وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 147 ترك الجهاد، وفيما يجب عليهم من حق والحاصل أن في قوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيهَُمْ﴾أربعة أقاويل: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، قاله الحسن أحدها: ومجاهد. يقبضونها عن كل خير، قاله قتادة. والثاني: ، قاله بعض المتأخرين. يقبضونها عن الجهاد مع النبيوالثالث: يقبضون أيديهم عن رفعها في الدعاء إلى الله تعاوالرابع: أو يكون المعنى: يبغضون المؤمنين، فهو إشارة إلى معنى قوله ]سبحانه: ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَْنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أو يكون المعنى: لا ينصرون المؤمن 67[وقوله: ﴿نَسُواْ اللهّنَ فَنَسِيَهُمْ﴾ صارت بمنزلة المنسيّن، فنسيهم: أي فجازاهم على نسيانهم بحرمانهم من الثواب على ذلك في الآخرة. 67[وقوله: ﴿إِنَّ المُْنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن الطاعة، المنسلخون عن فضائل الإيمان، فالمنافقون هم الفاسقون الكاملون في الفسق. والنفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو نوعان: اعتقادي وعملي، فالاعتقادي: هو النفاق الأكبر، وصاحبه مع الكفار مخلد معهم في النار. 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٤٨148وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم قال السعدي: حصر الفسق فيهم لأن فسقهم أعظم من فسق غيرهم، بدليل أن عذابهم أشد من عذاب غيرهم، وأن المؤمنين قد ابتلوا بهم، إذ كانوا بين أظهرهم، والاحتراز منهم شديد ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: في هذه الآية: جعل الله تعالى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى . الإسلام، والقتال عليه فالذي لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر فهذا من المنافقين؛ لأنهم بالعكس في ذلك، فها هم اليوم يأمرون بالمنكر، بل يأمرون بكل منكر، ويدعون إليه، ويدعون المسلمين إلى أن يتخلوا عن دينهم، ويسمون التمسك بالدين تشدداً وغلواً، فيقولون: لا بد أن يترك المسلمون هذا، ولا بد أن تتمرد النساء، ويتركن الحجاب، اتركوا الولاء والبراء، واجعلوا الناس سواء ما بينهم فرق، هذا أمر بالمنكر. فالمنافقون والمنافقات على طبيعة سواء يجمعهم النفاق، ويؤلف بينهم، من رجال ونساء، حتى لكأنهم أفراد أسرة واحدة، تجمعها لحمة النسب والقرابة، وتؤلف بينها مشاعر الحب والولاء، وذلك أن المنافق لا يجد المرعى الخصيب الذي يغذّنى فيه نفاقه، ويحقق به وجوده، ويرضى فيه مشاعره إلا في بيئة منافقة، تتجاوب معه، وتروّنج لهذه البضاعة التي 1( 2(
عدد الصفحات ١٤٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 149 يتعامل بها؛ ذلك أن بضاعة المنافقين بضاعة خبيثة، وطعام فاسد عفن، لا تقبله إلا النفوس المريضة، ولا تستطعمه إلا الطبائع الخبيثة، إنه عملة زائفة، لا تروج إلا في الظلام، ولا يتعامل المتعاملون بها إلا في أوكار . اللصوص، وفي حانات الخمر، حيث تدور الرؤوس، وتذهب العقول إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من واجبات الدين، ولا بد منه في الإسلام، فإذا وجد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فهذا علامة نجاة الأمة، وقد أمرنا الله سبحانه بالأمر والنهي، والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلمه لا يمكنه النهي عنه، وقد أوجب الله علينا فعل المعروف، وترك المنكر، فإن حب الشيء وفعله، وبغض ذلك وتركه لا يكون إلا بعد العلم بهما، حتى يصح القصد إلى فعل المعروف، وترك المنكر، فإن ذلك مسبوق بعلمه، فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه حب له ولا بغض، ولا فعل ولا ترك، لكن فعل الشيء والأمر به يقتضي أن يعلمه علماً مفصلاً يمكن معه فعله، والأمر به إذا أمر به مفصّنلاً؛ ولهذا أوجب الله على الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات، مثل صفة الصلاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإذا أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها، فكما أنا لا نكون مطيعين إذا علمنا عدم الطاعة، فلا نكون مطيعين إذا لم نعلم وجودها، بل الجهل بوجودها كالعلم بعدمها، وكل منهما معصية، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الأموال الربوية، وأما معرفة ما يتركه، 1(
عدد الصفحات ١٥٠150وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وينهى عنه فقد يكتفي بمعرفته في بعض المواضع مجملاً، فإن الإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره، وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك، وإلى الجواب عما يعارض به أصحابها، وإلى دفع أهوائهم، وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك، ولا يكون ذلك إلا بالص 1(
عدد الصفحات ١٥١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 151 الآية العاشرة من أخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿وَالمُْؤْمِنُونَ وَالمُْؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ 71[اللهّنَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيرَْحمَُهُمُ اللهّنُ إِنَّ اللهّنَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بعد أن ذكر الله تعالى صفات المنافقين، وأن من أخص صفاتهم: أنهم يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ذكر الله تعالى هنا في هذه الآية هذه الصفات الأربع للمؤمنين: وهي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ لتقابل من صفات المنافقين: الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، ونسيان الله، وقبض الأيدي. قال ابن كثير: لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: ﴿وَالمُْؤْمِنُونَ وَالمُْؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء . 71[بَعْضٍ﴾ فجُعلت السمة الاجتماعية للمؤمنين هي القيام بهذا الواجب، قال سبحانه: ﴿وَالمُْؤْمِنُونَ وَالمُْؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ 71[وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. 1(
عدد الصفحات ١٥٢152وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وذلك أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين، وتفظ به حرمات المسلمين، وتظهر أعلام الشريعة، وتغشو أحكام الإسلام، وبارتفاع سهمه يعلو أهل الحق والإيمان، ويندحر أهل الباطل والفجور، ويورث القوة والعزة في المؤمنين، ويذل أهل المعاصي والأهواء، وترغم أنوف المنافقين، يقول سفيان -رحمه ا . عن المنكر أرغمت أنف المنافق 71[فقوله هنا: ﴿وَالمُْؤْمِنُونَ وَالمُْؤْمِنَاتُ﴾ وإناثهم. 71[﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ والانتماء والنصرة، فهذه هي السمة الاجتماعية للمؤمنين، وهي القيام بهذا الواجب، يقول سيد قطب -رحمه ا مع وحدة طبيعتهم لا يبلغون أن يكونوا أولياء بعضهم لبعض، فالولاية تتاج إلى شجاعة وإلى نجدة، وإلى تعاون، وإلى تكاليف، وطبيعة النفاق تأبى هذا كله، ولو كان بين المنافقين أنفسهم، إن المنافقين أفراد ضعاف مهازيل، وليسوا جماعة متماسكة قوية متضامنة، على ما يبدو بينهم من تشابه في الطبيعة والخلق والسلوك، والتعبير القرآني الدقيق لا يغفل هذا . المعنى في وصف هؤلاء وهؤلاء وفي قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾أيضاً إشارة إلى أن طبيعة المؤمن 1( 2(
عدد الصفحات ١٥٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 153 هي طبيعة الأمة المؤمنة، طبيعة الوحدة، وطبيعة التكافل، وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تقيق الخير، ودفع الشر. 71[وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ﴾ لكل ما عرف حسنه من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم. 71[وقوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة. 71[وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾ وحدودها وأركانها وشروطها، في الجمعة والجماعات، وإقامتها ليس مجرد الأداء فقط. 71[﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وعلى رعيتهم عموماً، آتوها أهلها الذين هم أهلها، فالزكاة قرينة الصلاة في وجوبها، ومهمة أخذها وتوزيعها على من يتولى أمر المسلمين. 71[﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ لطاعة الله ورسوله على الدوام. ِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَه﴾بعد قوله: وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَيُط من عطف العام 71[﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ على الخاص؛ لأن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، داخلان في عموم قوله: ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَه﴾وعطف العام على الخاص وعكسه كلاهما من الإطناب المقبول إذا كان في الخاص مزية ليست في غيره من أفراد العام.
عدد الصفحات ١٥٤154وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ولا شك عند أحد من أهل العلم أن طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي محصورة في العمل بكتاب الله 1(وسنة رسوله 71[وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ سَيرَْحمَُهُمُ اللهُ﴾ رحمته، ويشملهم بإحسانه. وإن رحمة الله للمؤمنين لتقابل لعنته للمنافقين والكفار، وإن تلك الصفات لهي التي وعد الله المؤمنين عليها بالنصر والتمكين في الأرض ليحققوها في وصايتهم الرشيدة على البشرية. أي: قوي قاهر، ومع 71[وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قوته فهو حكيم، يضع كل شيء موضعه اللائق به الذي يحمد على ما خلقه، وأمر به، فهو قادر على إعزاز الفئة المؤمنة؛ ليكون بعضها أولياء بعض في النهوض بهذه التكاليف، حكيم في تقدير النصر والعزة لها؛ لتصلح في الأرض، وترس كلمة الله بين العباد. ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: في الآية ذكر أخص صفات المؤمنين والمؤمنات، وهي: أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وهي تقابل من صفات المنافقين: الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف. وفيها: بيان أهمية هذه الفريضة، وأنها ضرورية للحفاظ ع سمة المجتمع المسلم، يقول سيد قطب -رحمه ا يقوم المجتمع المسلم الذي تكمه شريعة الله فيدين لله وحده، 1(
عدد الصفحات ١٥٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 155 ولا يدين لسواه يكون الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر داخل هذا المجتمع؛ ويتناول ما يقع فيه من أخطاء وانحرافات عن منهج الله وشرعه، ولكن حين لا يكون في الأرض مجتمع مسلم؛ وذلك حين لا يكون في الأرض مجتمع الحاكمية فيه لله وحده، وشريعة الله وحدها هي الحاكمية فيه، فإن الأمر بالمعروف يجب أن يتجه أولاً إلى الأمر بالمعروف الأكبر، وهو تقرير ألوهية الله وحده سبحانه، وتقيق قيام المجتمع المسلم. والنهي عن المنكر يجب أن يتجه أولاً إلى النهي عن المنكر الأكبر، وهو حكم الطاغوت، وتعبيد الناس لغير الله عن طريق حكمهم بغير شريعة هاجروا وجاهدوا ابتداء لإقامة الدولة الله، والذين آمنوا بمحمد المسلمة الحاكمة بشريعة الله، وإقامة المجتمع المسلم المحكوم بهذه الشريعة، فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر في الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي، ولم ينفقوا قط جهدهم قبل قيام الدولة المسلمة والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي لا تنشأ إلا بعد قيام الأصل الأصيل! ومفهوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع، فلا يبدأ بالمعروف الفرعي، والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر، والمنكر الأكبر، كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع . المسلم وقال أيضاً 1(
عدد الصفحات ١٥٦156وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وهذه هي صفاتها ومميزاتها: توبة ترد العبد إلى الله، وتكفه عن الذنب، وتدفعه إلى العمل الصالح، وعبادة تصله بالله، وتجعل الله معبوده وغايته ووجهته، وحمد لله على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل لله، والثقة المطلقة برحمته وعدله، وسياحة في ملكوت الله مع آيات الله الناطقة في الكون الدالة على الحكمة والحق في تصميم الخلق، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة، وحفظ لحدود الله يرد عنها العادين والمضيعين، ويصونها من التهجم والانتهاك، هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها الله على الجنة، واشترى منها الأنفس والأموال؛ لتمضي مع سنة الله الجارية منذ كان دين الله ورسوله ورسالاته، قتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله؛ وقتل لأعداء الله الذين يحادّنون الله؛ أو استشهاد في المعركة التي لا تفتر بين الحق والباطل، وبين . الإسلام والجاهلية، وبين الشريعة والطاغوت، وبين الهدى والضلال وفي هذه الآية بيان أن الوظائف الاجتماعية وعلى رأسها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وظائف مشتركة بين الرجال والنساء، أو بين المؤمنين والمؤمنات، فهم جميعاً (يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر). فقد أرست القاعدة الراسخة الأساسية في أن المرأة مثل الرجل مطالبة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في مقابل: ﴿المُْنَافِقُونَ وَالمُْنَافِقَاتُ 67[ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُْنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَْعْرُوفِ﴾ فإذا كانت المنافقة تأمر بالمنكر، فالمؤمنة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وهذا بنص القرآن، وأيضاً في قوله تعالى: ﴿الآمِرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ 1(
عدد الصفحات ١٥٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 157 112[عَنِ المُْنكَرِ﴾ المرأة لها شروطها في القيام بهذه الفريضة.
عدد الصفحات ١٥٨158وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية الحادية عشر: من وظيفة الدولة المسلمة القيام بهذه الشعيرة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ 41[وَأَمَرُوا بِالمَْعْرُوفِ وَنهََوْا عَنِ المُْنكَرِ وَللهَِِّ عَاقِبَةُ الأُْمُورِ﴾ قيل: المراد بـ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الأَْرْضِ﴾هم الصحابة -رضي الله عنهم-، وقيل: الأمة كلها، وقيل: الخلفاء الأربعة؛ لأنهم هم الذين مُكِّنوا في الأرض بالخلافة، وفعلوا ما وصفهم الله به، وعلى هذا التأويل يكون فيه دليل صحة أمرِ الخلفاء الراشدين؛ لأن الله - عز وجل- أعطاهم التمكين، ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة قال القرطبي: ويكون: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض﴾أربعة من لم يكن في الأرض غيرهمأصحاب رسول ا وذكر أقوالاً فيهم: .قال قتادة: هم أصحاب محمد وقال ابن عباس وقال عكرمة: هم أهل الصلوات الخمس. وقال الحسن وأبو العالية: هم هذه الأمة إذا فتح الله عليهم أقاموا الصلاة. وقال ابن أبي نجيح: يعني: الولاة. وقال الضحاك: هو شرط شرطه الله -عز وجل- على من آتاه الملك، 1( 2(
عدد الصفحات ١٥٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 159 وهذا حسن وقال سهل بن عبد الله: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب على السلطان، وعلى العلماء الذين يأتونه، وليس على الناس أن يأمروا السلطان؛ لأن ذلك لازم له، واجب عليه، ولا يأمروا العلماء فإن الحجة . قد وجبت عليهم والأكثرون من المفسرين: أن هذا وصف من الله للذين أخرجوا من ديارهم، بما سيكون منهم من حسن السيرة عند تمكينه تعالى إياهم في .الأرض، وإعطائه إياهم زمام الأحكام، وهم أصحاب رسول ا ولعل الراجح حمل الآية على العموم؛ لأنه وإن كان سبب نزول ، وهجرتهم إلى المدينة الآية هو إيذاء كفار قريش لأصحاب الرسول إلا أن نَظْم الآية، والقوالب التي صيغت بها معانيها جاءت عامة كليةً تشمل جميع من توفرت فيه شروط التمكين في الأرض، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو مقرر في الأصول. وذكر كثيرٌ من المفسرين أن هذه الآية الكريمة قد تضمَّنت الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة، وبيان الأسس والدعائم التي تقوم عليها تلك الدولة، وأن القيام بالمبادئ المذكورة، والتقيد بمضمونها هو الشرط الذي شرطه الله لمن يستحق النصر في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصرُنَّ . 40[الله مَنْ ينْصرُُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز﴾ وتلك الأسس والدعائم كما ذُكِرَت في الآية أربع: الأولى: إقام الصلاة. 1(
عدد الصفحات ١٦٠160وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الثانية: إيتاء الزكاة. الثالثة: الأمر بالمعروف. الرابعة: النهي عن المنكر 41[وفي قوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الأَْرْضِ﴾ من هذا التمكن: السلطنة، ونفاذ القول على الخلق، أي: نصرناهم على عدوهم حتى تمكنوا من البلاد، والمعنى: ملكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض، وقوله: ﴿الَّذِينَ 40[إِن مَّكَّنَّاهُمْ﴾صفة لمن تقدم، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ الحـج 41[وفي قوله: ﴿مَّكَّنَّاهُمْ﴾ وهو واهب الملك، وهو الذي ينزعه من أصحابه. وفرّنق في التحرير والتنوير بين (مكنه) و(مكن له) حيث قال 84[مَكَّنَّا لَهُ فيِ الأَْرْضِ﴾ 41[أَقَامُوا الصَّلاَةَ﴾ ومعنى مكن له: جعله متمكناً لأجله، أي رعياً له مثل حمده وحمد له، فلم تزده اللام ومجرورها إلا إشارة إلى أن الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما، وصير مكنه ومكن له بمعنى واحد، فكانت اللام زائدة، كما قال أبو علي الفارسي، ودليل ذلك 6[قوله تعالى هنا: ﴿مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الأَرْضِ مَا لمَْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ فإن المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعين أن يكون معنى الفعلين مستوياً 1(
عدد الصفحات ١٦١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 161 ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين؛ إذ التفاوت لا يظهر إلا في شيء واحد؛ ولأن كون القرون الماضية أقوى تمكناً من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين، وقد عكس هنا، وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل (مكنه) و(مكن له) وقول الزمخشري بأن: (مكن له) بمعنى جعل له مكاناً و(مكنه) بمعنى أثبته، وكلام الراغب أمكن عربية، وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة، واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل؛ لأنه يستلزم . التقوية، وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح، أو كالحقيقة 41[وفي قوله: ﴿أَقَامُوا الصَّلاَةَ﴾ وحدودها، وأركانها، وشروطها، في الجمعة والجماعات، وإقامتها ليس مجرد الأداء فقط. « 41[وفي قوله: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ خصوصاً، وعلى رعيتهم عموماً، آتوها أهلها الذين هم أهلها، فالزكاة قرينة الصلاة في وجوبها، ومهمة أخذها وتوزيعها على من يتولى أمر المسلمين. 41[وفي قوله: ﴿وَأَمَرُوا بِالمَْعْرُوفِ﴾ معروفٍ حُسْنُه شرعاً وعقلاً، من حقوق الله، وحقوق الآدميين. 1( 2(
عدد الصفحات ١٦٢162وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 41[﴿وَنهََوْا عَنِ المُْنكَرِ﴾ معروف قبحه، والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به، فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم وتعليم أجبروا الناس على التعلم والتعليم، وإذا كان يتوقف على تأديب مقدر شرعاً، أو غير مقدر كأنواع التعزير قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدين له لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به. ولا منكر أعظم ولا أكبر من الشرك بالله، فعلى الولاة محاربته ومجابهته بكل الطرق والوسائل، فهو أول منكر يجب إنكاره. وأول ما بدأ به الرسل في دعوتهم الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، يقول الشيخ الألباني -رحمه ا والأهم هنا هو إصلاح عقائد المسلمين، وتزكية النفوس، والدعوة على أساس التصفية من البدع، والتربية على التوحيد وهو إصلاح ما وقال . فسد من عقائد المسلمين أولاً، ومن عبادتهم ثانياً، ومن سلوكهم ثالثاً وربما يوجد من الدعاة من لو مُكن في الأرض لترك بعض أمور الدعوة، وما أقام الصلاة، وما آتى الزكاة، أو ربما يقوم بالصلاة، ويؤدي الزكاة، ولكنه لا يقوم تمام القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وربما يتنازل بعض المحسوبين على الدعوة عن بعض الأمور الهامة، وربما يتحالف مع الشيوعيين والعلمانيين من أجل مكاسب، فهذا لا يستحق النصر. 1(
عدد الصفحات ١٦٣