15 JJJ يفص عنه عالم الحس إفصاحًا ناقصًا ويصب الانتقال من عالم الحس إلى عالم المُثُل الما ورائي هو مقصد الوعي الوجودي كله، لذا ارتسمت صورة المفكر في كل الحضارات بالشخص المنعزل عن المجتمع المادي؛ لأنه مشغول بالكليات. ولذا كانت المعرفة الما ورائية عند المفكرين أعلى المعارف وأشرفها لأنها النوع الوحيد المنوط بتفسير القضايا الكلية والوجودية والأسئلة الكبرى، فنجد ديكارت مثلاً يقول:" الفكر الإنساني شجرة جذورها الماوراء وجذعها الفيزياء وأغصانها بقية العلوم"(1). ولذا كان أكثر الناس انشغالاً بالماورائيات هم المفكرون وعلماء المادة لأنهم لا يجدون في المادة اكتفاءًا ذاتي ا يبرر وجودها، فطاليس كان فيزيائي ا ورياضي ا وفيثاغورس عال م فلك، وأفلاطون مؤسس الحركة الميكانيكية، وابن رشد فيزيائي وطبيب، وجابر بن حيان الكيميائي الأول وواضع أُسس المنهج التجريبي في البحث العلمي، والكندي رائد تحليل الشفرات. ولم ينشغل بعلوم المادة إنسان إلا وأدلى دلوه في الفكر بمقتضى بحثه في المادة، فالإحالة إلى الما وراء هي شرط فكري وعقلي ومبررها المعطى المادي نفسه. وبذلك يتقرر أن تصور وجود الإله ليس حاجة مشروعة بل حاجة مُلحة، فالعقل هنا لا يبتدع فرضية وإنما يُعبر عن حاجة ضرورية ضرورة الماء والهواء بل أولى منهما، بل إن استيلاء سؤال الخلق على خواطر الأطفال ما أن يبتدؤن في النطق والحكي أمرٌ معلوم، فضرور ة الصانع مغروزة منذ وقت مبكر جد ا، قبل تشكل الوعي ذاته. فالعقل في أقصى درجات فطريته لا ينفك عن سؤال الصانع. بل إن فرضية الخالق - بتعبير الملاحدة - هي الأفضل على كل المستويات النفسية والوجودية معًا، وهي الجواب عن سؤال لماذا، وهي الجواب عن معنى تطلعنا لما وراء الزمان والمكان، وهي ال جواب عن الأسئلة الوجودية الكبرى، وإن كان الملحد قادر على إخراس جميع هذه الأسئلة فهذا ليس بجواب. (3) Descartes, principes de la philosophie, p.266، منقول من م س ص51.
عدد الصفحات ٦٥ 66 JJJ وباستخدام اللغة العلمية فأيضًا أفضل الفرضيات الممكنة بالنسبة لمعطياتنا المعرفية هو أيضًا وجود الخالق. فالإلحاد لم يكن يومًا ما مطلب معرفي ولن يكون. فالذي لا يعرف الله كالأعمى في هذه الحياة الدنيا، فهو لا يدري لماذا خُلق ولا يدري الحكمة من وجوده ويخرج من الدينا ولا يدري لماذا دخل فيها [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ] {34}. فمعرفة الله هي مقتضى عقلي من الواقع المادي ذاته، فإذا رأيت سيارة تتحرك بين المنحنيات والطرق الدقي قة بمهارة فحتمًا تتأكد أن السائق موجود، إن خروج الوجود من اللاوجود بمنتهى المعايرة الدقيقة لحظة الخلق الأولى tuned universe-fine يدل على خالق عليم قدير حكيم عظيم. بعض المصطلحات التي قد تبدو غامضة: الإبستمولوجيا: هي النظرة المعرفية التي في الذهن. الأنطولوجيا: هي الشيء المادي خارج الذهن. الماهوية: هي حدّ الشيء بما هو هو، وأصلها اسم الاستفهام ما والضمير هو [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ] {38}. الكاوس: الفوضى. x q k
عدد الصفحات ٦٦ 17 JJJ الجرعة السادسة عشرة - هذه جرعة ترفيهية بعد جملة المصطلحات الثقيلة في الجرعة السابقة، لكن هذا لا يمنع من أنها علمية ومفيدة- عندمـا نتحدث عن الفن فإننا بداهةً لا نقصد الفن الهابط، وإنما الفن الذي يتناول درامـا الوجود الإنساني. إن العلم عندما يواجه الإنسان فهو يبحث فيه عما هو ميت وعما هو لا شخصي، بينما عندما يتناول الفـن الإنسان فإنه يبحث فيه عما هو إنساني وغائي، فالفن في صِدام طبيعي مع العالم ومع جميع علومه، إنه التمرد الصامت، وإذا لم يوجد على الإطلاق سند للإنسـان ولا مجال لروحه ولذاته، فإن الفـن لا مجال له والشعراء وكُتـاب التراجيديا يضللوننا ويكتبون هراءً لا معنى له. إن وجود عالم آخر إلى جانب عالم الطبيعة هو المصدر الأساسي لكل دين وفن، فإذا لم يكن هُنـالك سوى عالمٍ واحدٍ لكان الفن مستحيلاً، والمعرفة في الفن لا تُكتسب بطريقة عقلانية علمية وإنما تُكتسب بطريقة حَدسيـة ، وعندما يقوم العلم برسم لوحة فإن سيرسم وجه قرد ممسوخ يقوم بد راسته دراسة آلية ، أما عندما يقوم الفن برسم لوحة فإنه سيرسم دراما وجه الإنسان..، فالفن هو ثمرة الروح وإذا لم يتم الاعتراف بوجود الخلاص والعالم الآخر والروح فالفن عبث ولا قيمة له وغير موجود أصلاً. الفن يتجاهل ظواهـر الأشيـاء، يهتم بالبواطن، والفن التجريدي مثلاً يقوم بحذف كُ ل شَبه بالعالم الخارجي مُعطِ يـًا للشكل واللون معنً ى روحيـ ا، وبإقصاء الجانب الروحي بعيدًا وبإنكار وجود الحياة الجوانية داخل كل إنسان منـا، فإن أعظم اللوحات في العالم تقاس قيمتها بحسب نوع الورق المستخدم في الرسم وثمن الألوان والأصباغ الموجودة على اللوحة. وروعة الموناليزا لا تكمن في ثمن الألوان المرسومة بها، وإنما تكمن في أنها من أنج المحاولات لتصوير سر الحياة الجوانيـة، فالحقيقة الوحيدة التي يعترف بها الفن هي الإنسان
عدد الصفحات ٦٧ 68 JJJ وشوقه المستمر للوصول للفردوس والخلود الفن بطبيعته وباعترافه بوجود عالم آخ ر نراه يحمل معانٍ ثورية، يحمل الكُفر بالعالم المادي.. وهذا ما فهمه الرسام الفرنسي الشهير دي بيفيه حين قال : " الفن في جوهره غيرُ مري لا فائدة منه، ضد المجتمع وخطر عليه". جوهر الأعمال الفنية غامض غموضـًا تام ا، إنه تمردٌ دائمٌ على الواقع.. ، إنه اعترافٌ مت كررٌ بوجود عالم آخر لا ننتمي إليه وسنذهب إليه يومـً ا ما. جوهر الفن يقوم على اعتراف بمعاناة الإنسان على الأرض وعجزه عن تحقيق الفردوس الذي يبحث عنه في مخيلته، الفن ببساطة هو ثمرة الصلة بين الروح والحقيقة..؛ ولذا عند التدقيق في لوحة فنية عميقة أوعند قراءة روا يـة رائعة يعتري الإنسان شعورٌ غريبٌ وغامضٌ بالسموِّ والقداسة ودخول عالم الخلود..، الفن كالدين تمامً ا كلاهما يعترف بوجود عالم آخر لكن الفن ليس دينًا إنما هو تعبير عن الدين فهو الابن غير الشرعي للحقيقة، بينما تبقى الحقيقة حصرية للإطار الديني! الإلحاد لن يفهم أبدًا جوهر الفن وطبيعته، فإذا لم يكن هناك روحٌ للإنسان فلِم إذن نحرص على أن يكون للفن روح؟ بالنسبة للفنـان لا يوجد شيء اسمه إنسان داروين ذاك الكائن النمطي الممسوخ البارد، بالنسبة للفنان لا يوجد شخصـان متطابقان، فالإنسان هو كائن متميز ذو سمو روحي. لا يوجد فنانٌ ملحدٌ ، لا يستطيع الملحد أن يكتب شِعرًا أو أن يرسم لوحة أو أن يُنشد بيت شعر، ولن يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا دخل في الدين لحظة الرسم واعترف بقضية دراما الوجود والبحث عن الخلود، والمسرحية التي تُمثل دراما الوجود فإن لحظة السكون فيها هي لحظة مليئة بالأحداث. إننا لن نفهم هذه المسرحيات وهذه الرسوم إلا عندما نعترف بالوجود الجواني، وننكر كل ما هو مادي وخارجي، ولن يستطيع ملحدٌ أن يفهم لوحة ولو وقف أمامها دهرًا كاملاً، بل
عدد الصفحات ٦٨ 19 JJJ سينتقدها حسب تماسك الألوان وخامة الورق ودرجة حرارة الغرفة وتأثيرها على التباين اللوني إن الفن والإلحاد لا يجتمعان؛ الفن في صيغته النهائية والأخيرة هو بحث عن المُطلق، بحث عن الله. وإذا امتنع وجود حقيقة دينية امتنع وجود حقيقة فنيـة(1). x q k (3) من وحي كتاب"الإسلام بين الشرق والغرب"، علي عزت بيجوفيتش-رحمه الله-.
عدد الصفحات ٦٩ 01 JJJ الجرعة السابعة عشرة (*) جرعة ترفيهية إضافية –أي خدمة- لماذا ماتت الأشياء الجميلة في العالم الإلحادي؟ لماذا قام الفلاسفة بافتتاح مبولة وسط باريس ليرمزوا بذلك الى انتحار الإنسان؟ وظهر الفنان ماليفيتش الذي رسم لوحته " مربع أبيض فوقه خلفية بيضاء " رمزً ا لنهاية الحضارة وقمة العبثية، وأرسل الفنان الفرنسي مارسيل دوشام إلى جمعية الفنانين المستقلين في نيويورك نافورة وهي في الحقيقة مبولة احتجاجً ا على عبثية الحياة. وسُمِّ ي فن الإلحاد بـ"فن المبولة". فالإلحاد المادي قتل الروح وشَعَر الإنسـان في ظله بالعبثيـة والتفكك فمـات الفن ومـاتت القيـمة، ومـاتت روح الإنسـان، وإذا لم يكن هناك روح للإنسان فلن يكون للفن روح؟ وظهر الفنان جاكسون بولوك الذي صوَّر عبثية الإلحاد في لوحاته الشهيرة حيث كان يصب الألوان على اللوحات ثم يتمشى عليها بأحذية مثقوبة، وإذا بأسعارها تقفز الى أرقام مجنونة وبيعت إحدى هذه اللوحات في عام 3113 في صاله كريستي بـ11 مليون فرنك، وفي معرض لفن الحداثة نظمه مركز جورج بومبيدو في باريس اجتذب المعرض 111 ألف زائر مما حقق أرقامًا قياسية تفوق أي معرض راقٍ في العالم، مع أن ما نشهده لا يزيد على مجموعة من رقاب الزجاجات أو سجاجيد عليها أكوام من الحبال وكريات من الصوف. وقام أحد فناني ما بعد الحداثة برسم لوحة زُجاجية بتكليف من متحف الفن الحديث في نيويورك، وأثناء نقل اللوحة سقطت وظهرت فيها شروخ؛ فطمأنهم الفنان قائلاً: " العمل المكسور أفضل منه سليمًا ". وهذه قمة التفكيك واللامعيارية. بعض رواد المتحف الحديث الذين تعودوا على تقبل التجريد وفن ما بعد الحداثة، توقفوا (*) الجرعة من وحي أعمال عبد الوهاب المسيري رحمه الله.
عدد الصفحات ٧٠ 71 JJJ أمام سجادة كانت تأخذ شكل مخروط، وأخذوا يبدون إعجابهم الشديد بهذا العمل الفني الرائع، إلى أن حضر أحد عمال النظافة في المتحف وحمل السجادة ثم فرشها على الأرض مع بقية السجاجيد الأخرى، فقد كانت سجادة عادية مُكومة بالصدفة. لماذا تموت الأشياء الجميلة في الإلحاد؟ لماذا يصاب كل شيء بالحياد؟ لقد نُزعت القداسة عن الإنسان وتم تفكيكه وأصب خاليً ا من المرجعية والمركز. إن هذه الموجة من الأعمال الفنيـة التي تُعبر عن ضيـاع الإنسـان وموت القيمة وانهيـار الروح لا يمكن استيعابها إلا من خلال المنظور الإلحادي المادي.. وهل يصل أن نقارن أعمال شكسبير بـ"سوف أبصق على قبوركم" لبوريس فيان؟ إن الإلحاد يعلنها صريحة: أنه لن يصل لتحليل ظاهرة الوجود الإنساني، وأن العبثية والتشاؤم والعدمية ثمرة حتمية للرؤية الإلحادية للعالم من حولنا! x q k
عدد الصفحات ٧١ 02 JJJ الجرعة الثامنة عشرة أدق الكائنات الحية على الإطلاق يقودها الغرض والهدف والغاية، وتتمتع بالوعي و تحليل المعلومات ثم إعطاء رد فعل بِناءًا على تلك المعلومات، مثلاً الأميبا وحيدة الخلية لو جاء بجوارها غِذاء متحرك فإنها تلف أذرعها حوله بحذر حتى لا يهرب، في حين لو كان الغذاء ثابتًا لا يتحرك – حُبيبة نشا – فإنها تلتصق به دون احتراس. والأميبا كائن وحيد الخلية بلا مخ ولا عين ولا أعصاب ولا حواس. والبويضة بعد تخصيبها تُعبِّر عن استقلالها البيولوجي ويكون لها وعي وإحساس بحقيقة أنه يمكنها التفاعل مع بيئتها، وتبدأ في الانقسام الذاتي لخلايا يفوق في عددها نجوم مجرة درب التبانة، و لديها القدرة على تلقي المعلومة ومعالجتها والتفاعل باستقلال مع المعلومة. لا يمكن أن يبلغ الكمبيوتر مهما اشتد تعقيده أبسط درجات الوعي في كائن وحيد الخلية كالأميبا، ومع ذلك عملية تصنيع الكمبيوتر عملية واعية وذكية للغاية وفي حدود زمان ومكان، أما الخلية الأولية كالأميبا التي تفوق في كل عضية من عضياتها أعلى الكمبيوترات تعقيدًا بل ربما لا مجال للمقارنة ؛ لأن نسبة وعي أذكي الكمبيوترات على الإطلاق تساوي صفر، I.Q.=ZERO، ومع ذلك المطلوب أن نُصدق أن العشوائية أنشأت الأميبا والإنسان، والذكاء الإنساني لم يستطع أن يُنشئ أبسط صور الوعي، إنها أضيق حدود السذاجة إن استطعت ابتلاعها ابتلعت بعد ذلك أي شيء. إنه السؤال المفصلي والجوهري، بين الدين المنطقي والإلحاد العبثي. الإلحاد لا يطرح أجوبة بل يزيد المشكلة تعقيدًا، فلا مبرر مادي للقدرة ع لى الإحساس بالمعلومة ومعالجتها، وإخراج رد فعل ذكي، كما عند أي كائن حي، ولا مبرر مادي للتكامل على كل المستويات – ذاتية التنظيم والتنسيق، ذاتية الانضباط -، لا مبرر مادي للإدراك والوعي والقيمة والهدف والغاية، بل لا مبرر مادي للحياة نفسها بوصفها كينونة مستقلة، لا يمكن لوصلات عصبية أن تُفرز القيمة والهدف والجمال والغاية والحِس الأخلاقي والامتنان للوجود
عدد الصفحات ٧٢ 73 JJJ والحياة، والشعور بالسمو والكيان، والقيمة والحرية، إن هناك وعي أعمق يؤثر على سلوك هذه الأسلاك العصبية. ليست هناك آلية مادية لتشرح المعنى والوعي في حياتنا، إذا قال لك شخص تحبه أنه يحبك ساعتها سيُفرز جسدك الإندورفين والدوبامين، في حين لو قررت الانفصال عنه وقال: لك أنه يحبك ساعتها سيفرز جسدك الكورتيزول والأدرينالين، المعني والوعي هو الذي يقرر السلوك المادي وليس العكس. ليست هناك آلية مادية لتشرح كيف تصطدم فوتونات الضوء بشبكية عينك وتصنع صورة ثلاثية الأبعاد للواقع من حولك داخل خلايا مُخك المظلمة؟ إنها عملية لا يوجد للعلم إجابة عنها.. إنها الوعي.. إنها الحياة نفسها. المادية لن تجيب عن معنى وجودنا، فالوعي لا يفهمه إلا الوعي، لهذا نحتاج إلى الدين، بالمنطق العلمي والعقلي نفسه الذي احتجنا به إلى المادية. وقد أثبت د. روجر سبيري Roger Sperry الحائز على نوبل في وظائف المخ أن الوظائف العقلية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمخ المادي وهي فقط قد تستعمله كآلة. يقول السير جون إكلز John C. Eccles الحاصل على نوبل في الطب:" أجدني مضطر ا إلى القول بطبيعة غير مادية لذاتي وعقلي، طبيعة تتفق مع ما يسمونه الروح". وقد وضع جون إكلز مع فيلسوف العلوم الأشهر كارل بوبر Karl Popper، كتاب يشي عنوانه بأبعاد القضية وعنوان الكتاب" الذات والمخ التابع لها The Self and its Brain". ويعترف روبرت كونKuhnRobert L. الحاصل على الدكتوراة في بحوث المخ، أن هناك جوهر غير مادي يتحد بالمخ ليفرز العقل، ولا مفر من اعتباره الروح التي يتحدث عنها المتدينون. ويعترف ليونارد ملدينوف Leonard Mlodinow الفيزيائي الشهير والمشاركauthor-co في كتاب التصميم العظيم مع ستيفن هاوكنج1213 أن الوعي والعقل غير ماديين(1). )1( https://www.youtube.com/watch?v=WGvzheu1JQA.
عدد الصفحات ٧٣ 04 JJJ https://www.youtube.com/watch?v=WGvzheu1JQA والعقل هو مناط التكليف ويوجِب على صاحبه النظر والاستدلال والقيام بما كُلف به، ويمثل العقل ميزة فريدة وضعها الله عز وجل في الإنسان؛ به يعرف ثم يعمل، ومن هنا كانت مسئولياته، ولولا العقل ما صحَّت مُحاكمة ولا وُضع دستور ولا عُرف حق من باطل، ومِن هنا نحن لسنا مُخيرين في رفض التكليف الإلهي، طالما تمتعنا بالعقل. x q k
عدد الصفحات ٧٤ 75 JJJ الجرعة التاسعة عشرة (*) الذي يزعم أن الإلحاد هو فلسفة عقلية هو أجهل الناس بالعقل؛ لأن لازم قوله بإلحاده هو تطوره عن كائنات أدنى وبالتالي ليس لعقله ثقة ولا لمعرفته قيمة، يقول تشارلز داروين: " ولكن هنا يراودني الشك الآتي: هل يمكن أن يكون عقل الإنسان، والذي أؤمن إيمانًا جازمًا أنه تطور عن عقل كذاك الذي تمتلكه أدنى الكائنات، محلا لثقتنا وهو يُدلي بتلك الاستنتاجات العظيمة"(1). وبالتالي فلا يكون العقل عقلاً إلا بإثبات الخالق أولاً . وقد طوّر الفيلسوف ألفن بلانتيجا Alvin Plantiga نواة هذا البرهان الذي تحدث عنه داروين، فقد قال بلانتيجا: إذا كان العقل قد طورته الطبيعة لتحقيق غاية بقاء النوع كما تفترض الداروينية في صورتها المعيارية، فإن هذا يعني أن أحكام العقل الأُخرى إما ثانوية أو لا وزن لها، فتحقيق غاية البقاء ممكن من دون الحاجة إلى الوعي بقيمتي الحق أو الباطل، أو القيمة أو الأخلاق أو الأدب أو المعرفة، والدليل من الواقع على إمكان ذلك هو عالم البهائم، فالتطور أصم أبكم أعمى غير آبه بالقيمة المعنوية لهذه الأحكام، وهذا يلزم عنه ألا يستمسك ملحد ولا يثق بأي من أحكامه العقلية، بل كل حكم عقلي أو تقييم معرفي يراه يجب أن يفترض أنه لغوٌ فارغ بلا معنى، لكن البشر يتملكهم شعور اضطراري بأنه يجب عليهم أن يثقوا في قيمة أحكامهم، ولا يتأتى ذلك إلا بافتراض تميز موقعهم الإدراكي من أصله. يقول الناقد الأيرلندي الشهير كليف لويس C. S. Lewis: " لا يمكن لاقتناعنا بأن الطبيعة تعكس نظامًا أن يكون أهلا لثقتنا إلا إذا اعتبرنا نوعًا خاص ا من الميتافيزيقيا صحيحًا ". (*) هذه الجرعة من وحي كتاب ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، د. عبد الله بن سعيد الشهري، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى 2131. )1( Charles Darwin to W. Graham, the Life and Letters of Charles Darwin, vol.1, p.282
عدد الصفحات ٧٥ 06 JJJ ويقول أيضًا " إذا كان الحق الذي نؤمن به هو بدرجة ما شبيه بنا، أي: إذا كان نفسًا عاقلة صدرت عنها أنفسنا العاقلة، ففي هذه الحالة يمكننا بالفعل أن نثق فيه". غير ذلك فالحق الذي نؤمن به هو بلا معنى ولغو فارغ(1). فإذا كان الإلحاد صحيحًا فهو غير صحي ، فلو كنَّا أبناء هذا العالم لما كان لأحكامنا العقلية معنى. x q k )1( Nathan, N. M. L. , Naturalism and Self-Defeat, p.135.
عدد الصفحات ٧٦ 77 JJJ الجرعة العشرون -اعتبر هذه الجرعة جرعة إضافية –جرعة منشطة- للجرعة السابقة- داخل العالم المادي تسير الذرات في نسقٍ ثابت لا يتخلف، ويدور الإلكترون حول النواة بسرعة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة باضطرادٍ وانتظام. وذرات دماغك هي نفس الذرات التي يتشكل منها العالم المادي. وتسود الحتمية المادية في كل شيءٍ حولك، وفي هذا الإطار يصب الحديث عن المعنى أو القيمة أو الغاية حديثًا غير مفهوم، حديثًا لا ينتمي إلى هذا العالم المادي ولا يمكن ضبطه في إطار هذه الصرامة الحادة! فالعالم المادي لا يوجد فيه شر ولا خير... لا قداسة ولا نجاسة.... لا صواب ولا خطأ. وقد عبّر ريتشارد داوكينز Richard Dawkins–عرّاب ا لملحدين في العالم- عن ذلك قائلاً : "الكون في حقيقته بلا شر ولا خير". The universe we observe has... no evil and no good)1(. وبناءًا على ما سبق: يستحيل أن يكتشف إنسان وجود أخطاء في دينه -على حد زعمه- فيلحد إلا لو استقر في ذهنه مسبقًا وجود الخطأ والصواب ووجود الخير والشر. أُكرر مرةً أخرى: يستحيل أن يكتشف إنسان وجود أخطاء في دينه، فيلحد إلا لو استقر في ذهنه مسبقًا وجود الخطأ والصواب ووجود الخير والشر. فلولا وجود الخير والشر لما استوعب إنسان وجود الخطأ في دينه والذي على أساسه قرّر أن يُلحد! لكن هذا يعني خطأ الإلحاد؛ لأننا كما قلنا لو كنّا أبناء هذا العالم المادي لما أدركنا وجود الخطأ ولا الصواب، ولا الخير ولا الشر، وبالتالي لن يُلحد أحد لأننا المفترض أننا لا نعرف الخير ولا الشر ولا الصواب ولا الخطأ! لكن هناك ملحدون؛ إذن هناك خير وشر؛ إذن الإلحاد خطأ! )1( River out of Eden, p.131-132.
عدد الصفحات ٧٧ 08 JJJ فلولا استقرار خطأ الإلحاد في ذهن الإنسان. وأن هذا العالم ليس مبني ا على نسق الإلحاد وأن هذا العالم يوجد به خير وشر وصواب وخطأ. لولا هذه المقدمة لما ألحد أحد ولما اكتشفنا وجود خطأ أو شر. فلولا وجود القيمة والمعنى والهدف والغاية والذين افتقدهم الملحد في دينه –كما يزعم- لما ألحد! ولولا معرفته بالخطأ والصواب والخير والشر، لما قرر أن إلحاده خيرٌ من دينه –كما يزعم! وهنا يصبح الإلحاد دليلً ا على خطأ الإلحاد، ويصبح الكفر دليلً ا على سقوط الكفر! إنها مفارقة غريبة لكنها حقيقية، وعجيبة لكنها واقعية! فلن يستطيع الإنسان أن يحصل على المعنى أو القيمة أو الغاية أو أن يستوعب شيئًا من القيم وضد القيم إلا بمددٍ من عالمٍ آخر وناموسٍ آخر وم قدمةٍ أخرى تمامًا -مقدمة سماوية. ولن يستطيع الإنسان أن يدرك معيارية وجوده في هذا العالم إلا بقبسٍ لا يوجد في هذا العالم ما يبرهن على معناه. ويمضي الإنسان في هذا العالم باحثًا عن المعنى والغاية والقيمة؛ لأنه يعلم وجود هذه الأشياء، ولأنه يستقر في وعيه معناها، ولأنه يدرك أنها معانٍ سلميةٍ تمامًا. وهذا يُقدم توكيد مستمر لمعنى وجود الإنسان في هذا العالم! ويقدم توكيد أكبر على مدى سخافة الإلحاد، وعجزه حتى عن تحليل وجوده من خلال نفس مقدماته، وعجزه عن تحليل ظاهرة الإنسان! فلو كان الإلحاد صحيحًا لما ألحد أحد ولا أدرك أحد معنى كلمة إلحاد، ولما أدرك أحد معنى كلمة خير أو شر أو صواب أو خطأ! x q k
عدد الصفحات ٧٨ 79 JJJ الجرعة الحادية والعشرون في البداية الأخلاق نوعان: أخلاق مصلحية منفعية أنانية مادية، وهي تسمى أخلاق المجتمع – أُعاملك بأدب كي تعاملني بأدب – وهذه ليست الأخلاق الأصيلة التي يؤسس لها الأخلاقيون – أنبياء ومصلحين -، عبر كل العصور والأزمان. وهناك النوع الثاني من الأخلاق وهي تسمى الأخلاق الأصيلة، وهذه الأساس واللب والحقيقة. وهي التي أسس لها المصلحون عبر التاريخ. مثل أخلاق: الصدق والعدل والأمانة والتضحية والإيثار والقناعة والحِلم والرضا وكل معاني حُسن الخُلُق. لكن هذه الأخلاق تأتي مباشرةً ضد المصلحة الشخصية، فهي غير مربحة عملي ا. بل هي ضد المادة، وضد العقل. ولم يتم البرهنة عليها عملي ا أو عقلي ا إلى يومنا هذا. فالعمل الأخلاقي في الأساس لا يكون أصيلاً إلا لو انتفت عنه الفائدة المادية أو الرياء أو أيَّ ة منفعة شخصية. لكن هذا النوع من الأخلاق لا يمكن تبرير وجوده في عالم إلحادي مادي. بل إن وجوده أو الاعتراف بوجوده هو أكبر ضربة يمكن توجيهها للفكر الإلحادي على الإطلاق! فالإنسـان من منظور مادي أرضي هو كائن عضوي ذو ثلاثة أبعاد، حدود الطبيعة هي حدوده، يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية، فهو شيء بين الأشياء يمكن دراسته في إطار دوافعه الاقتصادية والمادية فحسب. وبالتالي فإن أي حديث عن الأخلاق الأصيلة هو ضرب من القول بالميتافيزيقيا، وإدخال عناصر غير مادية على النموذج الإلحادي المادي المُجرد.
عدد الصفحات ٧٩ 81 JJJ فالأخلاق في هذا الإطار تمثل ثغرة في النظـام الطبيعي، تمثل تمردًا على قوانين المادة. وقد دخل الإنسان إلى التاريخ برأس مال أخلاقي مبدئي هائل. ومن هنا فقد ظهرت تلك اللحظة التي صنعت عصرًا جديدًا كما يقول علي عزت بيجوفيتش رحمه الله في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب». فالأخلاق الأصيلة التي ظهرت مع الإنسان أكدت منذ اللحظة الأولى على أصالة ظهوره و تمرده على الطبيعة التي نشأ منها. وفي هذه اللحظة صار الإنسان هو المركز والطبيعة هي الهامش. [ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ] {74}. والماديون الذين يحاولون تحليل ظهور الأخلاق في إطار المادة، هم يقدمون أسهل طريقة لإسقاط الإلحاد؛ لأن المادة مهما تعقّدت لن تأتي بأنساقٍ غير مادية كالأخلاق! فالمادة مهما تعقّدت لن تنتج شيئًا سوى المادة. فالأخلاق الأصيلة وقيم الإنسان الأولى التي دخل بها العالم، وحريّته وتَرَ ف عه وتَ مَ ر ده على المادة كلها أنظمة لا يمكن بحالٍ ردها إلى العالم المادي المجرد! إن كل هذه الأمور لتؤكد على تلك المقدمة السماوية التي دخل بها الإنسان إلى العالم! فالأخلاق ثغرة معرفية كبرى في النسق الكوني؛ ولذا لا يمكن إخضاعها لقوانين الطبيعة وحتميات ماركس التاريخية، أو حتميات داروين العضوية، أو حتميات دوركايم الاجتماعية. وهذا الاختلاف بين الأخلاق والطبيعة يُعبِّر عن نفسه في الاختلاف بين المؤشِّر في العلوم الطبيعية والمؤشِّر في العلوم الإ نسانية كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله. فأقل تحرير للنظر في مسألة الأخلاق يجعلك تدرك وبسهولة أنها تسير عكس الطبيعة أو بمعنى أدق لا علاقة لها بالطبيعة. فالأخلاق ثغرة في الزمان فهي نتاج خلق، والله خلقها كاملة؛ لأن الله لا ينتج ولا يشيد وإنما يخلق، وكل هذا كما قلنا يؤكد أصالة ظهور الإنسان.
عدد الصفحات ٨٠