25 ويؤكد ابن خلدون على ترسخ ه ذا السلوك في النفس الإنسانية سواء بالممارسة السلبية أو الإيجابية ، وأن تقويم هذا السلوك يكون بالملك والسلطة الرادعة ، حتى لا تسود المجتمعات البشرية شريعة الغاب ، فلا يأمن الناس على دينهم ودنياهم، بالإضافة إلى تعاليم الشريعة وأحكامها كما تقدم في هذا المطلب ؛ فيقول: " في الاجتماع البشري لا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدو عنهم، لأنها موجودة لجميعهم، فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ، ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم و إلهاماتهم ، فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو معنى الملك " (1) . ومما ينبغي الإشارة إليه أن سلوك الدفع في المجتمعات الإنسانية ، مظهر من مظاهر الحياة والنمو والاستمرار ،(ابتداءً من الخلية ، وانتهاءً بالحياة الحية ، وهو إحدى محركات الحياة الاجتماعية، وله صوره المتعددة ، من الحوار والمناظرة والقتال والمواجهة والمنافسة والسباق والمغالبة ، منها :المشروع المحكوم بضوابط ليست من وضع الإنسان، ومنها ما يستخدم وسائل غير مشروعة ، وكل ذلك يقع ضمن دائرة الصراع الحضاري ، ا لذي يندفع من عقائد و رؤى قيمية، وأنماط حياتية وسلوكية تسعى للبرهنة على أحقيتها ،وا ثبات وجودها ، فهي أشبه ما تكون في خصو صيتها ببصمات الأصابع لا يمكن أن تتطابق ، ذلك أن التطابق يعني التوقف والموت ، وبعبارة أخرى: الصراع بين المعروف والمنكر لا يتوقف إلا بتوقف الحياة ) (2). (1)انظر : المصدر السابق 1/138. (2) انظر : القديدي، أحمد (1415ه1995م ) الإسلام وصراع الحضارات، وزارة الأوقاف والشؤو ن الإسلامية- قطر، الطبعة الأولى، ( مقدمة لعمر عبيد) ص10.
عدد الصفحات ٣٥26 المطلب الثاني: الدفع ..سنة إلهية أودع الله - عز وجل- في هذا الكون سنناً ونواميس إلهية يقوم عليها ، فكل ما يدور فيه ويقع من حوادث وأحداث ليس على سبيل الفوضى و المصادفة والعشوائية ، بل قوانين محكمة ودقيقة لا تتجاوزها، وقد توسع القرآن الكريم بالحديث عن هذه السنن ونبه المسلمين على استيعابها والسير بمقتضاها، منها سنة الابتلاء والتغيير والتمحيص والتدافع والنصر والهزيمة والتمكين وغيرها من السنن . تتسم هذه السنن الإلهية بالثبات، فلا تتغير على مر الأزمنة وتبدل الأحوال وتعاقب الأمم، قال تعالى: ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭼ [43]، وكذلك كونها مضطردة تتخلف وا لا لما كان من سرد قصص الأمم الغابرة وماحل بها أدنى فائدة ، فقد اهتم القرآن الكريم بذكر أخبار الأمم ، لأخذ العظة والعبرة مما جرى عليها من سنن الله ا لتي لا تتخلف عن خلقه، قال تعالى: ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ [137 :138] ، كما تتصف سنن الله بالعموم فحكمها يسري على الجميع دون استثناء أو محاباة أو تمييز وهي غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا قوم دون قوم .(1) وقد اقتضت حكمة ا –عز وجل - أن يسود المجتمعات الإنسانية التنوع والتعدد والتمايز والاختلاف، حتى يتم التسابق والتدافع والتنافس في الخيرات، ويتم التعارف والتعايش ، ويتحقق التعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، قال تعالى : ﭽ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ (1) انظر: زيدان ، عبدالكريم ، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد ص 14.
عدد الصفحات ٣٦27 ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ [13]، وهذا التنوع إنما هو مرتبط بسنن الله في الأرض، فهو " قانون كوني وسنة إلهية ، حتى يكون هناك تدافع وتسابق في الخيرات ، وتعاون على عمران الكوكب الذي يعيش عليه الإنسان"(1). فبالإضافة إلى كون التدافعغريزة وسلوك اً للكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان ، فهو سنة اجتماعية من السنن الإلهية التي أودعها الله في كونه الممتد ، (سنة تتعلق بسلوك وأفعال البشر خاصة ، أفرادا كانوا أو أمما وجماعات، وبالأخص مواقفهم من شرع الله ودينه وأنبيائه ، وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة) (2)،والتاريخ حافل بنماذ من التدافع بين( أهل الحق الذين يحملون معاني الحق وبين أهل الباطل الذين يحملون معاني الباطل، ويسعى كل فريق إلى إظهار هذه المعاني في الخار وا قامة شؤون الحياة على أساسها ، فيحصل التعارض والتزاحم والتدافع بين الفريقين ) (3) ، وقد عرض القرآن الكريم بعضا من هذه النماذ . ومن حكمة الله –عز وجل - أن لا تنفرد قوة بحكم الأرض فتقضي على سواها ، بل تظل القوتان متدافعتين حتى يكون النصر لإحداهما، فالتدافع بين أهل الحق وأهل الباطل مستمر منذ بدء الخلق إلى ما يشاء الله تعالى ، وسنة التدافع من أقدم السنن الإلهية على وجه الأرض ، منذ امتنع إبليس من السجود لسيدنا آدم وخالف أمر الله -عز وجل- ، ثم أهبطا إلى الأرض لتستمر حلقات التدافع إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ [36]. (1) عمارة ، محمد (2010) ، الإسلامفي مواجهة التحديات، دار نهضة مصر للنشر، الطبعة الثالثة، ص127. (2) انظر: زيدان ، عبدالكريم ، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد ص 13. (3) انظرالمصدر السابق ص45.
عدد الصفحات ٣٧28 يعتبر الدفع والتدافع بين أهل الحق وبين أهل الباطل،سنة إلهية كغيره من السنن، لكونه عملا ذا سبب له غاية وهدف، ويتجاوز ذات الفرد العامل إلى المجتمع ، ويتخذ من المجتمع أرضية له (1) ، وسنة التدافع من السنن الاجتماعية التي أشار إليها القرآن الكريم ، ويلمح الإنسان أثرها الفاعل في كل زمان ومكان ، حيث يسلط الله الظالمين بعضهم على بعض ، وتكون بذلك فرصة لنجاة المستضعفين ، ونمو الخير وحماية أهله ، لذا ينبغي على المسلمين حتى يقوموا بالدور الذي كلفهم الله به من الاستخلاف في الأرض وتحكيم شرعه وجعل كلمته هي العليا، أن يعملوا وفق سنن المدافعة هذه السنة الاجتماعية التي تحكم المجتمعات البشرية ويحسنوا التعامل معها (2)، طالما أنه في كل يوم تقوم قوة ظالمة غاشمة تحاول أن تفتنهم عن دينهم ، و قوى ظاهرة وخفية تدرس وتخطط لتصد الناس عن الدين ، ولذلك كانت ال جماعة المسلمة مكلفة في كل حين بأن تحطم القوى الظالمة تلك ، و أن تحول دون الفساد في الأرض حتى يكون الطريق واضحا أمام الناس .(3) وكماأن التدافع سنة اجتماعية من سنن الله تعالى وقوانينه في المجتمعات البشرية ، التي لا تتخلف ولا تتبدل ، قال تعالى : ﭽﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ [62]، كذلك فهو( سنة فردية ، فالفرد ليس خارجاً عن دائرة الصراع والتدافع الذاتي ، في (1) انظر: الصدر، محمد باقر(1409ه1989م)، السنن التاريخية في القرآن ، صياغة وترتيب: محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الأولى ، ص 76. (2) انظر: الغزالي، محمد ( 1412ه/1992م)، كيف نتعامل مع القرآن، دراسة: عمر عبيد حسنة ، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة ، الطبعة الثانية. ص49،ص127. (3) انظر: الزين، سميح عاطف (1411ه1991م)، معرفة النفس الإنسانية في الكتاب والس نة ، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى ، 2/100.
عدد الصفحات ٣٨29 الاختياربين دو افع الخير ، ونوازع الشر في نفسه ، وبالتالي له حرية تحديد الاختيار)(1)،ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭼ [3] ، وعليه فهو محاسب على اختياره. ولا يمكن للإنسان أن يصطدم بالسنن الإلهية أو يهملها ، ويتجاوزها فيضعها جانبا دون فهمها وتوظيفها والعمل وفقها والاهتداء بها ، ليس فقط لأنها حقائق ثابتة ومطلقة لا تجامل ولا تحابي ، ولكن لأن بإمكان(هذه السنن أن تقهر الإنسان، و أن تخرب مدنياته ، وتقضي على حضاراته بما يضيع عليه مجهودات كثيرة بذلها لو آتت ثمارها لكا ن حقق أكثر ، وتوصل إلى أبعد)(2) ، لذا ينبغي على المسلمين الانتفاع بهذه السنن ، لتسخيرها في مصالح دينهم ودنياهم بما يعود عليهم بالنفع، بفهم حقيقتها وقوانينها ، (لأن التعامل مع أي ظاهرة دون تحليلها ومعرفة أسباب نشوئها واستيعابها والإحاطة بها ، سوف يوقع بإحباطات كبيرة ، ونتائج غير محسوبة ، ف دخول المعركة ، بدون أسلحتها الفاعلة ، سوف يؤدي إلى الخسارة الفادحة) (3). وقد تضمن القرآن الكريم على عدة نماذ من تدافع الأنبياء – عليهم السلام - مع أهل الباطل وأعداء الله من أقوامهم ، وأرشد إلى النظر في نتائج ه ذا التدافع ، قال تعالى: ﭽﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ [11]، ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ [137]، فقد نبه وأرشد إلى (النتائج التي تحققت وفق هذه السنن الإلهية في التاريخ، حتى جعل السير في الأرض والنظر في أحوال الأمم (1) انظر: القديدي ، أحمد ، الإسلام وصراع الحضارات ( مقدمة لعمر عبيد) ص 10. (2) الزين ، سميح ، معرفة النفس الإنسانية في الكتاب والسنة 2/28. (3) انظر : القديدي ، أحمد ، الإسلام وصراع الحضارات ( مقدمة لعمر عبيد) ص 16.
عدد الصفحات ٣٩30 السابقة ، وادراك السنن والقوانين ،التي حركت مسار التاريخ ، من العلوم المطلوبة للمسلمين ، والتي بدونها سوف ينقلبون من وسيلة محركة فاعلة ق ائدة مسخرة إلى أداة معطلة ) (1) . وسنة التدافع بين أهل الحق وبين أهل الباطل وانتصار أحد الفريقين ،لا علاقة له بخيرية أمة الإسلام ، بل بمباشرة الأسباب لنيل المطلوب وتحقيق النصر وربط الأسباب بالمسببات ، لأن النصر مرتبط بسنن التاريخ التي لا تحابي طرفا دون طرف ، (فالمسلمون انتصروا في معركة بدر لأنهم حققوا الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ التي تفرض أن ينتصروا ، وخسروا في معركة أحد حينما كانت الشروط الموضوعية للخسارة بحسب نفس المنطق في معركة أحد ، تفرض عليهم أن يخسروا المعركة، فالنصر ليس حق إ لهي لهم، بل حق طبيعي بقدر ما يمكن أن يوفروا هذه الشروط الموضوعية، ويأخذوا بأسباب النصر).(2) إن وعد الله بالدفع والنصر والغلبة لا يلغي العمل بالسنن والقوانين الإلهية بحدوث خوارق ومعجزات ، بل يجب على المسلمين الأخذ بها ، يقول سيد قطب – رحمه الله - :" والقرآن الكريم يرد المسلمين إلى سنن الله في الأرض ، يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور ، فهم ليسوا بدعاً في الحياة، فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، والأمور لا تمضي جزافاً، إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث، وا لى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام ، واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق ، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين، لينالوا النصر والتمكين بدون الأخذ بأسباب النصر " (3). (1) انظر : القديدي ، أحمد ، الإسلام وصراع الحضارات ( مقدمة لعمر عبيد) ص18. (2) انظر : الصدر ، محمد باقر، السنن التاريخية في القرآن ص 50. (3) قطب، سيد، في ظلال القرآن 1/478.
عدد الصفحات ٤٠31 إن العمل بهذه السنة وغيرها من السنن ، إنما هو جزء من عقيدة المسلم ، ليسلك المسار الصحيح في هذه الحياة للفوز بوعد الله ، والأخذ بها إنما هو مطلب شرعي لفهم الدين وتحقيق منهج الإصلاح القرآني لهذه الأمة وعمارة الأرض ، يقول عبدالكريم زيدان :" إن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين أو معرفة لجزء من الدين، وأن هذه المعرفة ضرورية ، ومن الواجبات الديني ة لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة ، حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة ، وبذلك ننجو مما حذرنا الله منه ، ونظفر بما وعد الله به عباده المؤمنين المتقين " (1). المطلب الثالثالمفهوم القرآني للتدافع : الدفع والتدافع في المفهوم القرآني يختل ف عن مفاهيم الأمم الأخرى ، فهو لا يعني صراع البقاء للأقوى الذي يعتقده أهل الباطل ، ومحاولة إلغاء الآخر بشتى الأساليب والوسائل دون مراعاة أدنى قيم الإنسانية ، بل هو صراع تحكمه القيم وتنظمه الشريعة ( فالسنة التي أشار إليها القرآن الكريم ليس المقصود فيها "صراع البقاء " الذى يقول به الغرب ويعمل وفق ذلك المفهوم، و يعتقد أنه الغاية القصوى من الوجود ، إن صراع البقاء لمجرد البقاء، أو من أجل الغلبة والسيطرة، بغير قيم ولا أخلاق، لهو صراع مدمر، لأنه هو الذى جعل شريعة الغاب هي العملة المتداولة بين الشعوب ، القوى يأكل الضعيف، أو يزيحه من الطريق ) .(2) ونظرا لترسخ هذا المبدأ لدى غير المسلمين ، وهو البقاء للأقوى ، دون مراعاة لحق الطرف الآخر، ودون مراعاة لأدنى القيم الإنسانية ، تتم استباحة الآخري ن بل استئصالهم وفق هذا الاعتقاد، و(تصبح النظرة للآخر عدوانية ،لأنها تنظر إلى الآخر نظرة دونية فتتسلط عليه ، وتحاول أن (1) زيدان ،عبدالكريم، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد ص 16. (2) انظر: قطب، محمد (1422ه2002م )، لا يأتون بمثله، دار الشروق، القاهرة ، الطبعة الأولى ، ص165.
عدد الصفحات ٤١32 تصرعه وتتغلب عليه ، وهذا يستدعي استعماره واسترقاقه واستنفاد طاقاته ليبقى صريعا) (1)، والتاريخ يتضمن مظاهر لإقصاء واستحواذ الأمم والجماعات الظالمة على غيرهم ، مما لا طاقة لهم بدفع شرهم عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ومصالحهم ، وصور بغيهم في الأرض بغير الحق وظلمهم وفسادهم، بينما نجد دولة الإسلام قامت على أسس العدل، وحفظ الحقوق والمحافظة على القيم الإنسانية، دولة أسست (حضارة إنسانية تعترف بالآخر ، وليست حضارة حقد وصراع ،هي حضارة الإنسان التي تدعو إلى الحوار على كلمة سواء، وتعتمد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتتنكر للإكراه في الدين ، وا نما شرعت القوة في الإسلام حتى تحمى حرية الاختيار وتحقيق إنسانية الإنسان ، وا ن كسبت بعض الجولات في الصراع ، إلا أن العبرة دائما بالعواقب والمآلات ، فالأفكار والعقائد ، تبقى أقوى من القوة المادية ، وأن قيم المغلوب عسكريا، كانت أقوى من عسكر الغالب)(2). اقتضت حكمة الله أن يقوم الخلق على سنة كونية لا تتبدل ولا تتحول، وهو قانون وقاعدة (التعددية والتنوع والاختلاف في كل عوالم الخلق ،المادية والحيوان ية والنباتية والإنسانية والفكرية في الشعوب والأمم والقبائل ، وفي الألسنة واللغات والقوميات وفي الشرائع والملل والنحل ، وفي المناهج والثقافات والحضارات ، لذلك فإن هذا التدافع الذي ترتب على ه ذا الاختلاف والتعدد– الذي لا وجود له بدون فرقاء متعددين - هو سبب ووسيلة وطريق الصلاح والإصلاح لما يحدث في الاجتماع الإنساني من فساد وا فساد ﭽﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ [251]. (1) انظر :القديدي ، أحمد ، الإسلام وصراع الحضارات (مقدمة لعمر عبيد) ص 31. (2) انظر : المصدر السابق.
عدد الصفحات ٤٢33 لذلك يرفض الإسلام فلسفة الصراع والبقاء للأقوى؛ لأن الصراع يعني أن يصرع طرف الطرف الآخر فينهيه ويقضي عليه وينفرد بالساحة ، والانفراد والاستغناء في الرؤية الإسلامية هو مقدمة للطغيان وثمرة للصراع المذموم ، قال تعالى : ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ [6:7] ، لذلك يقدم الإسلام فلسفة التدافع الذي هو وسط بين السكون والموات وبين الصراع، الذي هو حراك اجتماعي يعدل المواقف لتصل إلى لحظة الوسط والعدل ، دون إنهاء للتعددية والتمايز والاختلاف ، فتتعايش المذاهب والأفكار والفلسفات والطبقات والحضارات ، حتى اذا ما اختلت العلاقات بين أطراف التعدد ، فوصلت إلى الظلم بدلا من العدل ،أو إلى الغلو بدلا من التوسط ، كان التدافع سبيلا لإعادة الفرقاء إلى لحظة العدل والوسطية والتوازن مع بقاء التنوع والاختلاف)(1). فالمفهوم القرآني للتدافع يخالف مفهوم البقاء للأقوى ، فهو صراع للب قاء دون إقصاء للآخر، صراع تقيده القيم الإنسانية ، وتنظمه روح الإسلام المتسامح،( هو حراك اجتماعي و تنافس وتسابق يعدل المواقف الظالمة والممارسات الجائرة ، دون صراع يصرع الأطراف الأخرى فيلغي التعددية ، وا نما بالحراك والتسابق الذي يعيد العلاقات المختلة إلى درجة التوازن والعدل في العلاقات بين مختلف الفرقاء )(2)،ومما يؤكد بطلان نظرية صراع البقاء للأقوى في الإسلام ، هو استمرار التدافع في قوله تعالى : ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭼ [251] ؛ لأن هذا الدفع هو الذي يمنع فساد الأرض ومن عليها ويحول دونه . (1) انظر : عمارة ، محمد ، الإسلام في مواجهة التحديات ص130ص226؛ عمارة، محمد ( 1998) الحضارات العالمية تدافع أم صراع، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع - القاهرة ، الطبعة الأولى ، ص 17. (2) انظر: عمارة ، محمد ، الحضارات العالمية تدافع أم صراع ص 18.
عدد الصفحات ٤٣34 وبناء على ما سبق استوعب أهل الحق من الصدر الأول في الإسلام ومن سار على أثرهم هذا المفهوم القرآني ، وعملوا وفق دلالته وما يرمي إليه، فترسخ عند المسلمين متطلبات الاستخلاف والتمكين في الأرض ، وقواعد هذا التدافع وما يرمي إليه والغاية منه، فتعاملوا مع الآخرين باعتبار هذا العالم (منتدى ثقافات وحضارات وشرائع وقوميات ، تتوازن بينها المصالح لا القوى، وتتعارف وتتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ، وأن على أعضاء هذا المنتدى الإنساني التفاعل فيما هو مشترك إنساني عام، والتمايز فيما هو من الخصوصيات الثقافية والعقدية والفلسفية، وذلك لتحقيق مقاصد التعارف والتعايش والتعاون في القيام برسالة الاستخلاف الإلهي للإنسان كي يعمر هذه الحياة الدنيا، طلبا للسعادة الاخروية ) (1). وقد جاء في القرآن الكريم عرضا لحلقات الصراع بين الحق والباطل ، وكيفي ة مواجهة أهل الحق لهذا الباطل ، فقد رسم لهم منهجا قرآنيا يضمن لهم الغلبة والنصر إن هم اتبعوه ، لأن " الإنسان لم يترك وحده في هذا الصراع ، فعلى الرغم من أنه قد وهب قدرات العقل والروح والإرادة والنطق والعمل ، فإن الوحي ظل يمده بشريعة السماء العادلة ، ويوضح له صراطها المستقيم " (2)، ولقد كانت الغاية من عرض القرآن الكريم لنما ذ تدافع الأنبياء وأتباعهم على مر التاريخ ، إنما ليرسخ ويقرر " أن الحق هو المنتصر في نهاية الصراع دائما ، ولقد كان هذا المعنى مصدرا لطموح الإنسانية في الإسلام إلى المثل العليا ، التي لم تعد عرفا اجتماعيا تمليه ارتباطات معي نة بالجماعة أو القبيلة أو الوطن، ومن أجل ذلك كانت كل قصة من قصص الكفاح والصراع ضد (1) انظر : عمارة ، محمد ، الإسلام في مواجهة التحديات ص 254. (2) الواعي، توفيق يوسف( 1425ه2004م )، الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية، مكتبة المنار الإسلامية –الكويت، الطبعة الثانية ، 1/400.
عدد الصفحات ٤٤35 الباطل، غراما وعشقا يهيم به أصحاب العقائد والرسالات ، وفي النهاية كانت الدائرة تدور على البغي والباغين " (1). فغاية التدافع الذي أشار إليه القرآن الكريم ، وقام به أنبياء الله – عليهم السلام- ومن تبعهم من المؤمنين أهل الحق ، في مواجهة أهل الباطل ومدافعتهم ، منع الفساد بأنواعه العقدي والمالي والمجتمعي والقيمي وغيره ، أو على الأقل العمل على انحسار الفساد ، بإضعاف الباطل ودفعه ، أي العمل على (غلبة الخير والقضاء على الشر، فيزهق الباطل وينتصر الحق، وتخلو الأرض من الفساد أو في القليل ينحسر الفساد فلا يصبح هو المسيطر )(2) ، و لم تكن للسيطرة على مقدرات الآخرين وعقائدهم ومصا لحهم، فهو دين السلام لا يختزل مجده في انتصارات عسكرية ، بل لرفع راية التو حيد والعبودية لله وا رساء دعائم الحق، وحفظ حقوق غير المسلمين قبل المسلمين أنفسهم، وتحقيق العدل وا زالة الظلم والبغي والطغيان، فلم يخر الرسول ﷺ وأصحابه لتحقيق نصر عسكري ليتوسعوا في الأرض ويملكوها ، أو يستعبدوا البشر ، ولا ليطلبوا العلو والاستكبار، ولا " ليؤسسوا إمبراطورية عربية أو قرشية ، ينعمون في ظلها ، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويخرجون الناس من حكم الفرس وال روم إلى حكم العرب ، أو إلى حكم أ نفسهم ، وا نما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعا إلى عبادة الله وحده ... وفي ظل هذه الرسالة وتلك العقيدة استطاعت الأمم والشعوب المضطهدة والمغتصبة في القديم ، أن تنال نصيبها من الدين والعلم والتهذيب والحكم، و أن تساهم في صنع حضارة سعدت بها الدنيا عصور ا متطاولة، وآمادا مديدة " (3). (1) انظر : الواعي ، توفيق ، الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية 1/400. (2) انظر : قطب ، محمد ، لا يأتون بمثله ص165. (3) الواعي، توفيق، الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية 2 /558.
عدد الصفحات ٤٥36 وفي تأكيد القرآن الكريم على دور المؤمنين، في الإصلاح ودفع الفساد في حالة الغلبة على أهل الباطل ، دلالة على الغاية من هذا الدفع والمدافعة ، قال تعالى: ﭽﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ [41]،(فالمؤمنو ن إن هم انتصروا أقاموا الصلاة؛ أي أنهم توجهوا إلى السمو الروحي من عبادة الله وتطهير أنفسهم ، وآتوا الزكاة ؛ أي أنهم حققوا العدالة الاجتماعية من إعطاء المحتاجين حقهم في هذه الحياة، وأمروا بالمعروف؛ أي أشاعوا الخير والحق بين الناس ، ونهوا عن المنكر ؛ أي حاربوا الشر والفساد واستأصلوه ما من المجتمع) (1). وبالمقارنة بين غاية الدفع في الإسلام وغيرهم من الأمم الأخرى ، التي توفرت لها القوة والسيادة ، نجد هذه الأمم " راحت توالي الفتوح إلى كل جهة ، طلبا للتوسع في الملك والتضخم في الثروة ، فكانت الطريقة التي تتبعها هي ما تمليها عليها القوة الغاشمة لا أصول العدالة ، فكانت تستولي على المدن فتدك عمرانها ، وتسلب أموالها وتستذل أهلها وتولي عليها من يسومها الذل والظلم ، هذه سنة الفاتحين ، وقد أحسنت إيجازها ملكة سبأ ، إذ قالت حين أتاها كتاب سليمان – كما جاء في القرآن - : ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭼ [34] "(2) ، في حين أن القرآن الكريم ح ذر من الظلم والفساد والطغيان (في عبارات مؤثرة وألوان من البيان ، فاقتلع جذور هذه الرذيلة من قلوب أهل الحق ، وأحل محلها إنسانية لا تعدو عليها الاعتبارات العدائية بل الإنصاف والعدل ، وحذرهم من معاملة الشعوب بالقسوة والجبروت وتخريب العامر من مدنهم ) (3). (1) انظر: طبارة ، عفيف، روح الدين الإسلامي ص 394. (2) المصدر السابق ص302. (3) انظر: طبارة ، عفيف، روح الدين الإسلامي ص302.
عدد الصفحات ٤٦37 وقد اشتمل القرآن الكريم على حقائق اجتماعية ، حول الصراع والتدافع عند أهل الباطل منها على سبيل المثال ؛ إن كل مجموعة من البشر ترى أن ماهي عليه من المعتقد والقيم والعمل أفضل مما عليه غيرها ، مهما بلغ من بطلان بمقياس الشرع قال تعالى: ﭽ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ [108]،وكلما كان غيرهم أقرب إليهم كان أحب إليهم ، قال تعالى : ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﭼ [73]، كما أنهم لا يرضون رضىً كاملاً إلا عمّ ن كان على شاكلتهم قال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ [120]، فيحرصون على الضغط على مخالفهم بأنواع الضغوط تصل إلى الضرب أو السجن أو القتل قال تعالى: ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ [30]، وأن من أهل الأديان والحضارات من يعد دينه أو حضارته من خصائص قوميته أو عرقه، فلا يريد للآخرين أن يشركوه فيها، بل لا يراهم مساوين له حتى من الناحية الإنسانية ، لذلك لا يرى نفسه ملزما بأن يلتزم في تعامله معهم بالقيم الأخلاقية قال تعالى: ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ [75]، كما يريد أولئك لمعتقداتهم أو حضاراتهم أن تكون هي المسيطرة وغيرهم خداما لمصالحهم ، تدفعهم رغبتهم في السيادة والسيطرة لأن يعدوا العدة لضمان بقاء وجودهم وحضارتهم وللدفاع عنها أمام أي خطر قد يواجهها ، وللعمل
عدد الصفحات ٤٧38 على إخضاع الآخرين لها بكا فة الإمكانيات لتحقيق ذلك وا ن لجؤ وا للحرب والصراع (1). يتضح مما تقدم أن طرفي الصراع والتدافع هم ا أهل الحق وأهل الباطل، أي فريقين متضادين مختلفين متناقضين في الهدف والوسيلة والمنهج والغاية ، بمعنى أن أهل الحق لا يمكن أن يقع فيما بينهم تدافع وصراع، وأما ما يحصل بينهم من اختلاف فإنما هو تنازع ذمه القرآن الكريم ، وحذر منه في أكثر من موضع ، قال تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭼ [46]، وانتقلت التوجيهات القرآنية في حال التنازع من النصح والتوجيه ، إلى قتال من شذ عن جماعة المسلمين إن لزم الأمر ، للحفاظ على وحدتهم في مواجهة أهل الباطل، قال تعالى : ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ [9]،(إن المعارك التي نراها في الكون لا نجد ف يها معركة بين حقين؛ فالحق واحد، والمعركة إن وجدت توجد بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل ، ونرى في معارك العصر الحديث أن المعركة تطول وتطول؛ لذلك لا نجد من يصلح بين الباطلين، بل نجد أهواءً تتعارك، وكل جانب ينفخ في الطائفة التي تناسب هواه)(2) . (1) انظر: ادريس، جعفر الشيخ ( 1433ه)، صراع الحضارات بين عولمة غربية وبعث إسلامي، مركز البحوث والدراسات ، مجلة البيان، عدد (144) ، الرياض ، الطبعة الأولى ، ص26. (2) انظر : الشعراوي ، محمد متولي (ت 1418هـ) ،تفسير الشعر اوي، الخواطر، مطابع أخبار اليوم ، 2/1062.
عدد الصفحات ٤٨39 المبحث الثاني: ثمرات التدافع أهتم القرآن الكريم بتوجيه المسلمين للقيام بكل ما يصلح دينهم ودنياهم ، فحث أهل الحق على القيام بالتدافع وشحذ الهمم وقوى العزائم ، وذم التقاعس عنه ، لما يترتب على التدافع من مصالح و منافع للأمة ، في دينها وعقيدتها ، ومعايشها وحقوق أفرادها، وشأنها وعزتها بين الأمم ، والامتثال لأمر الله – عز وجل- بالتدافع إنما هو من كمال الإيمان واليقين بالله وحسن الإسلام . للتدافع ثمرات على الصعيد الفردي والجماعي، وليس كما يثيره الأعداء من شبهات حوله لتخذيل المسلمين عنه، خوفاً من تغلب المسلمين عليهم، لأن دفع الأعداء يردع الباطل والفساد، ولن تقوم لهما قائمة ، ويعلي صوت الحق، ويقيم ميزان العدل ، وفي ه ذا المبحث سأتتبع عرض القرآن الكريم لثمرات التدافع ومنافعه للأمة. المطلب الأول: رفع راية التوحيد من أسمى وأعظم ثمرات ال تدافع بين أهل الحق وأهل الباطل ، رد الناس إلى عبودية الله وتوحيده ، وا نقاذهم من الشرك والكفر ، وحماية الدين والعقيدة و حفظ المسلمين من الفتنة في دينهم، ومن ظهور العقائد الفاسدة والأديان الباطلة ، والمتتبع لآيات القرآن الكريم التي تناولت صراع أنبياء الله -عليهم السلام - و أتباعهم مع عتاة الشرك من أقوامهم ، يجد أن هذا التدافع والصراع إنما كان في سبيل نشر دعوة التوحيد ، وانتصار الحق وغلبته وظهور أهله ، وكسر شوكة أهل الباطل ، وذلك في صور متكررة ومتجددة في كل عصر ومصر ، وقد وصف السعدي التدافع والقتال في سبيل الله بأنه:" من الضروريات في الدين؛ فإن المقصود به إقامة دين الله، والدعوة إلى عبادته التي خلق الله المكلفين لها وأوجبها عليهم، ودفع كل من قاوم الأمر الضروري، ومقاومة الظالمين
عدد الصفحات ٤٩40 المعتدين على دين الله وعلى المؤمنين من عباده" (1)، بالتدافع يسخر ا المؤمنين لنصرة دينه ونشر دعوته، وتحكيم شرعه بين الناس، ويب ذلون في سبيل ذلك أرواحهم وأموالهم . قال تعالى: ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ [193] ،ذكر الطبري في سبب الأمر بالقتال :" حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا ي عبد دونه أحدٌ، وتضمحلَّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكونَ العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان" (2)، قال الزمخشري وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط ، ويكون الدين كله لله ، ويضمحل عنهم كل دين باطل، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده" (3) ،و قال الرازي : " أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره " (4) ،و قال ابن كثير: " يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان" (5)،و قال ابن عادل:" قاتلوهم حتى تظهروا عليهم؛ فلا يفتنوكم عن دينكم، ولا تقعوا في الشرك، ويكون الدين للهو الطاعة والعبادة لله وحده لا يعبد شيء دونه " (6)، إذن غاية الدفع والقتال في الآية ليس للقتل والغنيمة والسيطرة على الآخرين ، بل لنشر دين الله وعبادته وحده والدعوة إليه. (1) السعدي ، عبدالرحمن ، تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن 1/109. (2) الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الآملي (ت 310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، (المحقق: أحمد محمد شاكر)، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى ، 1420 هـ- 2000 م ، 3/570. (3) الزمخشري ، محمود ، الكشاف 2/220. (4) الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن الرازي الملقب بفخر الدي ن، (ت 606هـ) ، مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير) ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الثالثة، 1420 ه ، 5/292. (5) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي (ت 774هـ) ، تفسير القرآن العظيم ، (المحقق: سامي بن محمد سلامة)، دار طيبة للنشر والتوزيع ، الطبعة الثانية 1420هـ- 1999 م ، 1/525. (6)ابن عادل ، أبو حفص سرا الدين عمر بن علي الحنبلي الدمشقي النعماني (ت 775هـ)، اللباب في علوم الكتاب ، (المحقق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض) دار الكتب العلمية ، بيروت / لبنان ، الطبعة الأولى ، 1419 هـ-1998م ، 3/346.
عدد الصفحات ٥٠