145 عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ : إن الصدقة لتطفئ غضب الرب ، وتدفع ميتأ ةأ الس وء ] رواه الترمذي، وابن حبان في ( صحيحه ) . وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :الصدقة تأسد سبعين باباً من الس وء ]رواه الطبراني في( الكبير ) . وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخط ى الصدقة ]رواه البيهقي مرفوعاً وموقوفاً . وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :باكروابالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ]رواه الطبراني . قول الله تعالى : {والمستغفرين بالأسحار} بعدما ذكر الله تعالى مِن صفات عباده المؤمنين المتقين ، وأثنى عليهم بالفضانل المتقدمة ، ختم ذلك بقوله تعالى : {والمستغفرين بالأسحار}كما قال سبحانه في الآية الأخرى : {وبالأسحار هم يستغفرون}. والمعنى أنهم ملازمون ودانمون على الاستغفار وقت السحر ، بأ ع د أأ ن صل وا قيام الليل ، ختموا ذلك بالاستغفار بالأسحار ، وهو جمع سأ حأ ر . والس حأ ر هو : الثلث الأخير من الليل ، وفي هذا دليل على فضل وقت الس حأ ر ، وبيان أن ه وقت قبولٍ وإجابة ، وإحسان وغفران ، وأن وقت السحر هو حقيق بأن يتوج ه فيه العبد إلى ربه : م صل ياً ، وداعياً ، ومستغفراً ، ولذلك أخبر سبحانه عن عباده المؤمنين المتقين بأنهم ملازمون للاستغفار بالأسحار . انظر ( ترغيب ) الحافظ المنذري .
عدد الصفحات ١٤٥146 جاء في الحديث الذي رواه الترمذيوصححه ، عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول [ :أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ، فإن استطعتأ أن تكون مم ن يذكر الله في تلك الساعة فكن ]أي: فابذل ج هدك المستطاع أن تكون مِم ن يذكر الله تعالى في تلك الساعة : بصلاة ، أو دعاء ، أو قرآن ، أو استغفار ، ولا تتكاسل ، ولا تتثاقل ، فإن الأجر عظيم ، والربح كبير ، فكن حريصاً على ذلك . وقد روى الإمام أحمد الحديث المتقد م بلفظ قال : قلت يا رسول الله أي الساعات أفضل . قال [:جوف الليل الآخِر ] وفي رواية له قال [:جوف الليل الآخر أجوب دعوة] وروى ابن جرير، وأحمد ، وابن مردويه ، عن أنس رضي الله عنه قال [:أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة ]أي: وله أن يزيد ما شاء . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخِ ر فيقول : مأ ن يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ]قال في( الت يسير ) : رواه الست ة إلا النساني . ورواه البخاري بلفظ : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ، حين يبقى الثلث الآخِ ر يقول : مأ ن يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ] وفي رواية لمسلم[:من يقرض غير عديم ولا ظلوم ، حتى يطلع الفجر ] .
عدد الصفحات ١٤٦147 وفي رواية لغير البخاري ومسلم[:هل مأن تانب فأتوب عليه ، مأ ن ذا الذي يسترزقني فأرزقه ، مأ ن ذا الذي يستكشف الض ر فأكشف عنه ، ألا سقيم يستشفي في شفى ] وروى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم – أي : على طريق الوجوب – بالسواك مع الوض وء ، ولأخ رت العشاء إلى ثلث الليل – أو نصف الليل – فإذا مضى ثلث الليل – أو نصف الليل – نزل إلى السماء الدنيا جل وعز فقال : هل مِ ن سانل فأعطيه ، هل مِ ن مستغفر فأغفر له ، هل من تانب فأتوب عليه ، هل من داعٍ فأجيبه ؛ حتى يطلع الفجر ] وروى الإمام أحمد أيضاً، عن رفاعة الجهني قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى إذا كنا بالكأ دِ ي دِ – أو قال : بقديد – جعل رجال منا يستأذنون إلى أهليهم ، فيؤذن لهم ، قال : فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراً ، ثم قال [:أشهد عند: لا يموت عبد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صادقاً مِ ن قلبه ث م ي سأ د د : إلا س لك – أي : أ دخل – في الجنة ] ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم[:وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب ، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى ت بو ؤوا أنتم ومن صلح مِ ن أزواجكم وذراريكم مساكن في الجنة ] وقال صلى الله عليه وآله وسلم[:إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل ، ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيقول : لا أسأل عن عبادي أحداً غيري ، مأ ن ذا الذي يستغفرني فأغفر له ، مأ ن ذا الذي يدعوني فأستجيب له ، مأ ن ذا الذي يسألني فأعطيه ؛ حتى ينفجر الفجر ] وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخرج من ناحية داره مستخفياً وقت السحر ، ويقول : ( اللهم إنك دعوتني فأجبتك ، وأمرتني فأطعتك ، وهذا السحر فاغفر لي).
عدد الصفحات ١٤٧148 فقيل له في ذلك. فقال : ( إن يعقوب عليه السلام حين سأ و ف بنيه – أي : وعدهم بأن يستغفر لهم وقال : {سوف أستغفر لكم ربي}– أخرهم إلى السحر) أي : لأن وقت السحر لا يخيب فيه المستغفرون كما قال سبحانه : { والمستغفرين بالأسحار}. فوقت السحر له فضل كبير ، وأثر عظيم في إجابة دعاء الداعين ، وفي عطاء السانلين ، وفي مغفرة ذنوب المستغفرين . وكيف لا يكون ذلك والله تعالى ذو الفضل والإكرام ، والط و ل والإنعام ، هو سبحانه جل وعلا ينادي فيه عباده يقول لهم[ :مأن يدعوني فأستجيب له ، مأ ن يسألني فأعطيه ، مأ ن يستغفرني فأغفر له ]أتظن أنه بعد ذلك إذا دعوه وسألوه واستغفروه ، أتظن أنه يأ ردهم خانبين كلا ، ثم كلا ، فإنه أجل من ذلك وأكرم وأعظم ، وأمن وأنعم ، وأرأف وأرحم ، جل وعلا سبحانه وتعالى ، فلولا أنه ي حب أن يجيبهم ويعطيهم ويغفر لهم إذا استغفروه ؛ لولا أنه ي حب لهم ذلك ما فتح باب الدعاء والعطاء والغفران لهم . فيا أيها المؤمنون والمؤمنات ، ألا ت حبون أن يغفر الله تعالى لكم ، وأن يستجيب لكم دعاءكم ، وأن ي عطيكم سؤالكم ، وأن يتفضل عليكم . فاحرصوا كل الحرص على وقت السحر ، تصل ون ، وتدعون ، وتستغفرون ، كلٌّ على حسب استطاعته ، ولو قبل طلوع الفجر بقليل . فقد قال حبيبنا ورسولنا ، إمام الأنبياء والمرسلين ، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين في الحديث المتقدم ، عن عأ م رو بن عبسة [ :أقرب ما يكون الرب مِ نأ العبد في جوف الليل الآخِ ر ، فإن استطعت أن تكون مم ن يذكر الله تعالى في تلك الساعة فكن ] أي: فابذل جهدك المستطاع في ذلك ، ولا تحرم نفسك الفضل العظيم مما هنالك . قال أبو الدرداء رضي الله عنه : ( صل وا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبر ) اهـ أي لتضيء لكم ظلمات القبر .
عدد الصفحات ١٤٨149 ويرحم الله القانل: صلاتك نور والعباد رقود ونومك ضدٌّ للصلاة عنيد روى الإمام البزار في ( مسنده ) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً [ :مأه لاً عن الله مهلاً ، فأ لو لا عباد ر ك ع ، وأطفال ر ض ع ، وبهانم ر ت ع : لص ب عليكم العذاب صباً ] ورواه الطبراني والبيهقي بلفظ[ :لولا عباد لله ر ك ع ، وصبيةٌ رض ع ، وبهانم ر ت ع : لص ب عليكم العذاب صباً ، ثم ر ص رأ ص اً ] . ويرحم الله تعالى القانل: لولا عباد للإله ركع وصبية مِ نأ اليتامى ر ض ع وأ م هملات في الفلاة ر ت ع ص ب عليكم العذاب الم وجع والقانل : لولا الذين لهم وِ ر د يصلونا وآخرون لهم سأ ر د يصومونا لد كدكت أرضكم من تحتكم سحراً لأنكم قوم سوء ما تطيعونا رأى بعض الصالحين في منامه كأن الملانكة نزلت إلى بلادٍ شتى ، فقال بعضهم لبعض : اخسفوا بهذه القرية . فقال بعضهم : كيف نخسف بها وفيها فلان قانم يصلي . وروى الطبراني ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [:إن الله تعالى ليدفع بالمسلم الصالح عن مانة أهل بيتٍ مِ ن جيرانه البلاء] وروى البيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إن الله تعالى يقول : إني لأهم بأهل الأرض عذابا ، فإذا انظر ( الفتح الكبير ).
عدد الصفحات ١٤٩151 نظرت إلى عمار بيوتي ، والمتحابين في ، والمستغفرين بالأسحار ؛ صرفت عذابي عنهم ] روى مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء ] وفي رواية الترمذي وغيره، قيل : يا رسول الله ومأ نِ الغرباء ؟ قال : الذين ي صلحون ما أفسد الناس بعدي مِ ن سنتي ] أي شريعته، وما جاءهم به صلى الله عليه وآله وسلم . وروى مسلم في ( صحيحه ) عن معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [:العبادة في الهرج كالهجرة إلي ] ورواه الإمام أحمد بلفظ[:العبادة في الفتنة كالهجرة إلي ] فالعبادة في زمن الفتن والفساد ثوابها عظيم، فعلى المؤمن أن يتمسك بدينه ، ويقيم على طاعته وعبادته لله تعالى ؛ مأ ه ما كثرت الفتن وانتشرت المفاسد ، والضلالات ، وأنواع الفسق والفساد ، وقد حذ ر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته مِ ن كثرة الفتن التي تقع في آخر الزمان : روى الإمام مسلم ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول [:تعرض الفتن على القلوب كالحصير ، عأ وداً عأ وداً ، فأي قلب أشربها – أي : قبلها – ن كتت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها – أي : ورد ها بقوة إيمانه- نكتت فيه – أي : قلبه – نكتة أي: الذين يعمرونها بالصلاة فيها . انظر شرح المناوي على ( الجامع الصغير) وقال المناوي : في معنى [ :بدأ غريباً ]قال: أي: ظهر غريباً في قلة من الناس ، ثم انتشر اهـ أي: ثم انتشر الدين وظهر في مشارق الأرض ومغاربها . قال في ( تيسير الوصول ): معناه : أن القلوب تحيط بها الفتن ، حتى تكون فيها كالمحصور والمحبوس ، يقال : حصره القوم إن أحاطوا به ، وضيقوا عليه ، ومعنى [:عأو داً عأوداً ]أي: مرة بعد مرة اهـ ويروى بضم العين . أي: قأبِلها وسكن إليها .
عدد الصفحات ١٥٠151 بيضاء، حتى تصير – أي : القلوب – على قلبين : قلب أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ، ما دامت السماوات والأرض – أي : وهو قلب المؤمن الصادق - . والآخر أسود م رباد ، كالكوز م جأ خ يأ اً ، لا يعرف معروفاً ، ولا ي نكر منكراً ، إلا ما أ شرب مِ ن هواه ]كذا في( التيسير ) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، ي صبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ؛ يبيع – أي : يبيع أحدهم – دينه بعأ رضٍ مِ نأ الدنيا ]رواه مسلم، والترمذي . وفي رواية أحمد [ :يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا] ويشمل ذلك من يستحل ما حرم الله تعالى ، أو يدخل عليه الشك في بعض العقاند الإيمانية القطعية ، أو يهزأ ببعض آيات الله تعالى القرآنية ، أو ببعض الأحاديث النبوية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو يستهين بذلك ، أو يسخر من ذلك . قال الله تعالى : {ولا تتخذوا آيات الله هزواً } وقال الله تعالى: {والسماء ذات الرجع* والأرض ذات الصدع * إنه لقول فصل * وما هو بالهزل }. النكتة هي: الأثر هو : الأسود المغب ر . المجخي : هو المانل عن الاستقامة والاعتدال ، فشبه : القلب الذي لا يعي خيراً بالكوز المانل ، أي: الكأس المانل الذي لا يثبت فيه شيء مِن مأاء ولا غيره . اهـ. ( النهاية ). جمع قطعة .
عدد الصفحات ١٥١152 وقال الله تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً }أي: دون شك ولا انتقاد ، ولا اعتراض ، هذا هو الإيمان الصادق . قال الإمام السيد جعفر الصادق رضي الله عنه : لو أن قوماً عبدوا الله تعالى ، وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصاموا رمضان ، وحجوا البيت ، ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا صنع خلاف ما صنع ، أو وجدوا في أنفسهم حرجاً – أي: لما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو قضى به ، أو حكم به – لكانوا كافرين ، ثم تلا قول الله تعالى :{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً }. أي: بلا توقف ولا ترد د ، ولا اعتراض ولا انتقاد ، بل استسلم لذلك عن إيمان واعتقاد . وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز موقف المؤمنين الصادقين ، عند التحاكم إلى الله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما بأي ن موقف المنافقين الكاذبين ، عند التحاكم إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم . قال الله تعالى في المنافقين :{وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين }أي: منقادين لذلك حيث وافق هواهم ، وطمعهم ، ورغبتهم ، ولولا ذلك لما أتوا لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم . قال الله تعالى : {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف عليهم ورسوله }بأن يظلمهم، أو يهضم حقهم ،بل أولنك هم الظالمون }. أي: يجعلوك حاكماً ، ويترافعوا إليك لتحكم بينهم فيما اختلفوا فيه من الأمور ، ثم بعد التحاكم إليك لا يأجدون في أنفسهم وقلوبهم ضيقاً أو شك اً مما قضيت ، وي سلموا تسليماً لحكمك دون توقف ولا تردد ، فهذا موقف المؤمن مأعأ مأا جاء عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً .
عدد الصفحات ١٥٢153 ثم بين الله تعالى موقف المؤمنين عند التحاكم إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولنك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولنك هم الفانزون }اللهم اجعلنا منهم آمين . ومن هنا يتبين للمؤمن كيف يجب عليه أن يكون موقفه مع الشريعة المحمدية الغراء ، التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إمام الأنبياء والمرسلين ، وخاتمهم أجمعين ، فإنها الشريعة الكافية والكافلة لسعادة الدنيا والآخرة ، والضامنة لصلاح الدنيا والآخرة ، والشاملة لمصالح الدنيا والآخرة ، مهما امتد ت العصور ، واختلفت الأشكال ، وتعاقبت الأجيال ، لا تحتاج إلى تعديل ولا تبديل ، فإنها المحكمة الباقية ، ذات المبادئ السامية الراقية ، التي بلغت منتهى الكمال وغاية الجمال ، في جميع مبادنها وأحكامها ، وأوامرها ومناهيها ، وآدابها التي جاءت بها وأخلاقها ، وإلى ذلك كله يشير قول الله تعالى :{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }الآية الكريمة. وقد أنزلها الله تعالى على أكرم الأولين والآخرين ، حبيب رب العالمين ، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في حجة الوداع ، إعلاناً بأكملي ة هذا الدين القويم ، وإعلاماً بأفضلية هذا الشرع الحكيم . وقد جاء عن عمر رضي الله عنه كما في ( الصحيحين ) ، وغيرهما أن هذه الآية الكريمة أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم عرفة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعرفة في يوم الجمعة . اهـ وذلك في حجة الوداع ، وقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بعرفة ، وأسمعها جميع مأ ن كان معه على كثرتهم ، وتجمعهم ، وتوافدهم من شت ى البقاع ، للحج مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وليشهدوا وي شاهدوا تلك الأنوار المحمدية ، وطلعته الساطعة البهي ة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلينا معهم ، وسلم تسليماً في كل لمحة ونفس ، وغدوة وعشية .
عدد الصفحات ١٥٣154 سأل بعض التابعين الربأ ي ع بنت معو ذ الصحابية رضي الله عنها فقال لها : صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقالت : يا بني ماذا أقول ؟ إذ رأيته قلتأ : الشمس طالعة . اهـ . صلى الله عليه وآله وسلم . ويرحم الله تعالى القانل : فيا أيها الحيران في ظ لمة الد جى ومأ ن خاف أن يلقاه ضيم من العِ دا تعالأ إليه تلق من نور وجهه دليلاً ومِ ن كأ ف يه بحراً مِ نأ الن دى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلينا معهم أبد الآبدين آمين . ويرحم الله تعالى القانل : إليكأ – يا سيدنا يا رسول الله - وإلا لا تشد الركانب وعنك وإلا فالمحد ث كاذب وحب ك يا خير النبيين مذهبي وللناس فيما يعشقون مذاهب وحب حبيب الله روحي ومطلبي وعن مذهبي في الحب مالي مذهب ويرحم الله تعالى القانل : وإذا كنت في باب النبي فلا تخف وإن عارضتك الجن يا خل والإنس تعر ف لأقوام يدينون حب ه وباعِ د أناساً قد تخب طهم مس
عدد الصفحات ١٥٤155 فإن محب الحق يأوي لأهله بلا ريبة والجنس يألفه الجنس فائدة : أكثر مِ نأ الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما استطعتأ ، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [: إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ]أي: أحق هم بشفاعتي ، وقربي يوم القيامة . صلوات الله وسلامه عليه ، وآله وأصحابه ، وعلينا معهم أجمعين ، في كل لمحة ونفسٍ عدد ما وسعه علم الله العظيم – آمين . إذا أنت أكثرتأ الصلاة على الذي صل ى عليه الله في الآيات وجعلتها ور داً عليك م حت ماً لاحت عليك دلانل الخيرات صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وعلينا معهم ، عدد خلقه ، ورضاء نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته ، سبحانه تعالى . لا تؤخِّ ر عمل اليوم إلى الغد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:بادروا بالأعمال سبعاً: ما تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنى عزاه في ( الجامع الصغير ) للبيهقي ، والحاكم وغيرهما ورمز إلى حسنه قال في شرح المناوي : وقد أخرجه النساني في ( المواعظ ).
عدد الصفحات ١٥٥156 مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً م ف نِ داً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فإنه شرٌّ منتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ] . وروى الترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( مأن كان له مال يبل غه بيت ربه – أي : حج البيت المعظم – أو تجب فيه زكاة فلم يفعل ذلك : سأل الرجعة عند الموت ) – أي : إذا نزل به الموت يسأل الله تعالى أن يرجعه إلى دنياه ليزكي وليحج - . فقال له رجل : اتق الله يا ابن عباس ، فإنما يسأل الرجعة الكفار – أي : كما قال تعالى فيهم : {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون* لعلي أعمل صالحاً فما تركت }الآية. فقال له ابن عباس رضي الله عنهما : سأتلوا عليكم بذلك قرآناً – أي : فيه الدليل القاطع على أن تارك الزكاة والحج وقد وجبا عليه ، فإنه يتمنى ويسأل الرجعة عند الموت – ثم قرأ ابن عباس قول الله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولنك هم الخاسرون * وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون } . أكثر من تلاوة كتاب الله تعالى ما استطعت وكل ما ختمت ختمة فابدأ بغيرها روى الإمام الترمذي وغيره ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رجل يا رسول الله : أي الأعمال أحب إلى الله تعالى ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:الحال المرتحل ] فقال الرجل: وما الحال المرتحل ؟ - أي : ما المراد هنا بالحال المرتحل - . أي: قد لا يحسن في كلامه . عزاه في ( الجامع الصغير) إلى الترمذي والحاكم رامزاً لصحته . انظر ( تيسير الوصول).
عدد الصفحات ١٥٦157 فقال صلى الله عليه وآله وسلم[:الذي يأضرب – أي : يبدأ – مِ ن أو ل القرآن إلى آخره ، كل ما حأ ل ارتحل ]أي: كلما ختم ختمة أتبعها غيرها . وروى الترمذي أيضاً ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:يقول الله تبارك وتعالى: مأ ن شغله القرآن – أي : قراءة القرآن – عن مسألتي – أي : عن دعاني – أعطيته أفضل ما أعطي السانلين ] وعن السيدة عانشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران ] . أي: أجر القراءة ، وأجر المشقة . والماهر هو الحاذق الكامل المتقن ، الذي لا يتوقف فهو مع السفرة الكرام البررة – أي : الملانكة عليهم السلام – له أجره العظيم ، ومقامه الرفيع . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:مأن قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول آلم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف ] . أي: فمن قرأ {آلم }فقد قرأ ثلاثة حروف، وله ثلاثون حسنة ، وفي هذا دليل على أن قراءة القرآن الكريم أجرها مضاعف ، ولو عأ ن غير فهم ، لأن أكثر الناس لا يعلمون معنى آلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن: يا رب حأ ل ه ، في لبأ س تاج الكرامة ، ثم يقول : يا رب زِ ده ، في لبأ س ح ل ة الكرامة ، ثم يقول : يا رب ارض عنه ، فيرضى عنه ، فيقال له – أي : في الجنة - : اقرأ رواه الشيخان ، والترمذي وأبو داود والنساني وابن ماجه كما في ( الترغيب). رواه الترمذي وصححه .
عدد الصفحات ١٥٧158 وارق، ويزداد بكل آية حسنة ]رواه الترمذي ، وابن خزيمة ، والحاكم وقال : صحيح الإسناد اهـ كما في ( ترغيب ) الحافظ المنذري . م ن أراد أن يكون من أهل الله تعالى وخاص ته فليكثر من تلاوة القرآن الكريم مع العمل به ولا يتحقق العمل بالقرآن إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إن لله تعالى أهلين من الناس ] قالوا: مأ ن هم يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم [:أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ] قال الحافظ المنذري: رواه النساني وابن ماجه ، والحاكم بإسناد صحيح . اهـ قلت : ورواه الإمام أحمد في ( مسنده ) . قال عبد الله : ولا يتحقق العمل بما جاء به القرآن الكريم إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق اً ، فإن الله تعالى قال في كتابه العزيز :{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب }. وقال:{واتبعوه لعلكم تهتدون }فالعمل بالقرآن لا يتحقق إلا بمتابعته صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن الله تعالى قد بي ن لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن ، كما قال سبحانه {إن علينا جمعه}أي: في صدرك { وقرآنه }أي: أن تقرأه مرتلاً {ثم إن علينا بيانه }أي: نبينه لك ، ثم هو صلى الله عليه وآله وسلم يبينه للناس ، كما قال تعالى :{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }الآية. ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم [:تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله تعالى وسنة نبيكم }أي: فهما متلازمان أبداً .
عدد الصفحات ١٥٨159 إذا ختمتالختمة مِ ن القرآن الكريم فادع الله تعالى فإن الدعاء مجاب عند الختم للقارئ الذي ختم وللذي حضر الختم روى الطبراني ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال [:مأن صلى صلاة فريضة فله دعوة مستجابة ، ومن ختم القرآن فله دعوة مستجابة ] وروى الخطيب، عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً [إن لصاحب القرآن عند ختمه دأ ع وة مستجابة ، وشجرة في الجنة ، لو أن غراباً طار من أصلها لم ينته إلى فرعها حتى يدركه الهرم ] وروى ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً [:إن لقارئ القرآن دعوة مستجابة ، فإن شاء صاحبها تعجلها في الدنيا ، وإن شاء اد خرها إلى الآخرة ] ولذلك قال الإمام النووي رضي الله عنه: ويستحب الدعاء عند الختم استحباباً مؤكداً ، قال : وينبغي أن يلح في الدعاء ، وأن يد عو بالأمور المهمة ، وأن ي كثر مِ ن ذلك في صلاح المسلمين اهـ . هذا وقد ذكرت في كتاب ( تلاوة القرآن المجيد ) جملة واسعة من آداب الختم ، وبعض الأحاديث في الدعاء ، فارجع إلى ذلك ينفعك الله تعالى به في الدنيا والآخرة. قال الحافظ السيوطي رضي الله عنه في ( الإتقان ) : روى الدارمي بسند حسن ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن أ بي بن كعب رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قرأ : {قل أعوذ برب الناس} أي: عند ختم القرآن افتتح مِ نأ الحمد ، ثم قرأ من سورة البقرة إلى قوله تعالى : {وأولنك هم المفلحون}ثم دعا بدعاء الختم، ثم قام . اهـ .
عدد الصفحات ١٥٩161 وروى الديلمي والحاكم عن أبي أمامة مرفوعاً[ :إذا ختم أحدكم– أي : ختم القرآن – فليقل : اللهم آنِ س وحشتي في قبري ]أي: فإن القرآن يكون مؤنساً له فيه ، ومنو راً له ظلمة القبر ، وما وراء ذلك . تحذير المسلم والمسلمة مِ ن ترك العمل بالقرآن الكريم قال الله تعالى : {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} أي: فاتبعوا أوامره ، واتقوا ، واجتنبوا ما نهى عنه . روى الإمام أحمد في ( المسند ) ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ : يا حذيفة تعلم كتاب الله تعالى ، واتبع ما فيه ]قال ذلك ثلاث مرات. فالله تعالى أنزل كتابه الكريم للاتباع ، والعمل ، لا للهجر والكسل ، فحقٌّ على كل م كل ف الاعتقاد بعقانده ، والانتمار والعمل بأوامره ، والانتهاء عن مناهيه . روى النساني عن أبي سعيد رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس عام تبوك ، وهو مسند ظهره إلى نخلة . فقال صلى الله عليه وآله وسلم [ :ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؟ إن مِ ن خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه ، أو على ظهر بعيره ، أو على قدميه ؛ حتى يأتيه الموت . وإن مِ ن شأ ر الناس رجلاً فاجراً ، جريناً ، يقرأ كتاب الله تعالى ولا يرعوي] أي: لا يكف ولا ينزجر عن القبيح الذي نهى عنه القرآن الكريم ، ولا يتعظ بمواعظه . وعن جابر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال [ : القرآن شافع مشفع ، وماحل م صد ق ، مأ ن جعله أمامه : قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلف ظهره : ساقه إلى النار ] . ورواه الإمام أحمد، والحاكم وصححه . رواه ابن حبان في ( صحيحه) كما في ( الترغيب) للمنذري .
عدد الصفحات ١٦٠