89 إذا لقوا أعداءهم في القتال، ألا يولو ا أعداءهم ظهور هم فينهزموا عنهم، ولكن يوصيهم بالثبات فإن الله معهم على أعداءهم(1). وقد أورد الطبري عند تفسيره للآية سؤا في حكم قول الله عز وجل: ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﭼ [16] ، هل هو خاص في أهل بدر، أم هو في المؤمنين جميعا؟ وبعد أن استعرض الأقوال رجح قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين، وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو، أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولا هم الدبر بعد الزحف ، لقتال منهزم ا بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما، فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه(2) . ويأمرهم الله عند ملاقاة العدو ، بالإضافة إلى الثبات في القتال ، ذكر الله والتضرع إليه بأن ينزل عليهم الثبات والنصر، قال تعالى : ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ [45] ، قال القرطبي: " أمر بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية قبلها (3) النهي عن الفرار عنهم ، فالتقى الأمر والنهي على سواء، وهذا تأكيد للوقوف للعدو والتجلد له"(4) ،دلهم على الطريق الذي يأخذونه لتحقيق النصر المنشود، ليكون لهم الغلب، فالثبات للعدوّ والتصميم على لقائه في عزم وا صرار، دون أن يقع في النفس هاجس للفرار أو التراجع، هو (1) انظر : الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 13/435. (2) انظر: الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 13/436 :440. (3) يقصد قوله تعالى: ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ [15] (4)القرطبي ، محمد ، الجامع لأحكام القرآن 8/23.
عدد الصفحات ٩٩90 السلاح العامل بما لا تعمله كثرة العدد والعتاد ، لكسب المعركة وتحقيق النصر ، والإكثار من ذكر الله في هذا الموطن، للصبر على الشدائد، والثبات في وجه الموت) (1) . يتفضل الله عز وجل على أوليائهبمعيته ، فهو معهم يثبتهم ويسددهم ، ويلقي الرعب في قلوب أعدائهم لشركهم وضلالهم ، قال تعالى : ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ [12]،قال ابن القيم: " أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدام على حربهم، وأنه يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على أعدائهم، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفا ورعبا ، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح " (2). فأهل الحق إنما يستمدون قوتهم وثباتهم في مواجهة ال باطل، من معية الله ووعده لهم بالنصر و تثبيت أقدامهم ، وأما ما يصيبهم من خوف واضطراب لحظة المواجهة وفي الميدان فهو أمر فطري ، " إن قلب المؤمن ينبغي أن يظل ثابتا قويا، لا تهزه في الأرض أية قوة مادية ، لأنه مسير بأمر الله وموعود بنصره ومكلف بالثبات والصبر ، وا ذا جاز أن تنتاب القلوب هزة أو يحصل لها خوف ، فإنه أمر عادي وشيء فطر عليه الناس، والمحذور هو أن يصل هذا الخوف إلى درجة الانهزام النفسي الذي يبلغ بصاحبه حد الفرار وترك القتال " (3) . لهذا ، فإن عرَضَ للمسلم شكّ أو سوء ظن بنصر الله – عز وجل - ، فليراجع نفسه ، ولا يتهم الله تعالى بإخلاف الوعد ، فذلك حال المنافقين الذين توعدهم الله بقوله : ﭽ ﮗ ﮘ (1) انظر: الخطيب، عبدالكريم، التفسير القرآني للقرآن 5/626 . (2) ابن القيم ، محمد، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/202. (3) الجعوان، محمد بن ناصر بن عبدالرحمن 1401ه-1981م)، القتال في الإسلام أحكامه وتشريعاته دراسة مقارنة ، الطبعة الأولى ، ص 74.
عدد الصفحات ١٠٠91 ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ [6]، قال ابن القيم كان هذا ظن السوء الذي لا يليق بأسمائه وصفاته وذاته المبرأة من كل عيب وسوء ، ولا يليق بوعده الصادق لرسله وأوليائه بالنصر والغلبة الذي لا يخلفه ، فإن عزته وحكمته تأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به (1) . . المطلب الرابع : بث التفاؤل ونبذ روح الانهزامية جاء في القرآن الكريم توجيهات ربانية لنبذ روح الانهزامية والقنوط من وعد الله –عز وجل - بنصره أوليائه ، فمن ذلك ما جاء في أعقاب غزوة أحد ، من التوجيهات والحقائق و الدروس العملية لهم ، قال تعالى : ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ [140:193] ، ففي الآية تسلية وبشارة للرسول ﷺ وللمسلمين بأن لا ييأسوا ولا يضعفوا ، ولا يحزنوا عما أصابهم يوم أحد، ويصمدوا في طلب العدو، ذلك لأنهم هم الأعلون بتأييد الله لهم، قال الزمخشري: " ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم، و لا يورثنكم ذلك وهنا وجبنا ولا تبالوا به، ولا تحزنوا على من قتل منكم وجرح وأنتم الأعلون، وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب، لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو وأنتم الأعلون شأنا، لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطان لإعلاء كلمة الكفر، ولأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة " (2). (1) انظر : ابن القيم، محمد، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/205. (2) الزمخشري، محمود، الكشاف 1/418.
عدد الصفحات ١٠١92 يحفز ا-عز وجل- المؤمنين وينبههم ، إلى أن ما جرى عليهم من هزيمة يوم أحد ، فقد جرى على عدوهم يوم بدر، وبالرغم من ذلك لم يتقاعسوا عن القتال ، قال الزمخشري: " لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى أن لا تضعفوا " (1)، قال الرازي " بين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى " (2) . كما يلفت انتباههم إلى حركة التاريخ ، ليوطئوا أنفسهم على وقع الهزيمة ، فإن انتصر أهل الباطل في جولة ، فإنما هو نصر مؤقت وغلبة زائلة ، قال الرازي: م ن يبحث في أحوال القرون الماضية وجد أهل الباطل وا ن اتفقت لهم الصولة، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور، وصارت دولة أهل الحق عالية، وصولة أهل الباطل مندرسة، فلا ينبغي أن تكون هزيمتكم يوم أحد سببا لضعف قلبكم وعجزكم، بل يجب أن يقوى قلبكم ، فإن الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم (3). ويبين الرازي أن الغاية من مداول ة النصر بين فريقي الحق والباطل لعدة وجوه ، الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات ، وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات ، لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب، والثاني: لتشديد المحنة على المؤمن العاصي في الدنيا أدبا له، و تشديد المحنة على الكافر لغضب من الله عليه، والثالث: وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة، وا نما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الإحياء، ويسقم بعد (1) المصدر السابق1/418. (2) انظرالرازي، محمد، مفاتيح الغيب 9/371. (3) المصدر السابق9/371.
عدد الصفحات ١٠٢93 الصحة، فإذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء والقدرة بالعجز (1) . وتعليق النهي عن الحزن والوهن ب مدى قوة الإيمان ،لأن المؤمن الذي تمكن الإيمان من قلبه، يؤمن بقضاء الله وقدره ، أنه ما قدر الهزيمة إلا لحكمة استأثر بعلمها عنده سبحانه ، فلا يجزع من تصريف الله للأمور، وا ن كانت تخالف هواه وا رادته، قال الزمخشري: " صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بصنع الله وقلة المبالاة بأعدائه " (2)، كما قرن نهييه تعالى لل مسلمين عن الحزن وعلل ذلك بأنهم الأعلون ، بجميع أحوالهم سواء انتصروا أم لم يكتب لهم النصر، ذكر الرازي ثلاثة وجوه في قوله (وأنتم الأعلون): الأول - حالكم أعلى من حالهم في القتل، لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان، أو لأن قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالا منهم ، و الثاني- وأنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة ، الثالث- وأنتم الأعلون من حيث أنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم، وهذا شديد المناسبة لما قبله، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن ، فهم كانوا محتاجين إلى ما يفيدهم قوة في القلب، وفرحا في النفس، فبشرهم الله تعالى بذلك (3) . قال تعالى ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﭼ [104] ، ينهى الله عز وجل أهل الحق عن الانكسار والتراجع في دفع الباطل وأهله، والسبب أن الخسائر متوقعة وطبيعية لكلا الطرفين، ولكن فضلوا بالأجور والفوز برضا الله ومعيته، قال أبو السعود: " تعليل للنهي وتشجيع لهم ، أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم، بل هو مشترك بينكم وبينهم، ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم لا (1) انظر: المصدر السابق 9/372. (2) الزمخشري، محمود، الكشاف 1/418. (3) انظر : الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 9/371.
عدد الصفحات ١٠٣94 تصبرون، مع أنكم أولى به منهم ، حيث ترجون من الله من إظهار دينكم على سائر الأديان ، ومن الثواب في الآخرة مالا يخطر ببالهم " (1) ، فالدافع الذي يبقي جذوة الصبر على العدو متقدة في نفوس أهل الحق هو الإيمان الراسخ في النفس، والتطلع إلى إنجاز الله الناصر لوعده وتفضله على أوليائه بالنصر والغلبة ، قال محمد رشيد رضا : الإيمان الخالص والوعد الإلهي هما مدعاة الأمل والرجاء، اللذان يبعثان القوة و مضاعفة العزيمة ، واليأس يميت الهمة ويضعف العزيمة، فيغلب على صاحبه الجزع والفتور، فإذا استو ى أهل الحق مع أهل الباطل في آلام الأبدان، فقد فضلو ا بقوة الوجدان، والثقة بحسن العاقبة، فلا يهنوا بالمدافعة، و قد مضت سن ة الله بأن يكون النصر للمؤمنين على الكافرين (2). وقد ذكر لنا القرآن الكريم دروسا من ثبات أنبياء الله ورسله، وصبرهم في تد افعهم مع أهل الباطل، وتحمل الهزيمة ومعاودة الكرة لتتحصل لهم العاقبة، دون أن تهتز ثقتهم بنصر الله ، بل كانوا مقبلين بيقين غير مدبرين ، قال تعالى : ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ [146]. المطلب الخامس: محاسبة النفس والاعتبار من مصير الأمم السابقة تقررت في القرآن الكريم حقيقة أ ن ما يصيب المسلم من مصيبة ، سواء نقص بالأموال أو الأولاد أو الهزيمة وتغلب العدو وغيرها من ابتلاءات ، إنما هو مرده لتقصيره واقترافه لذنوب منعت عنه الخير والمعافاة ، قال تعالى : ﭽ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ [30] ، قال الطبري " وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم (1) أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم 2/228. (2) انظر : رضا، محمد رشيد، تفسير المنار 5/317.
عدد الصفحات ١٠٤95 وأهليكم وأموالكم، فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم ، بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ، ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها " (1) ، وعن ابن عباس قال: يعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم ولا يؤاخذون بها في الآخرة (2) ،قال تعالى: ﭽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ [42:41] ، قال ابن القيمالذنو ب سبب الفساد الذي ظهر، و المراد بالفساد: النقص والشر والآلام ، التي يحدثها الله في الأرض بمعاصي العباد ، فكلما أحدثوا ذنبا أحدث الله لهم عقوبة. (3) كما لفت القرآن الكريم أنظار المسلمين لحركة التاريخ وأخبار الأمم السابقة ، وحثهم على أخذ العبرة والعظة من مصارع الأمم السابقة بسبب ذنوبهم وشركهم ، واستخلاص الدروس التي تعينهم في مواجهة الباطل وأهله، قال تعالى : ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ [137] ،ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭼ [11] ، قال الطبري : يأمرهم الله – عز وجل- بأن يجولوا في بلاد المكذبين الجاحدين، ثم ينظروا كيف أعقبهم الله تكذيبهم ذلك، من الهلاك وخزي الدنيا كخراب الديار من سخط الله، ليعتبروا ويتعظوا ويحذروا مثل مصارعهم، و يتقوا أن يحل ب هم مثل الذي حل بالمكذبين(4). (1) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 21/538. (2) المصدر السابق21/539. (3)ابن القيم ، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد (ت751هـ) ، تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)، ، (المحقق مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان)، دار ومكتبة الهلال – بيروت، الطبعة الأولى ، 1410 هـ ، 1/432. (4) الطبري، محمد بن جرير ، جامع البيان 11/272.
عدد الصفحات ١٠٥96 وفي لفتة بيانيةذكر الزمخشري الفرق بين قوله تعالى (فانظروا) ، و التي فيها وجوب الأمر بالسير للنظر في مهالك الأمم السابقة وديارهم لأ خذ العبرة وال عظة ، وبين قوله (ثم انظر وا) والتي تفيد (ثم) فيها للترتيب والتراخي ، لتدل على أن التوجيه بالنظر في أحوال الهالكين ، إنما هو مترتب على السير في الأرض لقضاء الحوائج ، دون وجوبه على وجه الخصوص ، فقال : " جعل النظر مسببا عن السير في قوله فانظر وا فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين ، وأما قوله سيروا في الأرض ثم انظر وا فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع ، وا يجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح" (1) . إنالنفس الأمارة بالسوء أولى بالجهاد ل تقويمها وتهذيبها ، وا لا كانت سببا في إيراد صاحبها لموارد الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة ، قال ابن قدامة المقدسي :" واعلم أن أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى الشر، وقد أمرت بتقويمها وتزكيتها وفطامها عن مواردها، وأن تقودها بسلاسل الدهر إلى عبادة ربها، فإن أهم لتها جمحت وشردت، ولم تظفر بها بعد ذلك، وا ن لزمها بالتوبيخ رجونا أن تصير مطمئنة، فلا تغفلن عن تذكيرها" (2) ، لذا من شروط تغلب أهل الحق على الباطل وأهله ، هو تنقيتهم من أدران ال ذنوب والمعاصي ، ليستحقوا وعد الله بالنصر ، ويفوزوا بمعية الناصر سبحانه وتعالى . جاءت حادثة مخالفة الرماة لأوامر رسول الله ﷺ في غزوة أحد ، لتجسد هذه الحقيقة في زمن الرسول ﷺ ، حقيقة أن الهزيمة والابتلاءات كافة إنما هي بما كسبت أيدي البشر، والتي عالجها القرآن الكريم ، وأصبحت درسا لكل مقاتل في سبيل الله ، قال ابن القيم :" لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة وفارقوا مركزهم ، (1) الزمخشري، محمود، الكشاف 2/8. (2) ابن قدامة، أحمد بن عبدالرحمن ابن قدامة المقدسي، (ت 689ه)، مختصر منها القاصدين ، مكتبةدار البيان ، دمشق، 1398ه1978م ، ص377 .
عدد الصفحات ١٠٦97 فانخلعواعن عصمة الطاعة ففارقتهم النصرة " (1) ، قال تعالى ﭽ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﭼ [165]. وعند مواجهة العدو يتوجب على أهل الحق التضرع –عز وجل- في مواجهتهم لأهل الباطل، كما حصل لطالوت وجنوده عند مواجهة العدو ، حين انطرحوا متذللين لله متضرعين له ، فنصرهم الله على عدوهم وثبت أقدامهم ، قال تعالى : ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ [250] ، ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ [ عمران 147] ،قال ابن القيم : استنصر الأنبياء وأممهم على قومهم باعترافهم بذنوبهم واستغفارهم ، وسؤالهم ربهم أن يثبت أقدامهم ، وأن ينصرهم على أعدائهم لما علموا إنما يدال عليهم بذنوبهم ، و الذنوب نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصرة منوطة بالطاعة ، فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضي، وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف (2). (1) ابن القيم ، محمد، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/203. (2) انظر: ابن القيم ، محمد، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/202.
عدد الصفحات ١٠٧98 المبحث الثالث : قواعد تتعلق بالباطل وأهله المطلب الأول: رعاية أكابر القوم للباطل من قواعد الصراع بين الحق والباطل التي أكدها القرآن الكريم، تصدر الوجهاء كبار القوم لرعاية وتوجيه وتغذية الباطل للتلبيس على الناس ، في سبيل الحفاظ على هذه الصدارة ، قال تعالى : ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ [123]، قال الطبري جعلنا في كل قرية عظماءها مجرميها ليمكروا فيها، بغرور من القول أو بباطل من الفعل(1)، وذكر الرازي أن في الآية تقديم وتأخير تقديره : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر (2). أما سر تخصيص كبار القوم برعاية الباطل، فمرده لحرصهم على الحفاظ على مكتسباتهم في ظل بيئة يغذيها الباطل ، لأنهم هم الحاملون على الضلال والماكرون بالناس (3)، والأقرب إلى الكفر بما أعطوا من الرياسة والسعة (4) ، واقوى على استتباع الناس والمكر بهم (5)،لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم ، لقوله تعالى: ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ [27](6)، فهم الأقدر على الفساد والتحيل والمكر لرئاستهم وسعة أرزاقهم واستتباعهم الضعفاء و المحاويج (7) . (1) انظر: الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 12/93. (2) انظر: الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 13/135. (3) الزمخشري ، محمود، الكشاف 2/63. (4) الجوزي، عبدالرحمن، زاد المسير 2/74. (5) البيضاوي، عبدالله، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/181. (6) النسفي، عبدالله،مدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/534. (7) ابن حيان، محمد، البحر المحيط4/636.
عدد الصفحات ١٠٨99 قال الزجا " إنما جعل المجرمين أكابر ، لأن رئاستهم أقدر على الغدر والمكر ، وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر والكذب والغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه، لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه "(1) . وحقيقة مكرهم إنما هي تلبيس الباطل لبوس الحق و" دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال" (2) ، والتحايل بقلب الحقائق عن طريق صرف الغير عن مراده " بضرب من الحيلة في الفعل أو الخلابة (3)في القول، والأكثر فيه أن يكون الصرف عن الحق إلى الباطل ، وعن الخير إلى الشر ؛ لأن الحق والخير قلما يحتا إلى إخفائهما بالحيلة والخلابة " (4)،وقد وصفهم الله عز وجل بالإجرام لما في فعلهم من الإفساد والإضرار بأولياء الله ، حيث بلغ ظلمهم مداه بما مكنهم الله من سيادة وزعامة وسلطة . ومكر وا جرام هذه الفئة إنما هو سنة إلهية في الاجتماع البشري، تتكرر في كل عصر ومصر، قال محمد رشيد رضا : إن سنة الله تعالى في الاجتماع البشري قد مضت بأن يكون في كل أمة ، زعماء مجرمون يمكرون فيها بالرسل ، وبسائر المصلحين من بعدهم، ليحفظوا رياستهم ويعززوا كبرياءهم ويثمروا مطامعهم فيها، و بغيرهم من الأمم لإرضاء مطامع أمتهم وتعزيز نفوذ هم(5) . (1) جاء قول الزجا في تفسير :الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 13/135. (2) ابن كثير ، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم 3/331. (3) الخلابةأن تخلب المرأ ة قلب الرجل بألطف القول وأخلبه ، وامرأة خلا بة أي: مذهبة للفؤاد، وكذلك خلوب، ورجل خلبوت أي ذو خديع ة، الفراهيدي، الخليل بن احمد ، العين 4/270. (4) رضا، محمد رشيد ، تفسير المنار 8/29. (5) انظر :رضا ، محمد رشيد، تفسير المنار 8/29.
عدد الصفحات ١٠٩100 قال سيد قطبإنها سنة جارية أن ينتدب في كل قرية ، نفر من أكابر المجرمين ليمكروا فيها، يقفون موقف العداء من دين الله ، لأنه يجرد الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس ، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، في المعركة مع الحق والهدى، وفي نشر الباطل والضلال، و يطمئن الله أوليائه إن كيد أكابر المجرمين - مهما ضخم واستطال- لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف ،لأن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليهم و حسبهم، يرد كيد الكائدين عنهم (1) . وقد ذكر القرآن الكريم نماذجا من محاربة وجهاء وكبراء الملأ ، من أقوام الرسل – عليهم السلام- للحق وأهله ، وصد الناس عن اتباعه ، حيث وردت هذه القاعدة و السنة في جميع قصص أنبياء الله – عليهم السلام – والوارد ذكرهم في القرآن الكريم ، كقوله تعالى عن قوم نوح - عليه السلام - : ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ [60] ، وعاد قوم هود- عليه السلام - ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭼ [66] ،وثمود قوم صالح – عليه السلام - ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ [75] ،وأهل مدين قوم شعيب –عليه السلام - ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ [88] ، وغيرها من الآيات التي أشارت إلى سنة رعاية وجهاء كل أمة للباطل ، ومحاربتهم للحق وأهله ، لذا لا ينبغي أن يخشى أهل الحق من استقواء الباطل وأهله ، وبالتالي ينبغي ألا يتسلل الخوف والرهبة واليأس إلى قلوبهم . (1) انظر : قطب ، سيد، في ظلال القرآن 3/1202.
عدد الصفحات ١١٠101 المطلب الثاني: تعاضد أهل الباطلباختلاف مشاربهم ومعتقداتهم ينبه الله -عز وجل- أهل الحق ويوجههم للالتفاف حول بعضهم ونبذ الخلاف ، ليكونوا صفا واحدا أمام عدوهم يصعب اختراقه ، قال تعالى : ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ [73] ،قال ابن عاشور في المراد بالفساد في الآية الكريمة : ضد صلاح اجتماع الكلمة، فالمسلمو ن إذا لم يظهروا يدا واحدة على أهل الكفر لن تظهر شوكتهم، لأن الاختلاف يفضي إلى تفرق جماعتهم، فعليهم بالحرص على جامعة إسلامية، يظهر كمالها بالتفاف أهلها التفافا واحدا، وتجنب ما يضادها، فإذا لم يقع ذلك ضعف شأن جامعتهم في المرأى وفي القوة ، وذلك فساد كبير (1) . المتأمل لأحوال أهل الباطل في دفعهم وقتالهم وصدهم أهل الحق ، يجد أنهم في سبيل إقصاء الحق ومحاربة أهله، لا يترددون في التعاون فيما بينهم ، فيساند بعضهم بعضا بالرغم من وجود عداوة وتفرق واختلاف دين، قال تعالى : ﭽ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﭼ [64]، ولكن نجدهم في حربهم على الحق وأهله ، يتحدون ويتآزرون لاتحاد عقيدة الشرك لديهم ، قال تعالى: ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ [51] ، قال الزمخشري إنما يوالى بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر" (2) ، وقال أبو السعود: " بعضهم أولياء بعض متفقون على كلمة واحدة ، في كل ما يأتون وما يذرون، (1) انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 10/88. (2) الزمخشري، محمود، الكشاف 1/642.
عدد الصفحات ١١١102 ومن ضرورته إجماع الكل على مضادتكم ومضارتكم بحيث يسومونكم السوء ويبغونكم الغوائل" (1)، وقال الشوكاني: " كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى ، وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وسلم، وعداوة ما جاء به وا ن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين" (2) . وسبب اتحادهم رغم تنوع اتجاهاتهم وأديانهم إنما لدفع الحق وأهله، هذا الحق المتمثل بالعقيدة الصافية ، والتي من أجلها قامت معارك الأنبياء ومواجهاتهم مع أقوامهم ، قال سيد قطب : يربي القرآن وعي المسلم بحقيقة أعدائه، وحقيقة المعركة ال تي يخوضها معهم ، إنها معركة العقيدة ، فالعقيدة هي القضية القائمة بين المسلم وكل أعدائه، والتي يعادونه من أجلها، لأنهم فاسقون عن دين الله، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله (3). ويؤكد ا -عز وجل - في موضع آخر هذه الولاية والاتحاد في مواجهة الحق بقوله : ﭽﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭼ [129] ، قال السعدي" أن نولي كل ظالم ظالما مثله، يؤزه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها البليغ خطرها "(4) ، لأن من سنة الله تعالى في البشرية ، اجتما ع البشر على ما توافق بينهم من الطبائع والرغبات،" الأفراد والجماعات يميل كل منهم إلى من على شاكلته في ذلك، ويتولى بعضهم بعضا في التعاون والتناصر فيما يشتركون فيه على من يخالفهم فيه " (5)، قال سيد قطب: نجعل بعضهم أولياء بعض ، بحكم ما بينهم من تشابه في الطبع والحقيقة و اتفاق (1) أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم 3/48. (2)الشوكاني، محمد، فتح القدير2/57. (3) قطب، سيد، في ظلال القرآن 2/908. (4) السعدي، عبدالرحمن، تيسير الكريم الرحمن 1/273 . (5) رضا، محمد رشيد، تفسير المنار 8/88
عدد الصفحات ١١٢103 في الوجهة والهدف، وبما ينتظرهم من وحدة في المصير . (1) وهذا الاتحاد بالرغ م من العداوة فيما بينهم، إنما هو حقيقة متجذرة منذ قدم التاريخ ،(فب عضهم أولياء بعض و لن يكونوا أولياء للجماعة المؤمنة على مر التاريخ ، وقد مضت القرون ترسم مصداق هذه القولة الصادقة، وولي بعضهم بعضاً في كل فجا الأرض، ولم تختل هذه القاعدة بل تحقق ما قرره القرآن الكريم، في صيغة الوصف الدائم، لا الحادث المفرد ، واختيار الجملة الإسمية على هذا النحو( بعضهم أولياء بعض) ليست مجرد تعبير ، إنما هي اختيار مقصود للدلالة على الوصف الدائم الأصيل) (2) . المطلب الثالث: تزيين أهل الباطل لباطلهم وتشويه الحق من وسائل دفع أهل الباطل للحق ومحاربة أهله ، اللجوء إلى تشويه الحق بإثارة الشبهات والأكاذيب وتلبيس الحق لبوس الباطل ، و ذلك لتنفير الناس من اتباع الحق ، قال تعالى : ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ [113:112] ، قال الطبري كما ابتلي سيدنا محمد ﷺ من مشركي قومه أعداء شياطين ، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ، ليصدوهم بمجادلتهم إياه بذلك عن اتباعه والإيمان به ، كذلك ابتلي من قبله من الأنبياء ، بأن جعل الله لهم أعداء من قومهم يؤذونهم بالجدال والخصومات (3) . (1) انظر : قطب، سيد، في ظلال القرآن 3/1208. (2) انظر : المصدر السابق 2/911. (3) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 12/50.
عدد الصفحات ١١٣104 إنأهل الباطل يروجون باطلهم وأكاذيبهم من خلال زخرفته وتزيينه والتغرير بالناس ، وفي المقابل تشويه الحق لتسويق باطلهم ونشره، حيث " يلقي الملقي منهم القول، الذي زينه وحسنه بالباطل إلى صاحبه، ليغتر به من سمعه، فيضل عن سبيل الله" (1) ، وقد وصف ا–عز وجل– تشويه أهل الباطل للحق ، وتزيين باطلهم بالزخرف ،لأنه باطل مشوه ينفر الإنسان السوي عن قبوله واعتقاده ، لذا يحتا المبطل لتزيين باطله حتى تتقبله النفوس المغرر بها، ( الزخرف بمعنى الزينة، وا ضافة الزخرف إلى القول للدلالة على أنه محتا إلى التحسين والزخرفة، لكونه غير مشتمل على ما يكسبه القبول في حد ذاته، وذلك أنه كان يفضي إلى ضر، يحتا قائله إلى تزيينه وتحسينه ، لإخفاء ما فيه من الضر، خشية أن ينفر عنه من يسوله لهم، فذلك التزيين ترويج يستهوون به النفوس)(2)، ووصف أيضا بالغرور وهوالخداع والأطماع بالنفع لقصد الإضرار " (3)، قال محمد رشيد رضا: " يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المموه ، بما يظنون أنه يستر قبحه ويخفي باطله ، بطرق خفية دقيقة لا يفطن لباطلها كل أحد ليغروهم به " (4). وقد جاء في القرآن الكريم محاولات أهل الباطل لتشويه الحق وتدليسه ، حيث نهى الله - عز وجل- أهل الكتاب عن التلبيس وكتم الحقائق ، التي جاءت في كتبهم السماوية كنعت سيدنا محمد ﷺ ونبوته، وعن إثارة الشبهات حول ما جاء في القرآن الكريم والتشكيك به ، قال تعالى منكرا عليهم : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ [71]،قال ابن كثير:" يقول تعالى ناهيا لليهود عما كانوا يتعمدونه، من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، (1) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 12/51. (2) انظر : ابن عاشور ، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 8أ10. (3) المصدر السابق8أ10. (4) رضا، محمد رشيد، تفسير المنار 8/7.
عدد الصفحات ١١٤