وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 51 وهذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية، فمن لم يتصف من هذه الأمة بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: أي: لا ينهى بعضهم ]﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ بعضاً عن ارتكاب المآثم والمحارم، وذمهم على ذلك لنحذر من ارتكاب 79[ مثل الذي ارتكبوه، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ مؤكداً بلام القسم تقبيحاً لصفتهم، وتذيراً من سوء فعلهم. وقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ﴾ 110[ القرطبي: قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ مدح هذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير، وتَواطَئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم وجملة: (تأمرون بالمعروف) موقعها من الإعراب: إما أن تكون جملة حالية من ضمير الخطاب، وإما أن تكون كلاماً مستأنفاً مفصولاً؛ ولذا اعلم أن هذا الكلام مستأنف، “قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم، يطعم الناس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم، وتقيق الكلام: أنه ثبت في أصول الفقه: أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فهنا حكم بثبوت وصف الخيرية لهذه 1(
عدد الصفحات ٥٢52وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 1(”الأمة، ثم ذكر عقيبه علة هذا الحكم (والألف واللام) في لفظ: ﴿المعروف﴾ ولفظ: ﴿المنكر﴾ يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر، و﴿المعروف﴾ هو كل ما عرفه الشرع وأجازه، و﴿المنكر﴾ هو ما خالف ذلك؛ لأنه (أل) في المعروف والمنكر تقتضي الاستغراق، أي: أنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فإذا أمروا بشيء فلا بد أن يكون معروفاً، وإذا نهوا عن شيء فلا بد أن يكون منكراً، وإذا كانوا بهذا الوصف فإنه يجب قبول قولهم، وهذا هو معنى حجية الإجماع. ففي هذه الآية دليل على أن إجماع الأمة حُجَّة: يقول الفخر الرازي: « الأول: قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يهَْدُونَ بالحق﴾ ثم قال في هذه الآية: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ﴾ فوجب بحكم هذه الآية أن ]159 تكون هذه الأمة أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تكم إلا بالحق؛ إذ لو جاز في هذه الآية أن تكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق؛ لأن المبطل يمتنع أن يكون خيراً من المحق، فثبت أن هذه الأمة لا تكم إلا بالحق، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة. الوجه الثاني: وهو (أن الألف واللام) في لفظ: ﴿المعروف﴾ ولفظ: ﴿المنكر﴾ يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، 1(
عدد الصفحات ٥٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 53 وناهين عن كل منكر، ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقاً وصدقاً محالة، فكان حجة وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله هذا المعنى بقوله الأمة حجة؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر؛ فلو اتفقوا على إباحة محرم، أو إسقاط واجب؛ أو تريم حلال، أو إخبار عن الله تعالى أو خلقه بباطل لكانوا متصفين بالأمر بمنكر، والنهي عن معروف؛ بل الآية تقتضي أن مالم تأمر به الأمة فليس من المعروف، وما لم تنه عنه فليس من المنكر، وإذا كانت آمرة بكل معروف، ناهية عن كل منكر، فكيف يجوز أن تأمر كلها بمنكر، أو تنهى كلها عن . معروف؟ إذاً فالمعروف في هذه الآية كلمة جامعة لكل ما أمر الله به، أمر إيجاب فأعظم ما ; أو أمر استحباب، والمنكر: كلمة جامعة، لكل ما نهى الله عنه نهى الله عنه الشرك، والكفر، ووسائلهما، وذرائعهما. « الخير، وهو الفضيلة، وهو العدل، وهو الرحمة، وهو كل هذه الآداب السامية، والشِّيَمُ الجميلة التي أتى بها الإسلام، والتي يتضمَّنها الإيمان، مُبتدِئةً بإماطة الأذى عن الطريق، حتى تنتهي بشهادة: أن لا إله إلا الله. والمُنكَر الذي تُاربه الأمة الإسلامية، وتنتهي عنه إنما هو الرذيلة بجميع ضرُوبها، وهو الظلم على اختلاف ألوانه، وهو التعدِّي غَدْرًا 1( 2(
عدد الصفحات ٥٤54وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وخِيانة، وهو كل ضرْبٍ مِن ضروب البطش والجَبرَُوت. إن الأمة الإسلامية خير أمةٍ أُخرجت للناس لأمْرِها بالمعروف، ونهْيِها عن المُنكَر، ثُم لإيمانها بالله الذي حدَّد الله في نِطاقه تديدًا كاملاً الخير وال ومن الفوائد من قوله: ﴿تأمرون﴾ أي: على سبيل التجدد والاستمرار؛ لأنها جملة فعلية تفيد التجدد، فهذه صفتهم مستمرة لا تنقطع إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ المراد به الإيمان الشامل بجميع ما يجب الإيمان به؛ لأن الإيمان إنما يعتد به، ويستحق أن يقال له: إيمان إذا آمن بالله تعالى على الحقيقة، وحقيقة الإيمان بالله تعالى أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به، فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله تعالى في شيء، والمقام يقتضيه لكونه تعريضاً بأهل الكتاب، وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم، مع العلم بأنهم مؤمنون في الجملة، وأيضاً المقام مقام مدح للمؤمنين بكونهم خير أمة أخرجت للناس، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المعلل للخيرية، فلو لم يرد الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحاً، فلا يصلح . للتعليل والعطف يقتضيه فالإيمان بالله عز وجل، والدعوة إليه، والنصح والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر، وإشاعة الخير والفضيلة بين الناس، 1( 2(
عدد الصفحات ٥٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 55 ومحاربة الشر والرذيلة والفساد، واستئصاله من المجتمع من أبرز سمات هذه الأمة التي فاقت بها سائر الأمم؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في هذا الدين، والمهمة الكبرى للأنبياء والمرسلين والصالحين، بل قد عده بعض أهل العلم ركناً سادساً من أركان الإسلام. فإن قيل: لمَ أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورتبة كما هو الظاهر؟ الجواب: قيل: لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهما أظهر في الدلالة على الخيرية، ويجوز أن يقال: قدمهما عليه للاهتمام، وكون سوق الكلام لأجلهما، وأما ذكره فكالتتميم، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك للتنبيه على أن جدوى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في الدين أظهر مما اشتمل عليه الإيمان بالله تعالى؛ لأنه من وظيفة الأنبياءعليهم الصلاة والسلام-، ولو قيل: قدما وأخر للاهتمام؛ وليرتبط بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيرًْا . 110[لهَُّم﴾ وقيل: قُدما لأنهما سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمها في الذكر موافقاً للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدماً عليه. وإنما قدّنم ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن “قال ابن عاشور: المنكر﴾ على قوله: ﴿وتؤمنون بالله﴾ لأنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الحاصلة من قوله 1(
عدد الصفحات ٥٦56وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الخَْيرِْ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ يختلف باختلاف مقامات الكلام، ولا ينظر فيه إلى ما في نفس الأمر؛ لأن إيمانهم ثابت محقّنق من قبل. وإنما ذكر الإيمان بالله في عداد الأحوال التي استحقوا بها التفضيل على الأمم؛ لأن لكل من تلك الأحوال الموجبة للأفضلية أثراً في التفَّضيل على بعض الفرق، فالإيمان قصد به التفضيل على المشركين الذين كانوا يفتخرون بأنهم أهل حرم الله، وسدنة بيته، وقد ردّن الله ذلك صريحاً في قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَْاجِّ وَعِماَرَةَ المَْسْجِدِ الحَْرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهّنِ وَالْيَوْمِ وذكر 19[الآخِرِ وَجَاهَدَ فيِ سَبِيلِ اللهّنِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهّنِ﴾ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قصد به التفضيل على أهل الكتاب، الذين أضاعوا ذلك بينهم، وقد قال تعالى فيهم: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن . مُّنكَرٍ فَعَلُوه﴾ وقد ذكر الزرقاني سبب هذا التقديم بقوله بالمعروف، والنهي عن المنكر على الإيمان به تنويهاً بجلالتهما، وحثاً على . التمسك بحبلهما، وإشارة إلى أن الإيمان بالله لا يصان، ولا يكون إ وقال القاسمي في محاسن التأويل بالمعروف، والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورتبة؛ لأن دلالتهما . على خيريتهم للناس أظهر من دلالته عليها؛ وليقترن به ما بعده 1( 2( 3(
عدد الصفحات ٥٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 57 وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه ا هذا التقديم إلا عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛ لظهور المعاصي، وانتشار الشرك والبدع في غالب المعمورة وعلل الرازي سبب التقديم بقوله فيه بين جميع الأمم المحقة، ثم إنه تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالاً في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من سائر الأمم، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم؛ لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثراً في صفة الخيرية، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وأما إيمانهم فذاك شرط التأثير، والمؤثر ألصق بالأثر من شرط التأثير؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على . ذكر الإيمان وهنا قد يسأل سائل: لماذا قدم الأمر “ويقول صاحب زهرة التفاسير: بالمعروف، والنهي عن المنكر على الإيمان؟ ولماذا اقتصر في الإيمان على 1( 2(
عدد الصفحات ٥٨58وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الإيمان بالله، ولم يذكر الإيمان بالرسل والملائكة واليوم الآخر والحساب والعقاب وغير ذلك مما يوجبه الإيمان، ولا يعد الشخص مؤمناً إلا به؟ ويجاب عن السؤال الأول: بأن ذكر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مقدماً لبيان أنه مطلوب لذاته، وأنه فضيلة لا تختلف فيها الأمم، ولا الجماعات، فهو كالصدق والعدل والحق تتفق عليها الأفهام، بل ولا يمكن أن يتحقق بنيان جماعة من غير تققه، وإلا كانت كالذئاب الضارية، أو كانت كالوحوش في الغابة، والإيمان سياح الجماعة وحمايتها من أن تضل، وكأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو الذي يقوم به بناء الجماعة، والإيمان هو الذي يحميها، ويسدد خطاها، فذكر ما يقوم به البناء، ثم ذكر ما يكون به ذلك البناء في دائرة الفضيلة والأخلاق الكريمة وهو الإيمان، وفى الحقيقة هما متلازمان، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والتواصي بالحق يتبعه إيمان، والإيمان الحق بالله تعالى والإذعان لأوامره ونواهيه يتبعه حتماً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما لماذا اقتصر على ذكر الإيمان بالله؟ فهو أن الإيمان بالله هو لب الإيمان بكل أجزائه وعناصره، فالإيمان بالله هو الإذعان المطلق لقوة غيبية تسير هذا الكون وتدبره، وتقوم على كلاءته وحمايته، والإيمان بقوة غيبية يقتضي الإيمان برسالتها للناس، ويقتضي الإيمان بالأرواح الطاهرة المطهرة، والإيمان بأن الله لم يخلق هذه الأشياء عبثاً، وإن ذلك يقتضي الإيمان بقدرة الله على الإعادة، كما بدأ الخلق بالتكوين، وبأن هنالك يوماً آخر فيه الحساب، وإن من يؤمن بالله ولا يؤمن بهذه العناصر كلها لا
عدد الصفحات ٥٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 59 يكون مؤمناً بالله حق الإيمان، ولا مذعناً لأحكامه حق الإذعان؛ ولذا كان أهل الكتاب الذين أعلنوا إيمانهم بالله، وأنكروا رسالة الرسول مع قيام البينات عليها غير مؤمنين وغير مذعنين للحق الذي ارتضاه ا 110[وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيرًْا لهَُّم﴾ عمران الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضاً صفة الخيرية، والله أعلم. فيه وجهان: “يقول الرازي: الأول: ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمدعليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضاً لهم، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين. الثاني: إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة، واستتباع العلوم، ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة، فكان ذلك خيراً لهم مما قنعوا به. واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف، إحداهما: قوله: ﴿مّننْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ وثانيتهما: قوله: ﴿لَن يَضرُُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ [ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصرَُونَ﴾ قال صاحب الكشاف: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان فإن من 1(
عدد الصفحات ٦٠60وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم شأنه كيت وكيت؛ ولذلك جاء ﴿آمن﴾ غير عاطف وفي قوله: ﴿لَكَانَ خَيرًْا لهَُّم﴾ ضمير يعود على المصدر المدلول عليه بفعله، والتقدير: لكان الإيمان خيراً لهم، كقولهم تعالى: ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وقول الشاعر إذَا نهُِيَ السَّفِيةُ جَرَى إلَيْهِ وَخَالفَ، وَالسَّفِيةُ إلى خِلاَفِ أي: جرى إليه السفه. والمفضل عليه محذوف، أي: خيراً لهم من كُفْرهم، وبقائهم على جَهْلهم. وقال ابن عطية: ولفظة (خير) صيغة تفضيل ولا مشاركة بين كُفْرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظه (خير) من الشياع وتشعب الوجوه، وكذلك هي لفظة (أفضل) و(أحب) وما جرى مجراها. وقال أبو حيان ذلك وقد أمكن إذ الخيرية مطلقة، فتحصل بأدْنى مشاركة وقوله تعالى: ﴿مِّنْهُمُ المُْؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آل عمران وثعلبة بن شعبة ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله تعالى، وعبر عن الكفر بالفسق إيذاناً بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم، 1( 2(
عدد الصفحات ٦١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 61 وقيل: للإشارة إلى أنهم في الكفار بمنزلة الكفار في العصاة لخروجهم إ الحال الفاحشة التي هي منهم أشنع وأفظع وقال ابن عاشور: ﴿مِّنْهُمُ المُْؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فصدق عليه لقب المؤمن، مثل عبد الله منهم من آمن بالنبي محمد بن سلام.... ويحتمل أن يكون المعنى من أهل الكتاب فريق متقّن في ، وهؤلاء مثل من بقي متردداً في دينه، فهو قريب من الإيمان بمحمد الإيمان من دون أن يتعرض لأذى المسلمين، مثل النصارى من نجران ونصارى الحبشة، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم، على الخلاف في ، فالمراد بإيمانهم صدق الإيمان بالله إسلامه، فإنه أوصى بماله لرسول ا وبدينهم، وفريق منهم فاسق عن دينه، محرف له، مناوٍ لأهل الخير، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ عمران يرموا عليه صخرة وهنا سؤالان: السؤال الأول: الألف واللام في قوله: ﴿المؤمنون﴾ هل هي للاستغراق أو للمعهود السابق؟ والجواب: بل للمعهود السابق، والمراد: عبد الله بن سلام ورهطه من اليهود، والنجاشي ورهطه من النصارى. السؤال الثاني: الوصف إنما يذكر للمبالغة، فأي مبالغة تصل في 1( 2(
عدد الصفحات ٦٢62وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وصف الكافر بأنه فاسق؟! والجواب: الكافر قد يكون عدلاً في دينه، وقد يكون فاسقاً في دينه، فيكون مردوداً عند الطوائف كلهم؛ لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقاً فيما بينهم، فكأنه قيل: أهل الكتاب فريقان: منهم من آمن، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: أن هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو سبب خيرية هذه الأمة، وهو قوام الأمم، ولا صلاح لهم إلا إذا قاموا بحقه، فالأمم تصلح بالأمر بالمعروف، وتفسد بتركه؛ ولذلك اعتبره القرآن خاصة الأمة الإسلامية، وبه خيرها، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ فالأمر بالمعروف، والنهي عن 110[وَتُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ﴾ المنكر هو عصام الأمة، وهو مكون الرأي العام الفاضل، ويقال: إن الأمة كلها تعصي إذا ظهر العصيان، ولم تستنكره. والمجتمع الفاضل لا يقوم إلا على الأمر بالمعروف، أي: كل ما هو معروف لا تنكره العقول السليمة، والنهي عن كل أمر تنكره العقول السليمة، فإن المجتمع الفاضل ظلٌ لكل خلق سليم ينمو في ظله الوارف؛ ولذا كانت أمة محمد أمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وهذا ظاهر، فما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا للأمر بالمعروف 1(
عدد الصفحات ٦٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 63 الذي رأسه وأصله: التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله؛ وشرع الجهاد لذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأمر والنهي، ولولا ذلك ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته، ولا يرى تركه والمداهنة فيه إلا من أضاع حظه ونصيبه من العلم والإيمان. ومراتب الإنكاركما بينتها السنة ثلاث: باليد واللسان والقلب، وثالثها أضعفها إيماناً، فعدم إنكار المنكر بالقلب دليل على ذهاب الإيمان، قال ابن مسعود رضي الله عنه يشيررضي الله عنه إلى أن معرفته المعروف والمنكر بالقلب بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك، ومتى سكت الإنسان عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تطلباً لرضا الخلق، واستجلاباً لمودتهم فهو أخبث حالاً من مرتكب المنكر. ولهذا يقول ابن القيم -رحمه ا المحرمات بل والقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله عز وجل كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيله، والنصرة لله ورسوله وكتابه ودينه، والنصح لعباده؛ وأقل الناس ديناً، وأمقتهم لله من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعها، وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء، وقد ذكر أبو عمر وغيره: أن الله تعالى أمر ملكاً من الملائكة أن يخسف بقرية، فقال: يا رب 1(
عدد الصفحات ٦٤64وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم إن فيهم فلاناً العابد الزاهد، قال: به فابدأ، وأسمعني صوته، إنه لم يتمعر وجهه في يوم قط أما صوره فقد يُنصح المنصوح سراً، وقد ينصح علانية، وقد ينصح بالقول، وقد ينصح بالفعل، وقد يؤمر باليد، أو باللسان، أو بغير ذلك من الوسائل التي ذكرها أهل العلم، وفصلوا فيها، ولا يرتبط هذا بقضية الفتنة، بل إن الفتنة في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ ولهذا قال -الله عز وجل-: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ ليِ وَلا تَفْتِنِّي أَلا فيِ الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ فالذي ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو الذي وقع ][ في الفتنة، ودعا إليها؛ لأن الفتنة هي أن تترك الأمة مميزاتها ومقوماتها لتتحول من أمة مسلمة إلى أمة تأت إلى الشرق والغرب، فتأخذ ما سقط من فتات موائدهم، وحثالات أفكارهم، وتتلمذ على مناهجهم، وتتخلى عن سر تميزها وقوتها وبقائها، وهو إيمانها والتزامها بهذا المبدأ، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... ومن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر سلط الله عز وجل عليه من الآفات والمصائب في المال، وفي الاقتصاد، وفي الاجتماع، وفي الأمور المختلفة، وفي عدم إجابة الدعاء، وفي التفرق والتشتت، وفي التناحر الداخلي، وفي كثرة الآلام والمصائب والنكبات، وفي تسليط الأعداء الخارجيين، ما لا قبل لهم به، والعاصم من هذا كله -بإذن الله تعالى- هو إحياء شعيرة الأمر بالمعروف، والنهي 1(
عدد الصفحات ٦٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 65 عن المنكر، مهما كانت ثقيلة على النفوس والقيام بهذا الواجب هو خاصة الأمة الإسلامية، ومصدر عزتها: « التي يكون القول يُسوّنغ التخلي، وأن ترك القول في أيام الفتن الطحياء فيها مؤدياً إلى زيادة في الفتن والاتهام، فلا يجدي قول، ولا يهدي فكر إلى الرشاد، عندئذٍ يكون السكوت أولى من الكلام، حتى تهدأ عجاجة الفتنة، وتعود القلوب إلى جنوبها، ويوجد السميع، ولكن في هذه الحال يكون الإنكار القلبي، وإرشاد القابلين للإرشاد، في غير ضجيج ولا عجيج، والله سبحانه وتعالى راد الحق إلى نصابه، والقضب إلى أجفانها، . وهو بكل شيء عليم ومما جاء من فضائل لهذه الشعيرة العظيمة: أن الله تعالى امتدح من يقوم بها من الأمم على غيرهم، حيث قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهّنِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ 114[المُْنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْيرَْاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ﴾ عمران وذم الله من تركوا الأمر والنهي منهم، فقال: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ 63[وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلهِِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ سورة المائدة 1( 2( 3(
عدد الصفحات ٦٦66وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم يقول سيد قطب -رحمه الله- تعليقاً على هذه الآية وواصفاً حال المجتمع الذي يتغافل عن هذه الشعيرة أو يهملها والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات، وكذلك كان ; المجتمع حين يفسد مجتمع يهود في تلك الأيام، وكذلك أكلهم للحرام، فأكل الحرام كذلك سمة يهود في كل آن، لبئس ما كانوا يعملون، ويشير السياق إلى سمة وهو يستنكر سكوت الربانيين ; أخرى من سمات المجتمعات الفاسدة القائمين على الشريعة، والأحبار القائمين على أمر العلم الديني سكوتهم وعدم نهيهم عن ; على مسارعة القوم في الإثم والعدوان وأكل السحت هذا الشر الذي يتسابقون فيه: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن 63[قَوْلهِِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ فهذه السمة سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان هي سمة المجتمعات التي فسدت، وآذنت بالانهيار، وبنو إسرائيل كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، كما حكى عنهم القرآن الكريم. إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف والنهي وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون ; عن المنكر فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وهكذا وصف الله الأمة المسلمة فقال: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ 110[لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ﴾
عدد الصفحات ٦٧