33 JJJ الجرعة التاسعة تقوم الفلسفة المادية الإلحادية على التبسيط والاختزال ثم التعقيد، لكن هذه الرؤية شيء وفلسفة العلوم شيء آخر تمامًا، فالفيروس أدق الكائنات الحية ما زال حي ا بيننا إلى الآن ويُهدد بانتظام أعقد الكائنات الحية، وعندما ينج الفيروس في خداع الـantibodies ويصل إلى نواة الخلية فإنه يقوم بعملية سطو hijack لا تستطيع أعقد الأنظمة البيولوجية أن تواجهه، حيث يقوم الفيروس بتقطيع نفسه على بوابات نواة الخلية الحديدية حتى يتمكن من اختراق ثقوب البوابات ثم ينطلق الحمض النووي الخاص به إلى داخل النواة، وبعد هذه العملية التي تبدو انتحارية، يقوم الحمض النووي الخاص به والذي دخل ممزقًا أن ينسخ نفسه داخل شريط الحمض النووي الخاص بالنواة آلاف المرات، ثم بعدها ينتقل إلى الريبوسوم خارج النواة ليُكمل عملية التصنيع، ثم يعود إلى النواة مجددًا ليصب فيروس متكامل في مهمة من أعجب وأذكى وأمكر وأخبث المهام على الإطلاق، وبعد 11 ساعة من نجاح فيروس واحد في الوصول إلى نواة خلية فإن النواة تصب محملة بـ31 آلاف فيروس مستنسخ حيث يُوقف جميع العمليات الحيوية التي تقوم بها النواة ويكرس كل جهدها في نسخ نفسه فقط. وفي هذه اللحظة العجيبة والفريدة والتي تحدث داخل كل إنسان ربما كل بضعة أيام، تصل إنذارات من الجسم بوجود مُحتل قام بعملية سطو كاملة على إحدى الخلايا فتقرر جميع الخلايا المجاورة للخلية المنكوبة أن تنتحر سريعًا حتى لا تتحول إلى مصانع لإنتاج جحافل فيروسية جديدة، وبهذه الطريقة تبدأ مقاومة الجسم للمحتل، وما زكام الأنف وانسداد الجيوب الأنفية إلا مخلفات المعركة هذا في حال كان الفيروس تنفسي ا، إن أبسط الكائنات الحية يحمل بصمة الخلق وعظيم الصنع فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وسبحان الذي أحسن كل شيء خلقه،[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ] {7} ومن الفيروس إلىالبعوضة أبسط الكائنات المرئية، نجد أن للبعوضة مائة عين في رأسها، 84 سن في فمها،ثلاثة قلوب في جوفها بكل أقسامها، لها ستة سكاكين في خرطومها ولكل واحدة وظيفتها، لها ثلاثة أجنحة في كل طرف، مـُزوّدة بجهاز حراري يعمل مثل نظام
عدد الصفحات ٣٣ 04 JJJ الأشعة تحت الحمراء، وظيفته:يعكس لها لون الجلد البشري في الظلمة إلى لون بنفسجي حتى تراه، مـُزوّدة بجهاز تخدير موضعي يساعدها على غرز إبرتها دون أن يحس الإنسان، وما يحس به كالقرصة هو نتيجة مص الدم، مـُزوّدة بجهاز تحليل دم فهي لا تستسيغ كل الدماء، مـُزوّدة بجهاز لتمييع الدم حتى يسري في خرطومها الدقيق جدًّّا، مـُزوّدة بجهاز للشم تستطيع من خلاله شم رائحة عرق الإنسان من مسافة تصل إلى كيلومتر. إن الرؤية المادية الإلحادية والتصور الاختزالي لظهور الكائنات الحية هي فلسفة كهنوتية لا علاقة لها بالعلم ولا ببديهيات المنطق، إن الإيمان بالإلحاد يتطلب بانتظام إنكار بديهيات عقلية ومنطقية أقسى من أشد الديانات إغراق ا في الوثنية. x q k
عدد الصفحات ٣٤ 35 JJJ الجرعة العاشرة لا يستطيع الملحد أن يدخل لك إلا من باب السفسطة في الفرعيات، واللعب على وتر التفاصيل! لذا كُن حَذِرًا ورُده بسرعة إلى الأصل، لا تجعله يعبث ببدهياتك وضرو راتك العقلي ة بدخوله في التفاصيل، بل كن أكثر ذكاءً ورده أنت إلى الأصل فينكسر وتطيش كل سفسطاته الفرعية.. ولك في أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - القدوة والمثل فحين ناظر النمرود في قضية الألوهية حاول الخبيث أن يلعب على الفرعيات ويُسفسط في التفاصيل، فأعاده إبراهيم إلى الأصل فبُهت الذي كفر، وانتهت المناظرة [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ] {قرة448}. فقد اعتبر النمرود أن مجرد إعدام الأشخاص هو قُدرة مطلقة على الإماتة، ومجرد رحمتهم هو قُ درة مطلقة على الإحياء، ولو تنزَّ ل معه سيدنا إبراهيم عليه السلام وظل يشرح له الفرق بين القدرة المُطلقة والقدرة النسبية المحدودة الموهوبة إلى الشخص، لظن الجالسون أن في قضية الألوهية البدهية محض التباس، فالشيطان يكمن في التفاصيل! عندما يتحدث الملحد عن طاقة الفراغ الكوانتي المشحون بالجُسيمات، انتقل مباشرةً إلى ما هو مصدر الفراغ الكوانتي.. يقول الكاهن الملحد طاقة الجاذبية يمكن أن تؤثِّر في لحظة الا نفجار الكبير، يكون السؤال: وما هو مصدر طاقة الجاذبية؟ يقول الكاهن الملحد سوالب الكون وموجباته ربما تساوي الصفر، يكون السؤال أُخلق لنا قانون (-) + (+)= صفر، أو قُم بتفعيل قانون كهذا.
عدد الصفحات ٣٥ 06 JJJ الملحد لا يملك حُجة مُستقلة على كفره، لا يمتلك علم ا يُخرج الكفر، وإنما يتغذى الملحدون باستمرار من رحم السفسطة حينًا والمضاربة حينًا آخر، فشككوا الناس في العقل والحق والخير والشر والعدل والظلم. فالإلحاد هو دين الشيطان تمت أدلجته، وإعادة صياغته والتأسيس له، كمذهب عقلي معاصر..!! x q k
عدد الصفحات ٣٦ 37 JJJ الجرعة الحادية عشرة يقول الملحد: ما المانع أن تكون الأدلة التي يقدمها المؤمن لإثبات وجود الخالق هي فقط معتمدة على الخبرة البشرية؟ الرد: في البداية أدلتنا العقلية على الإيمان هي براهين أولية قبلية Periori-A وليست قياسات عقلية، والبرهان العقلي الأولي لا علاقة له بالخبرة البشرية بل هو سابق في الوجدان والوجود عليها. فالإنسان يولد ببراهين عقلية أولية مسبقة، اتفق على وجودها الملحد والمؤمن، فيُسميها المؤمن ب ـ"الفطرة" أو "الصبغة الإلهية " [ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {308}. ويُسميها الملحد بالغرائز الأولية instincts. ومن اللافت للنظر أن علم اللغويات الحديثة التي أسس لها نعوم تشومسكي Noam Chomsky تقوم على أن العقل يولد كصفحة بيضاء بل يحتوي على الكثير من المقدمات الأولية knowledge is innate. بل إن أصل علم اللسانيات الحديث لا يمكن دراسته دون التسليم مسبقًا بوجود فطرة منسوجة مسبقًا داخل العقل البشري وأنه ليس صفحة بيضاء. http://en.wikipedia.org/wiki/Universal_grammar فالعقل يمتلك براهين أولية أو قبلية، لا تعتمد على الخبرة ولا يتم اكتسابها أو توريثها عبر الأجيال، ومن هذه البراهين العقلية القبلية الأولية برهان السببية! فهو برهان قبلي أولي لا ينفك ولا ينخرم، فأنت موجود ووجودك لا يُفسر نفسه بنفسه إذن لك موجِد [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {04}.
عدد الصفحات ٣٧ 08 JJJ إنه دليل عقلي أولي كوني، يتجاوز أُطر الزمان والمكان، ولا يتقيد بخبرتنا البشرية بل هو أعم وأعمق. وقِ وام كل العلوم النظرية والتجريبية على برهان السببية، فلولا اضطراد هذا البرهان ولولا استقراره في الأذهان ما صحت معادلة ولا انضبطت تجربة ولا سلّمنا بنتيجة، ولصارت كل العلوم لغو فارغ! فهو برهان كوني أعلى من القانون وعليه تقوم كل العلوم! أيضًا من أدلة الإيمان بالخالق أن هذا العالم موجود ووجوده يفيد عرضيته وتغيره، والعالم لا يفسر نفسه بنفسه، إذن لابد لهذا العالم من موجِد [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {03}. إذن نحن نقوم بالإيمان بالخالق استنادًا إلى برهان عقلي أولي يسبق الخبرة البشرية ويسبق كل ملكاتنا المكتسبة. ثم بأي دليلٍ من خارجنا نحن مُطالبون بالتمرد على خبرتنا البشرية؟ بأي دليلٍ من خارجنا نحن مضطرون لعدم الانصياع لمكتسباتنا البشرية؟ بأي دليلٍ نرفض كل ما تمدنا به حواسنا؟ الآن الموقف انقلب! نحن الذين نُلزم الملحد بالتسليم بما ترصده الحواس وهو يرفض ويعاند، مع أنه داعيه المذهب الطبيعي والمبشر الأول به، أليس كذلك؟ زِد على ذلك أن براهيننا القبلية الأولية أعلى وثوقية من خبرتنا البشرية بكثير وأكثر منها ضبطًا وإتقانًا. زِد على ما سبق أن أدلتنا لا تنحصر في البراهين القبلية الأولية، بل هي أحد البراهين لا أكثر، وإلا فبرهان النبوة هو برهان آخر قائم بذاته و منفصل ع ن البراهين الأولية، أضف إلى ذلك البراهين التي تتجاوز إطار القيد المادي في هذا العالم مثل برهان الأخلاق، فالأخلاق لا مصلحية ولا مادية وتستمد بانتظام معناها وقيمتها من عالمٍ آخر لا علاقة له بهذا العالم المادي المجرد، فهذه كلها براهين على عدم كفاية المذهب المادي، وأننا بحاجةٍ إلى سندٍ ليس من هذا
عدد الصفحات ٣٨ 39 JJJ العالم يبرر وجود هذه الأمور الغير مادية أيضًا برهان انتقال اللاحياة إلى حياة وهو برهان استخدمه القرآن الكريم كثيرًا في إثبات التدخل الإلهي، وهو ما زال حتى اللحظة حجة في وجه كل دعاة الإلحاد، فكل علوم العالم وكل جامعات العالم وكل ما توصل إليه العالم من ذكاءٍ وتقانةٍ وضبطٍ وماكيناتٍ عملاقة لا يستطيع أن يُنتج أبسط صور الحياة، ومع ذلك ما زال الملحد يفترض أن العشوائية أنتجت كل صور الحياة وأنتجت الفيروس والبكتريا والإنسان، إذا لم تكن هذه قمة السذاجة فأين تقبع قمة السذاجة؟ لكن هنا قد يتقافز ملحد ويدعي أن خبرتنا البشرية قد تنخرم كما في فيزياء الكم، وقد يسقط برهان السببية كما أسقطته ميكانيك الكم. وفي الواقع هذه مغالطة سخيفة لا يزال الملحد يكررها كلما أعيته الحجج العقلية الملزِمة. فالحقيقة أنه في عالم الكم توجد السببية وتوجد الأطر المعرفية الكبرى بنفس القدر من الاضطراد، لكن قد لا تتبع الجسيمات ردود أفعال واحدة أو حتمية متوقعة دومً ا، وإنما يكون لها (احتمالات) فيما يُعرف بالدوال الموجية wave function. وهذا ما بيّنه عالِ م الفيزياء والرياضيات الألماني الأشهر ماكس بورن Max Born حيث أوض في أثناء تفريقه بين السببية والحتمية Causality and Determinism أنعالم فيزياء الكم لا تنتفي فيه السببية، ولكن تسقط الحتمية لتحل محلها الاحتمالات، وذلك لا يتعارض مع ما جاءت به الأديان! (1). فلا يوجد شيء يسير في هذا الكون بلا قانون، فالكل مُسخَّر تم اماً، بمنتهى السببية من المِجرة إلى ما دون الذرَّة، وكل معادلات ميكانيك الكم تخضع لقانون وإطار كلاسيكي صارم، ولا تستطيع أن تتمرد على أُسس الميثودولوجيا السببية. يقول ستيفن هاوكنج مستهزئاً بالفلسفة التي تدور في هذا الإطار في كتابه الأخير "التصميم العظيم": "في عام 3255 قام أسقف باريس بوضع منشور من231 هرطقة تجب إدانتها في (3) المصدر الفصل الثاني مِن كتابه الشهير: NATURAL PHILOSOPHY OF CAUSE AND CHANCE.
عدد الصفحات ٣٩ 41 JJJ أنحاء البلاد، وأحد هذه الهرطقات هي الإيمان بالسببية ، وبتلازم قوانين الطبيعة، ولم تمض شهورٌ حتى مات الأسقف بسبب تلازم أحد قوانين الطبيعة حين سقط عليه سقف الكاتدرائية بفعل قانون الجاذبية وبفعل السببية التلازمية!" (1). إن الذي يحارب البديهيات هو مسفسط حتى الثمالة، ولا يفعل ذلك إلا في إطار السفسطة العقلية وفي قاعات الدرس بينما هو في واقع حاله يمارس الإيمان بالسببية في كل لحظةٍ بلا تردد! وحتى ظهور الجسيمات في حالات التذبذب الكمومي Quantum Vacuum Fluctuationsلا يخالف قانون حفظ الطاقة، كما يدعي بعض مروجو العلوم الزائفة من الملحدين! فالتذبذب الكمومي –ظهور الجسيمات لحظي ا ثم اختفاؤها داخل الفراغ الكوانتي - يخضع لبرهان السببية في جميع تجلياته، لكنه لا يخضع للإطار الزمني، وهذا أول الإشكال وآخره! فالجسيمات في الفراغ الكوانتي يمكن أن تقترض طاقة من المستقبل، فتظهر ثم تتلاشى دافعةً القيمة التي قامت باقتراضها بالضبط لحظة التلاشي، لكن هذه المساومة واقتراض طاقة من المستقبل تحدث في الإطار المادي داخل حدود الزمان والمكان، فلولا الزمان المخلوق والموجود لما كان لهذا الاقتراض وجود ولا معنى. فالتذبذب الكمومي خاضع لقوانين متصل الزمكان space time continuum، فالزمان الذي استخدمته الجسيمات لاقتراض الطاقة ليس بُعد منفصل عن المكان بل هو أحد الأبعاد الأربعة" طول، عرض، ارتفاع، زمن " ويدخل مع المكان في نسيج متصل لا يمكن تجزئته أو تمزيقه، كما تقرر النسبية العامة لأينشتاين! ولذا فالتذبذب الكمومي يحدث داخل هذا النسيج بقواعد النسيج وعندما يستلف الجسيم طاقة من المُستقبل، ففي هذه الحالة هذا مستقبل بالنسبة للراصد، لكنه جزء لا يتجزأ من النسيج (3) التصميم العظيم، ص14.
عدد الصفحات ٤٠ 11 JJJ الكوني، وبالتالي استلاف طاقة لا يُ حدِث خرق في قانون حفظ الطاقة؛ لأن النسيج الزمكاني في لحظة حصول الجسيم على تلك الطاقة التي قام باقتراضها ثم إعادتها لحظة تلاشيه لم يتغير شيء في النسيج الزمكاني ، ولم يختلّ قانون حفظ الطاقة، ولم ينفصل الزمن عن الأبعاد المكانية الثلاثة. ولا جدال أن التذبذب الكمومي في جميع صوره يخضع لقانون وإطار كلاسيكي صارم، ولا يستطيع أن يتمرد على قوانين المادة ولا يستطيع كسر قانون حفظ الطاقة. فميكانيك الكم يسير وفق قواعد وقوانين بل وتحكمة أسس ابستمولوجية ثبتت بطرق ميثودولوجية معلومة ومنضبطة! ولو كان ميكانيك الكم عشوائية مطلقة ما أصب علمًا يتم تدري سه في كل جامعات العالم، ويتم الاستفادة من ظواهره في مناحٍ علمية كثيرة مثل شريحة الكمبيوتر التي تكتب من خلالها - فشريحة الكمبيوتر تعمل بالظاهرة الكمومية ولو كانت العملية عشوائية ما استفدنا منها في شيء! - بل إن ميكانيك الكم يسير وفق معادلات رياضية صارمة لا يحيد عنها مثل معادلة شرودينغر Schrödinger equation التي تصف الحالة الكمومية المعتمدة على الزمن، والتي تكاد تطابق قانون نيوتن الثاني في الفيزياء الكلاسيكية. أيضًا هناك معادلة هايزنبرج Heisenberg equation ومعادلة بلانك اينشتاين–Planck in equationEinste وكلها تصف حالات كمومية مختلفة. وميكانيك الكم يستحيل أن يخترق جدار بلانك فكل شيء يجري بضوابط محددة في العالم الكوانتي لا يتجاوزها ولا يحيد عنها ويمكن التنبؤ بتصرفات العالم الكوانتي طبقًا لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرج وفي حدوده. فافتراض الملحد أن العالم الكوانتي يخرق السببية راجع ليس إلى العلم ولا إلى فيزياء الكوانتم، وإنما راجع إلى طبيعة الملحد وطبيعة الباحث عن الزيغ [ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {43}.
عدد الصفحات ٤١ 42 JJJ لكن قد يسأل ملحد ويقول: كيف سلَّمنا من الأساس بصحة مقدماتنا العقلية؟ أيها الملحد! عليك أن تعي أن عملياتنا العقلية تعكس شيء ما عن العالم المادي الذي نسكنه فهي صحيحة. ولذلك أحكامنا ناجحة جد ا وتنبؤاتها صحيحة، وأعطت نتائج جيدة! والبحوث العلمية تحتوي على قدرٍ كبيرٍ من الدقة؛ لأنها ترتبط بواقع مادي يثبت أننا نسير في الاتجاه الصحي ، لكن الأهم من ذلك أن عقولنا ترصد كل ذلك وتحلله وتتوقع النتائج لذا لنا الحق كاملاً في الثقة في أحكام عقولنا. فالعقل استنتج قوانين سقوط الأجسام –قوانين نيوتن الثلاثة- وحين قمنا بتطبيقها جاءت النتائج صحيحة تمامًا. وأيضًا صدقت تنبؤاتنا واستطاع أينشتاين أن يُ دخل بعض التعديلات على قوانين نيوتن في السرعات الأعلى وجائت نتائجه أيضًا مبهرة وعلى قدرٍ مدهشٍ من الدقة والضبط بما يعطينا ثقة أعلى في أن أحكام عقولنا ليس وهم فارغ أو سراب خادع! والعلم نفسه مؤسَّ س على أمل أن العالم عقلاني –مستوعَ ب عقلي ا –في جميع مناحيه المشهودة ولم تنخرم هذه القاعدة حتى الساعة، وفي الفيزياء النووية وفيزياء الأفلاك ظلت قدراتنا العقلية غير خادعة بالمرة بل هي ثابتة ومتزنة وتعطي أحكام لها طابع الوثوقية العالية. وليس معنى عدم استيعاب عقولنا لأشياء مثل توحيد النسبية مع الكمية أي تشكيكٍ في قيمة عقولنا فلا يعني ما لم نصل إليه افتقاده للمعقولية! وإنما يعني طبيعتنا البشرية القاصرة لا أكثر، وهذا لا يُخرج العقل عن مصداقية أحكامه! فلا يعني عدم مقدرة الآلة الحاسبة جمع أرقام تزيد على عشرة أرقام خطأ ما تتوصل إليه، وإنما طبيعة تصميمها لا يتي لها إلا هذا القدر من المعلومة وما فوق ذلك يتجاوز مقدرتها، ولا يُ شكك هذا التجاوز في معطياتها؛ لأن كل معطياتها –العمليات الحسابية - بالتطبيق المادي سليمة وتنبؤاتها صحيحة. أضف إلى ذلك أن قانون المربع المقلوب للقوة الكهربية تم إثباته دائمًا، فهذه محاكمة
عدد الصفحات ٤٢ 13 JJJ استقرائية ناجحة تمامًا وهي أساس نجاح العلم ذاته! فالعلم يقوم على إمكانية الاعتماد على الطبيعة من خلال محاكمة استقرائية عقلية مسبقة، توفر قناعة أن المربع المقلوب للقوة الكهربية سيظل ثابتًا في التجربة التالية، وبالتالي فالحكم العقلي سليم! فالزعم بأن الكون عقلاني مرتبط بحقيقة أنه منظم! والتشابك المنضبط للأحداث –مثل غليان الماء عند مائة درجة مئوية- يمدنا بانتظام بتأكيد صحة مقدمتنا العقلية عن السببية! فالسببية هي أحد مظاهر النظام العقلاني للعالم، وجميع الأحداث التي نرصدها تدور في إطار سبب ونتيجة! وفي الختام قد يقفز ملحد ليقول: اتفقنا على صحة المقدمات العقلية، وعلى صحة أن هذا الوجود لا يفسر نفسه بنفسه، لكن لماذا تقول: إن خالقه هو الخالق تحديد ا؟ وهنا يقُفّ الشعر من سفاهة القول ووقاحة المنطق وبجاحة الفروض العقلية، فهل أنت تُنكر وجود طارق للباب لمجرد أنك لا تعرف مَن الذي يطرق الباب الآن؟ هل تنكر وجود أستاذك لمجرد أنك لا تعرف اسمه؟ هل تنكر وجود ركاب بالطائرة أو قائد لها لمجرد أنك لا تعرف مَن هم؟ لماذا تصادر على المطلوب وتقفز على الإلزام وتتجاوز التكليف العقلي المباشر الذي لا يحتمل ترددًا بفرضٍ آخر وسؤالٍ آخر لا علاقة له بما يُكلفك به البرهان؟ تقافزك لا يُخرجك من الإلزام، وتجاوزك لا يُسقط عنك التكليف بما عرفت عبر الأدلة الماثلة في الأنفس والآفاق! وهنا قد يقول الملحد: سلّمنا لك بوجود الخالق فلمَ هو الله –سبحانه- وليس إله آخر من الآلهة الموجودة في الديانات المختلفة؟ الرد:
عدد الصفحات ٤٣ 44 JJJ لا يوجد سوى الخالق سبحانه "الله" ولم نستمد هذه المعرفة الخاصة إلا ببرهان "النبوات"، ولا يختلف أهل الأرض جميعًا في أن الخالق الواحد الأحد هو "الله"! وخلافنـا مع بقية الأديـان ليس لأنهم لا يعبدون الله، ولكن لأنهم جعلوا لله شركاء في الدعـاء والطلب والتصرف في الكون. فجميع أديـان الأرض تعبد الله وهو عندهـا الخالق العظيم، حتى أكثر الديانات إغراقاً في الوثنيـة؛ لكنهم جعلوا له شركـاء متشاكسون نسبوهم للخالق واعتبروهم أدنى منه منزلةً - آلهة صغيرة – Subordinationism. لكنهم مع عبادتهم لهذه الآلهة الصغيرة يعترفون ويُقرون بوجود الله سبحانه بل إن الأصنام ما عبدها البشر إلا وساطةً لله عز وجل [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {0}. يقول الشهرستاني عن أوثان العرب قديمًا: "أما الأصنام فلم يكن العرب يعبدونها لذاتها، ولم تكن عندهم أكثر من قطعة حجر". [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] {33}. وليست آلهة الهند الكثيرة حاليًا إلا كأوثان العرب الأقدمين، فهي وسائط لله الخالق ولا يعبدونها لذاتها! وهذا ما ذكره التقرير المرفوع إلى الحكومة البريطانية في الهند وفيه: " أن النتيجة العامة التي انتهت إليها اللجنة من البحث هي أن كثرة الهنود الغالبة تعتقد عقيدة راسخة في كائن واحد أعلى"(1). ويرى ول ديورانت أن هذه الألوف من الآلهة فقط يتم تقديسها كما تفعل الكنائس المسيحية من تقديس لآلاف القديسين، فلا يتطرق إلى ذهن الهندي ولو للحظةٍ واحدةٍ أن هذه الآلهة التي لا حصر لعددها لها السيادة العليا(2). ولذا فقد كان النزاع بين الرسل وأقوامهم في توحيد الألوهية " إفراد الله بالعبادة "، لا في (3) موسوعةقصة الحضارة، ول ديورانت، مجلد 1 ص211. (2) المصدر السابق.
عدد الصفحات ٤٤ 15 JJJ توحيد الربوبية"إفراد الله بالخلق ". ولهذا لم يَرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ومن ظن في عُباد الأصنام أنهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالم، أو أنها تُ نزل المطر، أو أنها تنبت النبات، أو تخلق الحيوان أو غير ذلك، فهو جاهلٌ بهم. بل كان قصد عباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور للقبور المعظمة عندهم »(1). فالله سبحانه هو المعبود في جميع ديانات الأرض، وخلافنا مع بقية الديانات نابع من إشراكهم في الألوهية -إفراد الله بالعبادة-، لا في الربوبية -إفراد الله بالخلق-. لكن الذي يزعج كل عاقل أن يُنكر ملحد الخالق وينكر الإلزام بالأدلة لمجرد زعمه عدم معرفته بمَن خلق، فيكون كالذي يُنكر وجود بشر بنوا المدينة لأنه لا يعرف أسمائ هم! x q k (3) مجموع الفتاوى3/111.
عدد الصفحات ٤٥ 46 JJJ الجرعة الثانية عشرة الرد: أولًّا: كل شيء له سبب، وهذا لا يمنع وجود خالق بل يؤكد وجوده، فلماذا يقوم الملحد بترحيل قضية كفره إلى هذا السؤال السفسطي؟ وكأن إلحاده ليس حل في ذاته، وإنما هو موقف وقتي إلى حين إيجاد حل لهذا السؤال. ثانيًّا: كل شيء له سبب، لكن الله ليس كمثله شيء [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ] {33}. ثالثًّا: الحل الديني لهذه المسألة ذكي وبسيط ويستوعبه أي عاقل فالخالق غيب ولا ينطبق عليه ما ينطبق على مخلوقاته، وبالتالي فبديهة أن كل شيء يجب أن يكون له سبب لا تتعارض مع من ليس كمثله شيء. والخالق خارج حدود الزمان والمكان وموجد الزمان والمكان، فلا تنطبق عليه قوانين موجوداته بداهةً . رابعًّا: الحل الذي يقول بالتسلسل اللانهائي ممتنع عقلاً ، ونسوق هنا مثال الجندي و الرصاصه " لو كان هناك جندي يريد إطلاق رصاصة و لكن يحتاج لأمر من قائد أعلى منه، والقائد ي حتاج لأمر من قائد أعلى منه الخ إلى ما لانهاية، فلن تنطلق الرصاصه أبدًا ". والمثال يبين كون التسلسل السببي إلى ما لانهايه ممتنع، ويجب وجود سبب أول لا سبب له بدأ السلسلة، هذا واجب عقلي ومنطقي، وعليه فهذا السبب بالتأكيد ليس كمثل أي شيء – ميتافيزيقي-. خامسًّا: الطرح الديني في هذه القضية هو الطرح الأكثر منطقية وعقلانية والأكثر إحكامًا، فوجود خالق ليس من هذا الكون وليس كمثله شيء أزلي موجد للكون وخالق له هو الحل الأقرب للعقل. k q x
عدد الصفحات ٤٦ 17 JJJ الجرعة الثالثة عشرة هل يمكن أن تحل الهيومانية Humanism – الإنسانية– بديلاً عن الدين؟ هل يمكن أن يحيا الجنس البشري بلا دين؟ هل يمكن التأسيس للقيمة والمعرفة والغاية والأخلاق في غياب الإله؟ لقد عاش الجنس البشري آلاف السنين تحت تأثير الدين، واستطاع الدين أن يوفر جميع أوجه الحياة الأخلاقية والقانونية والعقائدية وحتى اللغة، ومن ثَمَّ فمن حقنا أن نتساءل عما إذا كان من الممكن إنتاج جيل ملحد إلحادً ا كاملاً ؟ لكي تنج هذه المحاولة لابد من التنشئة في عزلة تامة عن كل دين وعن كل فن وعن كل دراما للوجود الإنساني، وإلغاء كل ما يمكن أن يَ ستحضر النشء أمامه من رؤيا لعالم آخر، وبالتالي إلغاء جميع الأعمال الفنية التي تُ صور صراع الإنسان في العالم وتطلعه لعالم أفضل ؛ لأن كل هذه الأ مور ستؤدي إلى شعور الإنسان بالاغتراب في هذا العالم، وهو شعور ميتافيزيقي روحاني بحت. في الواقع هذا أمر صعب في الوقت الراهن ؛ لأن الملحدين يعيشون في ظلال الدين ، ويمكننا أن نزعم أن كل أخلاق الملحد هي مجرد تأثر بالدين ومبادئه الأ خلاقية الأساسية، بطريقة صامتة غير محسوسة ولكنها ثابتة، فقد تربى الملحد في ظلال الدين عشرات السنين وهو في نقده للدين يتأثر بأخلاق من ينتقدهم . إن جوهر الإنسان في أخلاقياته وليس في طبيعته المادية هذه حقيقة ثابتة-. إن أخلاق الملحد هي عطية الدين هكذا علينا أن نزعم إلى أن ينشأ مجتمع إلحادي كامل. لكن بعيدًا عن زعمنا، سن حاول أن نتصور تصورًا إبستمولوجي ا – معرفي ا- مجرد صورة مبسطة للقيمة والأخلاق من منظور مادي إلحادي مُجرد بناءًا على رؤية الملحدين أنفسهم. أثبت فلاديميير لينين – مؤسس الدولة البلشفية الملحدة- أن الأخلاق خدعة ميتافيزيقية، وقرَّر فريدريك إنجلز – أبو النظرية الماركسية – في كتابه "أصل العائلة والدولة والملكية الخاصة"؛ أن النظام الأُسري نظام برجوازي، وأن شيوع النساء وإلغاء منظومة الزواج هو الحل
عدد الصفحات ٤٧ 48 JJJ الأقرب لروح الإلحاد المادي لكن لماذا لا نكون أكثر تفاؤلاً وأكثر تنزلاً ، ونفترض أنه تم التأسيس للمجتمع الإلحادي الكامل بناءًا على أخلاق مثالية! أخلاق كاملة كالتي نادى بها الدين، أخلاق أصلية واضحة وراسخة في الذهن البشري! لكن في هذه اللحظة على دعاة الإلحاد أن يطلبوا من الناس مزيد ا من المثالية والتضحية، ربما أكثر مما طلب أي نبي من قومه باسم الدين، فليس ثَمة إغراءات ماورائية، وليس ثمة تطلع أُخروي يبرر التضحية والالتزام بالمُثُ ل العليا التي هي جوهر القضية الأخلاقية! وكما يقول المفكر الإنجليزي جون لوك: " إذا كان كُل أمل الإنسان قاصرً ا على هذا العالم، وإذا كنا نستمتع بالحيـاة هنا في هذه الدنيـا فحسب، فليس غريبً ا ولا مجافيً ا للمنطق أن نبحث عن السعادة ولو على حساب الآباء والأبنـاء". إنها معضلة وأي معضلة؛ لكن سنتنزل مرةً أُ خرى ونتصور أنه تم التأسيس للمجتمع الإلحادي الكامل، ونتصور أن هؤلاء الملحدين قرروا التضحية وتبني نموذج أخلاقي ، إمعانً ا في تحدي مجتمع المؤمنين ، وقرروا أن يتركوا الشر والظلم، وقرروا أن يلتزموا بالأخلاق المثالية، هنا ستظهر المعضلة التي بلا حل، فداخل العالم الإلحادي لا يوجد معنى مادي للشر أو الظلم، فالشر أو الظلم هو وضع الشيء في غير محله، ومحل الأحداث في عالم الإلحاد المادي، هو نفس المحل الذي تحدده القوانين الفيزيائية، و بما أنه لا توجد ذرة تخالف تلك القوانين، إذن كل حدث في الكون المادي قد وُضع في محله المادي ، ولذلك المفترض ألا يوجد في المجتمع الإلحادي ولا في الكون المادي ظلم أو شر. فالإنسان مُستَوعب تماما في الطبيعة ، قوانين الطبيعة هي قوانينه ، تسري عليه الحتمية المادية الفيزيائية بمنتهى الأداتية المعرفية، فلا يمكن الاستقلال برؤية متجاوزة أو مغايرة لما تفرضه المادة، وإلا لاعتبرنا أن للإنسان أصلاً آخر ومقدمة أُخرى وانهار الإلحاد. أيضًا العقل مادة مُتلقية طبيعية لا تتجاوز هذا الإطار، والحالة النفسية الحاكمة في النموذج الإلحادي هي حالةً نفسيةً للمادة وليس للروح، وبالتالي لا يمكنُها أن تُخَطِّئ حالةً ماديةً أخرى ،
عدد الصفحات ٤٨