115 JJJ الجرعة الحادية والثلاثون (*) أحد الأصول الكبرى التي ينبني عليها الإلحاد هو: "تقعيد الاستثناءات". وتقعيد الاستثناءات تعني: جعل الاستثناء قاعدة. وهذا أصل إلحادي كبير! قال الله تعالى: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ] {7}. فإذا شهد الملحد شخصًا مريضًا حكم بأن الشر أصلٌ في العالم [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {7}. وإذا شهد جواز التعدد في النكاح حكم باستلاب كافة حقوق المرأة، وإذا شهد جواز الخُلع حكم باستلاب كافة حقوق الرجل. وهكذا صار أصل الإلحاد تقعيدًا للاستثناءات! (*) هناك نقطة جميلة ذكرها الأخ الحبيب د.مهاب السعيد في كتابه "الإجابة" بشأن موضوع الشر وهي أن: مشكلة الشر مشكلة نصرانية لا علاقة لنا بها أصلاً! لكن كهنة الإلحاد ينقلون لنا إفراز ملاحدة الغرب بلا وعي بالثقافة الإسلامية، وكأنهم لم يقرئوا يومًا ما سطرًا في الإسلام! هذه القضية لا تمثل لنا أدنى مشكلة. المشكلة هي مع النصرانية حيث ترى النصرانية أن الإله محبة وأنه صلب ابنه –الذي هو نفسه أيضًا - على الصليب من أجلنا، وهنا تظهر المشكلة الكبرى إذا كان الله محبة وصلب ابنه لماذا ما زال للشر موجودًا؟ أين المحبة؟ أما في الإسلام فالشر والخير ابتلاء من جملة الابتلاءات [ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ { ]04}. والله فيالإسلام كما له كل صفات الجمال –المحبة والرضا والعفو والرحمة- كذلك له كل صفات الجلال فهو العزيز المنتقم القوي المتعال!
عدد الصفحات ١٤٥ 046 JJJ وهذا التقعيد الذي يمارسه الملحدة الجدد يسري على أحكام الشريعة والجهاد والنكاح والبيوع والمعاملات، والفتن والبلايا والأوجاع والشرور والتكليف وكل شيء! فهذا أصل جوهري من أصول إلحادهم. مع أن الإلحاد لو كان صحيحًا لما استوعبنا وجود الشر ولا الخير، ولا استوعبنا الحكم على أمثال هذه القضايا بأحكامٍ كليةٍ، وكأن معنا تركيبًا عقلي ا متجاوزًا نعطي خلاله أحكامًا وتصير هذه الأحكام صحيحة. فمِن أين لنا بهذا السلطان thorityau التي نحكم من خلاله ونعطي تقييمًا؟ هل العالم المادي الذي يفتقد للمعيارية أصلاً يعطي هذا السلطان وهذه الوثوقية في الأحكام؟ إن حُكم الملحد وقراره بخطأ هذا وصحة ذاك، وخيرية هذا الحكم وشر الحكم الآخر. هذه القرارات التي يصدرها الملحد تعني خطأ الإلحاد ذاته. فلو كنّا أبناء هذا العالم فلن يبدو فيه شر ولا خير، ولن تعرف معنى الخطأ ولا الخلل وهذا ما يقرره بالحرف ريتشارد داوكينز Richard Dawkins–عرّاب الملحدين في العالم- حين قال: "الكون في حقيقته بلا تصميم، بلا غاية، بلا شر ولا خير"(1). فإذا كانت قسوة عمياء غير مبالية كما تقولون وكما تصفون الكون. فكيف أنت تبالي بالخير أو بالشر؟ إن مبالاتك بالخير والشر وتساؤلك عن وجود أطفال مشوهين، أو وجود ظلم في هذا الحكم الشرعي او ذاك. لهو أكبر دليل على سخافة التصور الإلحادي للوجود! فالمرء لا يصف خط ا بأنه غير مستقيم إلا إذا كانت لديه فكرة ما عن ماهية الخط المستقيم. وإذا كان العرض كله سيئً ا وتافهً ا من الألف إلى الياء كما تزعمون، فلماذا وجدت نفسك )1( The universe we observe has precisely the properties we should expect if there is, at bottom no design, no purpose, no evil and no good. River out of Eden, p.131-132.
عدد الصفحات ١٤٦ 117 JJJ أيها الملحد في ردة فعل عنيفة هكذا تُجاهه، مع أنك من المفترض جزءٌ من العرض؟ فلو كان الكون كله عديم المعنى لما كان قد تبين لنا إطلاقً ا أنه عديم المعنى. فالوضع شبيه بهذا تمامً ا: لو لم يكن في العالم نور، ولم تكن في العالم مخلوقات لها أعين لما كُنا نعرف قطعً ا أن الظُلمة مسيطرة ولكانت الظُلمة كلمة عديمة المعنى(1). فاستيعاب التشوه واستيعاب الخطأ يدلان علىاستقرار الكمال في الفِطر، ولولا ذلك لما أدركنا معنى الخلل، وكل هذه مفاهيم لا تنتمي إلى هذا العالم المادي اللامعياري في شيء! إذن الشر هو أكبر دليل على أننا لسنـا أبناء هذا العالم؛ واستيعابك للشر دليلٌ على أ ن المقدمة الدينية موجودة وصحيحة. لأنه لا بديل ثالث! إما مقدمتك الإلحادية: وهذه تفتقد للمعي ارية، وبالتالي لا تستطيع عبرها أن تستوعب الخطأ ولا الشر. وإما المقدمة الدينية: وهذه المقدمة تؤكد وجود الكمال ووجود الفِطرة التي تستوعب ذلك الكمال، وتؤكد هذه المقدمة أن الشر لحِكمة والخير لاختبار. فهي مقدمة متسقة مع ذاتها وتملك تعليلاً ومعنًى وقيمةً للأحكام! أضِف إلى ما سبق: أن وجود التشوه يُسقط الإلحاد رياضي ا لو كنت تعي! فلو كانت قضية وجود الإنسان في هذا العالم محض صدفة وتطور، فلن ينشأ إنسان واحد معافً ى بالصدفة، ولا كائن أقل تطورًا ولا ميكروب ولا حتى عضية خلية بل ولا إنزيم واحد ! فلو افترضنا أن الكون كله تحوّ ل إلى برميلٍ من الأحماض الأمينية –البنى التحتية للبروتين - ومضى على هذا البرميل مليارات أضعاف عمر الكون فلن يُنتج إنزيم واحد متخصص فضلاً عن آلاف الإنزيمات والبروتينات المتخصصة التي توجد في أدنى الكائنات الحية وأبسطها. وهذا ما يعترف به الملحد العنيد فريد هويل Fred Hoyle حين يقرر أن فرصة الحصول على فقط مجموعة الإنزيمات لأبسط خلية حية تصل إلى 31 أس110111 مع أن عدد الذرات )1( C.S. Lewis response بتصرف .
عدد الصفحات ١٤٧ 048 JJJ في الكون كله لا تتجاوز31 أس11(1). بل مجرد افتراض أن البرنامج المنظم للخلية الحية، يمكن أن يظهر بالمصادفة في الحساء البدئي لبيئة الأرض الأولى، هو هراء على أعلى مستوً ى ممكن؛ كما يقول بالحرف فريد هويل. Is evidently nonsense of a high order)2(. وهذا نفس ما توصل إليه اللاديني فرانسيس كريك Francis Crick مكتشف جزيء الDNA حيث يقرر أن نشأة بروتين واحد وظيفي بسيط بالصدفة هو ضرب من الاستحالة يكاد يفوق 31 أس211 مع أن عدد ذرات الكون ككل كما قلنا لا تتجاوز31 أس11، هذا في بروتين وظيفي بسيط. مع أن أدنى الكائنات به آلاف البروتينات، وفي النهاية يعترف فرانسيس كريك قائلاً: "كرجل منصف، ومُسل بالعلم المتاح لنا الآن، أستطيع أن أُقرر بشيءٍ من المنطق، أن نشأة الحياة معجزة"(3). )1( the chance of obtaining the required set of enzymes for even the simplest living cell without panspermia was one in 1040,000. Since the number of atoms in the known universe is infinitesimally tiny by comparison (1080). )2( The notion that not only the biopolymer but the operating program of a living cell could be arrived at by chance in a primordial organic soup here on the Earth is evidently nonsense of a high order. Sir Fredrick Hoyle and Chandra Wickramasinghe, Evolution from Space (New York: Simon & Schuster, 1984), p. 148 " )3(If a particular amino acid sequence was selected by chance, how rare an event would this be ? "This is an easy exercise in combinatorials. Suppose the chain is about two hundred amino acids long; this is, if anything rather less than the average length of proteins of all types. Since we have just twenty possibilities at each place, the number of possibilities is twenty multiplied by itself some two hundred times. This is conveniently written 20200 and is approximately equal to 10260, that is, a one followed by 260 zeros .
عدد الصفحات ١٤٨ 119 JJJ فإذا كنت أيها الملحد صادقًا مع نفسك في طرحك للشبهة فودِّع إلحادك قبل أن تطرحها! فوجودك ذاته دليل على خطأ إلحادك. واستيعابك الشبهة دليل إضافي على وجود الفطرة والمقدمة الدينية. لذلك أقول أن الملحد لحظة إلحاده يشبه قول القائل: "أعطني معجزة واحدة مجانًا –خلق الحياة، خلق الكون، خلق الجينوم، خلق الفطرة، خلق القيم الأخلاقية، خلق منظومات الحدود الحرجة فيزيائي ا وكيميائي ا،....- وسأشرح أنا البقية". أما عن جواب "معضلة الشر" -كما يُسمونها- من منظورٍ ديني فنزيده تفصيلاً كما يلي: الشر موجود لأنك في عالم اختباري تكليفي توجد فيه بعض الغوامض التي لا تستوعبها لكن تكِ ل علمها إلى الله، وهذا هو التصرف الحكيم المُطالب به [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] {7}. فأنت تجد المحكم –الأطفال الأصحاء - وهو الأشمل والأعم ، وتجد المتشابه – المشوهين- في صورةٍ لها حِكمته ا التي قد تخفى عليك، والمطلوب منك أن تكِل علم هذا المتشابه إلى الله؛ لأن حكمتك ليست كُلية وربما يَ فت الله لك بالجهد العلمي المادي، والجهد الإيماني الروحي وتطلع على شيءٍ من الحكمة! [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {431}. يقول ديكارت في كتابه"التأملات": "ليس لدي أدنى سبب يجعلني أتذمر من أن الله لم يمنحني قدرة أعظم على الفهم، أو أنه لم يهبني نورًا طبيعي ا أكثر مما وهب، فمن الطبيعي أن تظل "Moreover, we have only considered a polypeptide chain of rather modest length. Had we considered longer ones as well, the figure would have been even more immense. The great majority of sequences can never have been synthesized at all, at any time". pp. 51-52 "An honest man, armed with all the knowledge available to us now, could only state that in some sense, the origin of life appears at the moment to be almost a miracle, so many are the conditions which would have had to have been satisfied to get it going." Life Itself: Its Origin and Nature, P.88
عدد الصفحات ١٤٩ 001 JJJ هناك أشياء غير مفهومة بالنسبة لفهمٍ محدود، ومن الطبيعي أن يظل الفهم المخلوق محدودًا"(1). فقوام التكليف على اكمة وقوام الحكمة على اخففاء! فلو كان الله موجودً ا فما المـانع أن تكون له حكمـة في تدبير الامور؟ فما أبعد أحكامه سبحانه وتعالى عن الفحص، وطُرقه عن الاستقصاء(2). وقد جلَّى الله الحِكمة من أفعال الخضر لسيدنا موسى –عليه السلام-، مع أنها أفعالٌ تُ عد ظاهري ا مُ نكرة وغير مستساغة، لكنها تكتنف على خيرٍ عظيم، وقصة موسى والخضر لم تأت في القرآن من باب السرد والحكايا، لكن من باب التدبر والإخبات والإقرار بقصور النفس البشرية وحكمها المُتعجل. ثم إنك لو تدبّرت أحوال العباد؛ فقد تجد عجبًا. وقد تحزن على حال الذي يموت في سن المائة بضيق الشرايين التاجية، وتفرح لمآل الذي وُلِد مشوَّ هً ا. فالعبرة لا تقاس بمُ عاملٍ واحدٍ في مسألةٍ متشابكةٍ كالإنسان، فربما المشوه يجد الوقت ليتدبر ويرتقي، وابن المائة سنة يرتع في الملذات ويسقط في الدركات. لذا التبسيط واختزال المُ عاملات في مُ عاملٍ واحد أسلوبٌ غير مقبولٍ منطقي ا وغير صحي ديني ا، لكنه الحجة الباقية للملحد، وبدون هذا الأُسلوب لن تستقيم له شبهة. فلا يجوز لملحدٍ أن يحتجَّ في باب الحِكمة الإلهية بشيءٍ ، لأن الملحد بداهةً ليس كُلي العلم، ولا يعرف ما في غدٍ حتى يُقرر ويعطي نظرةً شموليةً على مسألةٍ لم يستوعبها. فحُكم الملحد على الأمور التي تخفى فيها الحِكمة قـاصرٌ بقصور الطبيعة البشرية نفسهـا، وبقصور نظرتهـا الإدراكية. فالاستيعـاب الشمولي، والحُكم الكُلي، ليس مجال النفس البشرية ولا يقع في نطاق قدراتهـا القاصرة، وبالتالي فلا يحق للملحد أن يتحدث في باب الحِكمة الإلهية بشيءٍ أو يعطي )1( Descartes, R., Meditations and Other Metaphysical Writings, p.49 . (نقلاً عن كتاب ثلاث رسائل؛ د.عبد الله الشهري، مركز نماء) (2) قول كتابي–منقول عن الكتب المقدسة القديمة، الرسالة إلى رومية إصحاح 33 عدد11-.
عدد الصفحات ١٥٠ 151 JJJ فيها رأيًا فالبقعة السوداء قد تكون فى الصورة كلها لونً ا من ألوانها التى لا غنى عنها –كما يقول محمود عباس العقاد رحمه الله -، ونحن فى حياتنا القريبة قد نبكى لحادثٍ يعجبنا ثم نع ود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته. فسبحان الخالق المدبِّر! المهم خلاصة ما نريد أن يرصده القلم، ويثبت عليه البصر، ويستجليه القلب، أن إطباق الملحدين على تقعيد الاستثناءات صار أصلاً لا ينفك رصده عمن قرأ خطابهم! والحمد لله رب العالمين x q k
عدد الصفحات ١٥١ 002 JJJ الجرعة الثانية والثلاثون دائمًا ما ينتابني شعور بالغثيان كلما رأيت بحثًا لملحد يضع بجانبه تمثال المفكر Le Penseur - تلك المنحوتة الموجودة في باريس والتي تشير إلى رجل يتأمل بعمق-، أو يضع صورة لأحد الفلاسفة القدامى مكان صورته، ويجهل المسكين أنه يُمجد مَن دمروا فلسفته الإلحادية عبر العصور، فعندما يتحدث الملحد عن الفلاسفة أو يفخر بجهودهم، فهو يُشبه اليهودي الذي يفخر بجهود هتلر وجوبلز. يا نيافات الملحدين ويا حضرات الشمامسة الصغار، ويا كهنة الإلحاد! إن أصل الفلسفة وقوامها وغايتها هو التأسيس للدين ومحاربة الوثنية في كل مكان، وقد كان فلاسفة هليوبوليس وفلاسفة منف Menphis وفلاسفة الأشمونين يعيشون لقضية الكبرى وهي: محاربة كهنة الوثنية في معابد مصر، وكانت جهود طلاب الفلسفة في تلك الحقبة تدور حول رد الآلهة جميعًا إلى الله الواحد الأحد، وكانت هذه الجهود قبل ظهور أخناتون بحقب طويلة، وقد انتصرت جهود هؤلاء في كثير من الأوقات وتمّ الإعتراف رسمي ا بوحدة الإله الخالق في مذهبي عين شمس ومنف قبل إخناتون بكثير على يد فلاسفة منف وهليوبوليس(1). وأصب للتوحيد السيادة الكلية في مصر وصار عقيدة الجميع في الفترة من3151ق.م إلى3115 ق.م ولا نستبعد بل ونُرج بشدة أن يكون طلاب الفلسفة هؤلاء هم تلاميذ الأنبياء وأتباعهم، فمن الصعب بمكان تخيل استقلال العقل بفكرة التوحيد - توحيد الله -، بل والدعوة إليها ووجود صدى لها عند جموع الشباب والمثقفين وقيام الثورات من أجل تحقيق ذلك المطلب الأسمى؛ نقول: لم يكن ليتحقق كل ذلك دون قبس إلهي ونقولات النبوات وعقيدة مترسخة في العقل القديم تقول بالتوحيد وأنه الأصل، وأن كهنة المعابد خانوا الأمانة فوجبت الثورات المتتالية عليهم والتي لم تتوقف يومًا حتى في عصور الاستعمار الطويلة. (3) the culture of ancient Egypt p.228-Wilson، ترجمة دكتور عبد العزيز صال.
عدد الصفحات ١٥٢ 153 JJJ يقول الشيخ نديم الجسر في رائعته: «وإني أرَ جِّ ُ أن كثيرً ا من فلسفة الأقدمين في مصر والصين والهند هي بقايا نبوات نسيها التاريخ فحُشر أصحابُ ها في عداد الفلاسفة، ولعلهم من الرسل أو اتباع الرسل»(1). وإذا تركنا مصر واتجهنا شمالاً حيث ياقوتة الفلسفة في كل العصور ودرة الفلاسفة دولة اليونان القديمة، فإن أصل وقوام الفلسفة اليونانية هو تحرير العقل من أسر الوثنية والدعوة للإيمان بالخالق الواحد، وكان هذا هو السبب في الحكم بالإعدام على الفيلسوف أناكساغوراس، واضطراره إلى الرحيل عن أثينا- حتى لا يُنفذ فيه الحكم-، فقد كانت تهمته المباشرة هي الدعوة للتوحيد ونبذ الوثنية. بل إن الذي لا خلاف عليه بين المؤرخين هو أن غاية كل فلاسفة اليونان هو تصحي الوثنية الإغريقية وإعادة ضبطها على النمط التوحيدي، وقد تكفل ذلك إصدار أحكام بالإعدام على كثيرين من هؤلاء الفلاسفة بعد نقدهم لوثنية أشعار هوميروس وهيزيود(2). وقد انتقد كزيونفان بشدة وكذلك أفلاطون ومن قبلهما فيثاغورس و....، الصورة الوثنية لآلهة اليونان، وقد كان أفلاطون ينص بعدم تدريس أشعار هوميروس للأطفال، لما فيها من إخلال بسمو الإلوهية، ولم يعترف أناكساغور وسقراط وأنتيستين وأفلاطون و غيرهم من الفلاسفة إلا بإله واحد رافضين التعدد الوثني(3). فتنزيه الألوهية وتوحيدها كان المطلب الأسمى لفلاسفة اليونان، فقد كانت الفلسفة رؤية مشغولة بهاجس الوثنية ومحاولة تنقيتها وإعادتها إلى التوحيد الصحي ، وهذا ما ظهر مع نشأة الفلسفة على يد طاليس وأنكسيمندر وأمباذوقليس، فلم تكن الفلسفة لتظهر عل ى يد هؤلاء باصطلاحها المعروف اليوم إلا من أجل نفي الوثنية والدعوة للتوحيد وتنزيه الخالق. وكانت المدرسة الإيلية التي أسسها الفيلسوف كزينوفان مدرسة توحيدية لتعليم الناس التوحيد الخالص ومحاربة الوثنية بكل صورها، وكان مستند محاكمة وإعدام سقراط هو ما جاء (3) قصة الإيمان ص11. (2) في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة، د. الطيب بوعزة، ص212. (1) م س نفس الصفحة.
عدد الصفحات ١٥٣ 004 JJJ في صكالاتهام أنه " لم يكن يؤمن بالمعتقد الديني للمدينة" فقد كان سقراط داعية التوحيد وتنزيه الله، ولم يخرج أرسطو من أثينا هاربًا إلا للفرار بالعقيدة التوحيدية حين قال كلمته الشهيرة" لا أُريد لأثينا أن ترتكب في حق الفلسفة حماقة أُخرى مثلما ارتكبتها عندما أعدمت سقراط". إننا هنا لسنا بصدد الدفاع عن الفلسفة أو تبرير وجودها في وجود النص الديني الأنقى والأسلم والأقرب والأحكم والأعلم، لكن أن يتجرد قمص ملحد لتمجيد الفلسفة فهذا يعني غياب العقلاء عن الساحة وانفراد المجاذيب والمخابيل بالحضور. إن الفلسفة في أصلها نزوع نحو التنزيه، بل ربما الإفراط في التنزيه- التوحيد الأرسطي- وبالتالي فهي حجر عثرة لكل ملحد، ولا يليق بملحد عاقل أن يدافع عنها فضلاً عن أن يمجدها، فالفلسفة ظلت طيلة 22 قرن تمثل سند معرفي مباشر ودعم ظاهر لكل المدارس المؤمنة x q k
عدد الصفحات ١٥٤ 155 JJJ الجرعة الثالثة والثلاثون صراحةً هذا السؤال يكرره الملاحدة كثيرًا، وهو يمثل خرافة من أسخف ما يكون؛ وقد رددت على هذا السؤال في كتابي كهنة الإلحاد الجديد وأنقل منه الآن شاهدًا: لا يوجد في تاريخ أُمة الإسلام ملحد واحد، ومشكلة الملحد العربي أنه لا يعرف الفرق بين الإلحاد الاصطلاحي والإلحاد في اللغة.. فيظن أن كل شخص أُطلق عليه لفظة ملحد أنه مُنكر للصانع..!! فالإلحاد في اللغة يشمل كل من يميل عن شرع الله.. أما الإلحاد الاصطلاحي الذي يعني إنكار الصانع فهذا لا يُعرف في تاريخ أُمة الإسلام.. ولا يوجد في تاريخ أُمة الإسلام عبر التاريخ وعبر الجغرافيا مُلحد واحد..!! لا يوجد في تاريخ أُمة الإسلام عبر التاريخ وعبر الجغرافيا مُلحد واحد..!! يقول ابن رشد: « إن العرب كلها تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى»(1) . ويقول الشهرستاني : «وشبهات العرب مقصورة على شبهتين..إنكار البعث وبعثة الرسول»(2). ويقول الشهرستاني أيضً ا: «أما تعطيل الصانع العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحد.. ولا أعرف عليها صاحب مقالة»(3). ولذا«لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك»(4). (3) منهاج الأدلة ص321. من كتاب ( العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية. د.فرج الله عبد الباري أُستاذ العقيدة والأديان.دار الآفاق العربية.ص11 ). (2) الملل والنِحل1-311. ( نفس المصدر السابق ص11 ). (1) نهاية اقدام ص321. ( نفس المصدر السابق ص11 ). (1) المصدر السابق.
عدد الصفحات ١٥٥ 006 JJJ بل وقد ذهب الآلوسي وابن كثير في تفسيرهما إلى أن الدهرية كانوا يؤمنون بالله لكنهم ينكرون البعث وهذا في تفسيرهم قول الله تعالى: [ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ] {42}. وليس معنى ذلك أن هذه شخصيات مُنزهة عنالخطأ بل بعضها له أخطاء شنيعة في العقيدة لكن هذا أمر لا علاقة له بالإلحاد - الذي هو إنكار الصانع - من قريب أو بعيد. الفارابي: وُلد سنة 211 هجرية ولُقِّب بـ" المعلم الثاني " نسبةً للمعلم الأول أرسطو.. وهو شارح مؤلفات أرسطو المنطقية... وصاحب كتاب "الآثار العلوية" والمناف عن عقيدة التوحيد.. والذي قضى عمره زاهدً ا متقشفاً ليتفرغ لتأصيل فلسفة التوحيد، وواجب الوجود وحين مات صلَّى عليه سيف الدولة ابن حمدان.. يقول الفارابي " معرفة الحقائق القصوى كلها مصدرها الله والفيلسوف يتلقى الحقائق بواسطة العقل الفعال فتكون طبيعتها عقليه وليس حسية، أما الرسول فتأتيه المعارف مُنَّزلة من عند الله بتوسط الملك جبريل"(1). ويضع الفارابي شرطًا جوهري ا في مدينته الفاضلة وهو الإيمان بالله الواحد الأحد لكل أبناء المدينة.. فكيف يُقال عن هذا أنه ملحد؟.!! ابن سينا: وُلد سنة 151 هجرية،وكان والده شيعي ا إسماعيلي ا.. ولُقِّب بـ " الشيخ الرئيس " وعاش متفائلاً في جميع مراحل حياته وكان يعتقد أن العالم الذي نعيش فيه أحسن العوالم الممكنة، وكان له تأثر شديد بالإسماعيلية في كتاباته ولذا يعتبره شيخ الإسلام -ابن تيمية- من الطائفة الإسماعيلية لا أكثر. وكان ابن سينا يقول بالمعاد الروحاني لا الجسماني، فقد كان متأثرً ا كثيرً ا بالفلسفة الباطنية عند الإسماعيلية لكن هذا شيء والإلحاد الذي هو كفر الصانع شيء آخر تماماً . (3) الفارابي المعلم الثاني.
عدد الصفحات ١٥٦ 157 JJJ بل إنه لما اعتل وتكاثرت عليه الأمراض في نهاية حياته اغتسل وتاب وتصدَّق بما لديه من مال للفقراء، وأعتق غلمانه طلبً ا للمغفرة، وبدأ يختم القرآن كل ثلاثة أيام(1). ابن طفيل: وُلد سنة 111 هجرية في قرطبة، وهو من قبيلة مُضر العربية، وهو الفيزيائي الطبيب العالم الفيلسوف، قاضي الأندلس.. صاحب رواية "حي بن يقظان " الشهيرة، التي تروي قصة طفل نشأ في جزيرة نائية بحضرة الحيوانات فاهتدى بفطرته إلى الله وظل يتعبد له...وقصة "حي بن يقظان " قصة فلسفية في غاية الر قي الفكري تُصنَّف في باب الإلهيـات وإثبات الروح بالفطرة. (2). هل هذا يُقال عنه أنه ملحد؟ ابن رشد : وُلد سنة 121 هجرية.. فيلسوف وفقيه وقاضي وفيزيا ئي وطبيب.. إمام أهل الأندلس المالكي، شيخ فلاسفة الإسلام.. قاضي أشبيلية.. صاحب كتاب " فصل المقال فيما ب ين الحِكمة والشريعة من الاتصال " وهو الكتاب الذي يشرح الجمع بين العقل والنقل.. يقول ابن رشد: "إنّ الحكمة هي صاحبة الشّريعة، والأخت الرّضيعة لها، وهما المصط حبتان بالطّبع، المتحابّتان بالجوهر والغريزة. ".. ويَعتبر ابن رشد أن الفلسفة هي " النظر في الموجودا ت واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم".(3) . ثم يأتي ملحد معاصر ويُصنف ابن رشد في قائمة الملحدين عنده..والله المستعان ابن الراوندي: (3) وفيات الأعيان. لابن خلكان المجلد الثاني صفحة315. )2( http://shamela.ws/index.php/book/9734. (1) ابن رشد. فصل المقال ص22.
عدد الصفحات ١٥٧ 008 JJJ من أكثر الشخصيات غُموضً ا في تاريخ أُمة الإسلام.. لا نعرف هل مات في الأربعين أم الثمانين، انتقل بين الديانات.. كان يهودي ا وأسلم ليستعز بالدولة الإسلامية العباسية، ثم أصب معتزلي ا؛ لأنهم الأقرب للخليفة، ثم هاجمهم، ثم التحق بالشيعة الباطنية، وألف كتاباً في تأييد الشيعة مقابل 11 دينار، ثم أصب سُني ا وألف كتابً ا في التوحيد انتصاراً للس نَّ ة، ثم صار يهودي ا مرة أُخرى وألَّف كتاب البصيرة لنصرة اليهودية مقابل 111 درهم، ثم حاول الرد على اليهود فأسكته اليهود مقابل311 درهم أُخرى.. ومِثل هذا عبء على اليهود واليهودية لا أكثر..!! (1) . عبد الله ابن المقفع: وُلد سنة 312 هجرية.. فارسي زرادشتي اعتنق الإسلام.. واتصل بعم أبي العباس السفاح و أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، وكانت علاقاته السياسية سبباً مباشرً ا في قتله وتلويث سمعته من قِبل حُساده بعد موته.. ولذا يقول وائل حافظ في تصديره لكتاب الأدب الصغير " ابن المقفع كُتُبُه بين أيدينا تكاد تنطق قائلة : ((وايم الله! إنَّ صاحبي لبريء مما نُسب إليه)) !.وليت شعري كيف ساغ لفلان وفلان وفلان ممن ترجموا للرجل أن يجزموا بذلك، وكلهم قد صَفِرَت يَدُهُ من البرهان؟ إنْ هي إلا تهمة تناقلوها بدون بيان. وقِدْمًا اتهموا أبا العلاء المعري بذلك حتى قيض الله له مِن جهابذة المتأخرين مَن أثبت بالدليل الساطع والبرهان القاطع براءته". ولذا يقول د. عبد الرحمن بدوي:« ابن المقفع نَسبت إليه المعتزلة الكثير من الأقوال وهذا يرجع إلى الحسد»(2). ابن زكريا الرازي: وُلد سنة 211 هجرية.. عالم وطبيب فارسي ومن أشهر الأطباء في التاريخ.. وقد ابتكر خيوط الجراحة وصنع المراهم.. (3) يوسف زيدان أُستاذ الفلسفة ومدير مركز المخطوطات بمكتبة الاسكندرية ( المصدر كتاب"وهم الإلحاد" د.عمرو شريف). (2) من تاريخ الإلحاد في الإسلام. د.عبد الرحمن بدوي.
عدد الصفحات ١٥٨ 159 JJJ لم ينكر وجود الله وكان يعتبر العقل هبة الله ليتفكر به الإنسان.. وهو صاحب كتاب «إن للعبد خالقا ».. فكيف يُصنف في زمرة الملحدين.؟ أما ما نُسِّب إليه في النبوات فيقول د. عبد الرحمن بدوي « ابن زكريا الرازي كل ما لدينا عنه يرجع إلى ما يُورده الخصوم فضلاً عن ندرة هذه الآثار أصلاً »(1) . ولذا يُثني عليه الإمام الذهبي في سِير أعلام النُبلاء ولم ينقل فيه مذمَّة واحدة يقول الذهبي : « أبو بكر، محمد بن زكريا الرازي الطبيب، صاحب التصانيف، من أذكياء أهل زمانه، وكان كثير الأسفار، وافر الحُرمة، صاحب مروءةٍ وإيثار ورأفة بالمرضى، وكان واسع المعرفة، مكباً على الاشتغال، ملي التأليف.. وله كتاب : الحاوي ثلاثون مجلدً ا في الطب، وكتاب : إن للعبد خالقاً .. »!!.(2). جابر ابن حيان: وُلد سنة 313 هجرية.. عالم مسلم عربي.. كيميائي ويُعد أول من استخدم الكيمياء عملياً في التاريخ.. وتُسمى بإسمه فيقال " علم جابر " ويُقصد به الكيمياء، وله في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق. ويوصف طبقاً لفرانسيس بيكون أنه " أول من عَلَّم عِلم الكيمياء ".. وهو أول من اكتشف الأحماض والقلويات وأطلق عليها هذا الاسم الذي ما زالت تعرف به في الغرب والشرق alkali واستخدم المنهج التجريبي في أبحاثه.. وكان من أصحاب جعفر الصادق.. وكان صوفياً دراساً للقرآن الكريم..!! ولا أدري ما علاقة الرجل بالإلحاد..!! الجاحظ: وُلد سنة 311 هجرية.. من كبار أئمة الأدب العربي في العصر العباسي.. وكان فقيرًا فصار (3) من تاريخ الإلحاد في الإسلام. د.عبد الرحمن بدوي. ص311. (2) سير أعلام النبلاء : الطبقة السابعة عشر : محمد بن زكريا.
عدد الصفحات ١٥٩ 061 JJJ يبيع السمك والخبز في النهار، ويكتري دكاكين الورّاقين في الليل، فكان يقرأ منها ما يستطيع قراءته...!! تتلمذ على يد إبراهيم بن سيار النظَّام المعتزلي.. وله مقالات في أصول الدين..وأشهر مؤلفاته «الحيوان» و«البيان والتبيين » وكان مُحبَّا للعلم والعلماء والأئمة وملازماً لهم ط يلة عمره... ومن مؤلفاته في العقيدة «الحُجة في ثبت النبوة »، و «الرد على اليهود »، و «الرد على الجهمية »(1) وما أدري كيف يوصف الرجل بالإلحاد...؟!! أبو العلاء المعري: وُلد سنة 111 هجرية.. شاعر وأديب عربي من العصر العباسي.. قال ابن فضل العمري "أخذ عنه خلق لا يعلمهم إلا الله، كلهم قضاة وخطباء وأهل تبحر واستفادوا منه، ولم يَذكره أحدٌ منهم بطعن، ولم يُنسب حديثه إلى ضعف أو وهن". آمن المعري بالله إيمانًا فطريًا وعقلي ا يجعله لا يرتاب في وجود الخالق: أثبت لي خالقًا حكيمًا... ولست من معشر نُفَاة بل إن صِلته بربه قوية وأعز عنده من الدر والياقوت: وشاهدٌ خال قي أن الصلاة له... أجل عنديَ من دري وياقوتي انقطع عن الدنيا وفارق لذائذها، وأطلق على نفسه رهين المحبسين، وكان يصوم النهار ويسرد الصيام سردًا لا يفطر إلا العيدين، ويقيم الليل ولا يأكل اللحوم والبيض والألبان ولا يتزوج، وكان يكتفي بما يخرج من الأرض من بقلٍ وفاكهة(2). اتُهم بالزندقة بسبب رسالته في الغفران لكنها رسالة مزح كان يمازح فيها صديقه ابن القارح، وتظهر فيها مقدرة المعري اللغوية كما تبدو فيها مقدرته على السخرية والنقد..!! )1( http://forum.alqum-a.com/t28149.html. )2( http://shamela.ws/index.php/author/84.
عدد الصفحات ١٦٠