57 أمر الله به من أصول الإسلام، فإن بذلك دوام نصرهم، وانتظام عقد جماعتهم، والسلامة من اختلال أمرهم، فإن حادوا عن ذلك فقد فرطوا في ضمان نصرهم وأمرهم إلى الله "(1) . يختلف حال أهل الحق عندما ينصرهم الله ويمكن لهم في الأرض، وتكون لهم القوة والغلب ة ، عن حال أهل الباطل عند تمكنهم وتغلبهم واستقوائهم على الآخر، فأهل الحق يقومون بواجبات وأغراض هذا التمكين ، شكرا لله وع رفانا أن من عليهم بهذا النصر، ب امتثالهم لأوامره وتوثيقهم لصلتهم به طاعة وخضوعا وا خلاصا، و ا قامة الصلاة بشروطها و مواقيتها ، و تقديم زكاة أموالهم للمحتاجين من إخوانهم ، وأمروا بالمعروف ونهو ا عن المنكر ودفعوا الفساد ، قال عبدالكريم الخطيب: إنهم لن يكونوا على شاكلة هؤلاء الضالّين ، الذين كانت إلى أيديهم القوة والسلطان، فتسلطوا على عباد الله ، ورهقوهم وأخذوهم بالبأساء والضراء، فحين يمكّن الله لهم في الأرض، سيكونون رحمة للإنسانية كلها، بما يقيمون فيها من موازين الحق والعدل (2). وقد أخبر ا– عز وجل – أنه قد كتب في الزبور وراثة أوليائه الأرض ، بالتمكين فيها عند تغلبهم على أهل الباطل ، بأن تؤول إليهم السلطة والتملك ، لأن لفظ يرث يدل على ا نتقال ملكية من مالك إلى مالك آخر، قال تعالى: ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ [105]،واختلف في تحديد معنى الزبور؛ قيل: هو زبور داود عليه السلام، وقيل : جميع الكتب المنزَلة من السماء، وقيل: القرآن (3) ، والأرجح أن الزبور هو كتاب سيدنا داوود عليه السلام لقوله تعالى : ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ (1) المصدر السابق17/280. (2) انظر : الخطيب، عبدالكريم، التفسير القرآني للقرآن 9/1047. (3) انظر: الطبري، محمد بن جرير ، جامع البيان 18/547؛البغوي، الحسين، معالم التنزيل 3/320؛الزمخشري، محمود، الكشاف 3/138؛ الجوزي، عبدالرحمن، زاد المسير 3/217؛ الرازي، محمد، مفاتيح الغيب 22/192.
عدد الصفحات ٦٧58 ﯓ ﯔ ﯕﭼ [55] ، قال الشنقيطي: " كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب ، وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه"(1) ، قال ابن كثير: " إن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة " (2) ،أي هو وعد متحقق لا محالة لمن التزم بشروطه ، وعام لأهل الحق في كل زمن ومكان ، بدليل أنه قد بشر به في جميع الكتب السماوية السابقة ، لجميع قوى الحق والمدافعين عنه ، بأن السلطان وتولي زمام الأمور سيكون بأيديهم . وتخصيص ذكر هذا الوعد في كتاب سيدنا داوود –عليه السلام - ، لأنه لم يذكر وعد مثله في الكتب السماوية قبله، والغاية من تخصيص الزبور للشهادة على هذا الوعد في بقية الكتب التي جاءت من بعده وقبل نزول القرآن الكريم ، قال ابن عاشور: " تخصيص هذا الوعد بكتاب داوود لأنه لم يذكر وعد عام للصالحين بهذا الإرث في الكتب السماوية قبله "(3)، ويقول أن المقصود هو " الشهادة على هذا الوعد من الكتب السالفة، وذلك قبل أن يجيء مثل هذا الوعد في القرآن (4)"(5). وفي المراد بالآية قال الزمخشري :"أي يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار "(6)،و إجلاء الكفار يتمثل بوجهين ؛ أن تكون القيادة والتصرف والسلطان على الأرض لأهل الحق ، أو بقتالهم ودفعهم والانتصار عليهم والسيطرة على أراضيهم ، فتكون كلمة ا لله هي العليا و يظهر دينه على سائر (1) الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني (ت1393هـ) ، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت – لبنان ، 1415 هـ- 1995 مـ، 4/249. (2) ابن كثير،إسماعيل، تفسير القرآن العظيم 5/384. (3) ابن عاشور ، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 17/162. (4) يقصد جاء هذا الوعد في القرآن في قوله تعالى: ﴿ ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ النور:55.] (5) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 17/162. (6) الزمخشري، محمود، الكشاف 3/138.
عدد الصفحات ٦٨59 الأديان ، قال الآلوسي:" وعد منه تعالى بإظهار الدين ، وا عزاز أهله واستيلائهم على أكثر المعمورة التي يكثر تردد المسافرين إليها ، وا لا فمن الأرض ما لم يطأها المؤمنون " (1) ،وقد بشر رسول الله ﷺأمته ، أنهم سيملكون الأرض بما قدر الله لهم ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم: (إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وا ن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)(2) . المطلب الخامس: تمييز المؤمنين وتمحيص الصادقين واصطفاءالشهداء من ثمرات د فع أهل الحق لأهل الباطل ، سواء كانت الغلبة لأهل الحق أو لعدوهم ، هو تمييز صفوف المسلمين وغربلتها ممن لحق بهم من المنافقين أتباع الباطل، وتمحيص القلوب المخلصة في نشر دعوة الحق بترسيخ العقيدة الصادقة وتنقيتها من أي شوائب ، واصطفاء الشهداء منهم للفوز بأعلى المراتب برفقة الأنبياء والصديقين ، قال تعالى: ﭽ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ [140 :142] ، نزلت هذه الآيات الكريمة في سياق الآيات التي نزلت في غزوة أحد (3)،في أعقاب حدث عظيم اهتز له المسلمون لما تبعثرت صفوفهم أمام أهل الباطل، فأرشدهم الله تعالى إلى أن ذلك كان بتقديره و حكمته، وليستخلصوا الدروس والعبر في دفعهم لأهل الباطل إلى أن يلاقوا الله تعالى . (1)الآلوسي، محمود بن عبدالله ، روح المعاني ، 9/98. (2) مسلم ، أبو الحسين مسلم بن الحجا ، صحيحمسلم ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب هلاك الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم ( 2889). (3) انظرالواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد ، ( ت 468هـ) ، أسباب نزول القرآن ، الطبعة الثانية ، عدد الأجزاء: 1، (المحقق : عصام بن عبدالمحسن الحميدان)، دار الإصلاح، الدمام،1412ه1992م، 1/124.
عدد الصفحات ٦٩60 وأشارت هذه الآيات إلى جملة من الحكم المترتبة على تدا فع أهل الحق وأهل الباطل ، ومداولة النصر بينهما ؛ الحكمة الأولى تمييز الصفوف عن المؤمن الصادق ومدعي الإيمان، ويتضح أمره عيانا للناس، وا لا فالله أعلم بما في الصدور ، قال الطبري : "وليختبر الله الذين صدقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلص الصحيح الإيمان، من المنافق"(1)، قال ابن القيم : فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المسلمون وغيرهم، ولم يميز الصادق من غيره ، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة ، و يعلمهم علم رؤية ومشاهدة ، فهم مميزون في غيبه وعلمه، ولكنه سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشه ودا أمام الجميع ، قال تعالى : ﭽ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ [ عمران 179] (2) ، ففي حالة النصر يدخل الكل في جموع المنتصرين، وفي حالة الهزيمة تنكشف الساحة عن الأعداء المندسين والمنافقين، قال تعالى: ﭽﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ [2 :3]، و كذلك قوله تعالى : ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ [167]. نقل صاحب المنار عن شيخه محمد عبده تعليقه على قوله تعالى﴿ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﴾ و﴿ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾: إن العبارة ظاهرة الصحة ، وا يهام تجدد العلم الإلهي مدفوع، ولكن ما (1) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان 7/244. (2) انظر : ابن القيم ، محمد، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/196.
عدد الصفحات ٧٠61 النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها ، ولم لم يبين المراد بعبارة لا إبهام فيها؟ فيجيب بالقول : النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به ، ويوضح محمد رشيد رضا قول شيخه فيقول: وبيان ذلك أن الإنسان كثيرا ما يتصور الشيء ، ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده، ولكن في الواقع العملي يتبين له كذبه في اعتقاده ، وا نما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة ، كمن تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة بالله والتوكل عليه، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشر كان جزوعا، وا ذا مسه الخير كان منو عا، لا يثق بربه ولا بنفسه (1) ، ويقول: " فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتلوا تبين المخلص والصادق والظالم والمنافق، وما أسهل ادعاء الإخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة، فبيان السبب مؤدب للمقصرين وقاطع لألسنة المدعين " (2). من الحكمة في مداولة النصر وتمايز الصفوف إقامة الحجة على من لم يصدق إيمانه عمله وعليه يترتب الجزاء والثواب ، قال الشعراوي: " حين يبر ز علم الله إلى الوجود أمامنا في المواقف والشدائد ، فإنه علم تقوم به الحجة واضحة على من آمن، وعلى من لم يحسن الإيمان المتخاذل مدعي الصمود في المواجهة ، فالتغيير هنا لا يكون في علم الله، بل في المعلوم لله، وليس في العالم بل في المعلوم بحيث نراه حجة علينا (3) ، قال طنطاوي لأن العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وا نما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس " (4) . والحكمة الثانية التي وجهت إليها الآيات في دفع أهل الحق ، وثمرة أخرى من ثمرات هذا التدافع ، اصطفاء الشهداء للفوز بما أعده الله لهم من نعيم ورفقة الأنبياء والصالحين لقوله (1) انظر : رضا، محمد رشيد، تفسير المنار 4/123. (2) المصدر السابق4/124. (3) انظر : الشعراوي، محمد ، تفسير الشعراوي الخواطر 3/1783. (4) طنطاوي، محمد ، التفسير الوسيط 2/276.
عدد الصفحات ٧١62 تعالى﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾ ، قال الطبري :" أي ليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها " (1)، وزاد الزمخشري :" أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلى به صبركم من الشدائد، من قوله تعالى: ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ [ البقرة 143]" (2)،يرى الزمخشري أن لفظ الشهادة يحتمل أحد معنيين، أحدهما: الموت في سبيل الله ، والثاني: من الشهادة على الناس، و المعنى الأول هو الأنسب لموافقته لسياق الآيات ، التي تتحدث عن غزوة أحد وما ترتب عليها من أحداث ، يقول ابن القيم : " الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه و محابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو "(3) . وفي لفظة (يتخذ) إشارة لعظم شأن من وقع عليه الاختيار ، لنيل المنزلة العالية منزلة الشهيد، التي يبذل المسلم أغلى ما يملك للفوز بها ، قال أبو السعود: " في لفظ الاتخاذ المنبئ عن الاصطفاء والتقريب من تشريفهم وتفخيم شأنهم مالا يخفى " (4)، قال السعديلأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين ، أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم" (5) . يقول سيد قطبوهو تعبير عجيب عن معنى عميق، إن الشهداء لمختارون من بين (1) الطبري، محمد بن جرير، جام ع البيان 7/243. (2) الزمخشري، محمود، الكشاف 1/420. (3)ابن القيم، محمد، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/199. (4) أبو السعود،العمادي محمد بن محمد بن مصطفى،( ت 982ه، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت ، 2/90. (5)السعدي، عبدالرحمن، تيسير الكريم الرحمن 1/149.
عدد الصفحات ٧٢63 المجاهدين تكريم ا لهم ، ليستخلصهم لنفسه ويخصهم بقربه، و يستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس، فيؤدون الشهادة بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق، وتقريره في دنيا الناس، على أن ما جاءهم من عنده هو الحق، فآمنوا به وتجردوا له ، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه ، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق ، وعلى أنهم هم استيقنوا هذا، فلم يألوا جهداً في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس ، وا قرار هذا الحق في عالمهم، وتحقيق منهج الله في حكم الناس (1) ،وفي اختيار لفظ الاتخاذ أيضا تحفيز للمقاتلين ليبذلوا في سبيل الله أرواحهم كما بذلها من سبقهم من إخوانهم ونالوا هذه المنزلة ، قال القاسمي: " ليكونوا مثالا لغيرهم في تضحية النفس شهادة للحق، واستماتة دونه، وا علاء لكلمته، وهو تعالى يحب الشهداء من عباده، وقد أعدّ لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة "(2) . أما الحكمة الثالثة التي أشارت اليها الآيات في المداولة والم دافعة بين أهل الحق وأهل الباطل، فهي تمحيص(3) المؤمنين بتنقية الشهداء منهم من ذنوبهم ، والأحياء من منافقيهم المندسين بينهم بإظهار خفايا صدورهم ، ومحق (4) الكافرين باستئصالهم منعا لطغيانهم وب طرهم وبغيهم (5) ، (1) انظر : قطب، سيد، في ظلال القرآن 1/481. (2) القاسمي، محمد، محاسن التأويل2/419. (3) التمحيص من المَحْص : "خلوص الشَيء، محصته محصا: خَلصته من كل عيب ، والتمحيص: التطهير من الذنوب" الفراهيدي، الخليل ، العين 3/127، "ومحص الذهب بالنار خلصه مما يشوبه ، ومن المجاز محص الله التائب من الذنوب، ومحص قلبه وتمحصت ذنوبه وتمحصت الظلماء تكشفت " الزمخشري ، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، (ت 538هـ)، أساس البلاغة، (تحقيق: محمد باسل عيون السود) ، دار الكتب العلمية ، بيروت - لبنان ، الطبعة الأولى ، 1419 هـ- 1998 م ، 2/195. (4) يمحق من محق :" محقه الله فانمحق وامتحق: أي ذهب خيره وبركته ونقص" الفراهيدي، الخليل، العين 3/56. (5) الفرق بين المحص والمحق هو" التمحيص فيه محو الآثار وا زالة اوضار كما أن المحق عبارة عن الن قص و الإذهاب " أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 2/91، " التمحيص هو تطهير الأشياء وتخليصها من العناصر الضارة، أما المحق فهو الذهاب بها كلها " الشعراوي، محمد، تفسير الشعراوي الخواطر 3/1785.
عدد الصفحات ٧٣64 قال الزمخشري إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وا ن كانت على الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم "(1) ، وقال ابن عطية" يمحص المؤمنين إذا أدال عليهم، بأنه ينقي المتشهدين من ذنوبهم، وينقي الأحياء من منافقيهم إذ يميزهم، وأنه يمحق الكافرين إذا نصر عليهم أي ينقصهم "(2)، و قال ابن كثير: " يكفر عنهم من ذنوبهم، إن كان لهم ذنوب وا لا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به، ويمحق الكافرين فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم " (3) . فالتمحيص فضل من الله على عباده وأوليائه،أمرهم بالقتال والتدافع لتتهذب النفوس وتتنقى القلوب من أدران مخالطة الدنيا وشهواتها، قال ابن القيم : إن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع وتزيين الشيطان ، ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والتقوى، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، فاقتضت حكمته أن قيض لها من المحن ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء ، إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وا لا خيف عليه منه الفساد والهلاك (4) ، قال سيد قطب التمحيص عملية تتم في داخل النفس لكشف مكنونات ال نفس البشرية ، لإخرا الشوائب وتركها نقية مستقرة على الحق ، وكثيراً ما يجهل الإنسان حقيقة نفسه، ضعفها وقوتها و ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير، وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله- سبحانه- بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء، يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المري ر.(5) (1) الزمخشري، محمود، الكشاف 1/420. (2) ابن عطية، عبدالحق، المحرر الوجيز1/514. (3) ابن كثير، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم 2/127. (4) انظر: ابن القيم ، محمد ، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/213. (5) انظر : قطب ، سيد، في ظلال القرآن 1/482.
عدد الصفحات ٧٤65 ولا يقتصر محق أهل الباطل بنقص عددهم وهلاكهم ، بل قد يشمل هزيمتهم وانهزام روحهم المعنوية وتقهقرهم عن القتال ومواصلته ، قال محمد رشيد رضا : وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناءهم وهلاكهم، بل ليسيطر عليهم اليأس، و يذهب بعزائمهم لعدم الإيمان الذي يثبت قلوب أصحابه في الشدائد، وذلك محق معنوي تكون عاقبته المحق الصوري، كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين، وا نما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم (1) . (1) انظر : رضا، محمد رشيد، تفسير المنار 4/125.
عدد الصفحات ٧٥الفصل الثاني قواعد التدافع من القرآن الكريم - ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: قواعد تتعلق بالتدافع بين الحق والباطل. المبحث الثاني: قواعد تتعلق بالحق وأهله. المبحث الثالث: قواعد تتعلق بالباطل وأهله.
عدد الصفحات ٧٦67 المبحثالأول: قواعد تتعلق بالتدافع بين الحق والباطل المطلب الأول: حتمية التدافع بين الحق والباطل قال تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ [ :118-119]، خلق الله –عز وجل - المخلوقين وقدر بينهم الاختلاف ، نتيجة تعدد الأديان والعقائد والآراء والطبائع والأفكار، ولو شاء لاجتمعوا على الحق، ولكن تعددت المشارب والمسارات واختلفت ، قال الزمخشري: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾، يعنى لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة وهي ملة الإسلام، ولكنه لم يضطرهم إلى الإ تفاق على دين الحق، بل مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف ، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل فاختلفوا، فلذلك قال ﴿ولا يزالون مختلفين ﴾(1) ،قال أبو السعود : أي لجعلهم أمة واحدة مجتمعة على الحق ودين الإسلام، فلا يكاد يختلف فيه أحد، ولكن لم يشأ ذلك فلم يكونوا متفقين على الحق، فمنهم من هداهم إليه ، ومنهم لا يزالون مخالفين له ، وحمله على مطلق الاختلاف الشامل لما يصدر من المحق والمبطل (2). وترتب على هذا الاختلاف التدافع والتصادم، وهو نتيجة طبيعية حتمية ؛ إذ لا ارتباط أو انسجام بين شيئين مختلفين فضلا عن كونهما متضادين ، مما ترتب عليه حتمية التدافع بينهما وا ن استبطأ أحدهما عن ملاحقة الآخر ومدافعته ، فإن الآخر لن يدخر جهدا في دفعه ،(والضدان لا يجتمعان ، ولأن تطبيق أحدهما يستلزم مزاحمة الآ خر وطرده ودفعه وا زالته ، أو على الأقل إضعافه، ومنعه من أن يكون له تأثير في واقع الحياة ، فلا ي تصوَّر إذن أن يعيش الحق والباطل في سلم ، من دون غلبة أحدهما على الآخر إلا لعلة ، كضعف أصحابهما أو جهلهم بمعاني الحق (1)انظر : الزمخشري ، محمود، الكشاف 2/438. (2) انظر: أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 4/248.
عدد الصفحات ٧٧68 والباطل ومقتضياتلوازم هما ، أو ضعف تأثير هذه المعاني فيهم (1) . فالصراع بين الحق والباطل أمر محتوم ؛ لأنه مرتبط بسنة ربانية، والسنة لا تتخلف لها قواعدها بمعنى أنها حتمية قدرية لا تتخلف، بالإضافة إلى أن طبيعة اختلاف البشر تقتضي ه ذا التنازع (2)، يقول ابن خلدونومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض "(3)، ويقول" وا ذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات، ومد كل واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه، لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض، ويمانعه الآخر عنها بمقتضى الغضب والأنفة ومقتضى القوة البشرية في ذ لك، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة "(4) . ولولا ه ذا الاختلاف لما كان من تشريع الأحكام التي تعالج وتنظم حياة الأفراد ، سواء أفراد الأمة الإسلامية أو غيرهم من الأمم ، كالأحوال الشخصية وأحكام القضاء والجهاد وغيرها ، ولما كان من ترغيب البشر بالثواب وترهيبهم بالعقاب في القرآن الكريم أدنى أثر، قال السعدي : " وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء"(5) ، قال ابن عاشور: حكمة الله اقتضت هذا الاختلاف بين البشر، لأن ذلك أوفى بإقامة مرا د الله تعالى من مساعي البشر في هذه الحياة الدنيا ، لينتقلوا منها إلى عالم الحياة الأبدية إن خيرا فخير وا ن شرا فشر، وا لا لما كان العمل الصالح مقتضيا ثواب النعيم ولا كان الفساد مقتضيا عقاب الجحيم (6) ، قال تعالى ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭼ [93] . (1) انظرزيدان، عبدالكريم، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد ص 46. (2) تناولت الباحثة هذه الجزئية بالتفصيل في مبحث " المفهوم القرآني للتدافع ". (3) ابن خلدون ، عبدالرحمن، مقدمة ابن خلدون 1/98. (4) المصدر السابق1/95. (5) السعدي، عبدالرحمن، تيسير الكريم الرحمن 1/392. (6) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 12/188.
عدد الصفحات ٧٨69 قال محمد رشيد رضا : لو خلق الله البشر لا اختلاف بينهم و لا رأي لهم ، لكانوا في حياتهم الاجتماعية كالنحل أو النمل، وفي حياتهم الروحية كالملائكة مفطورين على اعتقاد الحق وطاعة الله - عز وجل - فلا يقع بينهم اختلاف، ولكنه خلقهم عاملين بالاختيار لا مجبورين، فظهر استعدادهم للاختلاف والتنازع فاختلفوا (1). أكد القرآن الكريم سنة الله ومشيئته وا رادته من اختلاف الناس بأكثر من موضع للتنبيه على الحكمة من ذلك، بالإضافة إلى تسلية أوليائه أتباع الحق ، الحريصين على نشره ورفع رايته ، بأن لا يتسرب اليأس إلى نفوسهم ، قال تعالى : ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ [99] ،وكما أن الاختلاف بتقدير الله وحكمته ، فكذلك القتال المترتب على هذا الاختلاف ، إنما هو أيضا بتقديره وحكمته، قال تعالى : ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ [253] ، قال ابن عطيةإنما اختلف الناس بعد كل نبي، فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وا رادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان، ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعال لما يريد، فاقتتلوا بأن قاتل المؤمنون الكافرين على مر الدهر ، وذلك هو دفع الله الناس بعضهم ببعض"(2)، ولو شاء الله – عز وجل- أن ينصرهم دون مباشرة القتال بأنفسهم وب ذل الأسباب لانتصروا ، قال تعالى : ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ (1) انظر : رضا، محمد رشيد، تفسير المنار 12/160. (2)ابن عطية ، عبدالحق، المحرر الوجيز1/339.
عدد الصفحات ٧٩70 [4] ، قالالشوكاني: " قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وا هلاكهم ، وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب ، ولكن أمركم بحربهم ليختبر بعضكم ببعض ، فيعلم المجاهدين في سبيله والصابرين على ابتلائه ، ويجزل ثوابهم ويعذب الكفار بأيديهم " (1)، أي لو شاء الله -عز وجل - إهلاكهم لأهلكهم، ولكنه ربط الأسباب بالمسببات ، فأمر المسلمين بقتالهم ليختبر بعضهم ببعض ويمحصهم ، و يتميز بهذا الاختبار قو ي الإيمان من ضعيفه ، كقوله تعالى: ﭽ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ [31] . قال سيد قطب ولو شاء الله لانتصر من الكافرين بالطوفان والصيحة والريح العقيم ، أو من غير هذه الأسباب كلها، ولكنه إنما يريد لعباده المؤمنين أن يبتليهم ويربيهم ويصلحهم ، فليس أكرم في النفس من أن يعز عليها الحق الذي تؤمن به، حتى تجاهد في سبيله فتقتل وتقتل، و يظل يخر من نفوسهم كل هوى وكل رغبة في أعراض هذه الأرض الف انية، ويظل يقوي في نفوسهم كل ضعف ويكمل كل نقص، حتى تصبح رغائبهم كلها في كفة ، وفي الكفة الأخرى تلبية دعوة الله للجهاد، والتطلع إلى رضا الله. (2) المطلب الثاني: استمرارية سعي الباطل في دفع الحق يسعى أهل الباطل بشتى الطرق والوسائل ، بأموالهم وسلطانهم لإقصاء الحق وأهله، لتخلو الساحة لهم ولباطلهم، ففي وجود الحق وتماسكه إضعاف للباطل، وهذا ما لا يريده أهل الباطل ، قال تعالى : ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ [217] ، قال الزمخشري :" ولا يزالون يقاتلونكم إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين ، وأنهم لا ينفكون عنها (1) الشوكاني، محمد ، فتح القدير5/38. (2)انظر : قطب، سيد، في ظلال القرآن 6/3286 .
عدد الصفحات ٨٠71 حتى يردوهم عن دينهم " (1) ، ففي الآية دلالة على استمرار طلب أهل الباطل لدفع أهل الحق وا ضعافهم والقضاء عليهم، أو أن يتنازلوا عن اتباع الحق والدفاع عنه ، " و أن أولئك المشركين لا همَّ لهم إلا منع الإسلام من الأرض، فترك قتالهم هو الذي يبيد الحق وأهله، وانتظار إيمانهم بمجرد الدعوة، طمع في غير مطمع" (2)، قال ابن عاشور فتنتهم وقتالهم يدوم إلى أن يحصل غرضهم وهو أن يردوكم عن دينكم " (3). وقال تعالى : ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ [36]، قال الآلوسي : "وفي تكرير الإنفاق في الشرط والجزاء الدلالة على كمال سوء الإنفاق " (4) ، كذلك في التعبير بالمضارع دلالة على الاستمرار والتجدد ﴿يُنفِقُون ﴾ ، أي مستمرون في مقاومة الحق والكيد له لا يدخرون جهدا في ذلك ، "وهذا هو شأن الباطل وقوته ، تطغيه هذه القوة، فتدفعه إلى إزالة الحق وأهله ولو بالقوة " (5) . ينبه ا- عز وجل- أوليائه إلى كيد أهل الباطل في النيل من الحق، وسعيهم الحثيث في ذلك؛ بقوله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭼ [32] ، قال الزمخشري مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق، يريد الله أن يزيده (1)الزمخشري، محمود، الكشاف 1/259. (2) رضا ، محمد رشيد ، تفسير المنار 2/253. (3) ابن عاشور ، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 2/331. (4) الآلوسي، محمود بن عبدالله ، روح المعاني 5/191. (5) زيدان ، عبدالكريم، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد ص 46.
عدد الصفحات ٨١72 ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق أو الإضاءة، ليطفئه بنفخه ويطمسه"(1) ، ولكن ا-عز وجل – يؤكد فشل مساع يهم في تآمرهم على الحق ، وكذلك عبر بالمضارع (يريدون أن يطفئوا ) لبيان استمرار منهج التآمر حول الحق وأهله، قال محمد رشيد رضا: ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، وعد بأن يتمه في الاستقبال، ولما كان هذا الوعد الذي يتعلق بالمستقبل المغيب عن علم الخلق ، من شأنه أن يرتاب فيه الناس، أكده الله تعا لى؛ لأن صدقه مشاهد لا يحتا إلى التأكيد، والآية تشعر بأن هؤلاء الكافرين الكارهين له سيحاولون في المستقبل إطفاء هذا النور، كما حاولوا ذلك في عصر من أتمه وأكمله بوحيه إليه وبيانه له (2) . و قال تعالى : ﭽ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﭼ [64]، قال ابن كثير: " كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها ، يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السي ء بهم، من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض " (3) ، يتضح مما تقدمسعي أهل الباطل المستمر للنيل من الحق وأهله ، لذا فالواجب على المسلمين أن يكونوا على حذر من كيد الكائدين بالحق ، فلا يركنوا إلى الراحة عن دفع الباطل ، وصد أهله باللسان و اليد وكل الوسائل المتاحة. المطلب الثالث: عدم ارتباط التدافع بقلة أو كثرة تنزلت طائفة من الآيات على المسلمين في صدر الإسلام ، لتعالج المواقف التي مروا بها في الغزوات، وتبين لهم حقيقة أن النصر لا يتحقق بالعدة والعتاد ، وا نما ينتصرون بعقيدتهم (1) الزمخشري، محمود، الكشاف 2/265. (2) انظر: رضا ، محمد رشيد، تفسير المنار 10/337. (3) انظر: ابن كثير ، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم 3/147.
عدد الصفحات ٨٢