121 على الجزاء في الدنيا لأهل الإيمان بالنجاة والكرامة، ولأهل الكفر بالهلاك والإهانة " (1) ،قال تعالى: ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ [76 :77] . وأهلك عاداً بريح صرصر عاتية تقتلعهم لما كذبوا وآذوا رسولهم هوداً –عليه السلام -، قال تعالى: ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭼ [19 :20] ، قال أبو السعود : أي أرسلنا عليهم ريحا باردة أو شديدة الصوت إلى أن أهلكتهم ، تقلع الناس حيث روي أنهم دخلوا الشعاب والحفر ، وتمسك بعضهم ببعض فنزعتهم الريح وصرعتهم موتى ، كأنهم أعجاز نخل منقلع عن مغارسه ، و قيل شبهوا بأعجاز النخل وهي أصولها بلا فروع ، لأن الريح كانت تقلع رؤ و سهم فتبقي أجسادا وجثثا بلا رؤ و س (2) ،قال تعالى : ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ [58] . وكذلك أهلك ثمود بالطاغية لما تسلطوا على نبي ا–عز وجل – ، فدفع عنه بأن سلط على أعداءه عقابه وعذابه، قال تعالى: ﭽ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ [31]، قال ابن كثير" فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد يبيس الزرع والنبات" (3) ، ﭽ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ [17 :18] ، فنجى الله عباده وتولى بقدرته وحوله دفع الظالمين اتباع الباطل . (1) السعدي ، عبدالرحمن ، تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن 1/184. (2) انظر : أبو السعود، محمد ، إرشاد العقل السليم 8/170. (3) ابن كثير ،إسماعيل ، تفسير القرآن العظيم 7/480.
عدد الصفحات ١٣١122 كما صرف الله عن موسى –عليه السلام - كيد أهل الباطل فرعون وملأه ، قال تعالى : ﭽﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ [114 :116] ، طغى فرعون وقومه وتجبروا على موسى ومن معه من أتباعه، فدفع الله – عز وجل - بأسهم بأن أرسل عليهم أنواع الابتلاءات التي أظهرت حقيقة ضعفهم وهوانهم ، قال تعالى : ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ [133] ، وعندماخر سيدنا موسى- عليه السلام - من ظلم وطغيان فرعون وجنوده، دب الرعب في قلوب أتباع موسى لما حاصرهم البحر من أمامهم ، وفرعون وجنوده من خلفهم، وقالوا بنبرة الضعف واليأس أنهم لمدركون جاء الإنقا ذ والرعاية الربانية ، قال تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ [61 :65] ،( ضرب البحر فانشق اثني عشر فرقا ، فكان كل فرق كالجبل الضخم ، بينهما مسالك سلكوها لم يبتل منها سر الراكب ولا لبده ) (1). (1)جلال الدين ، محمد بن أحمد المحلي (ت864هـ) وعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ)، تفسير الجلالين، دار الحديث – القاهرة ، الطبعة الأولى ، ص484؛ اللبد كل شعر وصوف تلبد فهو لبد ، انظر : الفراهيدي ، الخليل ، العين 8/44.
عدد الصفحات ١٣٢123 المبحثالثاني : الدفع بمباشرة أهل الحق لأسبابه تمهيد: ذكر القرآن الكريم صورتين للدفاع عن الحق وأهله ، يأخذ بهما أهل الحق فيحصلون على المطلوب بتأييد الله – عز وجل – لهم ، وتمكينهم من الأخذ بهما ، فإذا ما أخذوا بالأول منهما قبل الثاني ، وتدرجوا في الإعداد والإستعداد حصل لهم الدفع ، وأنزل الله تعالى تأييده ونصره ، واستمرت دَوْلتهم ، وطالت د ولتهم على أهل الباطل ، وهاتان الصورتان هما : الدفع باللسان ، والمقارعة بالسنان، وتندرجان تحت مسمى الجهاد في سبيل الله . و قد عرف شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله - الجهاد بأنه "بذل الوسع، وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق " (1) ، وكذلك بين أن حقيقة الجهاد هي" الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ؛ ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان"(2) ، وعرفه الحافظ ابن حجر:" الجهاد شرعا : بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، فأما مجاهدة النفس ؛ فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها ثم تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان ؛ فعلى ما يأتي به من الشبهات ، وما يزينه من الشهوات ، وأما مجاهدة الكفار؛ فتقع باليد والمال واللسان والقلب ، وأما مجاهدة الفساق ؛ فباليد ثم اللسان ثم القلب "(3) ،و بناءً على تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عرف الشيخ (1) ابنتيمية، أحمد بن عبدالحليم ، (ت 728هـ)، مجموع الفتاوي، (المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ1995م، 10/192. (2) ابن تيمية ، أحمد ، مجموع الفتاوي 10/191. (3) ابن حجر العسقني، أحمد بن علي(ت 852ه) ، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة - بيروت، 1379ه، 6/3.
عدد الصفحات ١٣٣124 عبدالرزاق البدر الجهاد في المفهوم الشرع ي بأنه " اسم جامع لسلوك كل سبب ووسيلة، لتحقيق ما يحبه الله تعالى ويرضاه ، من الأفعال والأقوال والاعتقادات ، ولدفع ما يكرهه الله سبحانه ويبغضه من الأفعال والأقوال والاعتقادات "(1) . فدفع أهلالباطل وتحييد باطلهم من الأعمال التي يحبها الله ، ويحث عليها أهل الحق لأن في دفعهم نصرةً لدينه وا علاءً لراية الحق ورفع المظالم وانحسار المفاسد ، و الدفع بواسطة الجهاد لا تنحصر صوره بالقتال والعمل العسكري فقط ، وا نما يشمل جهاد الكلمة بكافة الوسائل، نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكشف الشبهات التي يثيرها أعداء الحق وخصومه ، للنيل من الحق وا ضعافه سواء من داخل المجتمع المسلم أو من خارجه، قال ابن القيم :"جهاد الكفار أخص باليد ، وجهاد المنافقين أخص باللسان "(2) ، قال عبدالرزاق البدر:" فالكفار أخص باليد ؛ لأن عداوتهم ظاهرة ، والمنافقون أخص با للسان ؛ لأن عداوتهم باطنة وخفية، وهم تحت قهر أهل الإسلام، فيجاهدون بالحجة والبيان" (3)، فالجدال بالحق وكشف الشبهات لاسيما مع المعارض للحق، إنما هو من الجهاد المطلوب بل من" أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض، مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه " (4) ، وفيما يلي بيان ذلك المطلبين . (1) البدر، عبدالرزاق بن عبدالمحسن 1425ه) القطوف الجياد من حكم وأحكام الجهاد، دار المغني، الرياض، الطبعة الأولى ، ص5. (2) ابن القيم ،محمد ، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/10. (3) البدر، عبدالرزاق بن عبدالمحسن ، القطوف الجياد من حكم وأحكام الجهاد، ص13. (4) ابن القيم ، محمد ، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/5.
عدد الصفحات ١٣٤125 المطلب الأول : الدفع بالبيان من وسائل دفع أهل الباطل و تعرية باطلهم ، ب إقامة الحجة والبرهان على الخ صوم ، وبدعوتهم للحق بالحكمة والموعظة الحسنة ، و بمناظرتهم ومجادلتهم للتصدي للشبهات المثارة حول الحق والدفاع عنه ، قال تعالى : ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ [125] ،فعند القيام بدفع الباطل ومجادلة مثيري الشبهات ، ي نبغي مراعاة مناسبة أسلوب الدعوة و المجادلة والمناظرة ، لأحوال المتلقين على اختلاف مستوياتهم وأفهامهم ومواقفهم ،(فمنهم الراغبون في الخير ممن لديهم الاستعداد لفعل المأمورات وترك المنهيات، فيكتفى معهم بالبيان والتوجيه بالحكمة والتلطف معهم ، ومنهم غافلون عن اتباع الحق، فهؤلاء يدعون با لموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب؛ بذكر ما يترتب على الحق من المنافع ، وعلى الباطل من المضار، ومنهم المعارضون للحق المعاندون ، و المكابرون بنصرة الباطل، فهؤلاء لا بد أن يسلك معهم طريق المجادلة بالتي هي أحسن ، بحسب ما يليق بالمجادِل والمجادَل ، وبتلك المقالة و ما يقترن بها )(1) . والجدال منه ما هو محمود، إن كان لإحقاق الحق وا ظهار ه ، ومنه ما هو مذموم إن كان لطمس الحقيقة ودفع الحق والمكابرة عن الأخذ به ، قال تعالى: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ [4] ، قال الرازي الجدال نوعان: جدال في تقرير الحق ، وجدال في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام ، وأما الجدال في (1) انظر: السعدي ، عبدالرحمن ، تيسير اللطيف الم نان في خلاصة تفسير القرآن 2/354، بتصرف يسير
عدد الصفحات ١٣٥126 تقرير الباطل فهو مذموم " (1) ، قال ابن كثيرما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان ، إلا الذين كفروا الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه "(2). وقد جاء في القرآن الكريم بيان لأساليب الأنبياء - عليهم السلام - في مناظرة أقوامهم ، لإقامة الحجة ودفع الباطل ، وتتميز المناظرة عن غيرها من وسائل تفنيد الشبهات وا بطال الحجج ، بإفحام الخصم ومجاراته في معتقده حتى يقر ر بنفسه خطأ معتقده و بطلان رأيه ، أي " إلزام الخصم بالطرق الواضحة التي يعترف بها أهل العقول، وا لجاؤه إلى الاعتراف ببطلان مذهبه، وا قامة الحجة على المعاندين وا رشاد المسترشدين" (3). كما حصل م ع سيدنا إبراهيم –عليه السلام – من مناظرة قومه عندما حطم أصنامهم ، ومجارا ة لهم لما سألوه عمن حطم الأصنام، فأشار إلى الكبير من الأصنام ، فأسقط بأيديهم وضرب معتقدهم في الصميم، و أثبت أنها لن تستطع الإجابة فضلا عن حماية نفسها ودفع الأذى عنها ، قال تعالى : ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ [62 :65 ]، قال البقاعيولما كان روح الكلام إقراره بالفعل وجعلهم موضع الهزء ، لأنهم عبدوا ما لا قدرة له على دفاع أصلاً ، تسبب عنه قوله تعالى الدال على خزيهم: فرجعوا إلى أنفسهم بمعنى أنهم فكروا فيما قال، فاضطرهم الدليل إلى أن تحققوا أنهم على محض الباطل " (4) . (1) الرازي ، محمد ، مفاتيح الغيب 27/485. (2) ابن كثير ، إسماعيل ، تفسير القرآن العظيم 7/129. (3) السعدي ، عبدالرحمن ، تيسير اللطيف المنان 1/211. (4) البقاعي، إبراهيم ، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 5/94.
عدد الصفحات ١٣٦127 ومناظرة أخرى من مناظراته - عليه السلام - مع قومه ، عندما أراد أن يبي ن خطأ معتقدهم في عبادة الكواكب، دعاهم إلى النظر في حقيقة هذه الكواكب وا ن كانت تستحق العبادة ، قال تعالى : ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ [76] ، وتدر معهم إلى أن أقيمت الحجة عليهم ، واتضح زيف معتقدهم ، لأن" المناظر يقول الشيء الذي لا يعتقده ، ليبني عليه حجته، وليقيم الحجة على خصمه "(1). ومناظرته كذلك للنمرود الذي طغى وتجبر ، بما آتاه الله من الملك والذي افتتن به وتجرأ وادعى الألوهية ، قال تعالى : ﭽ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ [258] ، كان يقصد إبراهيم عليه السلام أن الله - عز وجل - هو من بيده الإحياء والإماتة، واعتبر النمرود أن عفوه عن القتل إنما هو إحياء، وأمره بالقتل إنما هو إماتة ، ومن ثم تدر معه إلى حقيقة أخر ى تدمغ باطله فلا يستطيع إنكارها ، وهو الإتيان بالشمس من المغرب ، قال الشوكاني: " فلو قال له: ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك؟ ، لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسا لخناقه ، وا رسالا لعنان المناظرة ، فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة ، ولا يتيسر للكافر أن يخر عنها بمخر مكابرة ومشاغبة " (2) . ومن وسائل الدفع الداخلي للمجتمع الاسلامي ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي شعيرة مهمة في إصلاح المجتمع ، بل هي أولى أنواع الجهاد ، إذ لن يكون المجتمع قادرا على (1) انظر: السعدي ، عبدالرحمن ، تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن 1/198. (2) الشوكاني ،محمد ، فتح القدير 1/318.
عدد الصفحات ١٣٧128 دفع المعتدين عليه ، مالم يكن ملتزما بالفضائل نابذا للرذائل ، حريصا على إقامة العدل وا حقاق الحق ، قال السعدي:" الجهاد نوعان؛ جهاد يقصد به صلاح المسلمين وا صلاحهم في عقائدهم وأخلاقهم وآدابهم ، وجميع شؤ ونهم الدينية والدنيوية ، وفي تربيتهم العلمية والعملية ، وهذا النوع هو أصل الجهاد وقوامه ، وعليه يتأسس النوع الثاني ، وهو جهاد يقصد به دفع المعتدين على الإسلام والمسلمين ، من الكفار والمنافقين والملحدين وجميع أعداء الدين ومقاومتهم"(1) ، تكمن أهمية هذه الشعيرة بما يترتب عليها من مصالح تعم المجتمع المسلم، و تجعله يتهيأ لدفع الباطل وأهله ، فلولاها يقول الغزالي: " لتعطلت النبوة ، واضمحلت الديانة ، وعمت الفترة ، وفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد ، واتسع الخرق ، وخربت البلاد، وهلك العباد " (2)،بالإضافة إلى إزالة عوامل الفساد والشر والقضاء عليها أولا بأول ، حتى تسلم الأمة وتسعد ، و تكوين الرأي المسلم الواعي الذي يحرس آداب الأمة وفضائلها وأخلاقها وحقوقها ، ويجعل لها شخصية وسلطانا هو أقوى من القوة وأنفذ من الأنظمة والقوانين (3) . وفي إهمال هذه الشعيرة سبب لنزول سخط الله -عز وجل - ، وتسليط العدو على المسلمين بسبب إشاعة المنكرات والمفاسد ، فيدفع شرهم بدفع المنكرات وترسيخ الفضائل و المأمورات ، فلا يعم الفساد الذي يهوي بالمجتمع إلى منازل سفلى ، قال تعالى: ﭽ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭼ [116] ، بينت الآية الكريمة أن أسباب نجاة المجتمعات هو بالأمر بالمعروف (1) السعدي ، عبدالرحمن بن ناصر، جهاد الأعداء ووجوب التعاون بين المسلمين ، دار ابن القي م للنشر والتوزيع ، 1411ه- 1991م ، ص 3. (2) الغزالي، محمد بن محمد ، (ت 505هـ)، إحياء علوم الدين، دارالمعرفة – بيروت، 2/306. (3) انظر: الحقيل ، سليمان بن عبد الرحمن ( 1417هـ- 1996م )، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء الكتاب والسنة ، الطبعة الرابعة ، ص 66.
عدد الصفحات ١٣٨129 والنهي عن الإفساد في الأرض، وفي الحديث: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه" (1) ، قال طنطاوي في الآية توبيخ لكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فعذاب الاستئصال الذي حل بالظالمين السابقين، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد في الأرض (2) ،قال رسول الله ﷺ:«والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم » (3) ، وقد يكون هذا العقاب بتمكين وغلبة أهل الباطل عليهم ، إذن فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد في سبيل الله ، و في تركهما سبب للذل والخذلان والهلاك ونزول العقوبة . و قال تعالى : ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ [78 :79]، دلت الآية أيضا على أن في ترك هذه الشعيرة مجلبة ل سخط الله وغضبه ، كما حصل مع بني إسرائيل ، وبتركها والتفريط فيها نشر للرذائل واختفاء للفضائل ونشر للفساد ، و بذلك ينخفض صوت الحق ويعلو صوت الباطل، قال ابن عاشور:" كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وذلك أن شأن المناكر أن يبتدئها الواحد أو النفر القليل ، فإذا لم يجدوا من يغير عليهم تزايدوا فيها ، ففشت واتبع فيها الدهماء بعضهم بعضا ، حتى تعم وينسى كونها مناكر، فلا يهتدي الناس إلى الإقلاع عنها والتوبة منها فتصيبهم لعنة الله " (4) . (1)ابنحنبل،أحمد،مسندالإمامأحمدبنحنبل،مسندالعشرةالمبشرينبالجنة،مسندالخلفاءالراشدين،حديث رقم(17)،قالالشيخأحمدشاكرفيتحقيقهلمسندأحمد:إسنادهصحيح (2) انظر:طنطاوي،محمد،التفسيرالوسيطللقرآنالكريم7/291. (3) الترم ذي ، محمد بن عيسى، سنن الترمذي ، كتاب الفتن، باب ماجاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث رقم ( 2169)، حسنه الألباني في صحيح الترغيب برقم 2313. ) (4) ابنعاشور،محمدالطاهر،التحريروالتنوير6/293.
عدد الصفحات ١٣٩130 واذا كان المجتمع المسلم في عهد الرسول ﷺ والصحابة والتابعين من بعده قد حرص على ممارسة ه ذه الشعيرة ، فالأمة في هذا العصر أحو ما ت كو ن لها ، نظرا لانتشار الفساد والظلم وتفريط المسلمين بواجباتهم وحقوق دينهم ، و الإلتزام به ذه الشعيرة إنما هو بحسب الاستطاعة ، قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان »(1) ، وفي ا لحديث دلالة قوية على أهمية الأ مر بالمعروف والنهي عن المنكر وا ن كان بالقلب وهي أقل مرتبة ، قال ابن القيم :" إن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وا ما باللسان وا ما بالمال وا ما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع " (2) . وقد أثنى ا–عز وجل – على أهل الحق من هذه الأمة، المتصدين لدفع الباطل وفساده بهذه الشعيرة ، قال تعالى: ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ [ عمران 110] ،حيث اقترنت خيرية الأمة بالتزامها منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال البقاعي: " بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله: { ،{ عن المنكر" (3) ، وتقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله ، في الآية الكريمة مع عظم مرتبة الإيمان بالله ، وأنها مقدمة على غيرها من ثوابت وأصول العقيدة ، إنما للدلالة على أهمية ه ذه الشعيرة في ذاتها ، فقد قدمت على (1)مسلم،أبوالحسنمسلمبنالحجاج،صحيحمسلم،كتابالإيمان،باببيانأنالنهيعنالمنكرمنالإيمان وأنالإيمانيزيدوينقصوأنالأمربالمعروفوالنهيعنالمنكرواجبان،حديثرقم(49.) (2) ابنالقيم ، محمد ، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/64. (3) البقاعي ، إبراهيم ، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 2/135 .
عدد الصفحات ١٤٠131 الركن الأعظم ، وأن هذا الدين بعقائده وشرائع ه لن يرسخ في الأرض إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1). وينبغي على من يقومبالدفع بوسيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون ملماً بمسائل الدين والثقافة الشرعية اللازمة ، التي تمكنه من دفع شبهات أهل ا لباطل ، و يجب أن يتسلح بالقرآن الكريم والسنة النبوية ، فلا يجدوا عليه ثغرة ينف ذوا منها ، لتلبيس الحق لبوس الباطل وا ظهار باطلهم بصورة الحق ، " قال تعالى: ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ [173] فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، وا نما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينق ضها ويبين بطلانها كما قال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ [33] "(2). لقدجاهد رسول الله ﷺ في سبيل الله فخاض جميع الميادين ، سواء بدفع بالبيان أو بالسنان ، في وجه الكافر والمنافق سواء في حالة الضعف بمكة ، أو القوة بالمدينة بعد الهجرة ، قال ابن القيم : " أمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، وقال: ﭽ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ [51 :52] ، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة، وا لا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ [73]،فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد (1) انظر: قطب، محمد ،لا يأتون بمثله ص131 . (2) ابن عبدالوهاب، محمد بن عبد الوهاب بن سليمان، (ت1206هـكشف الشبهات، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية ،الطبعة الأولى، 1418هـ ، ص13.
عدد الصفحات ١٤١132 خواص الأمة وورثة الرسل " (1)، يتوجب على المجتمع المسلم القيام بالجهاد الداخلي، لضمان تماسك الجبهة الداخلية بدفع ضرر المنافقين ، ليتمكنوا من دفع العدو الظاهر والخارجي . المطلب الثاني: الدفع بالسنان القتال في سبيل الله من أعظم الأعمال والقربات إليه تعالى ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ ، قال:( إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) (2)، فالجهاد من أفضل الأعمال ويأتي بعد الإيمان بالله ، وهو ذروة سنام الإسلام، وتكمن أهميته وقدسيته في كونه وسيلة لإعلاء كلمة الله –عز وجل -، ولإظهار شرعه وتمكينه في البلاد ، ولهداية العباد إلى الإسلام وحماية الدعوة ، وتحقيق العبودية لله ، و دفع بغي الباغين وضرر المفسدين في الأرض ، وحفظ الحقوق وا رساء قيم العدالة، فلم يشرع من أجل الاستعلاء على الناس واستعبادهم وهضم حقوقهم، " بسببه تقوى ركائز الدعوة الإسلامية ، وينشط أهلها ، وتتعمق في الأرض جذورها ، وهو الذي يجعل أعداء الحق يخضعون لسلطان الله ، فيتركون المسلمين يؤدون عباداتهم ويقيمون دولتهم ، وينشطون في دعوة الآخرين إلى الله ورسوله ونحن نعلم جميعا ، بأن دولة الإسلام في عهد مؤسسها الأول محمد بن عبدالله ﷺ لم تقم ولم يخضع لها الكفر وأهله ، إلا عندما ارتفعت راية الجهاد عندما فرضه الله عليهم ، فمنزلته عند الله لا تقدر بقدر " (3)، وقد قام بهذا الدفع على مر التاريخ الأنبياء والمصلحو ن ، الذين ينشدون نصرة الحق ودحر الباطل ، ومنهم الصدر الأول له ذه (1) ابن القيم ، محمد ، زاد المعاد إلى هدي خير العباد 3/5. (2) مسلم ، أبو الحسن مسلم بنالحجا ، صحيح مسلم ، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ،حديث رقم ( 83.) (3) الجعوان، محمد ، القتال في الإسلام أحكامه وتشريعاته دراسة مقارنة ص 45.
عدد الصفحات ١٤٢133 الأمة ، الذين سطروا تاريخ اً مجيداً في الدفع بالسنان يقتفي أثره من جاء بعدهم ، ففتحوا الأمصار ، ونشروا رسالة الحق في البلاد وبين العباد . فرض القتال في الإسلام بالرغم من كونه شاق على الأنفس قال تعال ى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ [216] ،قال ابن كثير: " وهو كره لكم أي شديد عليكم ومشقة وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء" (1) ، إلا أن فرضيته قد اشتملت على أهداف وغايات نبيلة ، فلم يفرض من أجل العصبيات والسيطرة وا لاستحواذ على الشعوب ومقدراتها ، " إن القتال في الإسلام يأتي عندما لا يكون هناك بديل عنه، فهو وسيلة للمسلمين ليقيموا دولة الإسلام ، وينشروا العدل والسلام ، ولا ضير عليهم أن ي حملوا السلاح من أجل أهداف نبيلة، ومقاصد سامية فحربهم حرب عادلة " (2) . أسمى وأولى غايات الدفع بالقتال ، درء ال فتنة في الدين وما يترتب على ذلك ، ذكرها الله – عز وجل- في قوله: ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ [193] ، والجهاد نوعان جهاد دفع وجهاد طلب، وجهاد الدفع أوجب ، قال ابن تيميةأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان ، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم ، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم (1) ابن كثير ، إسماعيل ، تفسير القرآن العظيم 1 /573 . (2) انظر : الجعوان، محمد ، القتال في الإسلام أحكامه وتشريعاته دراسة مقارنة ص 91.
عدد الصفحات ١٤٣134 الكافر وبين طلبه في بلاده" (1) ،وللجهاد صور متعددة ، فإما بالقلب أو باللسان أو باليد ، وكلا بحسب الاستطاعة ، " والجهاد منه ما هو باليد ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية ما يمكنه ، ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم بخير" (2) ، فالقتال في سبيل الله والإعداد له، واجب على كل أفراد المجتمع الإسلامي ، كل بحسب إمكاناته للمساهمة ، حتى المتخلفون عن الجهاد لعذر يتوجب عليهم أن يخلفوا أسر المجاهدين ويقوموا برعايتهم وتوفير احتياجاتهم . وقد رغب الله –عز وجل- المسلمين بالقتال ودفع أهل الباطل، فوعد المجاهدين منهم بأعلى المنازل في الجنة ، وبأن لهم الرفعة والعلو في الدنيا والآخر ة، قال تعالى : ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ [111] ، قال الطبري وعدهم الجنة جل ثناؤه، وعدا عليه حقا أن يوفي لهم به، في كتبه المنزلة التوراة والإنجيل والقرآن، إذا هم وفوا بما عاهدوا الله، فقاتلوا في سبيله ونصرة دينه أعداءه، فقتلوا وقتلو ا "(3)، بل جعل ا–عز وجل- أهل الجهاد في مرتبة أفضل من سقاية الحا وعمارة المسجد الحرام ، قال تعالى : ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ [:19] ،قال ابن القيم :" نفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة ، مع ثنائه (1) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (ت728هـ) ، الاختيارات الفقهية (مطبوع ضمن الفتاوى الكبرى المجلد الرابع)، (المحقق: علي بن محمد بن عباس) دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1397هـ1978م، ص608. (2) المصدر السابق (3) الطبري ، محمد ، جامع البيان 14/498.
عدد الصفحات ١٤٤135 على عماره بقوله تعالى: ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ [التوبة18] "(1) . ويتطلب القتال في سبيل الله الإعداد المنظم والمخطط له من عدة نواحي ، كالإعداد الروحي بتهيئة النفوس كي" تعلم أن مدى انتصارها وتفوقها على الأعداء ، مرتبط تماما بمقدار قوة الدفع الإيماني في نفوسها ، وأن الرتب والجوائز التي ستوزع على المتفوقين في القتال ، سوف تكون يوم القيامة زيادة على ما يحصل من الارتياح النفسي والتقدير الاجتماعي في الدنيا"(2) ،وتهيئتها أيضا يكون بتهذيبها من الذنوب والمعاصي وانصياعها لأوامر الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ [152] ،فَ قَ دَ المسلمو ن النصر يوم أحد لمخالفة الرماة توجيهات الرسول ﷺ ، قال الرازي: الفائدة في قوله: ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾ ، هو التنبيه على عظم المخالفة، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بإنجاز الوعد ، كان من حقهم أن يمتنعوا عن مخالفة أمر رسوله عليه الصلاة والسلام ، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام (3) . (1) انظر: ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد ، (ت 751هـ) ، طريق الهجرتين وباب السعادتين، ، دار السلفية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية ، 1394هـ، 356. (2) الجعوان ، محمد ، القتال في الإسلام أحكامه وتشريعاته دراسة مقارنة ص 70. (3) انظرالرا زي، محمد ، مفاتيح الغيب ، 9/388، بتصرف يسير
عدد الصفحات ١٤٥136 بالإضافة إلى الإعداد المادي بتجهيز الجيوش للمقاومة بالعدة والسلاح ، قال تعالى: ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭼ [60] ، قال ابن كثير:" أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة " (1) ، قال سيد قطب: لا بد للحق من قوة تحميه من البطش، وتقي أهله من الفتنة ، ليكافح قوى الطغيان والشر والباطل، اعتمادا على قوة الإيمان في نفوس أهل الحق وتغلغل الحق في الفطر، فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس ، لأن الباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان، إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول، ولا يكفي الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل عليه، بل لا بد من القوة التي تحميه وتدفع عنه (2)، وهذا التجهيز والإعداد بحد ذاته إنما هو دفع بترهيب أهل الباطل وا ضعاف معنوياتهم، "هذا العنصر أساسي قوي في الوصول إلى نتيجة للفوز والنصر وهو القوة الظاهرة التي تتكون من الرجال وأنواع السلاح ، فإعداد الرجال وتهيئتهم أمر يستلزم وجود السلاح الذي يفتك بالأعداء ، ويقتلهم ويمكن المسلمو ن من الوصول إلى أهدافهم، ولقد حث الإسلام على الإعداد بكل ما تعنيه كلمة الإعداد من معنى ليكون المسلمون قوة ترهب عدو الله "(3) . (1) ابن كثير ، إسماعيل ، تفسير القرآن العظيم 4/80. (2) انظر : قطب ، سيد ، في ظلال القرآن 4/2424 . (3) الجعوان ، محمد ، القتال في الإسلام أحكامه وتشريعاته دراسة مقارنة ص 77.
عدد الصفحات ١٤٦