المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم

صادق بن محمد الهادي

صفحة ٧ من ١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 99 المنحرفين، فالأرض لا تخلو من الشر؛ والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفاً مصطلحاً عليه؛ وأن يصبحا سهلاً يجترئ عليه كل من يهم به، وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات؛ ويصبح الجزاء على الشر رادعاً وجماعياً تقف الجماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه عندئذٍ ينزوي الشر، وتنحسر دوافعه، وعندئذٍ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه، وعندئذٍ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع، ولا يسمح . لها بالسيطرة؛ وعندئذٍ لا تشيع الفاحشة، ولا تصبح هي الطابع العام 79[وقوله: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ لا ينهى بعضهم بعضاً عن فعل المعاصي، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر؛ لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه، وتعدى حدوده؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية، وأجل الفرائض الشرعية؛ ولهذا كان تاركه شريكاً لفاعل المعصية، ومستحقاً لغضب الله وانتقامه، كما وقع لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل، ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعاً قردة وخنازير ﴿إِنَّ فيِ 37[ذَلِكَ لَذِكْرَى لمَِن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وجاء هذا الذم ليحذر من ارتكاب مثل الذي ارتكبوه. وانظر في المقابل في هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ما هي مسوغات هذه الخيرية؟! وهل هي منحة بدون ]عمران 1(

عدد الصفحات ١٠٠

100وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم مقابل؟ وهل هي هبة من الله بدون شيء؟ لا، بل لها سبب، فاستحقت الأمة الحكم لها بالخيرية بأمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر. وقوله: ﴿يَتَنَاهَوْنَ﴾من التناهي، قال الفخر الرازي: وللتناهي ها هنا معنيان: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي، أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً. والمعنى الثاني: في التناهي أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر، تناهى عنه إذا كف عنه وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها: أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل، فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها. 79[وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ التناهي، عن كل منكر فعلوه، وأطلق على ترك التناهي لفظ الفعل في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾مع أنه ترك؛ لأن السكوت على المنكر لا يخلو من إظهار الرضا به، والمشاركة فيه يقول علماء الأصول: الترك فعل في صحيح المذهب، فإذا رأى إنسان منكراً وهو يستطيع أن ينكره، وترك النهي فهو كالذي فعله، ولو أن إنساناً وجد آخر يسبح في الماء وأوشك على الغرق، ويستطيع أن ينقذه دون مضرة عليه؛ فتركه حتى غرق فهو مشارك في مسئولية غرقه، ويقولون أيضاً: لو أن إنساناً في فلاة ووجد ظمآناً يكاد أن يهلك من العطش، وعنده 1( 2(

عدد الصفحات ١٠١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 101 فضل ماء يزيد على حاجته وتركه ولم يسقه فمات، فهو مسئول عنه وانظر كيف أكد ذلك بلام القسم في (لبئس) فكأنه سبحانه قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان، وترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وكل ذلك تعجباً من سوء فعلهم، كيف لا وقد أداهم إلى ما أداهم من اللعن الكبير! فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن التناهي عن المناكير، وقلة عنايتهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء، مع ما يتلون من كلام الله، وما فيه من المبالغات في هذا الباب! وما في قوله: ﴿لبئس ما﴾جعلها الزجاج مصدرية، وقال: التقدير: لبئس شيئاً فعلهم، قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقال غيره: (ما) . نكرة موصوفة، التقدير: لبئس الشيء الذي كانوا يفعلون فعلاً ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: هذه الآية تبين أن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر سبب للعنة، حيث أخبر سبحانه أن من أسباب لعن الأمم المتقدمة من بني إسرائيل خاصة تركهم هذه الفريضة؛ تذيراً من الاتصاف بصفتهم، أو أن نفعل مثل فعلهم، فنستحق مثل جزائهم، قال ابن كثير -رحمه الله تعا بني إسرائيل من دهر طويل، فيما أنزل على داود نبيه -عليه السلام-، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله، 1( 2(

عدد الصفحات ١٠٢

102وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم واعتدائهم على خلقه، قال العوفي عن ابن عباس: لعنوا في التوراة، وفي الإنجيل، وفي الزبور، وفي الفرقان ودلت الآية على المنع من الذرائع التي تبطل مقاصد الشرع؛ لما رواه أكثر المفسرين أن الذين لعنهم داود -عليه السلام- أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت، واصطادوا الحيتان فيه. ودلت أيضاً على وجوب النهي عن المنكر، قال الحاكم: وتدل على أن ترك النهي من الكبائر وفي الآية جواز لعن الكافر غير المعين كاليهود والنصارى وغيرهم من الكفار عموماً، فقد ورد لعنهم في كتاب الله -عز وجل-، كما في هذه الآية قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ وجاء لعنهم في الحديث الشريف، 79-78[كَفَرُوا﴾ روى الشيخان من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم  : (لا يكون المؤمن  مساجد لعاناً 1( 2( ، وأبي بكر، 3( وعمر -رضي الله عنه الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد 4( والطعن 1014(

عدد الصفحات ١٠٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 103 اللعن لمن ورد لعنه في الكتاب والسنة، فلا حرج فيه وفي الآية: حرمة السكوت عن المنكر، ووخامة عاقبته ع المجتمع.

عدد الصفحات ١٠٤

104وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية السابعة: في الكتب  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة النبي السابقة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يجَِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فيِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصرَْهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصرَُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ 157[مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ﴾ ، وصفته في الكتب السابقة، هذه الآية جاءت في بيان سمة النبي وصفته هي في سيرته الحية الناطقة، فمن أوصافه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا شك أن المعروف أعظمه التوحيد، وقد قام به خير قيام، فبدأ بالدعوة إليه، فينبغي أن يبدأ المسلم بالأمر به، والمنكر أعظمه الشرك، فيبدأ بالنهي عنه. قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية في الكتب المتقدمة، وهكذا كان حاله -عليه الصلاة والسلام-، لا  يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر... ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه ا به من الأمر بعبادة الله وحده، لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، . كما أرسل به جميع الرسل قبله كما قال هنا: ﴿يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وهذه الصفة كما هي صفته 1(

عدد الصفحات ١٠٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 105 157[وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ﴾ .]تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ إذن فصفة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أبرز الصفات التي يتميز بها النبي الأمي الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، وبها يعرفه المؤمنون من أهل الكتاب، وباتباعهم له تكتب لهم الرحمة والرضوان، إلا أنه ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم في ، وكتموا التوراة والإنجيل، ومعلومة لبني إسرائيل فقد أنكروا نبوته ما علموه، ولا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؛ وإن كان المشرك أظلم الظالمين إلا أن اسم التفضيل يختص بالشيء المعين الذي يشترك فيه المفضل، والمفضل عليه. أنه يأمرهم يقول ابن القيم -رحمه ا بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث... وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنه، وكونه معروفاً، وما ينهى عنه تشهد قبحه، وكونه منكراً، وما يحله تشهد كونه طيباً، وما يحرمه تشهد كونه خبيثاً، وهذه دعوة جميع الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة، فإنهم يدعون إلى ما يوافق . أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وإثم وظلم ، فإنه هو الذي أمر الله على ووفي هذه الآية بيان لكمال رسالته لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل 1(

عدد الصفحات ١٠٦

106وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم خبيث؛ ولهذا روي عنه أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وقال في الحديث المتفق عليه: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يطوفون به، ويقولون: ما رأينا بنياناً كمل أحسن من هذا، إلا هذه اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة دين الله المتضمن للأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، وإحلال كل طيب، وتريم كل خبيث. وأما من قبله من الرسل فقد كان يحرم على أممهم بعض الطيبات، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لهَُمْ﴾ وربما لم يحرم عليهم جميع الخبائث، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ ]160 حِلاًّ لِّبَنِي إِسرَْائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسرَْائِيلُ عَلىَ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ .]قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وتريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أن إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف؛ لأن تريم الطيبات مما نهى الله عنه، وكذلك الأمر بجميع المعروف، والنهي عن كل منكر مما لم يتم إلا 1( 192/1( دمشق عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال الألباني: وهذا إسناد حسن، وقال الحاكم شرط مسلم وفوائدها 3535-186 /4( 2( خاتم النبي ومسلم في كتاب الفضائل، باب ذكر كونه 2286(

عدد الصفحات ١٠٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 107 للرسول، الذي تمم الله به مكارم الأخلاق المندرجة في المعروف، وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ فقد أكمل الله لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ]لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ورضي لنا الإسلام ديناً ، وأثبتت هذه الآية أيضاً أن الكتب القديمة فيها بشارات بنبينا كما أنه قد ذكر باسمه على لسان المسيح -عليه السلام-، كما قال تعالى: ذكر أيضاً 6[﴿وَمُبَشرًِّا بِرَسُولٍ يَأْتِ مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحمَْدُ﴾ بوصفه، كما قال هنا: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يجَِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فيِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ 157[وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ الأولى: ذكر اسمه، وفي الآية الثاني: ذكر وصفه ووصف شريعته. 157[وفي قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ الموصول الأول بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه، أي: أعني الذين، أو هم الذين. 157[وقوله: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم، فالرسول في القرآن الكريم هو المرسل من الله تعالى لخلقه لتبليغ شريعته، وبيان التكليف الذي كلف الناس إياه، و﴿النَّبِيَّ﴾أي: الذي نبئ بأكمل الاعتقادات، والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي. وهذا من النكت في هذه الآية أنها جمعت بين هذين الوصفين 1(

عدد الصفحات ١٠٨

108وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم (الرسول) و(النبي) فلماذا جمُع بينهما؟ قيل: إنه من باب ذكر الملزوم واللازم، فإن الرسالة تلزمها النبوة في المعنى القرآني؛ لأنه لا يعد رسولاً إلا إذا كانت نبوة عن الله، وقد تلقى العلم عن الله -جل جلاله- بوحي، أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً، وذكرها -أي: وصف الرسالة والنبوة مع هذا التلازم- فيه إشارة إلى التبليغ إلى أنه ينبأ من الله تعالى. وقيل . إلى العباد وقيل: لتؤكد لأهل الكتاب الذين كان الحديث قبل هذه الآية فيهم هو نبي رسول كموسى -عليه السلام-، وهم يعلمون جيداً أن محمداً في الفرق بينهما أن الرسول يأت بشريعة جديدة يلزم اتباعها، لما تويه من شرائع، ربما لم تكن في التي قبلها، أو كانت لكن تغيرت صفتها على ما هو معروف من سنة النسخ بين الشرائع. وهم يعلمون أيضاً أن النبي المجرد عن الرسالة هو عادة يأت مذكِراً، ومؤيداً شريعة الرسول قبله، وهو كذلك فمن جهة كونه نبياً قد جاء مؤيداً لمن قبله، مهيمناً على دعواتهم، مؤكداً على صدق ما جاءوا به. ومن جهة كونه رسولاً قد جاءهم برسالة جديدة تتفق مع ما قبلها في الأصول، وربما تختلف عنها في الصفات والفروع، أي في الشرائع، ، لكونه قد وعلى هذا فمجموع الصفتين حجة عليهم في لزوم اتباعه تقق فيه ما يعرفونه من صفات النبوة والرسالة، وإن شاءوا فليختبروا 1(

عدد الصفحات ١٠٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 109 ذلك فيه، وهم يعرفون من كتبهم ما يدلهم على الحق فيه بلا امتراء قال ابن عاشور -رحمه ا الآية بين وصفي النبوة والرسالة؛ للإشارة إلى أن اليهود بدلوا وصف وغفلوا عن الرسول، وعبروا عنه بالنبي ليصدق على أنبياء بني إسرائيل مفاد قوله -أي في نص سفر التثنية- مثلك- أي في الرسالة- وحذفوا وصف الأمي وفي قوله تعالى: ﴿الأُمِّيَّ﴾قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: احترازاً عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد “ المطلب، والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبي محمد شرطٌ في دخولهم الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم وفي قوله: ﴿الأمي﴾أيضاً مدح له -عليه السلام-، ومعنى الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولا عرف أخبار الأمم السالفة، فيؤمن من جهته أن يقرأ الكتب، وينقل إليهم أخبار الماضين، ولكن مُتبع لما يوحى إليه. ولقد كان النبي أمياً لا يقرأ ولا يكتب؛ لتكون الحجة عليهم قاطعة 1( لكن يرد عيلهم بالنص الذي يعتقدونه وهو نص سفر التثنية المذكور وفيه أنه نبي « الآخر: أن النص يقول لأنه منهم، وظهر أن بني إخوتهم، هم أبناء إسماعيل -عليه السلام-، وعليه يكون .النبي المبشر به هو محمد 2( 3(

عدد الصفحات ١١٠

110وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم بنزول القرآن الذي فيه علم الأولين والآخرين، وهو لا يمكن أن يكون من أمي قط؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تخَُطُّهُ 48[بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ المُْبْطِلُونَ﴾ ولقد حاول الذين لا يرجون للإسلام وقاراً أن يكذبوا فيدعوا أن كان يعرف القراءة والكتابة ليشككوا في القرآن، وقد حاول النبي بعض المتحذلقين من المسلمين أن يقول في هذه المقالة الكاذبة، فردهم القرآن الكريم رداً عنيفاً؛ لأنهم يسايرون الكفار الكذاب والأمي وصف مدح للنبي، فإن قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿اذْكُرْ امتن علينا بتعليمنا البيان بالقلم، كما امتن على عيسى نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فيِ المَْهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالحِْكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ ؟ بل قال الله فإذا كانت هذه نعماً فسؤال يطرح: لمِ لم يعلمها رسولنا محمد 157[في شأنه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ بمعنى: لماذا لم يمتن الله على نبيه محمد -عليه الصلاة والسلام- بتعليمه البيان بالقلم؟! والعلة من ذلك -والله أعلم- ظهرت في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تخَُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ المُْبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فيِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يجَْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ .]الظَّالمُِونَ﴾ لم يتعلم البيان بالقلم لعلة وهي: دفع الشكوك عن فالرسول 1(

عدد الصفحات ١١١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 111 ، كما نص على ذلكالذين كانوا يزعمون أن بشراً يعلم رسول ا كتاب الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنهَُّمْ يَقُولُونَ إِنَّماَ يُعَلِّمُهُ بَشرٌَ لِسَانُ الَّذِي 1(]يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبيٌِّ مُبِينٌ﴾ وما جاء في معنى الأمي: أنه نسبة إلى الأم أي: أنه جاء في العلم والكتابة كما ولدته أمه، أو نسبة إلى أمه، ذلك أن العرب لم يكونوا أهل علم وكتاب، فلم تغلب عليهم العلوم والكتابة، وإن كان فيهم من يعرفون الكتابة وبعض العلوم؛ ولذا كان يطلق عليهم الأميون، وذكر القرآن الكريم ذلك الوصف لهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فيِ . 2[الأُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ وقد نُقل أن معنى الأمي: أنه أم الموجودات، وأصل المكونات، ولا يصح هذا. 157[وقوله: ﴿الَّذِي يجَِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فيِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ سورة الأعراف و﴿عِندَهُمْ﴾زيدت لزيادة التقرير، وأن شأنه -عليه الصلاة والسلام- حاضر عندهم، لا يغيب عنهم أصلاً. وهذه الجملة المتضمنة هاتين الصفتين يمكن أن تكون مستأنفة، أي: لقوله: (مكتوباً) بأن تكون بياناً ويمكن أن تكون تفسيرية وتفسيراً لما هو مكتوب في التوراة، وأن من صفاته في التوراة أنه ﴿يَأْمُرُهُم 157[بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ﴾ 1( 2(

عدد الصفحات ١١٢

112وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 157[ففي قوله: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ ثلاثة، ووصف رابع ذكره الله تعالى بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يجَِدُونَهُ مَكْتُوبًا 157[عِندَهُمْ فيِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ مذكوراً مكتوباً في التوراة على أمر بالنص، وهو أنهم يجدون النبي والإنجيل، وهو يدل أيضاً على أمرين آخرين: وحدة الديانات السماوية، فهي تدعو إلى دين واحد، قد تتغاير أولهما: بعض الفروع، ولكن الأصل واحد، كما قال تعالى: ﴿شرََعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصىَّ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبرَُ عَلىَ المُْشرِْكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ 13[اللهَُّ يجَْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيهَْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ أن اليهود والنصارى قد حرفوا القول عن مواضعه، وثانيهما: وغيروا وبدلوا، ولا يزالون يغيرون، ويبدلون على حسب أهوائهم، وقد ظهرت في مصر طبعة لإنجيل متى فيها تغيير عن سوابقها، ولا تكاد تجد نسخة مكتوبة في مصر تتلاقى في كل أجزائها مع التي جاءت من بعد، يغيرون لفظاً بدل لفظ، ويزيدون قيداً أو شرطاً، ولا يلمح ذلك القارئ العادي بادئ ذي بدء حتى يخفى ذلك على عامتهم، بل بعض خاصتهم. بالاسم، وذُكر بالوصف، فغيروا الاسم، ولقد ذُكر النبي وأحاطوه بما يجعله مبهماً مع ملاحظة اختلاف اللغة العربية على اللغة العبرية، ولكن الأوصاف لم يستطيعوا تغيير كثير منها، وهم يحاولون . التغي 1(

عدد الصفحات ١١٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 113 قال الماوردي في (إعلام النبوة) في الباب الخمس عشر: في بشائر الأنبياء بنبوته -عليه الصلاة والسلام-: فكان أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائره، وتبديه من أعلامها وشعائرها؛ ليكون السابق مبشراً ونذيراً، واللاحق مصدقاً وظهيراً، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق، وقد تقدمت بشائر من سلف ، مما هو حجة على أممهم، ومعجزة تدل على من الأنبياء بنبوة محمد صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه؛ ليكون عوناً للرسول، وحثاً على القبول، فمنهم من عيّننه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى ثم سرد الماوردي البشائر صار جلياً بعد الاحتمال، ويقيناً بعد الارتياب من نصوص كتبهم. وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه الصلاة والسلام- قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفاً رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته، وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعاً، لقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف، لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تريف بعض الصفات؛ ليبعد صدقها 1(

عدد الصفحات ١١٤

114وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم على النبي -عليه الصلاة والسلام-، فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع اختلافاً لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها 157[وفي قوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ﴾ الأعراف ، بل هي أول والنهي عن المنكر، وهي وظيفة الرسل وخاتمهم نبينا وظيفة ذكرت هنا، وأول وصف وصفه الله به في الكتب السابقة: ﴿يَأْمُرُهُم بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُْنكَرِ وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ 157[الخَْبَآئِثَ﴾ فكفى بهذه الشعيرة رتبة أنها صفة، بل مهمة أفضل خلق الله ألا وهم الأنبياء والمرسلون، قال الله في وصف إمامهم محمد: ﴿يَأْمُرُهُمْ ، وقال الله في شأن 157[بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ المُْنكَرِ﴾ نبيه إسماعيل -عليه السلام-: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ 59[اللهََّ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيرُْهُ﴾ 157[وقوله: ﴿وَيحُِلُّ لهَُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَْبَآئِثَ﴾ الأعراف والطيبات هي الأمور المستحسنة في ذاتها، من أطعمة طيبة مريئة، هنيئة، لا تفسد الأجسام، ولا تضر العقول، ولباس حسن من غير 1(

عدد الصفحات ١١٥