المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم

صادق بن محمد الهادي

صفحة ٦ من ١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 83 الآية الخامسة ذم أحبار بني إسرائيل ورهبانهم لعدم قيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلهِِمُ الإِثْمَ 63[وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فيِ 62[الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ المائدة 63[وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وهي في ذم بني إسرائيل لعدم قيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال ابن كث ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوه فدلّن هذا على أن الساكت على المنكر أشد ممن ارتكبه؛ لأنه بسكوته جرّنأ صاحب المنكر، وجرّنأ غيره، ولو تناهى الناس عن المنكر لما انتشر منكر، فالرعية مؤاخذة بما اجترحت، والأحبار والرهبان مؤاخذون بما سكتوا، وإن لم يتدنوا إلى قول إثم أو أكل سحت. يقول سيد قطب -رحمه ا على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان هي 1(

عدد الصفحات ٨٤

84وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم سمة المجتمعات التي فسدت، وآذنت بالانهيار، وبنو إسرائيل كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، كما حكى عنهم القرآن الكريم. إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أن يوجد فيه من يأمر بالمعروف، وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف، ; وينهى عن المنكر وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ ; والنهي عن المنكر المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، وهكذا وصف الله الأمة المسلمة، فقال: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ ووصف بني إسرائيل فقال: ﴿ 110[وَتُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ﴾ 79[كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ بين المجتمعين وبين الجماعتين. أما هنا فينحي باللائمة على الربانيين والأحبار الساكتين على الذين لا يقومون بحق ما ; المسارعة في الإثم والعدوان، وأكل السحت استحفظوا عليه من كتاب الله. وإنه لصوت النذير لكل أهل دين، فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف، . والنهي عن المنكر ويقول ابن جرير -رحمه ا 1(

عدد الصفحات ٨٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 85 آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها ولقد قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ 63[وَالأَحْبَارُ﴾ الذين يقصرون في الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وهما عصام الأمر، ومانعا الإثم، وبهما صلاح الجماعة الإنسانية. قال: (ما من قوم يكون بين وروى الإمام أحمد أن رسول ا أظهرهم من يعمل بالمعاصي وهم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من عنده وروى يحيى بن معمر أن علياً بن أبي طالب خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فأْمُروا بالمعروف، وانهَْوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً، ولا يقرب . أجلاً وإن ما توقعه إمام الهدى علي -رضي الله عنه- قد وقع، فإن بعض الذين يتخذون من المؤمنين مكان الأحبار قد سكتوا عن النهى عن قول الإثم، بل منهم من أيد المنكر، بعد أن ارتضاه، ومنهم من مالأ في دينه يحسب أن قول الحق قد يقطع رزقاً، أو يضيع أملاً، وبذلك وقعت 1( 2( 3( 4(

عدد الصفحات ٨٦

86وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم معاصٍ من غير استنكار، وترك الواجب في استهتار، ولا منادي بالحق. وقوله في الآية: ﴿لولا﴾أي: هلا كان من هؤلاء الذين كان يتبعهم اليهود، ويستمعون إليهم، ويستجيبون لهم من يرشدهم إلى الحق ليتبعوه، وينهاهم عن الظلم ليجتنبوه، وقد اتخذوا أولئك الأحبار والربانيين وسطاء بينهم وبين الله ليتعرفوا حكمه عن طريقهم، ولكنهم لم يفعلوا. قال البيضاوي: فيها تضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك، فإن (لولا) . إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض وقد تكون (لولا) ها هنا للتوبيخ على تقصيرهم في الماضي، وتخاذلهم عن أدائه، وإلا ما كان ذم حالهم، واستنكار أمرهم 63[وقوله: ﴿يَنْهَاهُمُ﴾ لنفع الناس عن هذه الشرور العظيمة، وهم -أي العلماء- العارفون بالشر، ومداخل الشر، فكان لزاماً أن يبينوا للناس، والناس عليهم لزوم طاعة العلماء، والاستجابة لتحذيرهم من الشر، ونهيهم عن المعاصي. وإنكار هؤلاء ليس كإنكار غيرهم؛ فأصحاب المنكر إما أن يستجيبوا لهم ثقة في علمهم ورأيهم، أو مجاملة وخشية، وحين يتجرؤون على مخالفتهم فهم أجرأ على مخالفة غيرهم. ولعل ذكر نهي الأحبار للعامة عن السحت تعريض بهم؛ لأنهم كانوا لا يتعففون عن الرشا بكل أنواعها، كما أن ذكر النهي عن قول الإثم تعريض آخر بأحوالهم، فإن من قول الزور تريف الكلم عن مواضعه، 1( 2(

عدد الصفحات ٨٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 87 والنطق بالزور في الشرع، وكان يقع منهم؛ ولذلك ذم سبحانه صنيعهم، وهو لا يخلو من فساد حكمهم، وتغيير حكم الشرع لهوى الأقوياء منهم. 63[وقوله: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ العلماء الذين يحاولون أن يكون علمهم لله، ويتصلون بربهم حتى ينسبوا إليه، ولا يكون لهم وصف إلا نسبتهم إليه سبحانه، يزعمون ذلك في أقوالهم، ويظهرونه في أعمالهم. وفي صحيح البخاري: يقال: الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره فالرباني هو: العالم العامل المعلم المتمسك بدين الله وطاعته، البصير في سياسة الناس. ويمكن للعبد أن يكون عبداً ربانياً إذا اتصف بهذه الصفات من العلم والحلم والحكمة والزهد والعبادة، وتعليم الناس الخير، والسبيل إلى ذلك كله هو تقوية الإيمان بالله تعالى، وكمال التصديق بوعده ووعيده. و(الأحبار) هم الفقهاء، أو العلماء الذين يفسرون أحكام الكتاب، ويعرفون الناس بشؤون دينهم، وقد يكون من يجمع بين الوصفين، ولكن لكل وصف جانب من العمل. قال ابن كثير -رحمه الله-: قال السدِّي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، وهو كما قال، فإن الأحبار علماء اليهود، كما قال تعالى: 63[﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلهِِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ سورة المائدة 1(

عدد الصفحات ٨٨

88وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون علماؤهم، كما قال تعالى: 82[﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ من علماء السوء، وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فَسَد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى 63[وقال الحسن: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ قال 63[وقوله: ﴿عَن قَوْلهِِمُ الإِثْمَ﴾ ومنه قول الزور، وتريف الكلم عن مواضعه، والنطق بالزور في الشرع، وسب الله ورسوله. 63[وقوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ومنه الرشوة، ولم تستخدم كلمة السحت في القرآن إلا في حق اليهود، فالسحتُ كلُّ مالٍ أخِذ بغير حق، وكل مكسب بغير سبب شرعي فهو سحت، وهو من أخلاق اليهود. والجمهور على أن السحت هو الرشا، وقيل: هو الربا، وقيل: هو . الرشا، وسائر مكسبهم الخبيث وقال الحسن -رحمه ا أحدهم برشوة جعلها في كمّنه فأراها إياه، وتكلم بحاجته، فيسمع منه، ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة، ويسمع الكذب ﴿سَماَّعُونَ لِلْكَذِبِ 1( 2( 3(

عدد الصفحات ٨٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 89 42[أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ 63[وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ المفسرين: لبئس ما كان يصنع الربانيون من العلماء بتركهم النهي عن 63[المنكر، والأمر بالمعروف، وقال آخرون: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ سورة المائدة وهنا يتكلم المفسرون في التفرقة بين ذم أعمال اليهود عامة من دهماء 62[وغيرهم بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ 63[أعمال الربانيين والأحبار بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ سورة المائدة من طمع في مال أو لذة جسد، أما الصنيع فإنه يكون بمهارة وتدبير وتعرف للغايات والنتائج، ولو كانت آثمة، وأن الصنيع يكون بالعمل وغيره. ومن أحسن من قال في التفرقة فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، فقد قال موضحاً ما ذكره الزمخشري وغيره: والمعنى: أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعامتهم عن المعاصي؛ وذلك يدل أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه؛ لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى؛ لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت: ﴿لَبِئْسَ وقال في العلماء التاركين للنهي عن 62[مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ 63[المنكر: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً، 1(

عدد الصفحات ٩٠

90وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ، وذنب التاركين للنهي ذنباً راسخاً متمكناً والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته، وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم، وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، وإن هؤلاء الربانيين والأحبار لم يكن ما أخذ عليهم هو السكوت عن النهي فقط، بل إنهم رتعوا فيما رتع فيه غيرهم، وبذلك ضلوا، وكانوا سبباً في فساد الجمع كله، ولعنهم وطردهم، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسرَْائِيلَ عَلىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِماَ عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ . 79-78[يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ 63[}ومعنى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وتعلمهم لغير دين الله، أو من تركهم نهيهم، وهذا الذم المقول فيهم أبلغ مما قيل في حق عامتهم، أولاً: لأنه لما عبر عن الواقع المذموم من مرتكبي وعبرّن 79[المناكير بالعمل في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ عن ترك الإنكار عليهم حيث ذمه بالصناعة في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا 63[يَصْنَعُونَ﴾ صناعة لهم وللرؤساء، وحرفة لازمة، هم فيها أمكن من أصحاب المناكير في أعمالهم. وهذا معنى قول الزمخشري: كأنهم جُعِلوا آثم من مرتكبي المناكير؛ لأن كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة، حتى 1(

عدد الصفحات ٩١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 91 يتمكن فيه ويتدرب، وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مُوَاقِعَ المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها، وتمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالاً من المُواقِع، ثم قال الزمخشري: ولعمري إن هذه الآية مما يَقِذ العلماء توانيهم 63[والمقصود أن قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ 79[ }زيادة على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه؛ ولهذا تقول العرب: سيف صنيع، إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد، لا مطلق العمل، فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي. فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشد حالاً، وأعظم وبالاً من العصاة، فرحم الله عالماً قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما . أوجب عليه النهوض به ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: بيان استهتار اليهود، وعدم مبالاتهم بارتكابهم الجرائم علانية 1( 2( 3(

عدد الصفحات ٩٢

92وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم قبح سكوت العلماء على المنكر، وإغضائهم على فاعليه؛ ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية أنها أشد آية، وأخطرها على العلماء. في الآية دلالة على أن على العلماء أن يقوموا بواجبهم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن ينهوا الناس عن هذه المحرمات والمنكرات والفتن وخاصة التي غزتنا في مجتمعاتنا اليوم. وفي هذه الآية أيضاً دلالة على أنه يجب كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه؛ ولذلك سوى الله -عز وجل- بين المستمع للإثم، وآكل السحت، فقال 42[تعالى: ﴿سَماَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وقال -عز وجل-: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن 63[قَوْلهِِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ 140[على الغيبة حرام، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ النساء 1(

عدد الصفحات ٩٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 93 الآية السادسة أخبر القرآن أن من أسباب لعن بني إسرائيل تركهم هذه الفريضة تحذيراً من الاتصاف بصفتهم قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسرَْائِيلَ عَلىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِماَ عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن 79-78[مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ في هاتين الآيتين بيان أن بني إسرائيل كانوا يرون المنكر ويسكتون عن إنكاره، فسبَّب ذلك السكوت لهم اللعنة، وبناء عليه لا يجوز لمن رأى منكراً أن يسكت عنه مع قدرته على إنكاره وتغييره، فيبدأ بالتغيير باليد إن كان يستطيع ذلك، كأن يكون مسئولاً عن فاعل المنكر، وله سلطة عليه، فإن لم يقدر على التغيير باليد فلينكر باللسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة بالتي هي أحسن، ومن الإنكار باللسان إبلاغ من يستطيع أن يمنع هذا المنكر، وعليه أن يبذل جهده في ذلك، فإن عجز عنه فقد قام بما يجب عليه، ويرفع عنه الإثم أن ينكره بقلبه، فإن قصر في إنكار المنكر بحسب استطاعته فهو شريك للعاصي في معصيته، وعليه إثم المعصية. فإن بذل جهده وأدى واجبه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ولم يستجب له العاصي فلا شيء عليه، قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-: «

عدد الصفحات ٩٤

94وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 1(»عليها فهو عاص كفاعلها وفي قوله تعالى: ﴿لُعِنَ﴾أي: لعنهم الله -عز وجل-، واللعن هو الطرد من رحمة الله، وهذا غاية في التغليظ؛ إذ علل استحقاقهم اللعنة باستهانتهم بأمر الله، وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والله -عز وجل- جعل معيار الخيرية في أي أمة هو الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، كما جعل مثار اللعنة على أي أمة ألا يُتناهى فيها عن المنكر، ولا يُؤمر بالمعروف. بنو 78[وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسرَْائِيلَ﴾ إسرائيل: هم بنو يعقوب، وكان يسمى: إسرائيل، أي: سري الله، لكن لم يُذكروا في القرآن إلا أُضيفوا إلى إسرائيل، ولم يسموا في القرآن بنو يعقوب. ومتى ذُكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم يسم إسرائيل، وذلك لحكمة فرقانية، وهو أن القوم لما خُوطبوا بعبادة الله، وفكروا بدين أسلافهم موعظة لهم، وتنبيهاً من غفلتهم سموا بالاسم الذي فيه تذكرة بالله، فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله تعالى في التأويل، ألا ترى كيف نبه حين دعا إلى الإسلام قوماً يقال لهم: بنو عبد على هذا المعنى الرسول يحرضهم الله، فقال لهم: (يا بني عبد الله إن الله قد حسن اسم أبيكم بذلك على ما يقتضيه اسمهم من العبودية لله، فكذلك قوله سبحانه: 1( 2( 139 /3(

عدد الصفحات ٩٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 95 40[﴿يَا بَنِي إِسرَْائِيلَ﴾ بدين أبيهم وعبوديته لله، فكان ذكرهم بهذا الاسم أليق بمقام التذكرة، والتحريض من أن يقول لهم: يا بني يعقوب. ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره بإسحاق ثم يعقوب كان لفظ يعقوب أولى بذلك المقام؛ لأنها موهبة بعقب أخرى، وبشرى عُقّنب بها بشرى، وإن كان اسم يعقوب عبرانياً، ولكن لفظه موافق للعربي في العقب والتعقيب، فانظر مشاكلة الاسمين للمقامين، فإنه من باب النظر في إعجاز القرآن، وبلاغة ألفاظه، وتنزيل الكلام في منازله اللائقة به إذن بنو إسرائيل هم: أبناء يعقوب، ومن تناسلوا منهم فيما بعد إلى عهد موسى، ومن جاء بعده من الأنبياء، حتى عهد عيسى -عليه ، وقد عرفوا (باليهود) أو بـ(يهود) السلام-، وحتى عهد نبينا محمد من قديم الزمان، أما من آمنوا بعيسى فقد أصبحوا يطلق عليهم اسم (النصارى)، وأما من آمن بخاتم الأنبياء فقد أصبح في عداد المسلمين، . ويعرفون بمسلمي أهل الكتاب وقد أكثر الله من خطابهم ببني إسرائيل في القرآن الكريم كما قلنا سابقاً- تذكيراً لهم بأبوة هذا النبي الصالح حتى يتأسوا به، ويتخلقوا 1( 2( اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق ص ا وزبور داود، ومن تمسك بدين آدم، (وفيهم) وجهان، أحدهما: يقرون بالجزية لأنهم أهل كتاب فأشبهوا اليهود والنصارى

عدد الصفحات ٩٦

96وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم بأخلاقه، ويتركوا ما كانوا عليه من نكران نعم الله عليهم وعلى آبائهم، وما كانوا يتصفون به من الجحود والغدر واللؤم والخيانة، وكذلك ذكرهم الله سبحانه باسم اليهود في غير ما آية، وأشهر كتب اليهود هي: التوراة، وقد ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿الم * اللهّنُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَْيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَْقِّ مُصَدِّقاً لمَِّا بَينَْ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . 4-1[* مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ 78[وقوله: ﴿عَلىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ لسانيهما، وأُفرد لعدم اللبس، إن أريد باللسان الجارحة، وقيل: المراد به الكلام، وما نزل عليهما كذا في (العناية). وعن ابن عباس قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسرَْائِيلَ عَلىَ 78[لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا في القرآن، وقال على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد قتادة: لعنهم الله على لسان داود في زمانهم، فجعلهم قردة خاسئين، وفي . الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير : (إن أول ما دخل النقص وعن ابن مسعود قال: قال رسول ا على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض) 1( التفسير بالمأثور

عدد الصفحات ٩٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 97 ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسرَْائِيلَ عَلىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى 81[78[ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قال: (كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً وفي رواية أبي عبيدة: (فضرب الله على قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسرَْائِيلَ عَلىَ لِسَانِ دَاوُودَ 78[وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ 81[فَاسِقُونَ﴾ وضرب القلوب في هذا العقاب -نسأل الله السلامة- إن هو إلا التخبط والحيرة، وكثرة الفساد، وتيه الناس عن الجادة، والتفكك الاجتماعي والأخلاقي والنفسي... الخ، وما أقساها من عقوبة! أي: الذي كان على 78[وفي قوله: ﴿عَلىَ لِسَانِ دَاوُودَ﴾ شريعة موسى -عليه السلام-؛ وذلك باعتدائهم في السبت، فصاروا قردة. أي: الذي نسخ شرع موسى 78[﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ -عليه السلام- بكفرهم بعد المائدة، فمسخوا خنازير؛ لأنهم خالفوا النبيين معاً فلا هم تعبدوا بما دعاهم إليه داود -عليه السلام- من شرعهم الذي هم مدعون التمسك به وعارفون بأن ما دعاهم إليه منه حقاً ولا هم خرجوا عنه إلى ما أمروا بالخروج إليه على لسان موسى -عليه السلام- في بشارته به متقيدين بطاعته, فلم تبق لهم علة من التقيد 1( وضعفه الألباني، انظر: ضعيف الجامع الصغير (ص 2(

عدد الصفحات ٩٨

98وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم به، ولا التقيد بحق دعاهم إليه غيره, فعلم قطعاً أنهم مع الهوى كما مضى, ولم ينفعهم مع نسبتهم إلى واحدة من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل -عليه السلام-، فإنه لا نسب لأحد عند الله دون التقوى، لا سيما في يوم الفصل؛ إذ الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتق 78[قوله: ﴿ذَلِكَ﴾أي: لعنهم الهائل ﴿بِماَ عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ سورة المائدة بل هو بسبب عصيانهم واعتدائهم بقتل الأنبياء، واستحلال المعاصي، وتركهم النهي. قال الزمخشري تفسيراً للمعصية والاعتداء؟ قلت: من قِبَلِ أن الله تعالى أمر بالتناهي، . فكان الإخلال به معصية، وهو اعتداء وقال سيد قطب -رحمه ا كل صورهما الاعتقادية والسلوكية على السواء، وقد حفل تاريخ بني إسرائيل بالمعصية والاعتداء، كما فصل الله في كتابه الكريم، ولم تكن المعصية والاعتداء أعمالاً فردية في مجتمع بني إسرائيل، ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها؛ وأن يسكت عنها المجتمع؛ ولا يقابلها بالتناهي والنكير: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ . 79[يَفْعَلُونَ﴾ إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين 1( 2(

عدد الصفحات ٩٩