المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم

صادق بن محمد الهادي

صفحة ٥ من ١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 67 عمران 79[ فينحي باللائمة على الربانيين والأحبار الساكتين على المسارعة في الإثم الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من ; والعدوان وأكل السحت كتاب الله، وإنه لصوت النذير لكل أهل دين، فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والأمر كما قلنا من قبل في الظلال يقتضي سلطة تأمر ; والنهي عن المنكر وتنهى، والأمر والنهي أمر غير الدعوة، فالدعوة بيان، والأمر والنهي سلطان، وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر فلا يكون ; على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع . مطلق كلام ولا بد أن يعلم أن الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر بين المسلمين إنما هم في الحقيقة يقومون بمهام الرسل في أقوامهم وذويهم، فبقدر الاستجابة لنصحهم تكون الحجة والنجاة، والعكس بالعكس، فإذا تواطأت الأمة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحقت العقوبة العامة، ولا تصل النجاة إلا لمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. فإذا أراد المرء المسلم أن يتحقق بالخير، وأن يرى طريقاً يحقق به خير نفسه وخير قلبه، وخير أهله، وخير أولاده، وخيره مع الناس جميعاً، وأن يكون محلاً للخير عليه أن يسلك أفضل الطرق والقرب والطاعات التي 1(

عدد الصفحات ٦٨

68وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم يتقرب بها العبد لربه ألا وهي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يقول ابن القيم الناس أينما كان هو الذي يُنتفع به حيث حل والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها تدل بمنطوقها ومفهومها أنه يتعين على كل مسلم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومساعدة من قام به، كل على حسب حاله، فتارك إنكار المنكر مع القدرة على إنكاره كمرتكبه؛ وهو من الفاسقين الداخلين في الوعيد، وبالتعاون على إنكار المنكر يقوم الدين، ويتم الخير، وتستقر النعم، وتبقى الآداب والأخلاق الفاضلة؛ وبتركه ومداهنة أهله ينتشر الفساد، ويظهر الفجور، فتعم العقوبة، والعياذ بالله من غضبه. إذن فالواجب على المسلم أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ لأنه من أسمى الوظائف الإسلامية، بل هو أشرفها وأعلاها، وهو وظيفة الأنبياء والرسل -عليهم السلام-، وهي الشعيرة التي يُنافَحُ بها عن الدين، ويُنصح للمسلمين عن التردي في هوة صيحات العابثين، وبه تُْرَسُ الفضائل، وتكبت الرذائل، ويؤخذ على أيدي السفهاء، والتقاعس عنها أمره خطير، وشره مستطير، وقد يكون سبباً في تعميم العقاب، وعدم استجابة الدعاء. ولا يجوز لهذه الأمة أن تتنصل عن واجبها، وكيف تتخلى عن رسالتها وعن تميزها الذي ميزها الله به؟! هل أخرج الله هذه الأمة لتكون في ذيل القافلة تلهث وراء الركب؟! وهل أخرجها لتصبح صورة مقلدة 1(

عدد الصفحات ٦٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 69 بل مشوهة من الجاهلية؟! ألم يخرجها لتكون قائدة ورائدة وشاهدة ع كل البشرية؟! « ابتعاث وإخراج إلى الناس بنور القرآن والسنة، أمة تمشي بالنور في الناس وليس في المسلمين فقط، أمة أمرها الله تعالى بالسير في الأرض كلها اثنتي عشرة مرة، وبالضرب في الأرض أربع مرات، وبالمشي فيها أربعاً أخرى، . أي عشرين مرة سيراً وضرباً ومشياً « عن هذا الفساد الحادث اليوم في الأرض، وإن هذه الأمة لم يخرجها ا ويجعلها خير أمة في التاريخ لتعيش في حدود نفسها فحسب، بل لتكون قائدة ورائدة لكل البشرية، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ﴾ عمران برسالتها، تنشر النور والهدى في آفاق الأرض، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وتدعو إلى الإيمان، فلما تخلت هذه الأمة عن رسالتها في القرون الأخيرة، وأصابها الضعف والوهن تبعاً لذلك، فقد تولت قيادة البشرية أمة جاهلية لا تؤمن بالله ورسله، ولا تكم شريعته في الحياة، ومن ثم أتيحت الفرصة لشياطين الجن والإنس أن يعيثوا فساداً في الأرض، وينشروا الكفر بدلاً من الإيمان، ولن تصلح الأرض مرة أخرى حتى يعود المسلمون عودة صادقة إلى دينهم الحق، وعندئذٍ يتحقق 1(

عدد الصفحات ٧٠

70وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وعد الله لهم بالاستخلاف والتمكين والتأمين كما تقق مرة من قبل: ﴿وَعَدَ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فيِ الأَْرْضِ كَماَ اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لهَُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىَ لهَُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشرِْكُونَ بيِ شَيْئًا وَمَن كَفَرَ 1(»55[بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 1(

عدد الصفحات ٧١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 71 الآية الرابعة التلازم بين الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ 114[عَنِ المُْنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْيرَْاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ﴾ عمران هذه الآية ذكرها الله بعد قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ 113[قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهّنِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ثم قال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ 114[المُْنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْيرَْاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ﴾ عمران منهم، وهم الذين دخلوا في الإسلام، مثل: عبد الله بن سلام، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم، فلم يكونوا جمهرة الأمة. قال السعدي -رحمه الله تعا الكتاب بينّن حالة المستقيمين منهم، وأن منهم أمة مقيمين لأصول الدين وفروعه (يؤمنون بالله واليوم الآخر) (ويأمرون بالمعروف) وهو الخير كله، (وينهون عن المنكر) وهو جميع الشر، كما قال تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ (ويسارعون في الخيرات) 159[يهَْدُونَ بِالحَْقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ والمسارعة إلى الخيرات قدر زائد على مجرد فعلها، فهو وصف لهم بفعل الخيرات، والمبادرة إليها، وتكميلها بكل ما تتم به من واجب ومستحب 1(

عدد الصفحات ٧٢

72وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وقال ابن عباس: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد وأسيد بن سعية، ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا، ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله -عز وجل- في ذلك من قولهم: 113[﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهّن﴾ 114[عمران فهذه الآية لا اختصاص “وقد علق (ابن تيمية) على هذه الآية بقوله: فيها للنصارى، بل هي مذكورة بعد قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيرْاً لهَُّم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ﴾ إلى أن قال]عمران ذلك حكم اليهود، والله تعالى إنما أثنى على مَن آمن مِن أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَإنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لمََن يُؤْمِنُ بِاللهَِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْكُمْ﴾ عمران ، لكنه لم تمكنه الهجرة نزلت في النجاشي ونحوه ممن آمن بالرسول ا ، ولا العمل بشرائع الإسلام؛ لكون أهل بلده نصارى إلى رسول ا إنما لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام، وقد قيل: إن رسول ا صلى عليه لما مات لأجل هذا 1( 2(

عدد الصفحات ٧٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 73 وعلى كلٍ فالآيتان جاءتا تملان الدلالة الصريحة على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو الطريق الصحيح والمنهج الحق، وأنه لا يستوي من قام به، ومن أهمله وفرّنط فيه، فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهَِّ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْيرَْاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ﴾ قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم المجرم؛ ولهذا أي: قائمة بأمر قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الله، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة يعني: مستقيمة ومفهوم هذه الآية أن الأمة التي ليست كذلك، ولم تتصف بهذه الصفات فهي أمة منحرفة ضالة زائغة. وتؤكِّد الآيات الكريمة على عدم تساوي أهل الكتاب في مراتب الجودة والفلاح، ومدى تفهُّمهم للإيمان الحقيقي، وينابيعه الصافية، وجوهره النقي، فعلى الرغم من انحراف أكثرهم، فإن طائفة منهم قد سطع في قلوبهم نور الحقيقة، فهم يقومون لله فيتلُون آياته، ويُصَلُّون بخشوع وإيمان، ساجدين له، مقرِّين بفضله، ناشدين قربه، قد آمنوا بالله الواحد الأحد، وأن يوم الحساب آتٍ لا ريب فيه، واستعدَّوا بأعمالهم لمثل هذا اليوم، وصاروا منارات للهدى، فدلُّوا الخلائق إلى سبل الخير والعلم والفلاح، وأنقذوهم من براثن الفسق والانحلال والجهل، وقد 1(

عدد الصفحات ٧٤

74وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم نشطوا في إتمام البناء الأخلاقي بهمة وثبات، وكأنهم يسابقون الزمن، فاستحقُّوا أن يكونوا هداة مهديين، صالحين ومصلح وهذه الآية من الآيات التي يستدل بها البعض على جواز التقارب مع اليهود والنصارى حيث ينزلونها على أهل الكتاب الحاليين، والآية ليس لها علاقة بأهل الكتاب الحاليين، وإنما هي خاصة بأولئك الذين كعبد الله بن سلام وغيره من الصحابة الذين كانوا يهوداً آمنوا بمحمد فأسلموا، وحسن إسلامهم. قيل: معناها: ليس أهل وفي قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء﴾ سواء, ثم تمّن الكلام، واستُؤنف بعد ذلك ﴿من الكتاب وأمه محمد ، وآمنوا به، وصدقوه. أهل الكتاب﴾وهم الذين اتبعوا محمداً ﴿ليسوا سواء﴾وتمّن الكلام، والمعنى: “قال القرطبي -رحمه الله-: سواءليس أهل الكتاب وأمة محمد وقال ابن كث ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ، وهكذا قال عمران السدي. ويؤيد هذا القول الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو النَّضرْ وحسن بن موسى قالا: حدثنا شَيْبان، عن عاصم، عن صلاة العشاء، ثم خرج إلى زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسولُ ا 1( 2(

عدد الصفحات ٧٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 75 المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة: فقال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم) قال: وأُنزلت هذه الآيات: إلى قوله: ] ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ 1(] ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُْتَّقِينَ﴾ والمشهور عن كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفيِ عن ابن عباس- أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وأسد بن عُبيد، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيد بن سعْية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾أي: ليسوا كلُّهم على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم المُجْرم؛ ولهذا قال أي: قائمة بأمر ]تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ الله، مطيعة لشرَْعه، مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي ﴿قَائِمَةٌ﴾يعني: مستقيمة ﴿يَتْلُونَ أي: يقومون الليل، ]آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْيرَْاتِ وهؤلاء هم المذكورون في آخر ]وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ﴾ السورة: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لمََن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِِ لاَ يَشْترَُونَ بِآيَاتِ اللهّنِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لهَُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ وهكذا قال ها هنا: ﴿وَمَا ]رَبهِِّمْ إِنَّ اللهَ سرَِيعُ الحِْسَابِ﴾ أي: لا يضيع عند الله، بل ]يَفْعَلُواْ مِنْ خَيرٍْ فَلَن يُكْفَرُوْهُ﴾ 1(

عدد الصفحات ٧٦

76وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم يجزيكم به أوفر الجزاء المراد بهذا الإيمان الإيمان ]وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ﴾ بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول، وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته، فقال: ﴿بالله﴾أي: الذي له من الجلال، وتناهي الكمال ما حير العقول. لما قال: ﴿يؤمنون ]وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ بالله﴾أتبعه بذكر اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها؛ لأنه الحامل على كل خير، فقال: ﴿واليوم الآخر﴾أي: إيماناً يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم. وخص الله تعالى اليوم الآخر بالذكر إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود، فيما عسى أن يتوهم متوهم مشاركتهم لهم فيه؛ لأنهم يدعون أيضاً الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، لكن لما كان ذلك مع قولهم: وكفرهم ببعض الكتب والرسل، 30[﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ ووصفهم اليوم الآخر بخلاف ما نطقت به الشريعة المصطفوية جعل هو والعدم سواء. قال الجصاص صفة لهؤلاء الذين آمنوا ]بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ من أهل الكتاب؛ لأنهم آمنوا بالله ورسوله، ودعوا الناس إلى تصديق ، والإنكار على من خالفه، فكانوا ممن قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ النبي 1(

عدد الصفحات ٧٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 77 في الآية المتقدمة]أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله:﴿وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ﴾ بالاستـقامة في أنفسهم وصفهم بأنهم يُقــوّنمون غيرهم، فقال: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾أي: مجددين ذلك مستمرين عليه ﴿وينهون عن المنكر﴾كذلك. قوله: “ قال الفخر: ]وفي قوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ ﴿وينهون عن المنكر﴾اعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام، فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين، وذلك بطريقين: إما بإرشادهم إلى ما ينبغي، وهو الأمر بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي، وهو النهي عن المنكر، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ، ﴿وينهون عن ﴿يأمرون بالمعروف﴾أي: بتوحيد الله، وبنبوة محمد ، واعلم أن المنكر﴾أي: ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوة محمد لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل . معروف، وكل منكر وقال الآلوسي في قوله: ﴿ويأمرون بالمعروف وينهون عن فيه إشارة إلى وفور نصيبهم من فضيلة تكميل ]المنكر﴾ الغير إثر الإشارة إلى وفوره من فضيلة تكميل النفس، وفيه تعريض 1(

عدد الصفحات ٧٨

78وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم بالمداهنين الصادين عن سبيل الله تعا وقوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْيرَْاتِ﴾ للخير ذكر نشاطهم في جميع أنواعه، فقال: ﴿ويسارعون في الخيرات﴾قال الرازي أحدهما: أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت. والآخر: يعملونها غير متثاقلين، فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين؛ لأن من رغب في الأمر آثر الفور على التراخي، وأيضاً قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلىَ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ العجلة ليست مذمومة على الإطلاق، بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِترَْضىَ﴾ وقال الألوسي في قوله: ﴿ويسارعون في الخيرات﴾أي: يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات خوف الفوات بالموت مثلاً، أو يعملون الأعمال الصالحة راغبين فيها غير متثاقلين لعلمهم بجلالة موقعها، وحسن 1( 2( (التأني من الله والعجلة من الشيطان) وحسنه الألباني في صحيح الجامع انظر حديث رقم 3(

عدد الصفحات ٧٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 79 عاقبتها، وهذه صفة جامعة لفنون الفضائل والفواضل، وفي ذكرها تعريض بتباطؤ اليهود وتثاقلهم عن ذلك، وأصل المسارعة المبادرة، وتستعمل بمعنى الرغبة، واختيار صيغة المفاعلة للمبالغة، وقيل: لم يعبر بالعجلة للفرق بينها وبين السرعة، فإن السرعة التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، وهي محمودة، وضدها الإبطاء، وهو مذموم، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه، وهي مذمومة، وضدها الأناة، وهي محمودة. وإيثار (في) على (إلى) وكثيراً ما تتعدى المسارعة بها للإيذان، كما قال شيخ الإسلام: بأنهم مستقرون في أصل الخير، متقلبون في فنونه، لا أنهم خارجون (عنها) منتهون إليها؛ وصيغة جمع القلة هنا تغني عن جمع . الكثرة، كما لا يخفى هذه إشارة إلى ]وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ﴾ من جمع هذه الصفات الست، أي: الموصوفون بهذه الصفات من جملة الصالحين، الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، وهذا غاية المدح من وجهين: أن الله مدح بهذه الصفة أكابر الأنبياء، فقال بعد ذكر الأول: إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فيِ رَحمَْتِنَا إِنهَُّمْ مِّنَ ، وقال: ﴿فَإِنَّ اللهََّ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبرِْيلُ وَصَالِحُ ]الصالحين﴾ .]المُْؤْمِنِينَ﴾ أن الصلاح ضِدُّ الفساد، فكل ما لا ينبغي أن يكون فهو الثاني: فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، وإذا كان كذلك كان 1(

عدد الصفحات ٨٠

80وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم كل ما ينبغي أن يكون صلاحاً فكان الصَّلاحُ دالاًّ على أكمل الدرجات. ويجوز في (مِنْ) أن تكونَ للتبعيض، وهو الظاهر، وَجَعَلها ابن عطية لبيانِ الجنسِ، وفيه نظرٌ، إذ لم يتقدَّمْ مبهمٌ فتبيِّنْه هذه والظاهر أن في الوصف بالصلاح زيادة على الوصف بالإسلام؛ ولذلك سأل هذه الرتبة بعض الأنبياء، فقال تعالى حكاية عن سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحمَْتِكَ فيِ عِبَادِكَ وقال تعالى في حق إبراهيم -عليه السلام-: 19[الصَّالحِِينَ﴾ 130[﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فيِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فيِ الآخِرَةِ لمَِنَ الصَّالحِِينَ﴾ البقرة 72[صَالحِِينَ﴾ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فيِ رَحمَْتِنَا إِنهَُّم مِّنَ الصَّالحِِينَ ﴾ سورة الأنبياء اللهّنُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالحِِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ 69[رَفِيقًا﴾ ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: 1 ذكرت في الآية، ومنها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر، فلا يستحق هذا الوصف، ودلت الآية الكريمة على عدم صلاحهم بمجرد الإيمان. قال أبو حامد الغزالي -رحمه ا 1(

عدد الصفحات ٨١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 81 الإيمان بالله، واليوم الآخر، حتى أضاف عليه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والمعنى: ]وقال الرازي وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح، ويدل عليه القرآن والمعقول. أما القرآن: فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فقال بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل 86[وغيرهم: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فيِ رَحمَْتِنَا إِنهَُّم مِّنَ الصَّالحِِينَ﴾ وذكر حكاية عن سليمان -عليه السلام- أنه قال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحمَْتِكَ فيِ 19[عِبَادِكَ الصَّالحِِينَ﴾ 4[وَصَالِحُ المُْؤْمِنِينَ﴾ وأما المعقول: فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان . الصلاح دالاً على أكمل الدرجات وقال الآلوسي عن الضمير ﴿من الصالحين﴾أي: من عداد الذين صلحت عند الله تعالى حالهم، وهذا رد لقول اليهود: ما آمن به إلا شرارنا، وقد ذهب الجل إلى أن في الآية استغناء بذكر أحد الفريقين عن 1( 2(

عدد الصفحات ٨٢

82وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآخر، على عادة العرب من الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر، والمراد: ومنهم من ليسوا كذلك 2 والنهي عن المنكر حتى ينتظم فيمن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ وعبر بـ﴿أولئك﴾للدلالة على علو الرتبة. ]الصَّالحِِينَ﴾ والله أعلم. - وفى التعبير بقوله: ﴿مِنَ الصالحين﴾إشارة إلى أنهم بهذه المزايا، وتلك الصفات -التي منها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله تعالى، ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين، فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا . من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوح 3 4 5 : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمنيقول الرسول فآمن به واتبعه وصدقه فله أجرانبنبيه، وأدرك النبي 1( 2( 3( الكتابين (ج إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (جبرسالة نبينا محمد

عدد الصفحات ٨٣