19 JJJ فحتى تناطُ الذراتِ هو تصرفٌ لا خطأ فيه ما دام موافقًا للقوانين الفيزيائيةِ الصحيحة. وطبق ا لهذه الرؤية الإلحادية المادية الحتمية فإنه في المرحلة التالية سيتنازل الإنسان عن مركزيته، فالإنسان من منظور مادي إلحادي ليس هو المركز بل المركز هو الطبيعة المادية وقوانينها وحتمياتها ، وبالتالي سيحل محل مركزية الإنسان مركزية الطبيعة باعتبارها المُطلق الأول، وهذا يعني انهيار المشروع الهيوماني ( مشروع الإيمان بالإنسان ) وبذا يُصفَّى الإنسان على حد تعبير الدكتور عبد الوهاب المسيري لحساب الطبيعة، وسيتم استيعابه تمامً ا ويسقط في هيمنة المادية الحتمية، ويصبح أي حديث عن الإنسان أو قيمه أو مركزيته هو حديث ملوث ميتافيزيقي ا، ويتحول الإنسان إلى حيوان مادي مجرد ويعود للصراع الدارويني الذي دخل به التاريخ وفي هذا الإطار المادي التجريدي يصب الحديث عن الهيومانية لغو فارغ، وتتحول الشعارات إلى سخافة لا معنى لها، فما معنى حماية المعاقين أو المرضى الوراثيين أو تقديم يد العون لهم؟ إن محاولة من هذا القبيل تأتي ضد الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصل ، وإذا كانت الرؤية الداروينية هي الرؤية الصحيحة وكانت حتمياتها هي الأصل الثابت فلن يستوعب الإنسان أصلا فكرة حماية المعاق أو تقديم يد العون للضعفاء، بل إن تعقيم المعاقين – منعهم من الإنجاب- هو الحل الدارويني الأمثل والأوحد. أيضًا في الإطار المادي الحتمي الإلحادي كيف تتم المناداة بمفهوم الإنسانية الهيومانية، في عالم يحكمه البقاء للأصل ؟ بل إن أيَّ ة محاولة لمعاندة هذا الإطار المادي هي محاولة فاشلة؛ لأنها تأتي ضد التطور وضد قوانين الحتمية المادية التي تسري على الوجود. يقول الدارويني جيمس هِ لْ James J. Hill: " إن الثروات تُحد د تبعً ا لقانون البقاء للأقوى"(1). ويقول تايل Tille: " من الخطأ الشديد مجرد محاولة منع الفقر أو الإفلاس أو مساعدة )1( Martin, James J. Hill pp 414-15.
عدد الصفحات ٤٩ 01 JJJ الضعفاء أو محدودي الإنتاج.. مجرد مساعدة هؤلاء خطأ جوهري في النظرية الدروينية؛ لأنه يتعارض أساسً ا مع الانتخاب الطبيعي natural selection وهو جوهر الداروينية"(1). وطبقا لهربرت سبنسر Herbert Spencer فإن " فكرة وسائل الوقاية الصحية وتدخل الدولة في الحماية الصحية لمواطنيها وتلقيحهم تعارض أبسط بديهيات الانتخاب الطبيعي، وكذلك مساندة الضعفاء أو محاولة حماية المرضى والحرص على بقائهم".!!(2). هذه هي الصورة التي يتيحها الإلحاد المادي،إنها المعادلة المستحيلة.. يستحيل أن يتم التأسيس للأخلاق داخل المنظومة المادية، لا يوجد داخل العالم المادي الهيوماني ما يُفرح الإنسان أو يسليه، أو يؤسس لقيمه أو يؤسس لمبادئه أو يؤسس لأخلاقياته، يستحيل أن يوجد داخل المنظومة المادية ما يجعل الإنسان إنسان ا. فالأخلاق والقيمة تمثلان ثغرة في النظام الطبيعي، فالأخلاق ثغرة معرفية كبرى في النسق الكوني، ولذا لا يمكن إخضاعها لقوانين الطبيعة وحتميات ماركس التاريخية ، أو حتميات داروين العضوية أو حتميات دوركايم الاجتماعية، هذا الاختلاف بين الأخلاق والطبيعة يُعبِّر عن نفسه في الاختلاف بين المؤشِّر في العلوم الطبيعية والمؤشِّر في العلوم الإنسانية. فالأخلاق تسير عكس الطبيعة أو بمعنى أدق لا علاقة لها بالطبيعة، فالأخلاق ثغرة في الزمان فهي نتاج خلق والله خلقها كاملة؛ لأن الله لا ينتج ولا يشيد وإنما يخلق، وهذا يؤكد أصالة ظهور الإنسان. فالأخلاق عقلي ا غير مربحة بل ضارة بل هي أكبر عبء على صاحبها وقد تساءل ماندفيل Bernard mandeville أستاذ علم الأخلاق الإنجليزي ما أهمية الأخلاق لتقدم المجتمع والتطور الحضاري؟ وأجاب ببساطة : لا شيء بل لعلها تكون ضارة. ولذا فالأخلاق لم تتم البرهنة عليها عقلي ا إلى الآن، والأخلاق والدين هما أقدم الأفكار الإنسانية تُ رً ا وقد ظهرا سوي ا مع الإنسان كل هذا يؤكد أصالة الظهور الإنساني وغائية الأخلاق )1( Williams, Raymond. 2000. Social Darwinism. In Herbert Spencer's Critical Assessment. John Offer. )2( Social Status, p.414-415.
عدد الصفحات ٥٠ 51 JJJ التي يحملها، إنها اللحظة التي صنعت عصر ا جديد ا. إن الإنسان يتحرك في الحياة وهو يعلم يقينًا أنه ليس مُفصل على طراز داروين، ولذا يرفض باستمرار إلحاح العلم المتزايد على أن الجنس الأبيض أفضل من الأسود، أو أن إبادة المعاقين والضعفاء خيرٌ للجنس البشري، أو أن الإنسان حيوان مادي، وهذا يؤكد أن الإنسان لا يستطيع أن يرفض التكليف الإلهي بداخله، وأن الإلحاد لا يصل لتحليل ظاهرة الوجود الإنساني! وتأتي النزعة الهيومانية الإنسانية الجديدة كتوكيد عجيب على هذا الأمر، فهي تستقي مباديء غير مادية وغير علمية، تؤسس بها لمفاهيم مستقلة عن الوجود المادي، وتؤكد بها أن الإلحاد يرفض أن يكون إلحادًا، وأن الملحد في قمة إلحاده يترفع عن المادية الحتمية، ولذا لنا أن نتساءل: إذا كان الله غير موجود كما تزعمون، فلماذا التمحك في ظلاله؟ لماذا محاولة التأسيس لفلسفة هيومانية ملوثة ميتافيزيقي ا؟ إذا كان الإنسان ابن المادة ومن المادة وإلى المادة، فلماذا الحديث عن سموه أو قيمته أو مركزيته؟ إن الهيومانية هي توكيد متزايد على أن الإلحاد لا يصلح لتحليل ظاهرة الوجود الإنساني، وأن الإلحاد شيء والإنسان الروح والجسد شيء آخر تمام ا. لقد حاول كهنة المادية الإلحادية الغربية بعيدًا عن هذه الرؤى الميتافيزيقية، تحليل ظاهرة الوجود الإنساني، فوجدوا أن الإنسان لا يعدوا كائن طفيلي لا يوجد ما يُميزه، ولذا فقد ظهرت دعوات تعميمية تُ نادي بإلغاء التفرقة بين البشر والحيوانات والحشرات، بل والنبات، ومحاكمة كل من يتعرض للفيروسات أو دودة الأرض؛ لأنه بيولوجي ا لا فرق بين الإنسان ودودة الأرض فكلاهما على نفس الدرجة من التطور النوعي. يقول كريستوفر مانيز christopher manes: " لا يوجد مستند لرؤية البشر ككائن أرقي من غيره"(1). )1( christopher manes , the green rage.
عدد الصفحات ٥١ 02 JJJ وفي سويسرا ظهرت قوانين عدم إذلال النباتات(1). ويقول بيتر سنجر الأُستاذ بجامعة برينستون princeton university :" حياة رضيع ليست أغلى دارويني ا من حياة شبمانزي أو خنزير"(2). و يقول الدارويني الأمريكي james lee : " يجب تقليل عدد البشر قدر امكان، يجب إيقاف الزواج وقتل الر ضع". وقد اتخذ هذا الدارويني وسائل حقيقية لقتل البشر باعتبارهم طاعون، وحيوان طفيلي فاسد، وفي سبتمبر 2131 قُتل جيمس لي حين اتجه إلى موقع قناة ديسكفوري وأخذ ثلاث رهائن وكان معه بعض القنابل، إلا أن الشرطة لم تمهله وأردته قتيلاً ، قبل أن يُنفذ مخططه الدارويني(3). يقول فرانسيس فوكوياما في كتابه الأشهر"نهـاية التاريخ": "حقوق الانسان لها مشكلة فلسفية عميقة إذ لابد أولاً أن نفهم الإنسان قبل أن نبحث في حقوقه ، نفهم طبيعة الإ نسان، فالعلوم الطبيعية الحديثة تشير إلى أنه ليس ثمة فارق بين الانسان والطبيعة، وعندما نوسع في المساواة التي تنكر وجود أي اختلافات بين البشر فيمكن أن يشمل ذلك إنكار وجود اختلافات هامة بين الانسان والقردة العليا، وتنشأ عن ذلك أسئلة لا حصر لها، إذ كيف يكون قتل البشر غير مشروع، في حين قتل هذه الحيوانات ليس كذلك، وسنصل حتمً ا في مرحلة ما إلى السؤال التالي: ولماذا لا تتمتع الطفيليات المعوية والفيروسات بحقوق مساوية لحقوق الإنسان؟ إن عدم اهتمام الناس بهذه المساواة يوض أنهم لا يزالون يؤمنون بمفهوم ما عن تفوق قدر There is no basis for seeing humans as more advanced or developed than any other species. )1(http://planetsave.com/2008/10/18/switzerland-places-ban-on-the-humiliation-of- plants/. )2(http://www.lifesitenews.com/news/princeton-professor-singer-and-i-repeat-i- would-kill-disabled-infants. )3(http://abcnews.go.com/US/gunman-enters-discovery-channel-headquarters- employees -evacuated/story?id=11535128.
عدد الصفحات ٥٢ 53 JJJ انسان، وحتى حماة الطبيعة وحماة الحيوانات، هم فقط يدافعون عن الحيوانات لأنهم يحبون بقائها معنا، ومجرد إفنائها لا سبيل لتعويضه مع ضياع فوائد ربما تُكتشف منها مستقبلاً ، فحتى حماة الحيوانات هم للإفادة منها وليس من أجلها وهذا عكس حقوق الحيوان، إن مفهوم التوسع في المساواة أدى إلى حيرتنا الراهنة، إننا لو كنا نؤمن حق ا أن الانسان مجرد كائن في سلسلة حيوانية يخضع لقوانين الطبيعة ليست له قيم متجاوزة، هنا كان لابد أن تتساوى الكائنات جميع ا في الحقوق، وسيتعرض ساعتها المفهوم المساواتي للبشر للهجوم من أعلى ومن أسفل، ولا يسمح لنا هذا المأزق الفكري الذي أوقعتنا فيه النسبية الحديثة بأن نرد على هذا الهجوم أو ذاك، وبالتالي لا يسمح لنا بالدفاع عن الحقوق المساواتية – فإما طبقية متفحشة أو مساواتية مستحيلة -"(1). إنه تحليل مدهش وحقيقي للمأزق الهيوماني، فإن فرانسيس فوكوياما يرى أن المساواة مستحيلة داخل المجتمع المادي ، حيث يتحول الإنسان داخل هذا النموذج إلى كائن قانع بسعادته غير قادر على الإحساس بالخجل عاجز عن الارتقاء فوق مستوى احتياجاته وبالتالي فإن الإنسان لم يعد إنسانًا(2). أليس الإنسان الكامل في هذه الصيغة هو كائن فج جدير باحتقار- والكلام لفرانسيس فوكوياما-، كائن عاطل عن الاجتهاد والطموح - وهنا تضيع ملحمة الوجود الإنساني و دراما الحياة الانسانية.. لقد مات الانسان في النموذج المادي(3). بل إن فرانسيس فوكوياما يصف الملحد في هذه المرحلة بالكلب،يقول فوكوياما: إنه داخل ذلك العالم سيصب الناس حيوانات من جديد كما كانوا قبل المعركة الدامية التي بدأ بها التاريخ، إن الكلب يقنع بالنوم في ضوء الشمس طوال اليوم شرط أن يُ طعموه وذلك لأنه راضٍ بما هو عليه ولن يقلقه أن غيره من الكلاب حالها أفضل من حاله، أو أن مستقبله ككلب قد جُمد (3) المصدر : فرانسيس فوكوياما. نهـاية التاريخ وخاتم البشر.ترجمة : حسين أحمد أمين. الطبعة الأولى3111 مركز الأهرام للترجمة والنشرص 211 والكلام له بالحرف إلا مابين - -. (2) المصدر السابق ص35. (1) المصدر السابق ص31 إلا ما بين- -.
عدد الصفحات ٥٣ 04 JJJ أو أن كلابًا في بقعة نائية من العالم تصادف المذلة والهوان(1). ويتنبأ فوكوياما في صفحة 251 من كتابه أن حياة مجتمع ماديإلحادي هيوماني كامل هي حياة بلا فنون ولا أدب ولا دراما ولا كفاءة ، وقليلون سيتصدرون للخدمة العامة وستكون الحِ رف مبتذلة وغير متطورة، وفي مرحلة ما سيكون هذا المجتمع عاجزً ا عن الدفاع عن نفسه في وجه الحضارات الأُ خرى حيث الحضارات الأخرى أصحابها على استعداد لهجر الراحة والأمن ويخاطرون بحياتهم من أجل القيمة. وإذا كانت الهيومانية تسعى للتأسيس لفلسفتها في إطار العلم بعيدًا عن الدين، فماذا لو أثبت العلم أن العِرق الأبيض أفضل بيولوجي ا من الأسود؟ وأنهم في مرتبة أعلى في سلم التطور، هل سيتم الفصل العنصري بين البيض والسود داخل المجتمع الإلحادي الهيوماني؟ أم ستتم معاندة العلم والبيولوجيا ومعاندة الانتخاب الطبيعي وإقرار المساواة بين البيض والسود ، وساعتها ستكون أكبر خيانة للتطور وأكبر ضربة للماديين؟ بالمناسبة: هناك آلاف الأبحاث التي أثبتت تفوق الجنس الأبيض على الجنس الأسود مادي ا وبيولوجي ا، منها قديمً ا أبحاث عالِم الإنسـانيـات الشهير صموئيل مورتن Samuel Morton وأبحاث لويس أجاسيlouis agassiz الذي كان يقول بأن البيض ليسوا سفاحين حين أبادوا الهنود الحمر، ولكنهم يتبعون قضية حتمية في تشكل الأعراق، فهذه هي حتمية العلم، وحديثً ا ظهر كتاب قوس الجرس bell curve أكثر الكتب مبيعًا في السبعينـات، وهو الكتاب الذي يتحدث عن أنه لا فائدة من تعليم السود أو تحصينهم من الأمراض، لأنهم أضعف عقلاً وأفقر ذهنـً ا من البيض ولابد من إنفاق المـال في أُمـور أكثر فائدة. ماذا لو أثبت العلم تفوق الرجل على المرأة مادي ا؟ وأن الرجل في مرتبة أعلى بيولوجي ا من المرأة، هل ستتم المساواة بين الجنسين داخل المجتمع الإلحادي، أم سيكون هذا مطلب غير علمي غير عقلاني عبثي ميتافيزيقي يقف في وجه التطور وحتميات الطبيعة؟ بالمناسبة: المرأة طبقً ا لأدبيات التطور لها تصنيف في السلسلة الحيوانية مستقل تمامً ا عن تصنيف الرجل، فالمرأة تندرج تحت تصنيف Homo parietalis بينما الرجل تحت تصنيف (3) المصدر السابق ص253.
عدد الصفحات ٥٤ 55 JJJ Homo frontalis فدراسة حجم الجمجمة في القرنالتاسع عشر أثبتت وجود فرق جوهري في حجم المخ لصال الرجل بمقدار 32- 31 % وكتب كارل بروكاbrucca يقول أن مخ المرأة أضعف بكثير من مخ الرجل. فحجم المخ الخاص بالمرأة يكاد يطابق ذلك الخاص بالغوريلا، والمرأة تأتي في المرحلة السفلى من مراحل تطور الإنسان(1). ويرىداروين أن المرأة لا تصل إلا لمهام المنزل، وإضفاء البهجة على البيت،- فالمرأة في البيت أفضل من الكلب-(2). هذه هي الرؤية الإلحادية الهيومانية للإنسان بصورتها الحقيقية،فالإلحاد حرَّر أتب اعه من أية أعباء أخلاقية، وإذا لم يتم تبني هذه الرؤية في المنظومة الهيومانية، فهذا يعني انهيار الأساس الذي بُنيت عليه الهيومانية، وبالتالي استقاء عناصر غير مادية من خارج المنظومة الهيومانية، سيكون اعترافًا بعدم صلاحيتها كمنظومة فكرية مستقلة لتفسير المغزى الوجودي! إن الأمر الذي لا يجب أن نغفله هنا؛ هو أن الحروب العالمية كانت دائماً نتاج المجتمعات الأرستوقراطية الملحدة، والإلحاد هو الذي زوّ د الإمبريالية الغربية بإطار نظري لإبادة الملايين باسم العرقية المادية، والبيولوجية الداروينية، ولن تتجاوز الهيومانية هذه الرؤية مهما تظاهرت بخلاف ذلك، وعلى الهيومانية أن تتبنى بمنتهى الهدوء اليد الخفية عن آدم سميث، والمنفعة عن بنتام، ووسائل الإنتاج عند ماركس، والجنس عند فرويد، وإرادة القوة عند نيتشه، وقانون البقاء عند داروين، والطفرة الحيوية عند برجسون، والروح المطلقة عند هيجل ، وإلا فالهيومانية ستُعتبر تمرد على المادية الحتمية(3). هذا هو الإلحاد الهيوماني عند التطبيق، وهذا هو أصل معركته وشعارها ودثارها، وفي هذا السبيل قامت حربان عالميتان أُبيد فيهما قرابة 321 مليون نسمة، وكانت حروب من الدموية )1( Gould, The Mismeasure of Man, p.105. )2( Charles Darwin, The Autobiography of Charles Darwin 1809-1882, New York pp. 232-233. (1) العلمانية الجزئية العلمانية الشاملة د. عبد الوهاب المسيري دار الشروق طبعة 2112 المجلد الأول ص211.
عدد الصفحات ٥٥ 06 JJJ بحيث أرجعت ك من المنتصر والمهزوم ثلث قرن إلى الوراء، فالحربان العالميتان اللتان أبادتا حوالي 1% من سكان العالم كانتا نزاع إلحادي- إلحادي، وقام الفلاسفة بوضع مبولة في وسط باريس بدلاً من تمثال الجندي المجهول كنايةً عن نهاية الحضارة. وقد اعتبر الليبرالي الشهير - رئيس الولايات المتحدة السابق - جون كوينسي آدمز John Quincy Adams أن حرب البيض ضد الهنود الحمرهو قانون الطبيعة، ولهذا القانون تطبيقاته الواسعة جد ا"(1). فاستئصال طبقة كاملة من الناس، وتفريغ قارتين كاملتين من البشر- تفريغ الأمركتين من الهنود الحمر - ما كان ليحدث لولا ال رؤية المادية للوجود الإنساني ، وقد اعتبر الليبراليون الأوائل أن إبادة الهنود الحمر نوع من الدفاع الشرعي، ونتيجةً لذلك: تقلّص عدد الهنود الحمر من 31 مليون الى 211 الف نسمة خلال سنوات قليلة ولذا يقول سيمون بوليفار Simón Bolívar محرر أمريكا اللاتينية"يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لتعذيب وتقييد القارة باسم الحرية"(2). وليست إبادة الملايين في أرخبيل الكولاج The Gulag Archipelago على يدالملحد لينين والملحد ستالين، إلا من خلال مبرّر إلحادي شيوعي، وليست إبادة 22% من سكان كمبوديا إلا بمبرر إلحادي على يد بول بوت pol pot، وليست إقامة الحرب العالمية الثانية كلها إلا بمبرر قومي مادي عِرقي ألماني على يد أدولف هتلر، وليست الثورة الثقافية في الصين التي راح ضحيتها 22 مليون نسمة إلا بمبرر إلحاد ماويMao zedong، فالحرب في الإلحاد غاية في ذاتها، والمكاسب المادية وتفريغ القارات من البشر، وتطهير الأعراق ليست كلها إلا إفرازات داروينية مادية، ورؤى عِرقية طبيعية، وهذه الرؤى هي التصور المستقبلي للهيومانية حال التطبيق! يقول ريتشارد فيكارت Richard Weikart: " لقد نجحت الداروينية أو تأويلاتها الطبيعية، في قلب ميزان الأخلاق رأسً ا على عقب، ووفرت الأساس العلمي لهتلر وأتباعه، لإقناع أنفسهم )1( Robert Remini, John Quincy Adams.)2112( (2) ناعوم تشومسكي الايديولوجية والاقتصاد ص1.
عدد الصفحات ٥٦ 57 JJJ ومن تعاون معهم، بأن أبشع الجرائم العالمية، كانت بالحقيقة فضيلة أخلاقية مشكورة"(1). لكن الإنسان له روح خاصة مستقلة عن جميع المخلوقات؛ فهو ليس مُفصّ لاً على طراز داروين، ولم يوجد من أجل الصراع، إنما وُجد لعبادة الله من إقامة الحق أيـا كان مَن اتبع الحق سواء كان أبيض أو أسود، أما العقل الإلحادي المادي الهيوماني فقد قام بتفكيك البـشر بصـرامة بالغة ليس فيها موطنٌ للمشاعر الإنسانيّة، والقِيَم الروحيّة. إن البحث عن السعادة على الأرض من منظور إلحادي هو شكل من أشكال الغرور الإنساني، وهو يعني القول بمركزية الإنسان، وأن له مكانً ا خاص ا في الكون وبداهة لا يمكن القول بوجود غائية إنسانية مستقلة عن الغائية الطبيعية أو المادية. ولا يأتي الإيمان بمركزية الإنسان وقيمته وسموه إلا بالإيمان بمُطلق أعلى يتجاوز المادة ، فالمساواة بين البشر هي مسألة دينية بحتة، فإذا لم يكن الله موجودً ا، فالناس بجلاء وبلا أمل غير متساوين، وتأسيسً ا على الدين فقط يستطيع الضعفاء المطالبة بالمساواة. ولذا يقول الدكتور المسيري رحمه الله: «إن الإله هو التركيب اللانهائي المفارق لحدود المُعطى النهائي ، هو النقطة التي يتطلع إليها الانسان ويحقق التجاوز من خلالها، ومن ثم بغيابه يتحول العالم إلى مادة طبيعية صماء، خاضعة لقوانين الحركة والصيرورة التي يمكن حصرها وإحاطتها والتحكم فيها، وينضوي الإنسان تحت نفس النمط، إذ بغياب الإله يتحول الإنسان إلى كم مادي يمكن أدلجته وقولبته في إطار مجموعة من المعادلات الرياضية الميته، وفي هذه اللحظة تموت الروح ويتبعها موت الإنسان، فالإيمـان بالإنسان وقيمته ومركزيته وسموه هو إيمـان يتجـاوز حركة المادة وديناميكيتهـا... فعندما يُقرر الإنسان أن ينسى الإله في هذه اللحظة بالذات يكون قد نسي نفسه [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ] {31}». فالإنسان كائن أقدامه مغروسة في الوحل وعيونه شاخصة للنجوم. كائن ميتافيزيقي يسأل أسئلة نهائية عن معنى الكون. أقصى مُتعة لا تكفي إنسان يعلم أن وُلد ليموت. )1( Richard Weikart. from Darwin to Hitler. p.215.
عدد الصفحات ٥٧ 08 JJJ بدون وجود إله تفقد كل الكائنات حدودها وحيزها وتنشأ إشكاليات في النظام المعرفي والأخلاقي، وتفقد الأشياء حدودها وهويتها ويَصعُ ب التمييز بينهما، كما تَختفي التفرقة بين الخير والشر، وتختفي الإرادة والمقدرة على التجاوز وتسود الواحدية والحتمية، وقد اختصر رئيس التشيك فاكيلاف هافل هذه الإشكالية الكبرى فقال عبارته الرائعة : " حينما أعل نت الإنسانية أنها حاكم العالم الأعلى، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بُعده الإنس اني " فالفلسفة الهيومانية ضحت أول ما ضحت بالإنسان. ومنذ اللحظة التي هبط فيها الإنسان من السماء منذ المقدمة السماوية لا يستطيع الإنسان أن يختار أن يكون حيوان بريء أو يكون إنسان مُخير، لم يكن بإمكانه أن يختار بين أن يكون حيوان أو إنسان إنما اختياره الوحيد أن يكون إنسان أو لا إنسان [ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ] {74}. هذا هو الإنسان وهذه هي طبيعته الحقيقية، وعلى الهيومانية أن تتقبله في هذا الإطار، وأن تستمد قيم معرفية متجاوزة، وأن تتجاهل الرؤية المادية الإ لحادية الداروينية كتحليل لظاهر ة وجوده، وهذا يعني أنها لن تصب هيومانية وإنما دينًا جديدًا وفي هذه اللحظة تفقد أهم سماتها وخصائصها، وينهار المشروع الهيوماني ككل. x q k
عدد الصفحات ٥٨ 59 JJJ الجرعة الرابعة عشرة القاعدة التي أسس لها القرآن الكريم وشدَّ د عليها في أكثر من موضع أن كل بعيد عن الإيمان هو أعمى [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ] {31}. فالأصل في الكافر العمى، ولا يتحقق له الإبصار إلا بالإيمان، ولن يستطيع أن يتجاوز مرحلة العمى مهما أوتى من علم أو فُتحت له من معارف أو اتسعت دائرة علومه وتعددت طرقها وتشعبت مصادرها فهو سيظل أعمى؛ نعم: مهما بلغ ومهما ارتقى فلن يتجاوز مرحلة العمى إلى مرحلة الإبصار. فلن يستطيع الإنسان التأسيس للمعنى ولا التأسيس للقيمة إلا من خلال الإيمان، ولن يستطيع تحرير إجابة عن الأسئلة الوجودية الكلية –أسئلة النشأة – مثل: لماذا نحن هنا؟ ما الغاية من الوجود الإنساني؟ وكل أسئلة لماذا why لن يستطيع تحرير جواب لها؛ وستظل أجوبتها حِكرًا على الإيمان. ولن يتجاوز الإنسان بكل علومه ومعارفه وفلسفاته الإجابة على أسئلة كيف how، أما أسئلة لماذا فستظل أجوبتها حصرية داخل ميدان الإيمان. والقارئ في الشأن الإلحادي يعلم أن غاية الإلحاد الآن هي إخراس هذه الأسئلة الوجودية الكبرى –كل أسئلة لماذا-، بل ووصمْها مرة بالتافهة كما فعل ريتشارد داوكينز Richard Dawkins حين سُئل عن بعضها في إحدى الحوارات، ووصمها مرةً أخرى بغير ذات معنى، ولا ندري كيف لأهم الأسئلة في الوجود الإنساني أن توصف بالتافهة أو بلا معنى، وهل كون الإلحاد لا يملك إجابة تصب الأسئلة تافهة؟ إن المحاولات المتتالية لإسكات الأسئلة الكبرى ليست إجابة ولا تُشبع إنسان يعلم أنه وُلد ليموت! ولا تُقدم حلا ، بل هي برهان آكد وحُجة سامقة على أن كل بعيد ع ن الإيمان هو أعمى غير مبصر لحقيقة وجوده ولا لمعنى وجوده ولا قيمة وجوده، ولا يعرف شيئًا عن وجوده.
عدد الصفحات ٥٩ 61 JJJ من أجل ذلك: كانت العودة إلى الإيمان هي شرط استيعاب معنى الإنسان وتحليل ظاهرة وجوده، والتأسيس لقيمته وأخلاقياته ومبادئه وغاية كل عملٍ يعمله، فالعودة إلى الإيمان تملك الإجابة الحصرية لكل أسئلة لماذا، وكل أسئلة المعنى، وداخلها يجد الإنسان ذاته، أما خارجها فلا يجد إلا مجموعة من الذرات المتلاحمة بلا معنى، والتي تتحرك بلا غاية وترتطم بلا هدف. إن العماء الكامل يصم حالة عدم الإيمان والذين لا يملكون نورًا لن يستطيعوا أن يوجدوه [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] {23}. فأصل النور هبة إلهية تقترن بالإيمان، ولن تستطيع كل فلسفات العالم أن تؤسس لومضةٍ من نور، فكوجيتو ديكارت Cogito Descartes " أنا أُفكر" انهار على يد ديفيد هيوم David Hume، والحداثة التي أسس لها كانط Immanuel Kant ذابتعلى أعتاب ما بعد الحداثة، ولم يعد ثمة إمكان إبستمولوجي –معرفي- لتأسيس الوعي والقيمة والمعنى للوجود خارج الدين(1). إن الإحالة إلى الإيمان شرط أصيل لضمان المعنى، فالحقيقة التي يُسلِّم بها البشر الآن أنه لا حقيقة غائية في الخارج المادي المستقل، ولا يمكن ضبط الحقيقة بدون إيمان، فالعودة إلى الإيمان هي شرط فكري وعقلي ومبررها هو المعطى المادي نفسه، ففي الوجود المادي الخارجي كل شيء يسير وفقًا لقوانين مادية عمياء صارمة لا معنى لها في ذاتها، مجرد قوانين عرضية حادثة غير مكتفيه بذاتها، لذا كانت الإحالة إلى الماوراء من مقتضيات تبصر وتفحص العالم المادي ذاته. لكن لماذا جعل الله النور قرينًا بالإيمان، بينما جعل العمى قرينًا بترك الإيمان؟ لأن هذه غاية وجودنا كله، وحقيقة وجودنا، بل ولا معنى لوجودنا حين نتمرد على هذه الحقيقة. الإسلام ليس فِرقة من الفِرق ولا عقيدة من بين عقائد الأرض، حتى يوضع في مجال (3) في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة، د. الطيب بوعزة، ص31.
عدد الصفحات ٦٠ 11 JJJ مُقارنة مع باقي الديانات.. بل هو أصل الأديان والعقائد والعبادات، وهو أنقى أديان التوحيد فالإسلام هو تصحي لمسار الديانات التي انحرفت، وإعادة لنهج أنبياء العهد القديم من لدن آدم إلى نوح وصال وأيوب وهود وإبراهيم وموسى وداوود ويونس وهارون وعيسى.. فعقيدة هؤلاء جميعًا هي عقيدة الرب إلهنا رب واحد بلفظ التوارة والإنجيل.. هذه العقيدة التي لا تعرف تثليث ولا أقانيم ولا موت آلهة منتحرة، ولا انتزاع آلهة من آلهة أخرى - انتزاع الروح القدس من الآب - ولا آلهة قومية.. يقول تعالى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ] {30}. وقال تعالى : [ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ] {330} إذن فالإسلام ليس ديانة كالديانات وإنما هوأصل الديانات، وتصحي للخلل الذي أصاب الديانات وبالأخص اليهودية والمسيحية في نسختيهما العهد القديم والجديد(1). لكن مقتضى الإيمان هو العبادة؛ فلماذا العبادة؟ العبادة هي تهذيب الغريزة وضبط النفس وانكسارها لباريها، واتباع الباري في كل ما أمر ونهى، ولا يُصل النفس إلا ذلك، فكما قررنا سابقًا لا يمكن التأسيس للأخلاق ولا للمعنى إلا من خلال الإيمان. وهل يحتاج الله لعبادتنا؟ الله غني عن العالمين.. هذا أحد أصول الإسلام [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {7} . لكن الله سبحانه وتعالى يعلم أن عباده لن يصلحهم إ عبادته.. ولن تستقيم أحوال العباد ومعاشهم إلا في كنف طاعته، وبقدر ابتعاد الإنسان عن الله بقدر استحلاله للمحرمات، فإذا لم (3) كهنة الإلحاد الجديد، د.هيثم طلعت، ص11.
عدد الصفحات ٦١ 62 JJJ تكن ثمة عبادة لله فكل شيٍء مباح؛ لأنه لم تعد ثمة محرمات. وكلما ابتعد الإنسان عن الله فإنه يُقاد من بطنه وفرجه أكثر مما يُقاد من عقله وضميره، حتى صار يُطلق على إلحاد الغرب " إلحاد الفرج والبطن"، فعبادة الله صمام أمان للإنسان، والعبادة ترجع فائدتها على الإنسان فقط كما في الحديث القُدسي: « يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أُوفيكم إياها فمن وجد خير ا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يل ومن إلا نفسه». فعبادة الله غاية وجود الإنسان، قال الله تعالى: [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ] {43}، أي لم أخلق الثقلين إلا مُهيئين لعبادتي بما ركَّبت فيهم من العقول والحواس والقُوى، فهم في حـالة صالحة للعبادة، مُستعدة لها، فمن جرى على موجب استعداده وفطرته آمن بي وعبدني وحدي، ومَن عـاند واستكبر اتبع غير سبيل المؤمنين(1). وهل الله يُحب أن يُعبد؟ العبادة هي حق الله تبارك وتعالى على عباده، فهل تعرف ما معنى «حق الله تبارك وتعالى على عباده»؟.. إن الله عزَّ وجل هو الرب، الخالق، الملك، الحق؛ الذي يستحق وحده أن يُعبد، وأن يُ شكر، وأن يُحمد، هذه صفاته يا إنسان.. هذه صفاتُ ربك الذي خلقك ورزقك. تخيل رجلاً يسير في صحراء قاحلة ثم ظهرت فجأةً مائدة فيها من أصناف المأكولات ما لا يُحصى، فأكل وشرب، وسمِن جسده وتجشأ، ولم يشكر المُنعم عليه، بل لم يشغل باله بمعرفة مصدر رزقه، هل يستوي هو ومَ ن يعرف رازقه بل وخالقه ويشكره على نعمه التي لا تُحصى [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {02}. هل من المستغرب أن تشكر خالقك؟ هل من المستغرب أن تنظر في طعامك وشرابك [ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ] {42}، وكيف جعل الله طعامك وشرابك سائغًا، وجعل لك هضمً ا ومخرجً ا، وقدَّ ر عليك رزقك منذ كنت في بطن أمك بلا حيلةٍ منك ولا من غيرك؟ (3) تفسير سورة الذاريات، الشيخ حسنين مخلوف رحمه الله-شيخ الأزهر السابق-.
عدد الصفحات ٦٢ 13 JJJ ألا يستقيم لك أن تشكر رازقك والمُنعم عليك به؟ فالله يُحب أن يعبد ويرضى لعباده الشكر، ويكره الجحود ولا يرضى لعباده الكفر. وبدون عبادة الله يستبي الإنسان كل المحرمات، وتتفكك عنده كل الأشياء، فعبادة الله هي صمام ضبط الحياة وضبط القيمة، ولن يُصل الإنسان إلا عبادة خالقه. ويبقى السؤال: لماذا يقرر الله سبحانه وتعالى لنا طقوس ا محددة في العبادة دون غيرها؟ عندما قام هنري فورد Henry Ford بصناعة السيارة، وقرر كيف تعمل سيارته ووضع الكتالوج وحدَّد الأصل في ا لتعامل مع سيارته، هنا هو الصانع وهو الأدرى بالأصل لصنعته، لم يعترض أحد، فإذا كان الله خالقك ورازقك فمن البديهي أن يحدد لك ما هو الأصل - ولله المثل الأعلى -. x q k
عدد الصفحات ٦٣ 64 JJJ الجرعة الخامسة عشرة العودة إلى الإيمان والإحالة إلى الما وراء، شرط لضمان المعنى وتأسيس الإمكان الأنطولوجي –الوجودي- للحقيقة، ومن ثَم تسويغ بحث إمكانها الإبستمولوجي- المعرفي- (1) . إن الحقيقة التي يُسلم بها البشر الآن أنه: لا حقيقة في الخارج المادي المستقل، ولا يمكن ضبط الحقيقة بدون دين واستقاء من الما وراء، ولا يمكن التأسيس للحقيقة أو ضبط المعرفة أو تقييم المعنى بلا دين، ولم يعد ثمة إمكان إبستمولوجي لتأسيس الوعي الماهوي للوجود خارج الدين. إن شرط الإحالة إلى الدين شرط معرفي إبستمولوجي، وشرط مادي أنطولوجي، وشرط عقلي أولي، لأن إدراك الوجود يفيد تغيره وعرضيته وعدم اكتفاؤه بذاته، وهذا الإدراك -إدارك عدم اكتفاء الوجود بذاته- يستوي فيه البدائي وعالِم الفيزياء والفلسفي البارع، فالإحالة إلى الدين هي قضية عقلية ومعرفية ومادية ومنطقية في الأساس، قبل أن تكون قضية أخلاقية أو نزعة إيمانية أو تجرد روحاني! والموقف الإلحادي من هذه القضية موقف مدهش للغاية؛ لأنه يفترض التأسيس الماهوي لحقيقة الوجود مجردة، وبعد أن يعجز عن هذا التأسيس يقوم بالعودة إلى الما وراء لاستقاء المعرفة والبحث عن اكتفاء الوجود لكن هذه المرة بصيغ لا عقلية ولا منطقية ولا مادية ولا معرفية، فيفترض الوعي في العدم والأزلية في المُحدث والشيئية في اللاشيء، وذاتية الانتقال إلى الحياة في اللا حي، وذا تية التنسيق والضبط والعناية والا نتقال للأفضل على مست وى الكاوس-الفوضى-، فتصير قضية الإلحاد الكفرية قضية جحد للعقل في المقام الأول ومعاندة للوجدان في الجوهر [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {ملك33}. وأصل الإحالة إلى الما وراء هو أصل عقلي، هدفه الأسمى بحث الوجود الحق الذي (3) في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة، د. الطيب بوعزة، ص31.
عدد الصفحات ٦٤