المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدافع في القرآن الكريم دراسة موضوعية

هيا زايد مزيد المطيري

صفحة ٤ من ١١

41 وكذلك في حال لم يأمن المسلمو ن على دينهم ونشر دعوتهم ، فالدفع بالقتال سبيلهم، فلا يخشون من إظهار دينهم أو ممارسة شعائرهم ، وقد نقل صاحب المنار عن شيخه الإمام محمد عبده أن المراد با لآية : حتى لا تكون لأهل الباطل قوة يفتنون بها المسلمين، ويؤذونهم لأجل الدين، ويمنعونهم من إظهاره أو الدعوة إليه ، و يكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذى فيه، ولا يحتا فيه إلى المداهنة والمداراة ،أو الاستخفاء و المحاباة(1)، قال طنطاوي: حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء لا يسومهم أعداؤه ضيماً ، وأحراراً في الدعوة إليه وا قامة شرائعه العادلة في ظل سلطان مهيب ، ليكبت أهل الحق من المؤمنين أعداءهم الذين أعدوا أنفسهم لقتالهم ومناجزت هم وتحققت منهم سوء النية ، وفساد الطوية ، فالآية الكريمة تهييج للمؤمنين ، وا غراء لهم على قتال أعدائهم بدون تردد أو تهيب ، وا رشاد لهم إلى أن يجعلوا جهادهم من أجل نصرة الحق ، لا من أجل المطامع أو الشهوات (2). فالغاية من دفع أهل الباطل بالقتال ليست لسفك دمائهم ، وأخذ أموالهم واستباحة ديار هم وا بادتهم والاستحواذ على مقدراتهم، فقد ختم الله -عز وجل – الآية بقوله: ﴿ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ ، أي إذا انتهى أهل الباطل من سعيهم للإضرار بدين الله – عز وجل – وأوليائه ، فلا حاجة حينئذ لمحاربتهم ، بل يعتبر ظلماً وعدواناً بغير حق ، قال ابن كثير: "فإِن انتهوا عمّا هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكفُّوا عنهم، فإِنَّ من قاتلهم بعد ذلك فه و ظالم، ولا عدوان إِلاَّ على الظالمين"(3)، وقال ابن عادلإن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال، كنتم أنتم ظالمين (1) انظر:رضا ، محمد رشيد ، تفسير المنار 2 /170. (2) انظر: طنطاوي ، محمد سيد، التفسير الوسيط للقرآن الكريم ، دار نهضة مصر للطباعة والنشر وا لتوزيع – القاهرة ، الطبعة الأولى ،1/408. (3) ابن كثير، إسماعيل ، تفسير القرآن العظيم 1/526.

عدد الصفحات ٥١

42 فنسلط عليكم من يعتدي عليكم" (1) ، وقال السعدي عن الغاية من تشريع القتال " أن يظهر دين الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه، من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة ، فإذا حصل هذا المقصود، فلا قتل ولا قتال " (2)، قال طنطاوي: "فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه، وأذعنوا لتعاليم الإسلام، فكفوا عن قتالهم، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم، وما دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن ظلمهم" (3). ولا يقصد بالآية أن المراد هو فرض الدين بالقوة وا جبار الناس على اعتناقه ؛ بل للناس حرية اعتناقه وممارسة شعائره بلا خوف أو رهبة ، قال محمد رشيد رضا : يكون الناس أحرارا في الدين لا يكره أحد على اعتناقه إكراها ، ولا يؤذى ويعذب لأجله تعذيبا، لقوله تعالى: ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭼ [256] (4) ، و يؤكد سيد قطب : ليس المراد إكراه الناس على الإيمان، ولكن بمعنى استعلاء دين الله وكلمته وا قرار شرعه في الأرض، ليقوى جانبه فيرهبه من يهم بالاعتداء عليه قبل الاعتداء ، و يلجأ إليه كل راغب فيه ، فلا يخشى قوة أخرى في الأرض تتعرض له أو تمنعه أو تفتنه ، فمن حق الناس أن تبلغ إليهم الدعوة الإسلامية، ويتركوا أحراراً في اعتناق هذا الدين، لا تصدهم عن اعتناقه أو تبليغه عقبة أو سلطة أو قوة بأي حال من الأحوال، و كان من حقهم ألا يفتنوا عنها بأي أداة أو وسيلة من وسائل الفتنة تعيقهم عن الاستجابة.(5) (1) ابن عادل ، عمر ، اللباب فيعلوم الكتاب 3/347. (2) السعدي ، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله (ت 1376هـ) ، تيسير الكري م الرحمن في تفسير كلام المنان، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى ، 1420هـ-2000 م، 1/89. (3) طنطاوي ، محمد ، التفسير الوسيط 1/412. (4) رضا، محمد رشيد ، تفسير المنار 9/553 بتصرف يسير . (5) انظر: قطب، سيد ، في ظلال القرآن 1 /187:186.

عدد الصفحات ٥٢

43 يتضح مما تقدم أن أمر ا- عز وجل- لعباده المؤ منين أتباع الحق بدفع قوى الباطل ، حتى لا تكون لهم القوة والغلبة ليفتنو ا بها المسلمين و تزول شوكتهم ، فيكون الدين والسلطان كله لله في أرضه ، ويتمكنوا من مباشرة تعاليم دين هم، دون أن يتجرأ أحد على محاولة فتنت هم في عقيدتهم، (وا ذا كان القتال يقوم بين الناس في وجوه كثيرة ف ي سبل غير سبيل الله ، فالقتال في سبيل الله أوجب القتال وأبرّه، إذ لا غاية له إلا الانتصار للحق والتمكين له )(1). وبناء على ذلككان من واجب القائمين بالدفع من أهل الحق، أن يستمروا ولا يتهاونوا في تدافعهم مع الباطل الذي يسعى ليلحق بهم الأذى والفتنة، ( و يظلوا يقاتلوا حتى القضاء على هذه القوى المعتدية الظالمة ، لتصبح الغلبة لدين الله والمنعة ضماناً لحرية العقيدة، وا قراراً لمنهج الله في الحياة، وكفالة لأمن الذين هداهم الله ، وحماية للبشرية من الحرمان من ذلك الخير العام ، وا ذا كان النص- عند نزوله- يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة، وهي التي كانت تفتن الناس، وتمنع أن يكون الدين لله، فإن النص عام الدلالة مستمر التوجيه ، ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين، وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله ، والاستجابة لها عند الاقتناع ، والاحتفاظ بها في أمان، فهم مكلفون في كل حين بتحطيم هذه القوة الظالمة ، و جعل الناس أحراراً من قهرها، يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله ) (2) . (1) انظر : الخطيب، عبد الكريم يونس ، التفسير القرآني للقرآن ، دار الفكر العربي - القاهرة ، 1/211. (2)انظر: قطب ، سيد ، في ظلال القرآن 1/190.

عدد الصفحات ٥٣

44 المطلب الثاني: حفظ الأرض من الفساد ورفع المظالم من ثمرات التدافع حفظ الأرض من الفساد وتناسل الأحياء وتقدم العمران ، فالله– عز وجل – يدفع بأهل الحق أهل الباطل، فلا تفسد الأرض بالبغي والظلم ، لغلبة أهل الباطل والشرك على أهل الحق و التوحيد، فتحفظ به حقوق العباد ومصالحهم، وتنصلح أحوال الأمم بإقامة العدل وأداء الحقوق لأصحابها، قال تعالى: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ [251]،وقد بين الطبري حقيقة الإفساد في الأرض بأنه "العمل فيها بما نهى الله جلّ ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه، فذلك جملة الإفساد، كما قال جل ثناؤه في كتابه مخبرًا عن قِيلِ ملائكته: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ [30]، يعنون بذلك: أتجعل في الأرض من يَعْصِيكَ وي خالف أمرك؟ "(1)، إ ذ أصل كل مفسدة هو معصية أمر الله، فشريعة الله وأوامره هي صمام الأمان والإصلاح وحفظ البشرية . قال الزمخشري: " ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون ، وفسدت الأرض ، وبطلت منافعها، وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض ، وقيل: ولولا أن الله ينصر الم سلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين، أو لو لم يدفعهم بهم لعم الكفر، ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض "(2) ، أي لأهلك الناس جميعا بذنوب فجارهم وشؤم معاصيهم، ذلك لأنهم لم يأخذوا على يد الظالم ليكف عن ظلمه (1) الطبري ، محمد ، جامع البيان1/289. (2) الزمخشري ، محمود ، الكشاف 1/296.

عدد الصفحات ٥٤

45 وا فساده ، قال البيضاوي: "ولولا أنه سبحانه وتعالى يدفع بعض الناس ببعض ، وينصر المسلمين على الكفار، ويكف بهم فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض، أو لفسدت الأرض بشؤمهم " (1) . ذكر ابن عطية أن في الآية بشارة من الله -عز وجل- لأهل الأرض ، بحفظها من الفساد على مر العصور، بأن يقيض من يقوم بدفع الفساد والمظالم،" أنه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر الدهر لفسدت الأر ض، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع إلى الله ومقاتل عليه، إلى أن جعل ذلك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة " (2)، كما أن في الآية حثا وأمر ا لأهل الحق في كل عصر، أن يدفعوا ويقاوموا الباطل وأهله بكل وسيلة منعا لفسادهم وبغيهم وطغيانهم. ومن مظاهر هذا الإفساد الذي يتصدى له أهل الحق بدفعهم أهل الباطل : القتل وانتشار المعاصي، وتخريب الديار ، والتسلط على العباد، وتعطل المصالح، وضياع الحقوق، قال الرازي :" لفسدت الأرض أي لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي "(3) ، وقال النسفي لغلب المفسدون، وفسدت الأرض ، وبطلت منافعها من الحرث والنسل ، أو ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين ، لفسدت الأرض بغلبة الكفار ، وقتل الأبرار ، وتخريب البلاد ، وتعذيب العباد" (4)، قال السعدي: فساد الأرض باستيلاء الكفار عليها وا قامتهم شعائر الكفر، ومنعهم من عبادة الله تعالى (1) البيضاوي، أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (ت 685هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المحقق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ، 1418 هـ ، 1/152. (2) ابن عطية ، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام الأندلسي (ت 542هـ) ،المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد ، دار الكتب العلمية – بيروت ، الطبعة الأولى، 1422 هـ ، 1/337. (3) الرازي ، محمد ، مفاتيح الغيب 6/519. (4) النسفي، عبدالله بن أحمد بن محمود ،(ت710ه)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، تحقيق: يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1419ه-1998م1/207.

عدد الصفحات ٥٥

46 وا ظهار دينه(1)، قالطنطاوي :" ولولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق، لفسدت الأرض، وعمها الخراب ؛ لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم، وتغلبوا على أهل الصلاح والاستقامة ، وتعطلت مصالح الناس، وانتشر الفساد في الأرض ، فلولا في الجملة الكريمة حرف امتناع لوجود ؛ أي: امتنع فساد الأرض لأجل وجود دفع الناس بعضهم ببعض " (2). كما أن الفساد المقصود في الآية يشم ل فساد الأرض وفساد الناس أنفسهم ، قال ابن عاشور- رحمه الله - :" فساد الأرض إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس، أي لفسد أهل الأرض ، وا ما فساد جميع ما يقبل الفساد، فيكون في الآية احتباك ، والتقدير: و لولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض وبقية الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض؛ أي من على الأرض، ولفسد الناس " (3)، كما يختلف سياق الآية بحسب التراكيب القرآنية في قوله فسدت الأرض وفساد في الأرض، (ففساد الأر ض ينصرف إلى فساد الأرض باختلال النظام الذي وضعه الخالق سبحانه لحياة البشر فوقها، الذي إذا اختل واضطرب، فسدت الأرض ، وهذا مظهر من مظاهر الصراع، وهو الوضع الذي ينتج عن احتدام الصراع بين الحضارات والثقافات، أما الفساد في الأرض فينصرف إلى الفساد الذي ينتج عن أفعال البشر، وهو من طبائع الأشياء)(4). مما تقدم يتبين أن من فضل الله وا حسانه على أوليائه وحكمته البالغة ، أن أمرهم بدفع أهل الفساد والإفساد، فلولا دفع أهل الباطل والفساد بأهل الحق و الإصلاح ، لغلب أهل الباطل، وعم البغي والظلم، ولتسلطوا على الصالحين وأفسدوا دينهم ومعايشهم، فقد ختمت الآية بقوله تعالى : ﴿ (1) انظر: السعدي ، عبدالرحمن ، تيسير الكريم الرحمن 1/108. (2) طنطاوي ، محمد ، التفسير الوسيط 1/574. (3) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير و التنوير 2/500 . (4) انظر: التويجري، عبدالعزيز بن عثمان، صراع الحضارات في المفهوم الإسلامي، منشورات المنظمة الإسلامية للتر بية والعلوم والثقافة ، السعودية ، ص8 .

عدد الصفحات ٥٦

47 ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾ إشعاراً بفضل الله –عز وجل- أن سن سنة إلهية تحفظ البلاد والعباد، وقد ذكر ابن عاشور أن في دفاع الناس بعضهم بعضا صدا للمفسد عن محاولة الفساد، واستشعاره بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد أخرى ، لذا فالله –عز وجل- قد أودع قوة الدفع وبواعثه في الدافع حفظا للأرض من الفساد ، أي حفظ كل من على الأرض و درءاً لاختلال نظام ما عليها (1)،قال طنطاوي: " لأنه وضع لهم هذا التنظيم الحكيم الذي أوجب فيه على المصلحين أن يدافعوا المفسدين، وأن يقاوموهم بالطريقة التي تمنع فسادهم ، ولو أدى ذلك إلى رفع السلاح في وجوههم، لأن السكوت عن فساد المفسدين سيؤدي إلى العقاب الذي يعمهم ويصيب معهم المصلحين"(2). المطلب الثالث: تحقيق الأمن و النفع لجميع الأديان والطوائف من سماحة الإسلام وعدالته حتى مع غير المسلم ين ، أن شرع ما يحفظ الأديان والمعتقدات الأخرى، فالإسلام يحترم حرية اختيار الناس في المعتقد والدين، ويحث على التسامح مع معتنقي الأديان الأخرى ، ويرفض التمييز على حسب الدين أو اللون أو الجنس ، وا ن كان قد أمر بقتال الكفار ، و ذلك لهدم أي عائق أمام انتشاره ووصوله للناس كافة ، و ليكون الجميع تحت مظلته بلا سيطرة ودون إقصاء للطرف الآخر وا لغاء عقيدته ، ومنع مصادرة حرية معتقد ات المسلمين وشرائعهم من قبل أي قوة غاشمة ، قال تعالى: ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ [40] ، " فهذا الصّدام القائم بين الهدى والضلال، وبين المهتدين والضّالّين، هو سنّة (1) انظر : ابن عاشور ، محمد الطاهر ، التحرير والتنوير 2/503. (2) طنطاوي ، محمد ، التفسير الوسيط 1/574.

عدد الصفحات ٥٧

48 من سنن ا ،التي أقام حياة الناس عليها، والتي كان من ثمارها أن قامت بيوت الله، وعمرت بالمؤمنين الذاكرين الله كثيرا فيها "(1) . ذكرت الآية دور العبادة في الأديان السماوية المختلفة ؛ فالصوامع : جمع صومعة وهي موضع عبادة منعزل ، عبارة عن بناء مستطيل مرتفع يصعد إليه بدر وبأعلاه بيت، كان الرهبان يتخذونه للعبادة ليكونوا بعيداً عن مشاغلة الناس إياهم، وذلك لمن ألزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به، فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون في أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع، وهي التي بنوها في الصحارى ، والبيع لهم أيضا ، وهي التي يبنونها في البلد ، وكانوا يوقدون به ا مصابيح للإعانة على السهر للعبادة ولإضاءة الطريق للمارين ، من أجل ذلك سميت الصومعة المنارة ، وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى ثم استعمل ت المنارة في مئذنة المسلمين ، والصوامع الآن هي ما يقابل الدير للنصارى (2). والبيع: جمع بيعة ، و قيل أيضا هي مكان عبادة النصارى ويقصد بها كنيسة النصارى ، وقيل اليهود، ولا يعرف أصل اشتقاقها، ولعلها معربة عن لغة أخرى ، فالكنائس والبيع لعامة المتدينين ، و التعبد في الصوامع لخاصة المتدينين، أي البيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع ، أما الصلوات: جمع صلاة و المراد بها هنا هي كنائس اليهود وأماكن عبادتهم، وهي معربة عن كلمة (1) الخطيب ، عبدالكريم ، التفسير القرآني للقرآن 9/1045. (2)انظر: الطبري ، محمد ،جامع البيان 18/650؛ الزمخشري، محمود، الكشاف 3/160؛ الرازي ، محمد ، مفاتيح الغيب 23/229 ؛ القرطبي ، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي (ت671هـ)، الجامع لأحكام القرآن ، (تحقيق أحمد البردوني وا براهيم أطفيش)، دار الكتب المصرية– القاهرة ، الطبعة الثانية ، 1384هـ- 1964 م، 12/71 ؛ الثعالبي، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخل وف (ت 875هـ)، الجواهر الحسان في تفسير القرآن ، (المحقق: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ،4/127؛ قطب، سيد، في ظلال القرآن 4/2425؛ابن عاشور،محمد ، التحرير والتنوير 17/277 ؛الشعراوي، محمد ، تفسير الشعراوي الخواطر2/1061 .

عدد الصفحات ٥٨

49 صلوثا أو صلوتا بالعبرانية ، وقيل هي بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم، وقيل الصلوات مساجد الصابئين، ، وسميت صلاة لأنه يصلى فيها ، ومساجد: أماكن العبادة للمسلمين ، لم يطلق هذا الاسم على أي دار للعبادة قبل الإسلام (1). وقدذكر المفسرون في تفسير الآية أنه لولا ظهور المسلمين على الكفار، عند مدافعتهم وقتالهم وامتثالهم لأمر المولى –عز وجل - في التدافع، لهدمت دور العبادة ولما تفرع العباد والنساك لعبادة الله –عز وجل- ، قال الزجا :" لهدم في شريعة كل نبي المكان الذي كان يصلي فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى عليه السلام الكنائس التي كان يصلي فيها في شريعته، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد" (2)، قال الزمخشري :" لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد، أو لغلب المشركون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين " (3)، وقال الرازي : " لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان ، وعطلوا ما يبنونه من مواضع العبادة ، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ، ليتفرغ أهل الدين للعبادة وبناء البيوت لها، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وا ن كانت لغير أهل الإسلام" (4). (1) انظر: المصادر السابقة. (2) الزجا ، إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق (ت 311هـ) ، معاني القرآن وا عرابه، عالم الكتب- بيروت ، الطبعة الأولى ، 1408 هـ- 1988 م ،3/431. (3) الزمخشري ، محمود، الكشاف 3/160. (4) الرازي، محمد ، مفاتيح الغيب 23/229.

عدد الصفحات ٥٩

50 والغاية من تخصيص مواضع العبادة بالذكر في الآية ، للدلالة على أن الأمر بدفع أهل الباطل لحماية المعتقدات وصلاح الشرائع، إنما هو ليس بمستحدث في شريعة المسلمين ، بل تقدم ذكره في الأمم الماضية ، وورد في الشرائع السابقة لحفظ دور العبادة وحرية المعتقد بين النا س، قال القرطبي: "فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لم ذهبه ، إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه " (1) ، وخصت بالذكر أيضا لكونها دور عبادة لأمم سابقة ذات دين وكتاب سماوي، قال ابن عطية : "ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك ، لأن هؤلاء ليس لهم ما يوجب حمايته ، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع "(2). وقد ربط القرآن الكريم بين الدف ع وبين حماية دور العبادة لجميع الأديان السماوية ، لأن بهدمها هدما للقيم والفضائل، وا فساد النفوس بانعدام الوازع الديني والرادع الأخلاقي ، وا ذا ساءت أخلاق الناس فسدت حياتهم ففسدت الأرض، قال الشعراوي: " ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ لأنها هي التي تربط المخلوق بالخالق ، وما دامت تلك الأماكن هي التي تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت ، يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا ، فالأديرة والكنائس والصوامع حين كانت والمساجد الآن هي حارسة القيم في الوجود، لأنها تذكرك دائما بالعبودية وتمنع عنك الغرور" (3). مما سبق يتضح أثرالدفع الذي أمر الله به عباده ، ليأمن كل فرد على دينه ومعتقده وليتفرغ لعبادته، ففي تخريب دور العبادة فتنة وصرف العباد والنساك عن عبادتهم، كما يتأكد للآخرين أن من أخلاق المسلم احترامه للأديان ومعتنقيها ، وا نها من صميم عقيدته ، وهذا إن دل فإنه يدل على سماحة الإسلام وانفتاحه على بقية الأديان ، وتأكيداً لقاعدة لا إكراه في الدين، (والمتتبع لأدوار (1) القرطبي ،محمد بن أحمد ، الجامع لأحكام القرآن 12/70. (2) ابن عطية ، عبدالحق ، المحرر الوجيز4/125. (3) الشعراوي ، محمد ، تفسير الشعراوي الخواطر 2/1061.

عدد الصفحات ٦٠

51 التاريخ يرى أن المجتمع الإنساني لم يعرف السلام بسبب اختلافه في الدين ، فكانت كل جماعة لا تفتأ تثور على مخالفيها في العقيدة ، ولكن تمكن الإسلام من نزع الأحقاد الدينية من عقول متبعيه ، عندما جاء في القرآن الكريم بأن اختلاف ا لناس في معتقداتهم من سنن الله في خلقه ،قال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ [ :118-119] ، فعلموا أنه يتوجب عليهم أن لا يحقدوا ويضطهدوا من يخالفهم في الدين ، وعلى هذا المبدأ ساروا في علاقتهم مع أهل الأديان الأخرى ، فكانوا يبيحون لأهل البلد الذي يفتحونه أن يبقوا على دينهم مع أداء الجزية ، وكانوا في مقابل ذلك يحمونهم ضد كل اعتداء، ولا يمسون عقا ئدهم و شعائرهم و معابدهم) (1)، فعلى سبيل المثال عندما فتح سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - القدس أعطى أهل إيليا " الأمان لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم، وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ،ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ، ولا شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود " (2) . المطلبالرابع: الاستخلاف والتمكين من ثمرات دفع أهل الحق لأهل الباطل و تغلبهم عليهم ، تحقق وعد الله –عز وجل – لأهل الحق باستخلافهم في الأرض وتمكينهم ، وتوليهم زمام الأحكام و السلطان المتمكن فيها ، يتصرفون فيها كتصرف الملوك أصحاب العزة والغلبة في ممالكهم ، لهدف أنبل ومحصلة أسمى وهو إعلاء كلمة الحق وراية الإسلام دون الخشية من إظهاره ، وتحكيم شرع الله –عز وجل- في الأرض (1) انظر: طبارة، عفيف، روح الدين الإسلامي ص 280. (2) الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير( ت 310ه) ، تاريخ الأمم والملوك ، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى ، 1407ه،2/449.

عدد الصفحات ٦١

52 وا قامة العدل الإلهي ، فهو نصر له تكاليف وأعباء وواجبات لا يدوم إلا بها، وا لا استبدلهم الله-عز وجل - بمن يستحق هذا الاستخلاف والتمكين ، وقد بشر النبي ﷺ أمته بالتمكين والغلبة ؛ قال ﷺ : (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر والتمكين في الأرض )(1). إن الإنسان خلق ووجد ليقوم بمهمة الاستخلاف في الأرض ، قال تعالى ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ [30]، ولا تكون هذه المهمة إلا لأوليائه أهل الحق قال تعالى:ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ [124]،ونتيجة لدفع أهل الحق وانتصارهم على الباطل وأهله ، يجعل الله لهم القوة والمنعة والهيبة التي تقذف الرعب في قلوب أعدائهم ، ( فلا يتجرأ عليهم أحد أو يزحزحهم، وعليهم أن يعلموا أن الله ما مكنهم ونصرهم لذاتهم، وا نما ليقوموا بمهمة الإصلاح والعمل على تنقية الخلافة الإنسانية في الأرض ، من كل ما يضعف صلاحها أو يفسده) (2) . وقد جاء الوعد بالاستخلاف في الآية الكريمة: ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ [55] ، مشروطاً و مقروناً بقسم عظيم من الله –عز وجل- ، فهو وعد بمقابل تحقيق شروط الجماعة الناصرة لشرع الله ، من عقيدة صافية وعبادة مشروعة نقية من البدع ، ولا يرتبط بجيل دون الآخر أو بجماعة دون أخرى ، قال الزمخشري : القسم الملتقى باللام والنون في ليستخلفنهم محذوف تقديره: وعدهم الله ، وأقسم ليستخلفنهم ، أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم، فتلقى بما يتلقى به (1) ابن حنبل ، أحمد ، مسند أحمد ، مسند الأنصار حديث رقم 21220) ،أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب الرقاق حديث رقم ( 7862) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . (2) انظرالشعراوي ، محمد ، تفسير الشعراوي الخواطر 16/9852.

عدد الصفحات ٦٢

53 القسم كأنه قيل: أقسم الله ليستخلفنهم)(1)، وقد وفى ا–عز وجل – بوعده لهذه الأمة ، عندما استوفت شروط الاستخلاف، من عقيدة صافية توجت بأعمال صالحة ، فقد أمتدت الفتوحات معظم البلدان وسادت حضارتها في مختلف العلوم ، والوعد بالإستخلاف في الأرض لا يختص بأحد بعينه بل هو عام ، قال القرطبي: "الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة، إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم" (2)، وقال الشوكاني: أبعد من قال إنه خاص بالصحابة أو المهاجرين ، ولا وجه لذلك، لأن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله ، ولأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهر قوله: كما استخلف الذين من قبلهم كل من استخلفه الله في أرضه ، فلا يخص ذلك ببني إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها (3) . إن الخلافة لن تتحقق للمسلمين في الأرض ، ما لم تهذب أنفسهم بالفضائل وترتفع عن الرذائل، ويتمحص إيمانهم عن عقيد ة صافية وأعمال خالصة لله وحده، ورغبة صادقة في إصلاح الأرض ومن عليها ، يقول المراغي : لا يرث الأرض ويملكها ، إلا من كان قادرا على إصلاحها والانتفاع بخيراتها، والاستفادة مما على ظاهرها وباطنها (4) ، ويؤكد سيد قطب ذلك فيقول : قد يغلب على الأرض كفار فجار ، يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا ، حين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح، وا لى عمارة الأرض، والقيام (1) انظر : الزمخشري، محمود، الكشاف 3/251. (2) القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن 12/299. (3) انظر: الشوكاني ، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله (ت 1250هـ) ، فتح القدير، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب ، دمشق- بيروت ، الطبعة الأولى ، 1414 هـ، 4/55. (4) انظر : المراغي ، أحمد بن مصطفى (ت 1371هـ) ،تفسير المراغي ، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي، مصر، الطبعة الأولى ، 1365 هـ- 1946 م ، 17/76.

عدد الصفحات ٦٣

54 بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إليهم ، ولكن الوراثة الأخيرة للأرض هي للعباد الصالحين، الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح (1)، ويقول الشعراوي : إ ن الله يمكن للصالح من الأرض ليعمرها ولو كان كافرا؛ لأن ه تعالى لا يحرم الإنسان ثمار عمله ، لكن عمارة الكفار للأرض وتمكينهم للحضارة سرعان ما ت نقلب عليهم ، كالحضارات القديمة التي بادت ، مثل عاد وثمود وغيرهم ، فليست عمارة الأر ض اقتصاداً وطعاماً وشراباً وترفاً (2). والغاية من استخلاف أهل الحق في الأرض ، والذي هو ثمرة من ثمرات دفع أهل الحق للباطل وأهله ، إنما هو لإصلاحها ونشر العدل ورفع الظلم والفساد ، وتهذيب المجتمع والارتقاء به ، وتحصينه من كل ما من شأنه أن يهبط به إلى دركات المخلوقات الأخرى، قال سيد قطب : الاستخلاف في الأرض ليس لمجرد الملك والقهر ، إنما على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير وتحقيق العدل ، لا الهدم والفساد والظلم ، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله من عقيدة وشريعة للبشرية ، كي تسير عليه وترتفع إلى مستوى الكمال اللائق بخليقة أكرمها الله ، لا الانحدار بها إلى مدار الحيوان ، فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض بالبغي والجور، وينحدرون بها إلى مدار الحيوان ، فهؤلاء ليسوا بمستخلفين في الأرض (3). أما التمكين الذياختص به أهل الحق في قوله تعالى : ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ [41]، فقد ذكر الطبري في تفسير الآية : أي وطنّ ا لهم في البلاد و نصرناهم على أعدائهم ، فقهروا المشركين وغلبوهم عليها ، و أطاعوا الله فأقاموا الصلاة بحدودها، وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له ، (1) انظر : قطب، سيد، في ظلال القرآن 4/2400. (2) انظر : الشعراوي، محمد، تفسير الشعراوي الخواطر 16/9667. (3) انظر: قطب ،سيد، في ظلال القران 4/2529.

عدد الصفحات ٦٤

55 ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته، ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه، الذي ينكره أهل الحقّ والإيمان بالله (1)، والمقصود من التمكين في الأرض الذي تشير إليه الآية الكريمة ، هو السلطة ونفاذ القول على الخلق ، ولا يقصد به أصل القدرة وا لا لكان كل العباد كذلك، وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه ، لأنه ليس كل من كان قادرا على الفعل أتى بهذه الأشياء (2)، و الممكَّن في الأرض هو الذي أعطاه الله البأْس والقوة والسلطان، يستطيع أنْ يفرض على مجتمعه ما يشاء، حتى إنْ م كِّن في الأرض بباطل ، يستطيع أنْ يفرض باطله وي خضِع الناس له، ولو إلى حين(3) . وأما تمكين الدين الذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ [55]،فيقصد به: تثبيته وتوطيده (4)وا ِظهاره على كل دين(5)،يعلو شأنه و تقو ى بتأييد الله –عز وجل – أركانه ، ويعظم أهله في نفوس أعدائهم الذين يستغرقون النهار والليل في التدبير لإطفاء أنواره ، ويستنهضون الرجل والخيل للتوصل إلى إعفاء آثاره (6)، ليكونمرفوع اللواء، (1) انظر: الطبري ، محمد بن جرير، جامع البيان 18/651. (2) انظر : الرازي، محمد ، مفاتيح الغيب 23 /230. (3) الشعراوي، محمد، تفسير الشعراوي الخواطر 16/9852. (4) الزمخشري ، محمود ، الكشاف 3/251. (5)الجوزي، عبدالرحمن ، زاد المسير 3/304. (6) الآلوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني (ت 1270هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، المحقق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية – بيروت ، الطبعة الأولى، 1415هـ، 9/394.

عدد الصفحات ٦٥

56 ظاهرا على غيره، قاهرا لمن ناوأه (1)،و قد عبر عن ذلك كله بالتمكين ، قال الآلوسي:" للدلالة على كمال ثبات الدين ، ورصانة أحكامه وسلامته عن التغيير والتبديل ، لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار " (2) ، قال ابن عاشور استعير التمكين الذي حقيقته التثبيت والترسيخ ، لمعنى الشيوع والانتشار ، لأنه إذا انتشر لم يخش عليه الانعدام ، فكان كالشيء المثبت المرسخ " (3) ،ومن مظاهر تمكين الدين أن يعمل بشر ائعه وتوجيهاته فيكون مرجعاً لهم، قال أبو السعود:" يستمرون على العمل بأحكامه ، ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يذرون " (4)، ويكون هذا الدين دستور حياة، فلا يعطل ولا يركن ، أو ينفصل عن الواقع في جميع أمور الدنيا والدين، " لا يكون دينا معطلا كما نعطله نحن اليوم، تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيما وصيانة " (5). وأغراض التمكين التي ذكرت في الآية الكريمة ، وحصرت ب هذه الواجبات الأربعة ، لكونها سبباً لدوام تأييد الله – عز وجل - لأوليائه ونصرته ، وكذلك لكونها أركان مهمة تقوم عليها الدول ويدوم ملكها ، ذكر ابن عاشور أسباب تخصيص هذه الواجبات بقوله :" فأما إقامة الصلاة فلدلالتها على القيام بالدين وتجديد لمفعوله في النفوس، وأما إيتاء الزكاة فهو ليكون أفراد الأمة متقاربين في نظام معاشهم، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلتنفيذ قوانين الإسلام بين سائر الأمة من تلقاء أنفسهم " (6) ، ثم يقول الكلام مسوق للتنبيه على الشكر على نعمة النصر، بأن يأتوا بما (1) القاسمي ، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم (ت1332هـ)، محاسن التأويل ،( المحقق: محمد باسل عيون السود )، دار الكتب العلمية- بيروت ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ ، 7/403. (2) الآلوسي، محمود بن عبدالله ، روح المعاني، 9/394. (3)ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 18/287. (4) أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 6/191. (5) الشعراوي، محمد، تفسير الشعراوي الخواطر 17/10324. (6) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير 17/280.

عدد الصفحات ٦٦