المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم

صادق بن محمد الهادي

صفحة ٩ من ١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 131 وعن عكرمة قال: قال ابن عباس: نسمع الله يقول: ﴿أَنجَيْنَا 165[الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ الأعراف الله فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه؟ وقالوا: ﴿لمَِ تَعِظُونَ 164[قَوْمًا اللهّنُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أهلكتهم، فأعجبه قولي فرضي، وأمر لي ببردين فكسانيهما، وقال: نجت الفرقة الساكتة إلا أن جماعة من العلماء يرون أن الواجب السكوت عنهم، كما سكت عنهم القرآن، ومنهم الشيخ ابن عثيمين حيث قال -رحمه الله-: « والذي ينبغي أن نسكت كما سكت الله، ويسعنا ما في كتاب الله -عز . وجل فعلى هذا أو ذاك، فالله هو الذي يعلم بسرائر الساكتين عن مناصرة الحق، ومقاومة الباطل، هل هي سلبية وخور وقهر مع رفض باطني للعوج السائد؟ أم هي قلة اكتراث، وسوء تقدير للعواقب؟ ليكن هذا أو ذاك، فإن ترك الضلال ينفرد بزمام الحياة ينتهي حتماً بضربة من العذاب لا تبقى ولا تذر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا . 117[مُصْلِحُونَ﴾ ولنتدبر الجملة الأخيرة في الآية وهي قوله: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ولم 1( 2(

عدد الصفحات ١٣٢

132وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم يقل: وأهلها صالحون؛ لأن الصلاح الشخصي المنزوي بعيداً، والذي لا يكترث لضعف الإيمان، ولا يبالى بهزيمة الخير، صلاح لا قيمة له، ولا خير فيه! فكن صالحاً مصلحاً، وراشداً مرشداً، أما أن تجلس بعيداً تنتظر النتائج، وتستسلم للواقع ف ولهذا يقول سيد قطب -رحمه الله- وهو يصور حال هذه القرية: لقد وقع ذلك لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر من بني إسرائيل، “ فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء، فتتهاوى عزائمهم، وينسون عهدهم مع ربهم وميثاقهم، فيحتالون الحيل على طريقة اليهود للصيد في يوم السبت! وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب، وتقل التقوى، ويصبح التعامل مع مجرد النصوص، ويراد التفلت من ظاهر النصوص، إن القانون لا ترسه نصوصه، ولا يحميه حراسه، إنما ترسه القلوب التقية التي تستقر تقوى الله فيها وخشيته، فتحرس هي القانون وتميه، وما من قانون تمكن حمايته أن يحتال الناس عليه! ما من قانون ترسه القوة المادية والحراسة الظاهرية! ولن تستطيع الدولة كائناً ما كان الإرهاب فيها أن تضع على رأس كل فرد حارساً يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته؛ ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس، ومراقبتهم له في السر والعلن، من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية، وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر، ولا سلطان فيها من الله، ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها، وتعجز الملاحقة والمراقبة 1(

عدد الصفحات ١٣٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 133 التي تتابع الأمور من سطوحها وهكذا راح فريق من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر يحتالون على السبت، الذي حرم عليهم الصيد فيه، وروي أنهم كانوا يقيمون الحواجيز على السمك، ويحوّنطون عليه في يوم السبت؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه؛ وقالوا: إنهم لم يصطادوه في السبت، فقد كان في الماء وراء الحواجيز غير مصيد! وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال! بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب؟ ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لمَِ تَعِظُونَ قَوْمًا . 164[اللهّنُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبهُُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ولنعد لبيان وتفسير ألفاظ هذه القصة: 163[قوله: ﴿واَسْأَلهُْمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أسباط اليهود، وهذا سؤال تقرير وتوبيخ! يقررهم على قديم كفرهم، ومخالفة أسلافهم الأنبياء، ويخبرهم بما لا يعلم إلا بوحي. ﴿عن القرية﴾أي: عن أهلها الذين خالفوا أمر الله تعالى، ففاجأتهم نقمته. وفي القرية خمسة أقوال: أحدها: أنها أيلة، رواه مرة عن ابن مسعود وأبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والسدي. 1(

عدد الصفحات ١٣٤

134وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم والثاني: أنها مدين، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث: أنها ساحل مدين، روي عن قتادة. والرابع: أنها طبرية، قاله الزهري. والخامس: أنها قرية يقال لها: مقنا، بين مدين وعينونا، قاله ابن زيد 163[وقوله: ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضرَِةَ الْبَحْرِ﴾ مجاورة البحر، وبقربه وعلى شاطئه على طريق الحاج الذاهب من مصر إلى مكة. يقال: حضره إذا قاربه وداناه، فمعنى حاضرة البحر مشرفة عليه، دانية منه على سيفه 163[وقوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فيِ السَّبْتِ﴾ أي: يظلمون، يقال: عدا فلان يعدو عدواناً وعداء وعدواً وعدواً إذا ظلم، وموضع (إذ) النصب، والمعنى: سلهم عن وقت عدوهم في السبت وأصل السبت: الراحة والسكون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا أي: راحة وسكوناً لكم، وكان يوم السبت يوم ]نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ راحة لليهود، وتوقف عن الأعمال، فاعْتَدَوْا فيه كما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف، فحلت عليهم اللعنة لاعتدائهم في السبت بعد أن نهاهم الله تعالى عن الاعتداء فيه بقوله: ﴿وَقُلْنَا لهَُمْ لا تَعْدُوا فيِ السَّبْتِ 1( 2( 3( 4(

عدد الصفحات ١٣٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 135 وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِماَ نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهَِّ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيرِْ حَقٍّ وَقَوْلهِِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهَُّ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ .]فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فيكون معنى (يعدون) أي: يعتدون ويخالفون أمر الله تعالى باصطيادهم يوم السبت، وقد حرم عليهم ذلك. فإن قال قائل: لماذا نهاهم الله سبحانه وتعالى عن الاعتداء في السبت؟ فالإجابة: أن الله -عز وجل- يكلف بما يشاء من التكاليف اختباراً للعباد، وأحياناً يختبرهم ويبتليهم لفسقهم، كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ 163[نَبْلُوهُمْ بِماَ كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وتعالى يبتليهم لفسقهم، ويكلفهم بتكاليف ابتلاء لهم، قال الله لهم: أي: لا تعتدوا ولا تقربوا الأعمال ]﴿لا تَعْدُوا فيِ السَّبْت﴾ يوم السبت، فأقروا بذلك، فأراد الله أن يبتليهم بفسقهم، فأرسل إليهم الحيتان يوم السبت شرعاً، أي: ظاهرة على وجه الماء، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ فاعتدت طائفة منهم. 163[نَبْلُوهُمْ بِماَ كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ 163[وقوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهُُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شرَُّعاً﴾ (إذ) في موضع نصب بـ(يعدون)، والمعنى: سلهم إذ عدوا و﴿سبتهم﴾فيه إضافة اسم اليوم إليهم؛ لأنه اليوم الذي فرض عليهم ألا يقوموا بالصيد فيه. وقوله: ﴿شرعاً﴾أي: ظاهرة على الماء من كل مكان، أي: شارعة معلنة اختباراً لهم. 1(

عدد الصفحات ١٣٦

136وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم فشرعاً: جمع شارع، من شرع بمعنى دنا، يقال: شرع علينا فلان إذا دنا منا، وأشرف علينا، وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا، وهو حال من: ﴿حِيتاَنهُُمْْ﴾أي: تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء، قريبة من الساحل، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم أصلاً إلى السبت المقبل. وقال الضحاك: شرعاً: متتابعة، وفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض وقد اختبرهم الله تعالى ليكشف حالهم ويهذبهم بأمرين: بتحريم الصيد يوم السبت ليفطموا شهواتهم، ويقرعوا نفوسهم الشرهة، والمسلطة عليهم. وثانياً: بأن تأتيهم حيتان السمك شرعاً، لتثور شهوتهم ويقمعوها إن كانت فيهم إرادة، فإن لم تكن ربوها وهذبوها، وقدعوها عن شهواتها استجابة لأمر ربهم، فالنفس الشرهة التي تسيطر عليها الشهوة لا بد من فطمها. وأمر ثالث وهو: أن الله تعالى ذكر أنهم كانوا يعدون في السبت، فمنهم من كان يتناول المحرم في السبت غير متأثم ولا متحرج، ومنهم من يحتال، حيث قيل: إنه كان يحفر حفرة بجوار البحر، ويعمقها، فإذا جاءت حيتان السمك شرعاً يوم السبت نزلت في هذه الحفر، فإذا جفت بعد قطع الماء عنها لا تستطيع الخروج، فيأخذونها بأيديهم، وتلك حيلة تفوت معنى تقوية النفوس وتربيتها، وهم بذلك يعدون يوم السبت؛ 1(

عدد الصفحات ١٣٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 137 لأنهم يخرجون بذلك عن الابتلاء الذي يكشف الله به نفوسهم 163[وقوله: ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ يدخلون في السبت الذي يمنعون فيه من الصيد، والمعنى: أن السمك تأت يوم السبت، ويوم لا يسبِتون لا تأتيهم. وقرأ الحسن: (لا يُسبتون) بضم الياء، أي: لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه: لا يعظمون السبت 163[قوله: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِماَ كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كهذا الذي صنعناه معهم من تريم السبت، ومجيء الحيتان فيه نعاملهم معاملة المبتلى المختبر؛ لتهذب نفوسهم، وتربى إرادتهم، وذلك بسبب استمرارهم على الفسوق، وانحراف النفوس، وخضوعها لشهواتها؛ ولأجل تعويدهم ضبط النفس، والصبر على الحرمان، فإن الصبر نصف الإيمان، فالله تعالى وصاهم، ودعاهم إلى الهدى، وشرع لهم ما يصقل . نفوسهم ويهدي قلوبهم، ولكن كتبت عليهم الشقوة فلم يهتدوا 164[وقوله: ﴿وَإِذ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾ زمان ماضٍ، والمعنى: اذكر يا محمد ذلك الوقت الذي هم فيه بلغ اليأس من اهتدى منهم حتى قالت منهم جماعة مهدية يائسة من إيمانهم، منكرة وعظ من يعظهم. 1( 2( 3(

عدد الصفحات ١٣٨

138وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم والأمة: هي الجماعة المؤتلفة التي تجمعها فكرة واحدة، وشعور متحد، بحيث يوائم كل واحد فيها من معه. 164[وقوله: ﴿لمَِ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ مقارناً بمغبة الباطل، ذاكراً ما ترتب على الباطل من أذى لأهله، وهلاك لمن استمسكوا بالباطل، وتركوا الحق، وانحرفوا عنه، والعاقل من اتعظ، والجاهل من يأبى ولا يتعظ. ﴿قوماً﴾قد تضافروا على الشر، وتقرر هلاكهم وهم على ضلالهم 164[﴿اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ 164[الأرض منهم ﴿أَوْ مُعَذِّبهُُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ دون الاستئصال بالمرة؛ إذ مجرد الإهلاك قد يوجد معه لطف، وأما شدة العذاب فتلك القاصمة، وقيل: مهلكهم في الدنيا، أو معذبهم في الآخرة؛ لعدم إقلاعهم عما هم عليه من الفسق، والترديد لمنع الخلو على هذا، وإيثار صيغة اسم الفاعل في الشقين للدلالة على تقيق كل من الإهلاك والتعذيب وتقررهما ألبتة، كأنهما واقعان. وإنما قالوا ذلك مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم؛ إذ المقصود لاتعظوا أو أتعظون، فعدل عنه إلى السؤال عن السبب لاستغرابه؛ لأن الأمر العجيب لا يدرى سببه، أو سؤالاً عن حكمة الوعظ ونفعه. وقيل: إن هذا تقاوُل وقع بين الصلحاء الواعظين؛ كأنه قال بعضهم لبعض: لم نشتغل بما لا يفيد، ويحتمل على كلا القولين أن ذلك صدر من القائل بمحضر من القوم، فيكون متضمناً لحثهم على الاتعاظ، فإن بت 4(

عدد الصفحات ١٣٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 139 القول بهلاكهم أو عذابهم مما يلقى في قلوبهم الخوف والخشية، وقيل قائلو ذلك المعتدون في السبت، قالوا: تهكما بالناصحين المخوفين لهم بالهلاك والعذاب، وفيه بعد 164[قوله: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلىَ رَبِّكُمْ﴾ علينا أن نعظ لنعتذر إلى ربنا، بأننا قمنا بحق بيان الهدى والنور؛ وليكون استحقاقهم الهلاك على الضلال بعد بينة أقيمت، وحق أعلن، ونقدم هذه المعذرة إلى ربنا عن ضلالهم، وهذا كله على أساس أن المستفهمين مهديون، وهو الأنسب لمعنى الآية، وفرض بعضهم أن المستفهمين هم الذين وقعوا في الضلالة، وكأنهم يقولون: إنكم تسبون أننا هالكون ومعذبون، ونحن مصرون، فاتركونا بضلالنا، حتى نلقى جزاءنا بزعمكم، ويكون الاستفهام لإنكار الواقع، وتوبيخ الواعظين على . وعظهم، وذلك تتمله الآية الكريمة، ولكنا نميل إلى الأول 164[وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ورجاء لأن يتقوا بعض التقاة، ويتركوا المعصية؛ لأن قبول الحق الواضح يرجى من العاقل، واليأس لا يحصل إلا بالهلاك، وهذا صريح في أن القائلين: لم تعظون... الخ، ليسوا من الفرقة الهالكة، وإلا لوجب . الخطاب أي: ولعلكم 165[ وقوله: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ 1( 2( 3(

عدد الصفحات ١٤٠

140وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء، وأعرضوا عنه إعراضاً كلياً، بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ أصلاً عبرّن عنه بالنسيان، وإلا فإنهم تركوه عن قصد، وهذا يدل على أن النسيان لفظ يطلق على الساهي والعامد، رداً على أهل جهالة زعموا أن الناسي والساهي لمعنى واحد، وهؤلاء قوم لا معرفة لهم باللغة، وقصدهم هدم الشريعة، وقد بينا ذلك في غير موضع وقوله هنا: ﴿أَنجَيْنَا﴾وفي بعض الآيات (نجينا) بدون همزة، والفرق بينهما: - أنه إذا استعمل لفظ (نجينا) فاعلم أنها تنجية من عذاب وقهر واقعَين، وإن بني إسرائيل كانوا في عذاب واقع من تذبيح وتجويع وقهر تت حكم فرعون، وكذلك في نوح وقومه، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين في المشقة مع قومه، استعملت في حقه ومن آمن معه (نجينا) وكذلكم الأمر في هود. - أما إذا استعمل لفظ: (أنجينا) فاعلم أنه إنجاء قبل وقوع أي مكروه أو عذاب، فاستعمل الله سبحانه أنجينا في الحديث عن إنجائه لموسى وبني إسرائيل قبل أن يدركهم فرعون في البحر، وأنجى نوحاً من الطوفان بوسيلة الفُلك، وأنجى لوطاً وهوداً قبل أن يحل بأقوامهم العذاب والانتقام، كذا قيل، والله أعلم. فالإنجاء: قبل وقوع العذاب أو المكروه، والتنجية: من العذاب والمكروه الواقع، فإننا ننْجي الرجل من الضرب قبل وقعه من أعدائه، 1(

عدد الصفحات ١٤١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 141 وإننا ننَجّني الرجل من الضرب وهو واقع به، فنخلصه من أعدائه أثناء اعتدائهم عليه. 165[وقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. فأنجى الله الناهين، “أما الساكت عن الإنكار فقد قال شيخ الإسلام: 164[وأما أولئك الكارهون للذنب الذين قالوا: ﴿لمَِ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ الأعراف بحسب قدرتهم، وأما من ترك الإنكار مطلقًا فهو ظالم يعذب، كما قال : (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله النبي بعقاب منه 165[وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي: شديد وزناً ومعنى، والمقصود أصحاب السبت، وهي عامة في كل من فعل مثل فعلهم، فأخذهم الله -عز وجل- فمسخهم قردة، وبعض العلماء يقول: مسخ كبارهم خنازير، وشبابهم قردة نسأل الله العافية والسلامة. و(بئيس): مشتق من البأس، وهو الشدة والقوة، فالعذاب البئيس هو العذاب الشديد العنيف في ذاته الذي يلقى بالبؤس في ذاته، وفُسر 1( 175 –304( الألباني في صحيح ابن ماجه برقم 2(

عدد الصفحات ١٤٢

142وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم بما لا رحمة فيه، ويرجع إلى ما ذكر، وهو فعيل، إما وصف أو مصدر، كالنكير وصف به مبالغة، والأكثرون على كونه وصفاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. 165[وقوله: ﴿بِماَ كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي: بسبب استمرارهم على الفسق الذي كان يتجدد ويستمر، والفسق الخروج عن الحق، وقد وصفهم الله تعالى بوصفين: وهما: الفسق والظلم، والفسق هو الانحراف والخروج من نور الحق، والظلم: ما ترتب على ذلك من إيذاء أنفسهم وإيذاء غيرهم. ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: أن الله -سبحانه وتعالى- جعل القيام بهذه الشعيرة سبباً للنجاة، كما قال تعالى: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِماَ كَانُواْ 165[يَفْسُقُونَ﴾ أقسام: قسم فعل المنكر، وقسم أنكر، والفئة الثالثة: الذين سكتوا. فلما لم يستجب العاصون أخذهم الله بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فنص الله على نجاة الناجين بقوله: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكّنرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ وسكت عن الساكتين، فقال ابن 165[يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوء﴾ عباس 2 من أعظم أسباب دفع العقوبات عن الأمة، كيف لا يكون كذلك

عدد الصفحات ١٤٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 143 وهو سبب رفعتها وخيريتها، فإذا ادلهمت الخطوب، وخيف من نزول العقوبات الربانية، فإن من أعظم أسباب رفع العقوبات والنجاة وقتها هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما قال -جل وعلا-: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ . 165[بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِماَ كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ وقد جعل الله النجاة في الدنيا والآخرة لمن نهى عن الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ . 116[عَنِ الْفَسَادِ فيِ الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً ممَِّّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ ولا يزال المسلم اليوم -ولله الحمد- يجد له على الخير أعواناً، فليسع كل واحد منا إلى إصلاح نفسه وأهله؛ وليذكر الآخرين بدينهم بقدر وسعه، وسيجعل الله من ذلك خيراً بإذنه تعالى.

عدد الصفحات ١٤٤

144وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية التاسعة: من صفات المنافقين أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف قال تعالى: ﴿المُْنَافِقُونَ وَالمُْنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُْنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَْعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيهَُمْ نَسُواْ اللهّنَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُْنَافِقِينَ هُمُ 67[الْفَاسِقُونَ﴾ ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية أنواعاً وضروباً من قبائح المنافقين ذكرانهم وإناثهم، وقرنها بالوعيد الشديد، بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، ومن صفاتهم أنهم يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف. 67[فقوله: ﴿المُْنَافِقُونَ وَالمُْنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ أي: ﴿المُنَافِقُونَ﴾من الرِّجَال ﴿والمنافقات﴾من النِّسَاء ﴿بعضهم من بعض﴾أي: متشابهون فيه وصفاً وعملاً، كما تقول: أنت مني وأنا منك، أي: أمرنا واحد، لا افتراق بيننا، والمعنى: أن أهل النفاق رجالاً ونساء يتشابهون في صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم، كما قال تعالى في آل إبراهيم وكما قال 34[وآل عمران: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ الشاعر: تلك العصا من هذه العصيّنه هل تلــد الحيّنـة إلا حيّنه وقد يراد من ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾نفى أن يكونوا من المؤمنين؛ لأنهم اشتركوا في النفاق، فاشتركوا في تولي بعضهم بعضاً، وفي هذا قطع للمؤمنين من ولايتهم.

عدد الصفحات ١٤٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 145 قال الرازي وقبائحهم، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة، 67[والأفعال الخبيثة، فقال: ﴿المُْنافِقُونَ وَالمُْنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ سورة التوبة وأنا منك، أي: أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة ويقول سيد قطب -رحمه الله- وهو يفسر هذه الآية، ويبين وجه انحراف المنافق واحدة، المنافقون في كل زمان، وفي كل مكان، تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد، سوء الطوية، ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة، تلك سماتهم الأصيلة، أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس، وهم حين يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دساً وهمساً، وغمزاً ولمزاً؛ لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون، إنهم (نسوا الله) فلا يحسبون إلا حساب الناس، وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس، يذلون لهم، ويدارونهم (فنسيهم) الله فلا وزن لهم ولا اعتبار، وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله، وما يحسب الناس حساباً إلا للرجال الأقوياء الصرحاء، الذين يجهرون بآرائهم، ويقفون خلف عقائدهم، ويواجهون الدنيا بأفكارهم، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار، أولئك ينسون الناس ليذكروا إله 1(

عدد الصفحات ١٤٦

146وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الناس، فلا يخشون في الحق لومة لائم، وأولئك يذكرهم الله فيذكرهم الناس، ويحسبون حسابهم 67[وفي قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُْنكَرِ﴾ وهو ما يستقبحه الشرع وينكره، وإما فطرى: وهو ما تستنكره العقول الراجحة، والفطر السليمة؛ لمنافاته للفضائل والمنافع الفردية والمصالح العامة. وضده المعروف في كل ذلك، أي: إن بعضهم يأمر بعضاً بالمنكر كالكذب والخيانة، وإخلاف الوعد، ونقض العهد كما جاء في الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن رواه الشيخان عن أبى هريرة. خان 67[وقوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَْعْرُوفِ﴾ كالجهاد وبذل المال في سبيل الله للقتال، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿هُمُ 7[الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُوا عَلىَ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهّن حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ المنافقون شرها وأضرها وأقواها دلالة على النفاق، كما أن الإنفاق في سبيل الله أقوى دلائل الإيمان. 67[وقوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيهَُمْ﴾ به الكف عن البذل، وضده بسط اليد، وقيل: قبض أيديهم عبارة عن 1( 2( وفي غيره من الأبواب، ومسلم في الإيمان، باب بيان خصال المنافق

عدد الصفحات ١٤٧