاء الله تعالى . الوجه الخامس : {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم}هو تقد مهم على غيرهم مِ ن سانر الأمم قبلهم في دخولهم الجنة ، وأنهم المقضي لهم قبل الخلانق كلها . روى الشيخان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :نحن الآخرون– أي : من الأمم من حيث الزمن – السابقون يوم القيامة ]الحديث. وفي رواية لمسلم [ :نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة ، المقضي لهم قبل الخلانق ] انظر جميع ما تقدم في تفسير العلامة القرطبي، وفي ( روح المعاني ) وغيرهما . هذا وإن جميع هذه الوجوه حول تفسير :{قدم صدق}ثابتة وغير متناقضة، فهذا مِن باب القاعدة في علم أصول التفسير هو مِن باب التنو ع ، لا مِن باب التضادأ ، كما هو مقرر عند المفسرين .

عدد الصفحات ١٦٧

168 وفي رواية لمسلم أيضاً[ :نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول مأن يدخل الجنة ] . وروى الترمذي ، عن ب ريدة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [ :أهلالجنة عشرون ومانة صف ، ثمانون منها مِ ن هذه الأمة – أي : الأمة المحمدية – وأربعون من سانر الأمم ] . وروى الطبراني بسند حسن، عن ع مر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [ :الجنة حر مت على الأنبياء حتى أدخلها ، وح ر مت على الأمم حتى تدخلها أمتي ] . أول من يفتح له باب الجنة هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام الأنبياء والمرسلين وأكرم الأولين والآخرين على رب العالمين روى الإمام مسلم ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله عليه وآله وسلم [ :آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن : مأ ن ، فأقول : محمد ، فيقول : بك أ مرت – أي : أمرني الله تعالى – أن لا أفتح لأحد قبلك ]صلى الله عليه وآله وسلم. فهو صلى الله عليه وآله وسلم أو ل من تفتح له الجنة ، وهو أو ل من يدخلها ، فهو الفاتح الأول صلى الله عليه وآله وسلم ، والكل يدخلونها مِ ن ورانه ، والأبواب مفتحة لهم ، كما قال سبحانه وتعالى :{جنات عدنمفتحة لهم الأبواب }نعم لقد فتحها الفاتح الأول صلى الله عليه وآله وسلم . وقال الله تعالى :{وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها }أي: والحال قد فتحت لهم أبوابها مِ ن قبل {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين }. انظر( جامع الأصول ) . ورواه الإمام أحمد في ( المسند ) بإسناد صحيح . انظر ( الخصانص) و( الفتح الكبير).

عدد الصفحات ١٦٨

169 اللهم اجعلنا منهم بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول زمرة يدخلون الجنة فمن بعدهم : روى الشيخان ، والترمذي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب د ر ي في السماء إضاءة : لا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ، ولا يمتخطون ، أمشاطهم الذهب ، ورشحهم – أي عرقهم- المسك ، ومجامرهم الألو ة الألنجوج عود الطيب ، أزواجهم الحور العين ، على خ ل ق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ، ستون ذراعاً في السماء ]كذا في( التيسير ) . وقال : الألو ة والألنجوج : من أسماء العود الذي ي تبخ ر به اهـ . وإن الشمس التي ت مد تلك الأقمار والكواكب ، وي شرق عليها نورها ، هي : الشمس المحمدية عليه أفضل الصلاة والسلام والتحية ، فإن الله تعالى وصفه بقوله :{وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً}. فوصفه الله تعالى بأنه سراج منير، كما وصف شمس السماء الفلكية بأنها سراج ، قال الله تعالى :{وجعلنا سراجاً وهاجا}لكنه سبحانه فرق بينهما بالأوصاف فقال في شمس السماء الفلكية : { وجعلنا سراجاً وهاجا }فهي شديدة الوهج ، وقد يحصل مِ ن ذلك ضرر ، كما أنها ي ستغنى عنها مدة من الزمن ، فهي تأ غ ر ب ويدخل الليل ، والناس في غنى عنها لا حاجة لهم إليها . وأما الشمس المحمدية ، فوصفه الله تعالى بقوله :{وسراجاً منيرا}والنور لا يحصل منه إلا الخير ، كما أن النور لا ي ستغنى عنه في كل وقت ، ولا في الليل ، ولذلك إذا أقبل الليل فإن الناس ي وقدون المصابيح ، فالعالم هو أحوج إلى الشمس المحمدية مِ ن حاجتهم إلى الشمس الفلكية ، فاعتبر أيها العاقل .

عدد الصفحات ١٦٩

171 كما أن الشمس الفلكية قد يأ عتريها الكسوف والتغير ، أما الشمس المحمدية فلا يعتريها كسوف ولا تغير ، فقول الله تعالى في وصفه لرسوله الأكرم ، وحبيبه الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قول الله تعالى في وصفه :{وسراجاً منيراً }في هذا الوصف العظيم: دلالات وإشارات إلى معاني كبرى ، ومعارف كثيرة عظمى ، وفواند ج ل ى ، يفهمها أولوا الألباب . وقد تكلمت بعض الكلام على ذلك في كتاب ( الإيمان بعوالم الآخرة ) وفي مناسبات متعددة في كتبي . والحمد لله رب العالمين الذي جعلنا من أمته صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى العمل بشريعته ، والتمسك بالكتاب الذي جاء به ، وبسنته صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم [ :تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وسنة نبيكم ]صلى الله عليه وآله وسلم أبداً أبداً. سادساً : البشانر الإلهية لعباده المؤمنين تجعلهم في أمانٍ مِ ن خوف ما يأتي ، وتذهب عنهم الحزن على ما مضى ، فهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون : قال الله تعالى : {إن الذي قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملانكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون }. {قالوا ربنا الله }أي: وحده لا شريك له ، فهو ربنا خالقنا ورازقنا ، ومدبر أمورنا ، ومسبغ نعمه علينا ، وهو إلهنا الواحد الأحد ، المعبود حقاً ، الواجب على العباد أن يعبدوه وحده ، لأنهم عباده ، وهو ربهم وحده لا شريك له . قال الله تعالى : {يا أيها الناس اعبدواربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } أي: وخلق الذين من قبلكم {لعلكم تتقون* الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون }.

عدد الصفحات ١٧٠

171 قول الله تعالى : {ثم استقاموا } روى الإمام مسلم، عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :قل: آمنت بالله ثم استقم ] فطلب سفيان بن عبد الله رضي الله عنه من رسول الله صلى عليه وآله وسلم أن يعلمه كلاماً جامعاً لأمر الإسلام ، كافياً شاملاً لا يحتاج بعده إلى غيره ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ :قل: آمنت بالله ثم استقم ] ورواه الترمذي بلفظ قال: قلت يا رسول الله حدث ني بأمر أعتصم به . فقال له صلى الله عليه وآله وسلم [ :قل: ربي الله ثم استقم ] قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي ؟ فأخذ بلسان نفسه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال [ :هذا]قال الترمذي: حسن صحيح . اهـ . وجاء في رواية الإمام أحمد ، والنساني ، عن سفيان بن عبد الله ، أن رجلاً قال يا رسول الله : م رني بأمر في الإسلام ولا أسأل عنه أحداً بعدك – أي : كافياً كافلاً جامعاً - . فقال له صلى الله عليه وآله وسلم [ :قل: آمنت بالله ثم استقم ] قال: فما أتقي ؟ فأومأ إلى لسانه . والاستقامة هي : السير والسلوك على الصراط المستقيم ، وهو الدين القويم ، الذي جاء به سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين .

عدد الصفحات ١٧١

172 وهذا الصراط المستقيمهو الذي جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل عليه ، ويدعو إليه ، كما قال سبحانه : {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور }. وقال تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم* وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون }أي: معرضون عنه ، وم ب عِ د ون اتباعاً لأهوانهم وشهواتهم . وقال الله تعالى : {وادع إلى ربك إنك لعلى هدىً مستقيم}. وهذا الصراط المستقيم الذي جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل عليه ، ويدعو إليه ، هو الذي أمر الله تعالى عباده أن يسألوه التوفيق للسير عليه ، سيراً مستقيماً ، مِ ن غير اعوجاج ولا انحراف عنه ، قال الله تعالى آمراً لعباده ، ومعلماً لهم أن يقولوا : {الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين* اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }آمين. وإن السير على الصراط المستقيم يتطل ب منأ السانر عليه أن يستقيم في سيره ، فلو أنه انحرف عنه قدر شعرة ، واستمر على ذلك ، لخرج عن الصراط المستقيم ، ووقع في المهالك والمتاهات . قال الله تعالى :{وأن هذا صراطيمستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون }. وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ– وهو على المنبر – قول الله تعالى :{إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} الآية فقال: ( استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب ) . وقد تكلمت مفصلاً على الصراط المستقيم ،وعلى ما يتطل به السلوك عليه ، في ( تفسير سورة الفاتحة ) فارجع إليه . يقال في اللغة : راغ الثعلب روغاً وروغاناً إذا مال وحاد يأمنة أو يسرة .

عدد الصفحات ١٧٢

173 تنبيه الإنسان إلى خطر اللسان جاء في الحديث المتقدم ، الذي رواه الترمذي ، عن سفيان بن عبد الله وفيه : قال سفيان : يا رسول الله فما أخوف ما تخاف علي ؟ فأخذ صلى الله عليه وآله وسلم بلسان نفسه ثم قال [:هذا] وفي حديث الإمام أحمد، قوله صلى الله عليه وآله وسلم للرجل لما قال : فما أتقي ؟ فأومأ صلى الله عليه وآله وسلم إلى لسانه . في ذلك كله تنبيه لكل مسلم ومسلمة ، وتحذير مِ ن شر آفات اللسان ، وخطرها على الإنسان ، وأن الواجب على المسلم أن يتكلم بخير أو ليسكت . روى الشيخان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:من كان يؤمن بالله واليوم الآخر: فليقل خيراً أو ليصمت ، ومأ ن كان يؤمن بالله واليوم الآخر : فليكرم جاره ، ومأ ن كان يؤمن بالله واليوم الآخر : فليكرم ضيفه ] فالإيمان يتطلب من المؤمن أأن يتكلم بما فيه الخير ، وي مسك لسانه عما فيه فساد أو شر . روى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [:مأن صمت نجا ] وروى الطبراني، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [:لا يبلغ عأب د حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه ]أي: بأن ي مسك عن التكلم إلا بخير ، فإن الإنسان مؤاخذ ومحاسب على كلامه ، كما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وفيه قال معاذ : يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو قال [:على مناخرهم]– إ حصاند ألسنتهم ]

عدد الصفحات ١٧٣

174 فالإنسان يحصد يوم القيامة ما يزرعه بلسانه في الدنيا ، فإن زأ رع خيراً بكلامه حصد خيراً يوم القيامة ، وإن زرع بكلامه شراً لقيه يوم القيامة عذاباً وعقاباً . روى الشيخان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها - أي : مما فيها من سخط الله تعالى – يزل بها – أي : يهوي بها – في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ] وروى الإمام أحمد، والترمذي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال [ :إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً : يهوي بها سبعين خريفاً في النار ] أي: يهوي في نار جهنم ع مقاً يقدر بسبعين سنة – والعياذ بالله تعالى - . وروى البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [ :إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ، لا ي لقي لها بالاً – أي : لا يعرف عظيم فضلها عند الله تعالى – يرفعه الله تعالى بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة مِ ن سأ خأ ط الله تعالى ، لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ]أي: سبعين خريفاً كما تقدم . وروى الإمام أحمد ، والترمذي والنساني ، عن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول [ :إن أحدكم ليتكلم بالكلمة مِ ن رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت – أي : من الفضل والثواب عند الله تعالى – فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه – أي : فيلقاه الله تعالى وهو راض عنه ، ونسأل الله تعالى ذلك – وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة مِ ن سخط الله تعالى ، ما يظن أن تبلغ ما بلغت – من غضب الله تعالى وسخطه – فيكتب الله بها سخطه – أي : سخطه عليه – إلى يوم يلقاه ]أي: وهو سبحانه ساخط عليه ، والعياذ بالله تعالى من ذلك . وقد ضمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة لِ مأ ن حأ فِ ظ لسانه ، وحفظ فرجه عن الحرام :

عدد الصفحات ١٧٤

175 روى البخاري، والترمذي ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:مأن ضمن لي ما بين لحيأ ي ه – أي : لسانه – وما بين رجليه – أي : فرجه – أضمن له الجنة ] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:مأن وقاه الله شر ما بين لأ ح ييه – أي : لسانه – وشر ما بين رجليه – أي : فرجه – دخل الجنة ]رواه الترمذي وحأس نه . وصاياه صلى الله عليه وآله وسلم بحفظ اللسان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : يا رسول الله أوصني . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:اعبد الله كأنك تراه ، واعد د نفسك في الموتى ، وإن شنت أنبأتك بما هو أم لأ ك بها من هذا كله ]؟ قال[:هذا] وأشار بيده إلى لسانه . وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله أوصني . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:أوصيك بتقوى الله تعالى ؛ فإنها زين لأمرك كله ] قلت: يا رسول الله زدني . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله عز وجل ، فإنه ذكر لك في السماء ، ونور لك في الأرض ] قلت: يا رسول الله زدني . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :عليك بطول الص مت فإن ه مطردة للشيطان ، وعون لك على أمر دينك ] قلت: زدني . قال صلى الله عليه وآله وسلم [:وإي اك وكثرة الضحك، فإنه ي ميت القلب، وي ذهب بنور الوجه ] قال في( الترغيب) : رواه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد اهـ.

عدد الصفحات ١٧٥

176 قلت: زدني . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : [قل الحق وإن كان م ر اً ] قلت: زدني . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :لا تخف في الله لومة لانم] قلت: زدني . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :لِيأ حج زك عن الناس – أي : عن التكلم بالناس – ما تعلم من نفسك ]أي: اشتغل بإصلاح أمور نفسك ، وإكمال نقصها ، وأعرض عن التكلم في الناس ، وذكر مساويهم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ، وإن أبعد الناس عن الله تعالى القلب القاسي ] . تعليمه صلى الله عليه وآله وسلم أمته الدعاء بتسديد اللسان وصدقه جاء في الحديث ، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ي علمنا أن نقول في الصلاة – أي : آخرها - : [اللهم إني أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك ، وح س نأ عبادتك ، وأسألك لساناً صادقاً ، وقلباً سليماً ، وأعوذ بك مِ ن شر ما تعلم ، وأسألك مِ ن خير ما تعلم ، وأستغفرك مما تعلم ] . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو فيقول [:رب أعني ولا ت عِ ن علي ، وانصرني ولا تأ ن صر علي قال في ( الترغيب) : رواه الإمام أحمد ، والطبراني ، وابن حبان في ( صحيحه) والحاكم واللفظ له وقال: صحيح الإسناد اهـ. رواه الترمذي والبيهقي . رواه النساني كما في ( تيسير الوصول) .

عدد الصفحات ١٧٦