وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 115 إسراف ولا مخيلة؛ وذات طيبة في حدود الخلق والمروءة، وتصرفات طيبة لا اعتداء فيها، ولا نكث وخيانة، وغير ذلك مما هو طيب في ذاته، وحصل عليه بطريق طيب أحله الله تعالى، ولا اعتداء فيه ولا اغتصاب. 157[﴿وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ الخبيثة في ذاتها التي تضر الأجسام، كالخنزير والميتة والدم المسفوح، أو تضر العقول كالخمر، أو تلقى بالعداوة بين الناس كالميسر والبغضاء، أو الاعتداء على حق غيره بالسرقة والاغتصاب أو القتل، فكل هذه خبائث تدخل في باب الفحشاء والمنكر والبغي، وكذلك أكل أموال الناس . بالباطل كالربا ونحوه وقيل: الطيبات هي المستلذات لا تصلح علة للتحليل أو التحريم، لكن تُعُقَّب هذا المعنى من قبل بعض المفسرين المحرمات، والجواب: أن فائدته بيان أن الحل والحرمة بحكم الشرع لا بالعقل والرأي لكن لا يفهم من هذا أن الشرع في تليله وتريمه يتناقض مع العقل، بل إن ما أباحه الشرع هو مستحسن في حكم العقل أيضاً، وما حرمه هو مستقبح فيه، فيكون قد وافق حكمُ العقل ما حكم به الشرع؛ لأنه معلوم أنه لا تناقض مطلقاً بين قطعي كل من العقل والنقل، وعلى هذا 1( 2( 3( 4(
عدد الصفحات ١١٦116وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم فلا تعارض بين أن تكون هذه المحللات طيبة في حكم العقل قبل إقرار الشرع لها، والمحرمات خبيثة في حكم العقل قبل ورود الشرع بتحريمها. وهذه المسألة قد جلاها ابن القيم ووضحها أيما توضيح، حيث قال 157[تعليقاً على قوله تعالى: ﴿وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ سورة الأعراف كان خبيثاً قبل تريمه، ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين: أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يجَِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فيِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ وَيحُِلُّ 157[ }لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصرَْهُمْ الأعراف يكن في ذلك دليل، فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم، وهذا أيضاًَ باطل فإنه لا فائدة فيه، وهو الوجه الثاني، فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيباً آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معاً. فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار الشريعة، ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها، وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين أن ترد بخلاف ما وردت به، وأن الله تعالى منزه عن ذلك، كما . يتنزه عن سائر ما لا يليق به 1(
عدد الصفحات ١١٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 117 وقيل في معناه: يحلّن لهم ما حرّنم عليهم من الأشياء التي حرّنمت عليهم بسبب ذنوبهم 157[وفي قوله: ﴿وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ الأعراف -رحمه الله-: أصل التحريم نص كتاب أو سنة، أو جملة كتاب أو سنة أو إجماع، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يجَِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فيِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ 157[وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ 4[سورة الأعراف المائدة وفي قوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ 157[وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ ما يسمى بالمقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب. والمقابلة إما لواحد بواحد؛ وذلك قليل جداً كقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ 255[وَلاَ نَوْمٌ﴾ 82[أو اثنين باثنين؛ كقوله: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ سورة التوبة أو ثلاثة بثلاثة كقوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ وَيحُِلُّ دار السعادة لابن القيم 1( 2(
عدد الصفحات ١١٨118وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 157[لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ 152[أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ ليِ وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ وأربعة بأربعة، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الليل وخمسة بخمسة، كقوله: ﴿إِنَّ اللهََّ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضرِْبَ مَثَلاً مَّا 26[بَعُوضَةً﴾ ﴿فأما الذين آمنوا﴾و﴿وأما الذين كفروا﴾وبين يضل ﴿ويهدي﴾وبين .}﴿ينقضون﴾﴿وميثاقه﴾وبين ﴿يقطعون﴾و﴿أن يوصل 14[أو ستة بستة؛ كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ 15[عمران الآية، قابل ﴿الجنات﴾والأنهار والخلد والأزواج والتطهير والرضوان بإزاء النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث. وقسم بعضهم المقابلة إلى ثلاثة أنواع: نظيري، ونقيضي، وخلافي. مثال الأول: مقابلة السنة بالنوم في الآية الأولى، فإنهما جميعاً من باب 18[الرقاد المقابل باليقظة في آية: ﴿وَتَْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ الكهف بالرشد في قوله: ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشرٌَّ أُرِيدَ بِمَن فيِ الأَْرْضِ أَمْ أَرَادَ بهِِمْ 10[رَبهُُّمْ رَشَدًا﴾ الخير، والرشد الغي. وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصرَْهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ 157[
عدد الصفحات ١١٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 119 تخرج مشقتها عن المعتاد، أي: ما عهد عليهم من عهد ثقيل، فلم تكن تكليفاتهم يسيرة، بل كان فيها شدة، وكان فيهم غلظة في طباعهم، وقسوة في نفوسهم، فكان تشديد التكليف عليهم تهذيباً لهم، وكفاً لشره في نفوسهم، فكان لابد من فطمهم عن بعض الطيبات، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لهَُمْ وَبِصَدِّهِمْ 160[عَن سَبِيلِ اللهّنِ كَثِيرًا﴾ تعالى: ﴿وَعَلىَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُماَ إِلاَّ مَا حمََلَتْ ظُهُورُهمَُا أَوِ الحَْوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ 146[ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فكان فيما سبق من الشرائع تكاليف كثيرة فيها مشاق عظيمة، ، ومن هذه المشاق:فخفف تلك المشاق لمحمد - في البول، كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة بالغسل بالماء، روى مسلم عن أبي وائل، قال: كان أبو موسى يشدد في البول، ويبول في قارورة، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، لقد رأيتني أنا ورسول الله نتماشى، فأتى فبال: فانتبذت منه، فأشار; سباطة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم . إلي، فجئت، فقمت عند عقبه حتى فرغ 1( 225 -55 /1( .)273( )74
عدد الصفحات ١٢٠120وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وكانت حراماً على سائر ; - ومن الإصر الذي وضع إحلال الغنائم الأمم. : - ومنها: ألا تجالس الحائض ولا تؤاكل، فخفف الله ذلك، قال (لتشد عليها إزارها، ثم شأنه بأعلاها والأغلال: جمع غل، وهو ما يوضع في العنق في مخنقة ليثقل، ويوضع كذلك تقييداً لحركته، وإثقالاً عليه، والمراد هنا ما وضع من قيود في الحلال عليهم تهذيباً، كتحريم الصيد يوم السبت، ومنع بعض المحللات في ذاتها؛ ولكنها حرمت عليهم تربية لهم. فتكون الأغلال مجازاً عن هذه القيود التي شدد الله بها على نفوسهم لقمعها عن الإسراف في الشهوات، شُبهت هذه القيود بالأغلال الحسية؛ لأنها ثقيلة على النفوس المستقيمة؛ ولكنها علاج للنفوس المريضة السقيمة، وإن شريعة النبي الأمي جاءت موائمة للفطرة السليمة، جاءت لليسر دون العسر، وكانت عزاء للإنسانية كلها لا فرق بين أحمر وأسود، وهى الباقية ما بقى الإنسان. قال ابن جرير في معنى الأغلال بعد أن ذكر عدة أقوال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الإصر هو العهد... وأن معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ العهدَ الذي كان الله أخذه على بني إسرائيل من إقامة التوراة، والعملِ بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول، وتريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم 1( 2(
عدد الصفحات ١٢١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 121 مفروضةً، فنسخها حُكْم القرآن فتكون إذن الأغلال غير الإصر؛ فهي مستعارة للعبودية التي كانوا عليها في الجاهلية، وهي عبودية الأصنام وسدنتها، وعبودية الملوك، . ومما يزيد هذا بياناً قول عمر لعمرو وعبودية القادة أصحاب المرابيع بن العاص في قصة ولده . استعار الإصر والأغلال للأحكام والتكاليف الشاقة من أحراراً باب الاستعارة المكنية. ومن هذه (الأغلال التي كانت عليهم) والقيود التي وجب عليهم التزامها -كما ذكر ابن الجوزي- أنه كان عليهم أن لا يُقبَل منهم في القتل دية، وأن لا يعملوا في السبت، وأن يَقْرِضُوا ما أصاب جلودهم من . البول 157[وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصرَُوهُ﴾ الأعراف فحواه، ومؤدى القول: إذا كان هذا النبي الأمي ينعم الله على يده عليكم تلك النعم، وهو قد جاء بالحق في ذاته، ورفع عنكم الآصار والأغلال . أي: امنعوه من أعدائه أن ينالوه بسوء، فعزروه، أي: فوقروه وأيدوه 1( 2( 3( 4( 5( 6(
عدد الصفحات ١٢٢122وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وأصلُه المنعُ، ومنه التعزير معاودة القبيح واستمرائه. 157[وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾ أي: أنزل من عند الله تعالى، ومصاحباً لدعوته، ومؤيداً لرسالته، وهو المعجزة الكبرى الخالدة وهو القرآن، والتعبير عنه بالنور فيه استعارة، فقد شبه بالنور؛ لأنه مبين للحقائق، مزيل للجهالات، دافع للأوهام، كما أن النور يزيل غياهب الظلام، واتباع القرآن اتباع لصراط الله المستقيم الذي لا عوج فيه، وهو الخلاصة الإلهية للرسالة الإلهية، وهو سجل . النبوات جميعاً، فيه أحكامها، وأخبارها، ومعجزاتها ؟ }ولا يقال: القرآن أنزل مع جبريل فما معنى: ﴿أُنزِلَ مَعَهُ والجواب: أن المراد أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن، مشفوعاً به، ويجوز أن يعلق بـ(اتبعوا)، أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمراً بالعلم بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي: اتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه. وفي التعبير عن القرآن بالنور المنبئ عن كونه ظاهراً بنفسه لإعجازه، ومظهراً لغيره من الأحكام لمناسبة الاتباع، قال صاحب قلت: ما معنى قوله: (أنزل معه) وإنما أنزل مع جبريل؟ قلت: أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن، مشفوعاً به، انتهى 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٢٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 123 فيكون (معه) متعلق بـ(أنزل) حال من ضميره، بتقدير المضاف، أي: أنزل ذلك النور مصاحباً لنبوته، وعبر عنه بالنور، لكونه يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات وكذا قال الفخر الرازي: فإن قيل: كيف يمكن حمل النور ها هنا على القرآن والقرآن ما أنزل مع محمد، وإنما أنزل مع جبريل؟ قلنا: معناه . إنه أنزل مع نبوته؛ لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن 157[وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ النعوت الجلية، وقد أشار -سبحانه وتعالى- بالبعيد للدلالة على بعد الشرف، وعلو المنزلة. 157[﴿هُمُ المُْفْلِحُونَ﴾ من المكروب، لا غيرهم من الأمم، وقد قصر الله تعالى الفلاح عليهم بتعريف الطرفين، وبضمير الفصل، أي: أنهم المفلحون، ولا يفلح سواهم، والقصر قصر حقيقي، إذ إنهم سلكوا الصراط المستقيم، ومن لم يسلك سبيل الله فقد سلك مسارات الشيطان، وهذا فرق ما بين الهدى والضلال. فحكم الله سبحانه وتعالى هنا على الذين قاموا بهذه الصافات بأنهم الفائزون في الدنيا باتباع الحق، وأن حياتهم كلها فاضلة، وأن تكون حياتهم في الآخرة نعيماً مقيماً، ورضواناً من الله العزيز الحكيم، وهو أكبر الفوز . 157[العظيم؛ ولذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ﴾ وإذا كان ذلك طريق الفوز عند الله، وفي الحياة الدنيا والآخرة 1( 2(
عدد الصفحات ١٢٤124وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم فإن الإنسانية كلها مخاطبة بها؛ ولذا قال تعالى آمراً نبيه بخطاب الناس كافة بهذه الشريعة السمحة البيضاء: ﴿قُلْ يَا أَيهَُّا النَّاسُ إِنيِّ رَسُولُ اللهّنِ إِلَيْكُمْ جمَِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يحُْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهّن وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهّنِ وَكَلِماَتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ 158[تهَْتَدُونَ﴾ والإشارة إلى الصفات يفيد أنها علة الحكم وسببه، أي: بسبب هذه الصفات ينالون الفلاح في الدنيا والآخرة؛ لأن الهداية والاستقامة فلاح لا يدركه إلا من استقامت إلى الحق نفوسهم. فخرج بهذه الآية من الإسلام ومن أسباب الفلاح اليهود والنصارى والبوذيون وجميع المشركين؛ لأنهم لم يتصفوا بهذه الأوصاف التي وصف الله بها المفلحين، بل كلهم عاداه ولم ينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، ولم يأمر ولم ينه، إلا من هداه الله منهم فهو مع المسلمين الناجين. ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: ، وتميزه بفضائل الصفات التي يمكن أن يكونفضيلة النبي عليها الكمال البشري، حتى صفة الأمية التي قد تعتبر في كمال وشرف، وهي أحد الأصل صفة نقص إلا أنها في حقه أدلة إلهية القرآن. ، ونصره بالجهاد، ونصرته بنصرة وجوب تعظيم الرسول دينه، وكل أمر يؤدي إلى توهين ما يتصل بذلك؛ لأن جميع ذلك من باب النصرة، وهذا لا يختص بعصره، فجميع ذلك لازم إلى انقضاء التكليف؛ ولعل الجهاد بالبيان، وإيراد الحجة، ووضع
عدد الصفحات ١٢٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 125 الكتب فيه، وحل شبه المخالفين، يزيد في كثير من الأوقات ع الجهاد بالسيف وهو يؤكد على ضرورة الاحتساب في الدفاع عن هذا الدين، والتمكين له، ويبين أنه لا يقل بل يزيد أحياناً على الجهاد بالسيف. ، قال صاحب وفي الآية تعظيم وفضل أصحاب النبي التحرير والتنوير: في هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم-، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم وفيها: فضيلة الأمة المحمدية، ومكانتها عند ربها، حتى إنه وصفها بأفضل الصفات، وكتب لها الرحمة، بما تقوم به من تقوى الله، وإيتاء الزكاة، والإيمان بآيات الله، وغير ذلك مما أمرها الله به. وفيها: تيسير الله -عز وجل- على هذه الأمة ورحمته بها، ومن مظاهر ذلك: أنه فيما شرعه لها من أحكام راعى جانب التيسير والبعد عن المشقة، وأنه سبحانه لم يكلفها ما لا تطيق، وأنه تعالى قد وضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من قبلها، فشقت عليهم الشرائع، فتخلوا عنها. فجاء النبي ليضع عن أمة الإسلام الأحكام والتكاليف الشاقة التي يضعف عن حملها الإنسان، والتي كانت على بني إسرائيل من مثل: قتل النفس بالتوبة، وتريم الغنائم، والله تعالى علّنم المسلمين -كما في أواخر 1( 2(
عدد الصفحات ١٢٦126وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم سورة البقرة- كيف يدعونه برفع الحرج عنهم، حين قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهَُّ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لهََا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَْمِلْ عَلَيْنَا إِصرْاً كَماَ حمََلْتَهُ عَلىَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تَُمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحمَْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصرُْنَا وقد ورد في صحيح مسلم ما يدل على ]عَلىَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أن الله استجاب دعاءهم وقد قال -عز وجل-: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال ابن كثير في تفسيره: ]]2-1 « عدلاً، لا اعوجاج فيه، ولا حرج ولا ع وفيها: فضيلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن دلائل ، وسنة سائر المرسلين، فالقيام به ذلك أنه صفة النبي محمد .هو قيام بما كان يقوم به المرسلون، وفيهم نبينا محمد وفيها: قيام الحجة على أهل الكتاب الذين عرفوا صفة النبي الكائنة في كتابهم، فأنكروها وحرفوها، وأبوا الإيمان به، مع تيقنهم صدقه، لما عاينوه من صفاته، وما اطلعوا عليه من حاله وفي قوله تعالى: ﴿وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ 157[الخَْبَآئِثَ﴾ بالأشياء التي يستطيبها الطبع كالشحوم، والثاني بالأشياء 1( (ج 2(
عدد الصفحات ١٢٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 127 التي يستخبثها كالدم، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل، وفي كل ما تستخبثه . وهذا القول النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل منفصل متفرع على مسألة هل الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم؟ وهي من المسائل التي اعتنى بها علم أصول الفقه. قال الفخر الرازي: هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة؛ لأن كل ما كان ضرراً كان إصراً وغلاً، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية، وهذا نظير لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: (بعثت بالحنيفية ضرر ولا ضرار السمحة 1( 2( وأحمد وبرقم 3( 4(
عدد الصفحات ١٢٨128وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية الثامنة: القيام بهذه الشعيرة سبب للنجاة من الهلاك قال تعالى: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ 165[وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِماَ كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ الأعراف هذه الآية جاءت في سياق قصة أصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر، والتي قال الله عنها: ﴿واَسْأَلهُْمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضرَِةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فيِ السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهُُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شرَُّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِماَ كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لمَِ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهّنُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبهُُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلىَ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ثم قال الله مخبراً عن مصيرهم: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِماَ كَانُواْ 165[يَفْسُقُونَ﴾ وخلاصة هذه القصة ما ذكره المفسرون سلفاً وخلفاً أن الله أمر اليهود أن يكون عيدهم الجمعة من كل أسبوع على ما هو ثابت في شريعتنا، فأبوا إلا السبت، فأجيبوا إلى ما طلبوا، وأمروا أن يتفرغوا فيه للعبادة، وحرم الله عليهم صيد السمك فيه، ثم ابتلاهم الله سبحانه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعاً، ظاهرة على وجه الماء، فإذا كان يوم الأحد اختفت، فلم يُر منهن شيء، حتى يكون يوم السبت الذي
عدد الصفحات ١٢٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 129 163[بعده وهكذا، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ الأعراف اشتهتها أنفسهم، فاحتالوا للاصطياد في السبت بصورة الاصطياد في غيره بشتى الحيل التي ظاهرها الامتثال، وباطنها التمرد والعصيان، حتى إذا فشا فيهم ذلك المنكر علانية نصحهم أحبارهم ورهبانهم، وأبلغوا في النصح فلم يقبلوا منهم، فانقسم هؤلاء الناصحون إلى فرقتين: فرقة كفت عن النهي لعلمها بحال القوم، ويأسها من هدايتهم، وفرقة استمرت على نهيهم وتذكيرهم حماسة في دين الله، وحرصاً على هداية المعتدين، حتى قالت لهم الطائفة التي نهت وكفت عن النهي: ﴿لمَِ 164[تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبهُُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ وهو سؤال استفسار، فأجابت الطائفة التي استمرت على التذكير بما 164[حكاه الله عنها: ﴿مَعْذِرَةً إِلىَ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ومع ذلك لم يجدهم التذكير نفعاً، واستمروا على الاعتداء ﴿فَلَماَّ نَسُوا 165[مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الطائفتان التي نصحت وكفت والتي نصحت ولم تكف عن النصح: 165[ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِماَ كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الأعراف فانظر -رحمك الله- إلى حيل اليهود وخداعهم، فهذا دال على أن الأعمال بمقاصدها وحقائقها دون صورها وظواهرها، ودال على أن كل حيلة يترتب عليها العبث بفرع من فروع الشريعة، فضلاً عن أصل من أصولها محرمة أشد التحريم، وأن صاحبها معرض لأن يعاقب بمثل هذه
عدد الصفحات ١٣٠130وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم العقوبة الشنيعة؛ ولهذا قال تعالى في قصتهم مهدداً كل من يأت بعدهم، ويتبع آثارهم: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لمَِا بَينَْ يَدَيهَْا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً أي: جعلنا هذه المسخة الشنيعة التي مسخناهم ]لِلْمُتَّقِينَ﴾ إياها عقوبة لما تقدمها من ذنوبهم التي واقعوها؛ ولما يأت بعدها من أمثال ذنوبهم أن يعمل بها عامل فَيُمْسَخ كما مسخوا، وموعظة للمتقين أمته من ارتكاب ما فعلته اليهود من إلى يوم القيامة؛ ولهذا حذر النبي استحلال محارم الله بالحيل. والمتأمل في قصة أهل هذه القرية يجد أن أهلها انقسموا ثلاثة أقسام: عصاة، وصالحون، ومصلحون، وتأمل الآيات كيف قام المصلحون بالدعوة، فأنكر عليهم الصالحون! وقالوا: لا فائدة من إنكاركم، ولا من إصلاحكم، فهؤلاء قوم فاسدون لا خير فيهم، فكانت النتيجة أن نجى الله المصلحين، وأهلك الفاسقين، وسكت عن الذين لم يقوموا بالإصلاح. على قولين:واختلف العلماء هل أهلكوا أم لا؟ فقيل: أهلكهم مع المعتدين، وقيل: نجاهم، ولكنه أغفل ذكرهم احتقاراً لهم، وكفاهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً. والظاهر: أنهم كانوا من الناجين؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت؛ ولأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك؛ ولهذا أنكروا عليهم بقولهم: . 164[﴿لمَِ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهّنُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبهُُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾
عدد الصفحات ١٣١