المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدافع في القرآن الكريم دراسة موضوعية

هيا زايد مزيد المطيري

صفحة ٦ من ١١

73 وطاعتهم–عز وجل - للفوز بنصره وتأييده ، فالأسباب الحقيقية للنصر هي بثبات عقيدتهم وا يمانهم وتقواهم ، بامتثالهم لتوجيهات الله -عز وجل - لهم و رسول ه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ [160]. فقد كان المسلمو ن في غزوة بدر الجانب الأقل ، عدة وعددا وتجهيزا من أعدائهم أهل الشرك والباطل، قال تعالى : ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ [123]، ومع ذلك امتن الله – عز وجل - على عباده المؤمنين، بالنصر وقد كانوا أذلة لقلة عددهم وعتادهم ، بالمقارنة مع عدوهم ، فأمدهم الله بالملائكة تقاتل معهم ، قال تعالى : ﭽ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ [125] . ويقول تعالى ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﭼ [126] ،يؤكد الله -عز وجل- بهذه الآية هذه الحقيقة ، بأن النصر يوم بدر إنما هو من عند الله، وليس لقتال الملائكة معهم، فالغاية من إنزال الملائكة بشارة لهم وتثب يتا لقلوبهم في تدافعهم مع عدوهم، قال الزمخشري: وما جعل الله إمداد المسلمين بالملائكة إلا بشارة لهم بأنهم ينصرون ولتطمئن به قلوب هم، فالنصر من عنده لا بتكاثرهم ومقاتلتهم ولا من عند الملائكة ، فهي مجرد أسباب يقوى به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة، ويربط به على قلوب المجاهدين (1) ،قال أبو السعود في الغاية من نزول الملائكة :" فإنهم بمعزل من التأثير ، وا نما قصارى أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب " (2) ، فالنصر إنما هو من عند الله –عز وجل- (1) انظر: الزمخشري، محمود، الكشاف 1/412. (2) أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم 2/82.

عدد الصفحات ٨٣

74 يؤيد به من يشاء من أوليائه الذين صدقوا معه واتقوه، قال السعدي:" النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو مشيئة الله لنصر من يشاء من عباده، فإنه إن شاء نصر من معه الأسباب كما هي سنته في خلقه، وا ن شاء نصر المستضعفين الأذلين ليبين لعباده أن الأمر كله بيديه، ومرجع الأمور إليه"(1) . قال تعالى ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ [249 :251] ، عندما خر طالوت ملك بني إسرائيل في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل لملاقاة عدوهم، تراجع بعض جنوده عن استكمال سيرهم نحو العدو، و عندما استقلوا عددهم في مقابل كثرة عدوهم ، و قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، قال ابن كثير : استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم ، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق ، ونصره ليس عن كثرة عدد ، و عندما تمت المواجهة بين حزب الإيمان -وهم قليل-من أصحاب طالوت ، وبين عدوهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير- ، دعوا الله أن ي نزل علي هم صبرا من عند ه ويثبت أقدامهم، في لقاء الأعداء وينصرهم على عدوهم ، فاستجاب لهم و غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم .(2) (1) السعدي، عبدالرحمن ، تيسير الكريم الرحمن 1/146. (2) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم 1/668 .

عدد الصفحات ٨٤

75 وبعكس حال المسلمين يوم غزوة بدر من حيث القلة ، ففي غزوة حنين لم تغنْ عنهم كثرتهم، قال تعالى: ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﭼ [26:25] ، قال الطبري : " يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد وشدة البطش، وأنه ينصر القليل على الكثير إذا شاء "(1)،و قال الرازي : " أن الله تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم، وا نما يغلبون بنصر الله، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين" (2) ، فمتى دخل العجب في نفوسهم ، حرموا التسديد والنصر الإلهي ، فالقتال والكثرة والعدة ما هي إلا أسباب، ولكن المسبب الحقيقي هو تأييد الله لهم ، المشروط بالعقيدة الراسخة والصبر على ملاقاة العدو. يقول البوطي:" تعتبر غزوة حنين درسا في العقيدة الإسلامية وقانون الأ سباب والمسببات من نوع ذلك الدرس الذي أوحت به غزوة بدر ، بل متمما له ، فإذا كانت موقعة بدر قد قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئا في جنب كثرة أعدائهم إذا كانوا صابرين ومتقين ، فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرة أيضا لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين ، وكما نزلت آيات من كتاب الله تعالى في تقرير عبرة بدر ، فقد نزلت آيات منه أيضا في تقرير العبرة التي ينبغي أن تؤخذ من حنين "(3) . (1) الطبري ، محمد بن جرير، جامع البيان 14/179. (2) الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 16/19. (3) انظر : البوطي، محمد سعيد رمضان( 1414ه1994م)، فقه السيرة، دار الفكر ، ب يروت-لبنان، ص 263.

عدد الصفحات ٨٥

76 يقول محمد رشيد رضا الإسلام يأمر بإعداد القوى المادية و المعنوية، وأعظمها الإيمان بالله والاتكال عليه، فقد تمكن سلف المسلمين من فتح بلاد كسرى وقيصر وغيرهما ، بسبب ما أصاب تلك الشعوب من الشرك وفساد العقائد والآداب ، وانتشار الفواحش والمنكرات والخرافات، التي استبدلها الإسلام بالتوحيد والفضائل ، وبه نصرهم الله على الأمم كلها، إذ كان العرب دون تلك الشعوب في الاستعداد الحربي المادي، ولكن تميزوا بإصلاح الإسلام المعنوي ، وعندما فرطوا فيه ثم قصروا في الاستعداد المادي للنصر في الحرب ، و فقدوا النوعين عاد الغلب لغيرهم عليهم (1). المطلب الرابع مقابلة المكر بالمكر دأب أهل الباطل على النيل من الحق بتدبير المكائد، إما بإثارة الشبهات ، أو المكر بأهل الحق للإضرار بهم ، و قد أشار القرآن الكريم إلى أن ذلك المكر والكيد للحق وأهله ، إنما هو سنة إلهية في كل عصر ومصر، قال تعالى : ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ [123] ،عرف المفسرون المكر ب أنه استدرا المخدوع دون أن يشعر و بخفية، وتوريطه بالاحتيال عليه والغدر به لإلحاق الضرر ، قال الطبري:" إنه الخديعة والاحتيال للممكور به بالغدر، ليورطه الماكر به مكروها من الأمر " (2)، وقال ابن عطية :" المكر المخاتلة و التداهي، تقول: فلان يمكر بفلان إذا كان يستدرجه ويسوقه إلى هوة، وهو يظهر جميلا وتسترا بما يريد " (3) ، وقال الرازي أصل المكر في اللغة، السعي بالفساد في خفية ومداجاة " (4) . (1) انظر: رضا، محمد رشيد، تفسير المنار 9/554. (2) الطبري ، محمد بن جرير، جامع البيان 12/95. (3) ابن عطية ، عبدالحق، المحرر الوجيز2/518. (4) الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 8/235.

عدد الصفحات ٨٦

77 وفي قوله تعالى ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ [30] قال ابن عطية :" فمكر قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم كان تدبيرهم ما يسو ؤ ه وسعيهم في فساد حاله وا طفاء نوره، وتدبير قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الخصال الثلاث لم يزل قديما من لدن ظهوره ، لكن إعلانهم لا يسمى مكرا وما استسروا به هو المكر" (1) . إلا أن وبال هذا المكر إنما هو عائد على الماكر، فالله تعالى بالمرصاد لكل متربص بالحق يكيد له ويسعى للإضرار بأوليائه، قال ابن عطية : رجوع وبال مكرهم عليهم دون أن يعلمو ا، وقد بالغ في صفة جهل الماكر ، فنفي عنه أن يعلم علم حس بوصفه أنه لا يشعر(2) ، قال تعالى ﭽﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭼ [43] ، ﭽ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ [ عمران 54] ،قال الزمخشري:" يمكرون ويخفون المكايد له ، ويمكر الله ويخفى الله ما أعد لهم ، حتى يأتيهم بغتة والله خير الماكرين ، أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا "(3) . كما توعد الله هؤلاء الماكرين بالحق وأهله ، وتضليل العباد بتلبيس الحق لبوس الباطل، بالذل والصغار في الدنيا إذ سينقلب ذلك عليهم ، وبالعذاب الأخروي جزاءً وفاقا، قال تعالى: ﭽ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ [10] ،ﭽ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ (1) ابن عطية، عبدالحق ، المحرر الوجيز2/518. (2) انظر : المصدر السابق 2/341 . (3) الزمخشري، محمود، الكشاف 2/216.

عدد الصفحات ٨٧

78 ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ [124] ،فسر الطبري قوله:﴿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾ أي يصيبهم مع الصغار عذاب شديد، بما كانوا يكيدون للإسلام وأهله بالجدال بالباطل، والزخرف من القول، غرورا لأهل دين الله وطاعته (1) . أما في نسبة المكر لله -عز وجل- ووصفه بالخيرية ، بالرغم من كونها صفة لا تليق بجلاله ابتداءً ، إنما هي باعتبار النهايات والنتائج ، فهو مكر بمقابل مكر أهل الباطل ، فقد ذكر الرازي أن وصفه تعالى ب خير الماكرين ولا خير في مكرهم ، بأنه لا يخلو من أحد الوجوه : أن يكون المراد أقوى الماكرين فوضع خير موضع أقوى وأشد، لينبه بذلك على أن كل مكر فهو يبطل في مقابلة فعل الله تعالى، أو أن يكون المراد خير الماكرين لو قدر في مكرهم ما يكون خيرا وحسنا، أو أن يكون المراد ليس هو التفضيل، بل أنه في نفسه خير كما يقال: الثريد خير من الله تعالى (2) ، ويقول الرازي أيضا المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر، والاحتيال على الله تعالى محال ، فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات، وذكروا في تأويله وجوها؛ الأول: أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر، كقوله: ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ [40]،وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء ، والثاني: أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك، الثالث: أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله أعلم" (3) ،قال أبو السعود :"﴿ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ أي لا يعبأ بمكرهم عند مكره ، (1) انظر :الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 12 /97. (2) انظر : الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 15/478. (3) المصدر السابق8/236.

عدد الصفحات ٨٨

79 وا سناد أمثال هذا إليه سبحانه مما يحسن للمشاكلة ولا مساغ له ابتداء، لما فيه من إيهام ما لا يليق به سبحانه" (1) . وفي المقابل يسلي الله عز وجل أوليائه، ومن هم على طريق إحقاق الحق ورفع رايته ، بالصبر‌وعدم استعجال الأمر، فالعبرة بالخاتمة لكل من سلك ه ذا الطر يق ، قال تعالى‌مبشرا رسوله ﷺ :‌ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭼ [127] ،قال ابن كثير : ولا تحزن على من خالفك؛ فإن الله قدر ذلك، ولا يصيبك غم مما يمكرون، و مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وا يصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك، ومظهرك ومظفرك بهم (2) ، وه ذه البشارة إنما هي عامة لاتباع الحق ومن ساروا على هدي المصطفى ﷺ ، يمكر أهل الباطل بالحق وأهله في إقصائه وا ضعافه ، فيقابل ذلك كما دلت عليه الآيات مكر الله بهم ، فيعلي أهل الحق ويظهرهم ويذل الباطل وأهله . (1) أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 4/19 . (2) انظر: ابن كثير، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم 4/615.

عدد الصفحات ٨٩

80 المبحث الثاني : قواعد تتعلق بالحق وأهله المطلب الأول: قوة الحق لذاته و ضعف الباطل لذاته مهما تعاظم الباطل فهو إلى زوال لأنه ضعيف، وقد أكد القرآن الكريم ه ذه الحقيقة، ومثل لقوة وتماسك الحق في مقابل ضعف وهشاشة الباطل، فضرب الأمثال لتقريب ه ذه الحقيقة وتقرير ها، والعمل على ترسيخها في نفوس أهل الحق ، فلا يداخلهم الشك ، ولا يتسرب اليأس إلى نفوسهم ،‌قال تعالى : ﭽ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭼ [17]،ضرب الله -عز وجل – في هذه الآية مثلاً لبيان حقيقة الحق والباطل ، مثل الحق في ثباته والباطل في سرعة اضمحلاله و زواله، فمثل الحق بالماء الذي أنزله الله من السماء إلى الأرض ، فتسيل أودية الناس فيحيون وينتفعون به، فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء ، زبدا عاليا فوق السيل لا ينتفع به ، فهذا أحد مثلي الحق والباطل، فالحق هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء وتشربه الأرض وتنتفع به ، والزبد الذي ينفش ويذهب و يرمى و لا ينتفع به هو الباطل . و ذكر ت الآية الكريمة مثلاً آخر اً للحق والباطل، مثل فضة أو ذهب يوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع كالأواني والآلات، وذلك من النحاس والرصاص والحديد، يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به يدخر ويكنز ويبقى أزمنة طويلة ، ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء يطفو فوقه زبد الفلز مثله إذا أذيب، مثل زبد السيل لا ينتفع به ويذهب باطلا كما لا ينتفع بزبد السيل ويذهب باطلا (1).‌ (1) انظر: الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 16/408 ؛الزمخشري، محمود ،الكشاف 2/523 ؛ ابن عطية، عبدالحق، المحرر الوجيز 3/307

عدد الصفحات ٩٠

81 أهل الباطل وا ن كثر عددهم واتحدوا وتآزروا فيما بينهم، فهم في الحقيقة جبناء بما ألقى الله – عز وجل –في قلوبهم من الرعب والرهبة ، فرقاء بأسهم بينهم شديد، وقد أكد القرآن الكريم ه ذه الحقيقة للمسلمين، والتي فيها من البشارة لهم تقوية لقلوبهم وترغيبا لهم للإقدام في دفعهم أهل الباطل ، قال تعالى : ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭼ [14] ، قال الشوكانياجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن، وهذا التخالف هو البأس الذي بينهم الموصوف بالشدة " (1) ، قال الآلوسيرهبتهم من المسلمين ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم ، فبأسهم إذا اقتتلوا شديد ، وا نما ضعفهم وجبنهم من المسلمين بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب ، تحسبهم مجتمعين ذوي ألفة واتحاد و قلوبهم متفرقة لا ألفة بينها ، بل عداوات فلا يتعاضدون حق التعاضد ولا يرمون عن قوس واحدة، وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم (2) ، وفي قوله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ [118]،أورد الطبري في تفسير الآية اختلاف أقوال المفسرين في المراد بماهية " الاختلاف " ، ومن ضمن هذه الأقوال قول قتادة:" أهل رحمة الله أهل جماعة، وا ن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وا ن اجتمعت دورهم وأبدانهم "(3) . يبين المولى-عز وجل- ثبات الحق في مواجهة الباطل ودحضه ، في قوله تعالى : ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ [18] ، فالباطل هش ضعيف زهوق سهل التلاشي عند التصادم معه ، لأن الله قد تكفل بإحقاق الحق وا زهاقه وتولى (1) الشوكاني، محمد، فتح القدير5/243. (2) الآلوسي ،محمود بن عبدالله ، روح المعاني، 14/251. (3) انظر :الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 15/533.

عدد الصفحات ٩١

82 تعريته وقمعه، و"استعار لذلك القذف والدمغ، تصويرا لإبطاله وا هداره ومحقه فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه "(1) ، قال أبو السعوديمحقه بالكلية، وقد استعير لإيراد الحق على الباطل القذف ، الذي هو الرمي الشديد بالجرم الصلب كالصخرة ، ولمحقه للباطل الدمغ الذي هو كسر الشيء الرخو الأجوف ، وهو الدماغ فيشق غشاءه المؤدي إلى زهوق الروح تصويرا له بذلك ، فإذا هو زاهق ذاهب بالكلية، وفي إذا الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان مالا يخفى ، فكأنه زاهق من الأصل (2) ، قال ابن عاشور: القذف رمي جسم على جسم ، واستعير لايراد مايزيل و يبطل الشيء، والدمغ: كسر الجسم الصلب الأجوف، وهو هنا ترشيح لاستعارة القذف لإ يراد ما يبطل، وهو استعارة أيضا ، فقد استعير الدمغ لمحق الباطل وا زالته كما يزيل القذف الجسم المقذوف، فالاستعارتان من استعارة المحسوسين للمعقولين (3) . وهذا عام في كل مظهر من مظاهر دفع الباطل ، سواء برد الشبهات أو بالقتال ، قال السعدي : " لا يورد مبطل شبهة عقلية ولا نقلية، في إحقاق باطل أو رد حق، إلا وفي أدلة الله ، من القواطع العقلية والنقلية، ما يذهب ذلك القول الباطل ويقمعه ، فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد"(4)، قال ابن عاشور" فالله يبطل الباطل بالحق بأن يبين للناس بطلان الباطل على لسان رسله، وبأن أوجد في عقولهم إدراكا للتمييز بين الصلاح والفساد، وبأن يسلط بعض عباده على المبطلين لاستئصال المبطلين " (5) . (1) الزمخشري، محمود، الكشاف 3/107. (2) انظر: أبو السعود ،محمد، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 6/60. (3) انظر :ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 17/34. (4) السعدي، عبدالرحمن، تيسير الكريم الرحمن 1/520. (5) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 17/34.

عدد الصفحات ٩٢

83 يؤكد ا-عز وجل- ضعف الباطل بوصفه بالزهوق ، وهي من صيغ المبالغة وا ن ظهر وانتفش فهو سريع الزوال، قال تعالى : ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ [81]،قال ابن عاشور : " يشمل كل باطل في كل زمان ، وا ذا كان هذا شأن الباطل كان الثبات والانتصار شأن الحق لأنه ضد الباطل، فإذا انتفى الباطل ثبت الحق " (1) ،وقوله تعالى: ﭽ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ [49:48] ،قال الرازي:" فيه معنى لطيف، وهو أن قوله تعالى: ﴿ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﴾ لما كان فيه معنى قوله تعالى: ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ‌﴾ كان يقع لمتوهم أن الباطل كان فورد عليه الحق فأبطله ودمغه، فقال هاهنا ليس للباطل تحقق أولا وآخرا، وا نما المراد من قوله فيدمغه أي فيظهر بطلانه الذي لم يزل كذلك ، وا ليه الإشارة بقوله تعالى في موضع آخر: ﴿ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾‌، يعني ليس أمرا متجددا زهوق الباطل، فقوله: ﴿ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ أي لا يثبت في الأول شيئا خلاف الحق وما يعيد ، أي لا يعيد في الآخرة شيئا خلاف الحق "(2)، أي فالباطل لم يكن في يوم من الأيام ذا قوة من الأصل، بل هي فترات يرتفع فيها وينتفش ويتعاظم وهو خواء ، أو يسقط ويتضح للجميع عواره. قال سيد قطب : تؤكد الآية ثبات الحق و قوته ، وزهوق الباطل واندحاره ، وعبر بذلك بصيغة التوكيد، وا ن بدا أن للباطل صولة ودولة، فالباطل ينتفخ ليبدو عظيما ، ولكنه هش سريع العطب، لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، إنما يستمد حياته المو قوتة من عوامل خارجية ، فإذا تخلخلت تلك العوامل تهاوى وانهار ، فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده، وقد تقف ضده (1)ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 15/188. (2) الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 25/217.

عدد الصفحات ٩٣

84 الأهواء، وتقف ضده الظروف، ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى، ويكفل له البقاء، لأنه من عند الله (1) . وضعف أهل الباطل مستمدمن هشاشة الباطل نفسه و من ضعف الشيطان ، والذين هم أولياؤ ه واتباع كيده ، قال تعالى: ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭼ [76]،قال الزمخشري : " رغب الله المؤمنين ترغيبا وشجعهم تشجيعا ، بإخبارهم أنهم إنما يقات لون في سبيل الله، فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان، فلا ولي لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه "(2) . المطلب الثاني: العاقبة للحق والغلبة لأهله بشر القرآن الكريم أهل الحق والمدافعين عنه، بقرب نصر الله وا ن تأخر فالعاقبة لهم ، فلا يستبطأ أهل الحق نصر الله وتمكينه وتغلبهم على الباطل وأهله ، قال تعالى : ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ [41:40] ، قال أبو السعود :" فيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وا علاء كلمته "(3) ،و قال الشعراوي ‌:‌المعركة بين الحق والباطل لا تطول؛ لأن الباطل زهوق، والذي يطول من المعارك هي المعارك بين الباطل والباطل؛ فليس أحدهما أولى بأن ينصره الله ، فهذا على فساد ، وذاك على فساد، وسبحانه يدكهما ببعضهما لينتهي جناحا الفساد في (1) انظر :قطب، سيد، في ظلال القرآن 4/2247. (2) الزمخشري، محمود، الكشاف 1/535. (3) أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم 6/109.

عدد الصفحات ٩٤

85 الكون؛ لأنه ليس هناك جانب أحق بالله من الآخر؛ لذلك يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، ومادام الحق قد تركهم لبعضهم فلا بد أن تطول المعركة (1) . ويبشر ا–عز وجل - أتباع الحق من أوليائه بأن الغلبة لهم ، قال تعالى :‌ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭼ [56] ،‌قال الطبري : " من وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادهم، لأنهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان " (2)، ويبشرهم بالظفر وا ن طالت المعركة وخسروا جولة من جولات هذا الصراع ، وا نما تأخر لحكمة استأثر الله عز وجل بها ، قال تعالى: ﭽ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ [51] ، قال الزمخشري يعنى أنه يغلبهم في الدارين جميعا بالحجة والظفر على مخالفيهم، وا ن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانا من الله فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين" (3) ، قال ابن كثيرهذه سنة الله في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم (4). كما بشر الرسول ﷺ أولياء الله أتباع الحق بالنصر والظهو ر والتأييد من الله تبارك وتعالى، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره (1) انظر: الشعراوي، محمد، تفسير الشعراوي الخواطر 2/1062. (2) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 10/427. (3) الزمخشري، محمود، الكشاف 4/172. (4)ابن كثير، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم 7/150.

عدد الصفحات ٩٥

86 الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وا ن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤ من، يكره الموت وأنا أكره مساءته "(1)، وقوله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله" (2). بل إن هذه البشارة التي وعدها ا – عز وجل - أولياءه من أهل الحق، قد مضى فيها القضاء في أم الكتاب ، قال تعالى: ﭽ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭼ [ :171 :173] ،قال الطبري: يبشرهم تعالى بأنه قد سبق القول لرسل ه وأتباعه إنهم لهم المنصورون ، و مضى بهذا القضاء والحكم في أم الكتاب، وهو أن لهم النصرة والغلبة (3)، أما المقصود بالكلمة ولم سميت بذلك مع أنها عدة كلمات ، يقول الزمخشري و الكلمة هي قوله: ﴿ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ‌﴾ ، وا نما سماها كلمة وهي كلمات عدة، لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة ، والمراد منها الوعد بعلوهم على عدوهم ، في مقاوم الحجا وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة، ولا يناقض ذلك انهزامهم في بعض المشاهد، وما جرى عليهم من القتل ، فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة (4) . أما في كيفية نصر الله لأوليائه ودفعه عنهم وتأي يده لهم فالوسائل متعددة ، ولها صور مختلفة(5)،فقد تكون بقوة الحجة، وقد تكون بالدولة والاستيلاء، وقد تكون بالدوام والثبات ، فالمؤمن (1)البخاري، محمد بن إسماعيل ، الجامع الصحيح، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، حديث رقم ( 6502.) (2)مسلم، مسلم بن الحجا ،كتاب الإمارة ، حديث رقم( 1920.) (3) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 21/130 (4) انظر : الزمخشري، محمود، الكشاف 4/67. (5) سيأتي التفصيل فيها في الفصل الثالث من هذا البحث.

عدد الصفحات ٩٦

87 وا ن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب " (1)، قال تعالى: ﭽﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﭼ [21] ، وقد تكون النصرة والغلبة بواسطة الانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات ، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق لهم من صورة الغلبة امتحانا ، إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر" (2)، فقد تكون النصرة بصورة يجهلها أو يغفل عن حقيقتها وحكمتها أهل الحق ، ولكن العبرة في النهايات وعواقب الأمور. وتأخير النصر إنما هي لحكم عديدة منها؛ ماذكره ابن القيم من أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا إلى العا جلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ، ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه (3)،قال سيد قطب : قد يبطىء النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج، ولم تحشد بعد طاقاتها لتبذلها في سبيل الله ، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته سريعا لعدم قدرتها على حمايته طويلا ، ولتدرك أن القو ة وحدها بلا سند من الله لا تكفل النصر، فتوثق صلتها بالله، فلا تنحرف عن الحق الذي نصرها به الله ، وليكون جهادها في سبيله وحده ، ومن الأسباب أيضا أن في الباطل الذي تكافحه بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا، أو أن هذا الباطل لم ينكشف زيف ه للناس تماما ، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله ، فتظل جذور ه في نفوس الأبرياء الذين لم تنكش ف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس ، أو لأن (1) الرازي ، محمد، مفاتيح الغيب 26/363. (2) أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم 7/280. (3) انظر: ابن القيم، محمد، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/199.

عدد الصفحات ٩٧

88 البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة ، فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ولاستبقائه (1). المطلب الثالث: الثبات عند الن زال واليقين بالنصر يوصي القرآن الكريم في أكثر من موضع أهل الحق ، بالثبات واليقين بنصر الله ، طالما أن هدفهم هو إعلاء كلمة الحق وراية الدين ، فلا ينبغي أن يداخلهم الشك والريبة ، أو يتزعزع يقينهم وا ن تأخر النصر، فالعاقبة لهم ؛ لأن الناصر لدين الله منصور بإذنه تعالى، يسدده ويثبت قدمه، وطالما أنهم قد استوفوا شر وط النصر بنصرهم لدين الله ، قال تعالى : ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭼ [7] ، قال الطبري إن نصر تم الله لتكون كلمته العليا ، و نصر تم رسوله وجاهدتم معه، ينصركم عل ى أعدائكم ويظفركم بهم ، ويثبت أقدامكم ويقوكم عليهم، ويجرئكم حتى لا تولوا عنهم، وا ن كثر عددهم وقل عددكم ، فإنه ناصر دينه وأولياءه (2)، قال ابن عطية تنصروه بجدكم واتباعكم وا يمانكم ، يَنْص رْك مْ بخلق القوة لكم والجرأة وغير ذلك من المعاون" (3). ويؤكد الله هزيمة عدوهم مهما بلغت قوتهم وتدبيرهم وتعاضدهم أمام الحق وأهله، قال تعالى: ﭽ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ [44- 45] قال ابن كثير:" يعتقدون أنهم مناصرون بعضهم بعضا، وأن جمعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء، سيتفرق شملهم ويغلبون"(4)، لذلكيوصيهم الله بالثبات عند ملاقاة أهل الباطل، قال تعالى: ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ [15] ، قال الطبري يأمر تعالى عباده (1) انظر: قطب، سيد، في ظلال القرآن 4/2426. (2) انظر : الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 22/160. (3) ابن عطية، عبدالحق، المحرر الوجيز5/112. (4) ابن كثير، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم 7/481.

عدد الصفحات ٩٨