9 - خطة البحث: اقتضت طبيعة البحث أن أجعله في: مقدمة وتمهيد و ثلاثة فصول وخاتمة، وقد جاءت الخطة على النحو الآتي: المقدمة وتتضمن أهمية الموضوع وأهدافه و سبب اختياري له ، و مشكلة الدراسة ونقد الدراسات السابقة، مع بيان خطتي في الدراسة. التمهيد: - أولا : مفهوم التدافع لغة واصطلاحاً. - ثانيا : أهمية دراسة التدافع. الفصل الأول: حقيقة التدافع في القرآن الكريم و ثمراته المبحث الأول: حقيقة التدافع المطلب الأول: الدفع غريزة وسلوك. المطلب الثاني: الدفع سنة إلهية. المطلب الثالث: المفهوم القرآني للتدافع. المبحث الثاني: ثمرات التدافع: المطلب الأول: رفع راية التوحيد . المطلب الثاني: حفظ الأرض من الفساد ورفع المظالم. المطلب الثالث: تحقيق الأمن و النفع لجميع الأديان والطوائف. المطلب الرابع : الاستخلاف والتمكين. المطلب الخامس: تمييز المؤمنين وتمحيص الصادقين واصطفاءالشهداء.
عدد الصفحات ١٩10 الفصل الثاني: قواعد التدافع من خلال القرآن الكريم المبحث الأول: قواعد تتعلق بالتدافع بين الحق والباطل المطلب الأول: حتمية التدافع بين الحق والباطل. المطلب الثاني: استمرارية سعي الباطل في د فع الحق. المطلب الثالث: عدم ارتباط التدافع بقلة أو كثرة. المطلب الرابع : مقابلة المكر بالمكر. المبحث الثاني: قواعد تتعلق بالحق وأهله المطلب الأ ول: قوة الحق لذاته و ضعف الباطل لذاته. المطلب الثاني: العاقبة للحق والغلبة لأهله. المطلب الثالث: الثبات عند النّزال واليقين بالنصر. المطلب الرابع : بث التفاؤل ونبذ روح الانهزامية . المطلب الخامس: محاسبة النفس والاعتبار من مصير الأمم السابقة. المبحث الثالث: قواعد تتعلق بالباطل وأهله المطلب الأ ول: رعاية أكابر القوم للباطل. المطلب الثاني: تعاضد أهل الباطل باختلاف مشاربهم ومعتقداتهم. المطلب الثالث: تزيين أهل الباطل لباطلهم وتشويه الحق. المطلب الرابع : الإرجاف بأهل الحق لإضعاف عزيمتهم. الفصل الثالث: وسائل الدفع في القرآن الكريم المبحث الأول: الدفع بالتأييد الإلهي : المطلب الأول: الدفع بصرف كيد أهل الباطل وتثبيت أهل الحق .
عدد الصفحات ٢٠11 المطلب الثاني الدفع بالعذاب الدنيوي واستئصال أهل الباطل . المبحث الثاني : الدفع بمباشرة أهل الحق لأسبابه : المطلب الأول : الدفع بالبيان . المطلب الثاني: الدفع بالسنان . الخاتمة وتضمنت أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها. وختاما أسأل الله أن يسددني ويلهمني الصواب ، ويتقبل عملي ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وما كان صواباً فمن الله تعالى وحده، وما كان خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله المستعان .
عدد الصفحات ٢١التمهيد - ويشتمل على : أولا: مفهوم التدافع لغة واصطلاحا. ثانيا: أهمية دراسة التدافع.
عدد الصفحات ٢٢13 أو: مفهوم التدافع لغة و اصطلاحا: التدافع لغة "التدافع" مصدر على وزن تفاعل ، والجذر الثلاثي للكلمة هو "دفع"، ولها معان في اللغة على النحو الآتي: - قال الخليل ابن احمد:" دفع: دَفَعْت عنه كذا وكذا دفعاً ومدفعاً؛ أي: مَنَعْت "(1). - قال ابن فارس الدال والفاء والعين أصل واحد مشهور، يدل على تنحية الشيء يقال دفعت الشيء أدفعه دفعا "(2). - قال ابن سيده الدفع الإزالة بقوة دفعه يدفعه دفعا ودفعه ودافعه مدافعة ودفاعا فاندفع وتدفع وتدافع ودفعت الأمر أدفع دفعا أزلته "(3). - قال أبو البقاء الكفوي الدفع: هو صرف الشي ء قبل الورود، كما أن الرفع صرف الشيء بعد وروده"(4). (1) الفراهيدي ، الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم البصري (ت 170هـ)، العين ، ( المحقق: مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي)، دار ومكتبة الهلال ، 2/45. (2) ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي(ت 395هـ)، معجم مقاييس اللغة، (المحقق: عبد السلام محمد هارون) دار الفكر، 1399هـ- 1979م ، 2/288. (3) ابن سيده ، علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (ت 458هـ، المخصص ، (المحقق: خليل إبراهم جفال) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت ، الطبعة الأولى، 1417هـ1996م ، 2/66. (4) أبو البقاء، أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت 1094هـ)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، (المحقق:عدنان درويش- محمد المصري)، مؤسسة الرسالة – بيروت، 1/450، و انظر المعنى اللغوي "دفع ": الجوهري ، إسماعيل ، الصحاح 3/1208 ، ابن منظور، محمد ، لسان العرب 8/87، الفيروز آبادي، محمد ، القاموس المحيط 1/715، الزبيدي، محمد، تا العروس 20/553 ، مؤلفون، المعجم الوسيط 1/289.
عدد الصفحات ٢٣14 يتضح مما سبق أن ه ذه المعاني تدور حول مضمون واحد وهو الحرص على الإزالة والتنحية والمزاحمة ، ولا تختلف فيما بينها عند هؤلاء العلماء، لأ ن المنع الذي أشار إليه الخليل بن أحمد يلتقي مع معنى التنحية عند ابن فارس، فالتنحية ما هي إلا صورة من صور هذا المنع، وكذلك الإزالة التي ذكرها ابن سيده ليست إلا نتيجة لهذه التنحية والمنع ، وكذلك الصرف عند الكفوي. وللراغب الأصفهاني تعريف لمعنى كلمة دفع ، بحسب حالات تعديتها بحروف الجر حيث قال: " الدفع إذا عدي بإلى اقتضى معنى الإنالة ، نحو قوله تعالى: ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ [6]ضى معنى الحماية، نحو قوله تعالى: ﭽ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭼ [38 ]"(1)،هذان المعنيان اللذان أورده ما الراغب الأصفهاني ، وهو الرجل الألمعي الخبير في اللغة القرآنية ، والذي تتبع ورود هذه الكلمة في القرآن الكريم ، وحالات تعديتها بحروف الجر، وتبين له أن هذا الدفع إذا عدي بـ(إلى) كان فيه معنى الإنالة التي هي نقيض المنع ، وا ذا عدي بـ(عن) اقتضى معنى الحماية ، وليس هذا من اختلاف معاني مادة "دفع" التي أوردها وهي الحماية والمنع ، وا نما هو متعلق بالتراكيب القرآنية في استعمال هذه الحروف ، التي تعد مظهراً مهماً من مظاهر الإعجاز القرآني. (1) الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف (ت 502هـ)، المفردات في غريب القرآن، (المحقق صفوان عدنان الداودي) دار القلم، الدار الشامية – دمشق- بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ ، 1/316.
عدد الصفحات ٢٤15 التدافع اصطلاحا عرف المفسرون المتقدمون المراد بالدفع و التدافع ، كالزمخشري فقد ذكر بأن المراد ب دفع الله بعض الناس ببعض هو:" إظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة "(1) ، وقال ابن الجوزي: " يدفع عن الذين آمنوا غائلة المشركين بمنعهم منهم ونصرهم عليهم "(2) . بينما نجد في بعض الدراسات المتأخرة جملة من التعريفات لمفهوم التدافع ، فقد ذكر محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ [251] ،تعريفا للتدافع بأنه تنازع البقاء ، ولا يختص بالحرب والقتال فقط ، بل هو عام لكل نوع من أنواع التنازع بين الناس الذي يقتضي المدافعة والمغالبة(3) ، وقال ابن عاشور " أصل معنى الدفع الضرب باليد للإقصاء عن المرام ، قال: فدفعتها فتدافعت وهو ذب عن مصلحة الدافع" (4) ، و قال الدكتور عبدالكريم زيدان: " نريد بالتدافع بين الحق والباطل تنحية أحدهما للآخر ، أو إزالته ومحوه بالقوة عند الاقتضاء " (5) ، وذكر الدكتور الخطيب مفهوم التدافع اصطلاحا هو:" الصراع والقتال بين الناس، بين الخير والشر ، بين الحق والباطل ، بين أمة وأمة " (6) ، كما عرف البا حث خالد (1) الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، (ت 538هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، الطبعة الثالثة ، دار الكتاب العربي – بيروت، 1407 هـ، 3/160. (2) الجوزي ، جمال الدين أبو الفر عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت 597هـ)، زاد المسير في علم التفسير، (المحقق: عبد الرزاق المهدي)، دار الكتاب العربي، بيروت ، الطبعة الأولى، 1422 هـ ، 3/240. (3) انظر: رضا ، محمد رشيد بن علي (ت 1354هـ)، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1990 م، 2 /394. (4) ابن عاشور ، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر،(ت1393هـ) ، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»الدار التونسية للنشر، تونس،1984 هـ ، 2/503. (5) زيدان، عبدالكريم 1434هـ2013م)، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، الطبعة الثالثة ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان ، ص 45. (6) الخطيب ، شريف الشيخ صالح أحمد 1425هـ2004م )، السنن الإلهية في الحياة الإنسانية وأثر الإيمان بها في العقيدة والسلوك، ، مكتبة الرشد، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى ، 2/170.
عدد الصفحات ٢٥16 الزهراني أن التدافع هو : " ظاهرة كونية إلهية ، تنشأ من احتكاك المتدافعين ، إما بسبب اختلاف التصورات أو الطباع بدرجات متفاوتة من القوة " (1). يتبيّن من هذه التعريفات أنه ليس هناك اتفاق تام على ضبط ه ذا المصطلح، فبعضهم قصره على القتال، ومنهم من حدده بالتنحية والإزالة ، ومنهم من اقتصر على تعريفه بظاهرة كونية، بينما البعض الآخر عرفه على أنه سنة إلهية، وترى الباحثة بعد الإفادة مما تقدم أن تضع تعريفاً وهو: " صراع بين فريق الحق وبين فريق الباطل ، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول ، وبكافة الوسائل المتاحة ، لتحقيق رغبات الغالب منهما وا رساء قوانينه " ، و على رأس هذه الوسائل وفي مقدمتها العسكرية ، ثم السياسية والعلمية والإعلامية والاقتصادية وغيرها من الوسائل ، فيبذل كل فريق أقصى مالديه لإقصاء وا ضعاف الآخر والإجهاز عليه ، لتكون له الصدارة والقوة والقيادة والسيطرة ، ويهدف أهل الحق من ذلك الدفع إعلاء كلمة الله ، وحفظ الأرض من المفاسد ورفع المظالم ، بعكس أهل الباطل الذين يسعون لإلغاء الآخرين واستعبادهم ومصادرة حقوقهم . ومما ينبغي الإشارة إليه أن كلمة التدافع لم ترد في القرآن الكريم ، والأصل كلمة دفع في قوله تعالى : ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ [251] ، أو دفاع كما جاءت في قراءة نافع (2)، وا نما التدافع لفظة اشتهرت في الدراسات القرآنية ، ومن أطلق عليه تدافعاً فإنه –مع حسن نيته- لا يصح أن يضاف التدافع إلى الله ، لما يعنيه من العبث ، والفوضى التي لا تليق بالله تعالى. (1) الزهراني، خالد بن موسى بن غرم الله الحسني، سنة التدافع في ضوء القرآن الكريم دراسة موضوعية، رسالة ماجستير من جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، 1428ه2007م ، ص83. (2)ابن مجاهد، ، أحمد بن موسى بن العباس التميمي، (ت 324هـ)، السبعة في القراءات ، (المحقق: شوقي ضيف) دار المعارف، مصر، الطبعة الثانية ، 1400هـ ، ص 187.
عدد الصفحات ٢٦17 ثانيا: أهمية دراسة التدافع: يمكن الوقوف على أهمية دراسة التدافع من خلال مايلي: 1- بدفع وا زهاق الباطلتأمين لطريق الدعوة إلى الله ، و لتكون كلمة الله هي العليا ، قال السعدي – رحمه الله - :" فلولا مدافعة الله الناس بعضهم ببعض بأسباب متعددة، وطرق متنوعة قدرية وشرعية، وأعظمها وأجلها وأزكاها الجهاد في سبيله ، لاستولى الكفار الظالمون، ومحقوا أديان الرسل، فقتلوا المؤمنين بهم، وهدموا معابدهم " (1) . 2- السيرعلى منهج أنبياء الله في دافع الباطل وأهله لإرساء دعائم الحق وتثبيته ، وهي المهمة التي من أجلها أرسلهم الله عز وجل لتبليغ الرسالة ، وتحطيم الموانع التي تقف دون انتشارها ، كما سار عليه الصدر الأول في الإسلام ، فسادوا الأمم عندما تشربت قلوبهم توجيهات القرآن الكريم في مدافعة الباطل ، إن" الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة بدون هذه السنة - أعني سنة المدافعة مع الباطل وأهل الفساد - إنهم يتنكبون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله عز وجل الذي ارتضاه واختاره لهم " (2) . 3- في التخلي عن الدفع تتنازل الأمة عن حقوقها و قوتها أمام غيرها من الأمم ، ف عندما تخلت الأمة عن الدفع وغفلت عنه ، أصابها التخلف و التفرق و التشرذم و التخبط و الضعف و الهوان، فأصبحت لقمة سائغة أمام أعدائها ، و بالتالي تسرب في نفوس بعض أفرادها اليأس و روح الانهزامية ، " وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل، فدفعت (1) السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله (ت 1376هـ) ، تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية ، الطبع ة الأولى ، 1422هـ، ص109. (2)الجليل، عبدالعزيز ناص ر (1426ه2005م )، أفلا تتفكرون، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض ، الطبعة الأولى، ص273.
عدد الصفحات ٢٧18 مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء "(1) . 4- تحقيق ا صلاح لأحوال المسلمين و استقامة أمور دينهم ودنياهم، وحفظ حقوقهم ورفع المظالم عنهم، وحفظ الأرض من الفساد . 5- تعريف الآخرين بأهداف الإسلام في الدفع والقتال، و بيان الفرق بين غاية القتال في الإسلام الذي تحكمه القيم ، وبين قتال الأمم الأخرى ، كما بينه السعدي: إن قتال الظلمة مبني على العداوات والجشع والظلم والاستعباد للخلق، أما الجهاد الإسلامي فغرضه الوحيد إقامة العدل، وحصول الرحمة، واستعباد الخلق لخالقهم، وأداء الحقوق كلها، ونصر المظلومين، وقمع الظالمين، ونشر الصلاح والإصلاح المطلق بكل وجه واعتبار، وهو من أعظم محاسن دين الإسلام .(2) 6- إن في ترك الد فع من جهة أهل الحق سواء بالجهاد أو كل ما يحل محله ، فيه من المفاسد وتضييع مصالح الأمة ، و فيه تقوية للباطل وغلبة لأهله، وا ذلال للمؤمنين وذهاب قوتهم وزوال دولتهم، قال تعالى: ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ [البقرة 195]،فالواجب عليهم الاهتمام بالجهاد؛ فهو طريق النصر والعزة ، وا ظهار دين الله، ومحق الباطل وأهله (3)،ويقول عبدالعزيز الجليل: " إن الذين يؤثرون السلامة والخوف من عناء المدافعة مع الفساد وأهله ؛ إنهم بهذا التصرف لا يسلمون من العناء والمشقة، بل إنهم يقعون في مشقة أعظم ، وعناء أكبر يقاسونه في دينهم وأنفسهم (1) قطب ، سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت 1385هـ) ، في ظلال القرآن ، دار الشروق، بيروت، القاهرة ، الطبعة السابعة عشر ،1412 هـ ، 3/1655. (2) انظر السعدي، عبد الرحمن بن ناصر ، تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ، ص109. (3) انظر :زيدان ، عبدالكريم، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد ص 63 :64.
عدد الصفحات ٢٨19 وأعراضهم وأموالهم ، وهذه هي ضريبة السكوت وفساد التصور وا يثار الحياة الدنيا"(1) ، فكما لهذا التدافع ثمرات ومصالح تجنيها الأمة به ، فكذلك في تركه مفاسد عظيمة . (1) الجليل، عبدالعزيز ، أفلا تتفكرون ص 273.
عدد الصفحات ٢٩الفصل الأول حقيقة التدافع في القرآن الكريم و ثمراته - ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: حقيقة التدافع. المبحث الثاني: ثمرات التدافع .
عدد الصفحات ٣٠21 المبحث الأول: حقيقة التدافع المطلب الأول :الدفع ..غريزة وسلوك: خلق الله –عز وجل - مخلوقاته وغرس فيها جملة من الغرائز من ضمنها غريزة البقاء ، التي تحرك جميع الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان ، (لذا نجد أنه تعالى قد أودع فيها قوة لتحافظ على بقائها وسلامتها من الأذى والهلاك والفناء، وا دراكات تندفع بها إلى الذب عن نفسها وعما يخصها، ودفع المعتدي عنها وكف ضرره وخطره ، والدفاع عن ذاتها بحسب ما من حها الله من استعدادات وا مكانيات، تختلف أساليب الدفع وترتقي وتتوسع ، أعلاها دفع الإنسان بالسلاح ومقاومة العدو، وتزداد بحسب زيادة الخطر المحدق به ، إذ أودع الله في الإنسان إمكانات واستعدادات كاليد والعقل، لمقاومة المعتدي ودفع شره بكافه الوسائل ، ولولاها لاشتد طمع القوي لإهلاك الضعيف ، وزاد طمعه في تحقيق المكاسب ، و لتسلط كل ذي شهوة على غيره ، وكل قوي على غيره من الضعفاء)(1). قد تنحرف هذه الغريزة بالاتجاه السلبي ، لكون الإنسان بفطرته يميل لإشباع غرائز ه وشهواته ، وقد يندفع في ذلك إلى حد الإفراط والإسراف في إشباعها لتصل إلى الإضرار بغيره ، لذا نجد الاضطراب و الصراع داخل ه، حيث "يتنازع الإنسان في هذه الحياة عاملا الخير والشر، وكثيرا ما ينساق إلى أحدهما بدافع داخلي أو مؤثر خارجي "(2)، من هنا جاءتضوابط الدين وأحكام الشرع لتنظيم غرائز الإنسان ، وكبح جماحها ووقايته من نزعة الشر في نفسه ، فلا ينساق معها لتعود عليه وعلى غيره بالإفساد والظلم ، لأن " الأصل في هذه الشهوات أن تكون دوافع لعمارة الأرض (1) انظر : ابن عاشور ، محمد الطاهر ، التحرير والتنوير 2/500. (2) طبارة، عفيف عبدالفتاح (1983)، روح الدي ن الإسلامي، دار العلم للملايين ، بيروت/ لبنان ، الطبعة الثالثة والعشرون ، ص205.
عدد الصفحات ٣١22 التي خلق الله الإنسان ليقوم بها ، وحين تكون في مسارها الصحيح – أي حين تكون ملتزمة بالثوابت التي فرضها الله – فهي عندئذ قوة معينة على الخير، أما حين تنحرف عن المسار الصحيح – أي حين تصطدم بالثوابت التي فرضها الله – فهي عندئذ قوة مدمرة ، تهلك الإنسان وتفسد حياته " (1). إن ا–عز وجل- خلق الإنسان وأسبغ عليه من النعم الظاهرة والباطنة ، وسخر له ما في الأرض من منافع ، لا ليستمتع بها فحسب ، بل ليستعين بها على عبادة الله –عز وجل- وتعمير هذه الأرض بما يحقق العبودية لله ، ولكن عندما ينصرف الإنسان عن تلك المعاني والغايات ، و" تكون غاية الوجود الإنساني هي الاستمتاع بما في الأرض من متاع ، بصرف النظر عن القيم المصاحبة لهذا المتاع من حلال وحرام ، وخير وشر ، وفضيلة ورذيلة ، ورفعة وانتكاس ، تكون الحضارة هي العمارة المادية للأرض ، وهي تيسير الحياة الأرضية وتزيينها ، والانكباب على متعه ا ولذائذها ، وتكون في الوقت ذاته هي محاولة التغلب على الآخري ن ، للاستئثار بأكبر قدر من المتاع، ومحاولة إخضاعهم بالقوة والقهر، سواء بالقوة المادية أو القوة العسكرية أو القوة السياسية أو القوة الاقتصادية أو القوة العلمية أو كلها جميعا "(2) . كما خلق الله تعالى الإنسان وجبله على الاختلاط بأخيه الإنسان، فهو اجتماعي بطبعه، ولا يمكنه العيش منفردا منعزلا عن غيره ، بل يتفاعل في نطاق مجموعة بشرية كالأسرة والجماعة والقبيلة والشعب ، يقول ابن تيمية: " إِذ كان الإنسان مدنيا بالطبع ، لا تتم مصلحته إلا ببني (1) قطب ، محمد1418ه1998م )، حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية ، دار الشروق، القاهرة ، الطبعة الأولى ، ص105. (2) قطب ، محمد1418ه1997م)،مفاهيم ينبغي أن تصحح ، دار الشروق، القاهرة ، الطبعة التاسعة ، ص 339.
عدد الصفحات ٣٢23 جنسه، يعاونونه على جلب المنفعة ودفع المضرة " (1) ،ويقول أيضا: "الإنسان مدني بالطبع لا يعيش إلا مع بني جنسه "(2)، ويقول ابن القيم:" إن الإنسان مدني بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس" (3)،ومن ال طبيعي أن يرتبط هذا التفاعل والاختلاط والاختلاف بغريزة وسلوك الدفع ، لحماية نفسه من أي خطر وصراع يهدد حياته وعقيدته ومصالحه نتيجة هذا الاختلاط والتنازع ، ويعلل ابن عاشور – رحمه الله - لهذا السلوك بقوله : " والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسا ن بعضهم بعضا، تنكر بعضهم لبعض وتبادروا الإضرار والإهلاك ، ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه ، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم" (4). وقد أكد محمد قطب ما تقدم، بأن في الإنسان نوازع ودوافع وشهوات ، مصداقا لقوله تعالى: ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ [14] ، و تمثل ضغوطا على نفسه، بالإضافة إلى أن تحقيقها يعرضه لضغوط مادية واقتصادية وسياسية واجتماعية نتيجة اجتماع البشر على الأرض ، وتدافعهم على تحقيق هذه الشهوات ، وفي المقابل جعل له إرادة يواجه بها ضغوط إشباع رغباته، ونتيجة هذه الضغوط والإرادة التي يتصرف بها إزاءها، يتحدد سلوك الإنسان في الأرض ، إلا أن هذه الإرادة –وا ن كانت لا تلغي الضغوط- فإنها (1) ابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم،(ت728ه)،الرد على البكري، (تحقيق :محمد علي عجال)، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة ، الطبعة الأولى ، 1417ه، 1/189. (2) ابن تيمية ،أحمد بن عبدالحليم،(ت 728ه)، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ،(تحقيق مجموعة من المحققين)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى ، 1426ه، 3/453. (3) ابن القيم ، محمد بن أبي بكر(ت751ه)، زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة - بيروت، مكتبة المنار الإسلامية- الكويت ، الطبعة السابعة والعشرون ،1415ه1994م ، 3/13. (4) ابن عاشور ، محمد الطاهر ، التحرير والتنوير 22/335.
عدد الصفحات ٣٣24 تعدّلها، وتتحكم في طريقة الاستجابة لها، فتعطي الإنسان قدرا من حرية ال تصرف يختلف بها عن الحيوان(1) . وبالرجوع إلى علم الاجتماع نجد أن لعلماء الاجتماع تعريفا لظاهرة الصراع والتنازع في المجتمعات البشرية بـأنه : تصادم بين القوى الاجتماعية يحدث نتيجة تحول المنافسة من سوية إلى مظهر متطرف هدام ، وعندئذ يقذف المتنافسون بكل ما في حوزتهم من قوى وا مكانات للقضاء على غريمهم ، ويتبعون في ذلك أهواءهم الجامحة، ويحكمهم مبدأ تنازع البقاء والبقاء للأقوى (2) . أما فيما يتعلق بالوسيلة التي يلجأ إليها الإنسان ، فبلا شك أنها تختلف عن وسائل الكائنات الأخرى ، نظرا ل لاختلاف بينه وبين الحيوان الذي أودع الله فيه وسائل لدفع الضرر عنه استجابة لهذا السلوك، فقد يدفع الإنسان بنفسه أو يحتا لغيره للدفع ، والتي بينها ابن خلدون في مقدمته بقوله: يحتا كل واحد من البشر في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه ؛لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها ، وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان ، ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعة ما يصل إليه من عادية غيره ، وجعل كذلك للإنسان عوضا من ذلك كله الفكر واليد ، فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر، والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع ؛مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة ،والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة ،والتراس النائبة عن البشرات الجاسية (3) إلى غير ذلك(4) (1) انظر : قطب ، محمد ، حول التفسير الإسلامي للتاريخ، مطابع المجموعة الإعلامية ، ص81. (2) انظر: عبدالجواد، أحمد رأفت، مبادئ علم الاجتماع ، مكتبة نهضة الشرق / جامعة القاهرة ، ص101. (3) الجاسية والجاسئة: الصلبة والخشنة ،انظر: الفراهيدي ، الخليل ، العين 6/161. (4) انظر : ابن خلدون ، عبد الرحمن بن محمد، (ت 808ه)، مقدمة ابن خلدون، (تحقيق عبدالله محمد الدرويش)، دار يعرب، دمشق، الطبعة الأولى، 1425ه2004م ،1/137.
عدد الصفحات ٣٤