وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 35 أولها: الدعوة إلى الخير، ثم الأمر بالمعروف، ثم النهي عن المنكر؛ ولأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة، فنقول: أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته، وتقديسه عن مشابهة الممكنات، وإنما قلنا: إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا؛ لقوله وقوله تعالى: ] تعالى: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبّنكَ بالحكمة﴾ .]﴿قُلْ هذه سَبِيليِ ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني﴾ إذا عرفت هذا فنقول: الدعوة إلى الخير جنس تته نوعان: أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي، وهو بالمعروف. والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي، وهو النهي عن المنكر، فذكر الجنس أولاً، ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان وقد ذكر العلماء للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر شروطاً مبينة في الفقه والآداب الشرعية، إلا أني أنبه إلى شرط ساء فهم بعض الناس فيه، وهو قول بعض الفقهاء: يشترط ألا يجر النهي إلى منكر أعظم، وهذا شرط قد خرم مزية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإتخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب، ولقد ساء فهمهم فيه؛ إذ مراد مشترطه أن يتحقق الآمر أو يغلب على ظنه أن أمره يجر إلى منكر أعظم، لا أن يخاف أو يتوهم بلا سبب. 3 نفيس في بيان أهمية الأمر والنهي، حيث يقول رحمه ا بالمعروف، والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم 1(
عدد الصفحات ٣٦36وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة إما متكفلاً بعملها، أو متقلداً لتنفيذها مجدداً لهذه السنة الداثرة ناهضاً بأعبائها، ومتشمراً في إحيائها كان مستأثراً من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبداً بقربة تتضاءل درجات القرب دون انتهى. ذروتها 1(
عدد الصفحات ٣٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 37 الآية الثالثــة خيرية هذه الأمة مرهونة بقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيرًْا لهَُّم 110[مِّنْهُمُ المُْؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في هذه الآية يبين الله عز وجل أن هذه الأمة هي خير الأمم وأفضلها وأكرمها على الله، وأن هذه الخيرية مناطة بالقيام بشعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر التي جعلها الله السبب الأول في خيرية هذه الأمة، فبها سمت، وبها ارتفعت على غيرها من الأمم، وبها تصل النجاة من الهلكة. وهذه الخصلة كانت موجودة في الأمم السابقةكما سبق الإشارة إلى ذلك إلا أنه من العجيب كيف تربط خيرية هذه الأمة بها؟ والجواب: أن الأمم السابقة وإن كانت واجبة عليها إلا أنها أخفقت فيها، ونجحت فيها هذه الأمة، فهي القائمة بها إلى قيام الساعة. فبنو إسرائيل مثلاً: أتاهم النقص والعذاب من هذه الجهة؛ وهي أنهم تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع أنه كان مفروضاً عليهم؛ : (إن أول ما وقع فقد جاء عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول ا النقص في بني إسرائيل كان الرجل يرى أخاه على الذنب فينهاه، ثم لا يمنعه منه من الغد أن يكون خليطه وشريبه، فضرب الله بقلوب بعضهم على بعض، وأنزل فيهم القرآن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسرَْائِيلَ عَلىَ
عدد الصفحات ٣٨38وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 78[لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ 81[مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يقول سيد قطب -رحمه ا كثيرة حيث أخفق بنو إسرائيل، ومن ثم نزع الله الخلافة في الأرض من بني إسرائيل، وائتمن عليها هذه الأمة، ومكنّن لها في الأرض ما لم يمكن لأمة قبلها، إذ أن منهج الله لم يتمثل تمثلاً كاملاً في نظام واقعي يحكم الحياة . كلها كما تمثل في خلافة الأمة المسلمة وبسبب القيام بهذه الفريضة كانت هذه الأمة خير الأمم، وأما يريد على عالمي “تفضيل بني إسرائيل على العالمين، فقد قال فيه القرطبي: زمانهم؛ لأن أهل كل زمان عالم، وقيل: على كل العالمين بما جعل فيهم من . الأنبياء، وهذا خاصة لهم، وليست لغيرهم وقيل: إنما حصل لهذه الأمة الخيرية على غيرها من الأمم لأجل أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال، قال الفخر الرازي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم؟ والجواب: قال القفال: تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر بآكد الوجوه 1( 2( 3(
عدد الصفحات ٣٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 39 وهو القتال؛ لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال؛ لأنه إلقاء للنفس في خطر القتل، وأعرف المعروفات الدين الحق، والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات: الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين محملاً لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم المضار، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات؛ ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع لا جرم، صار ذلك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: قوله: تأمرونهم أن 110[﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه و إلا ا ثم قال القفال: فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف، وذلك لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الإلف والعادة، ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه، ثم لا يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل، ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق، ومن . استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم أما ابن عاشور رحمه الله فيقول يلتزمون الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إما لأنه لم يكن واجباً عليهم، أو لأنهم كانوا يتوسعّنون في حل التقية، وهذا هارون في زمن 1(
عدد الصفحات ٤٠40وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم موسى عبدت بنو إسرائيل العجل بمرأى منه ومسمع، فلم يغيرّن عليهم، وقد حكى الله محاورة موسى معه بقوله: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسيِ إِنيِّ خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَْ بَنِي إِسرَْائِيلَ وَلمَْ تَرْقُبْ قَوْليِ﴾ 94-92 [ وأما قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهّنِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ الكتاب، هم الذين دخلوا في الإسلام، مثل عبد الله بن سلام، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم، فلم يكونوا جمهرة الأمة وفي قوله: ﴿كنتم﴾: أي: وما زلتم؛ لأن الفعل (كان) يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى، دون دلالة على استمرار، ولا على انقطاع إلا بالقرائن، قال صاحب روح البيان: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ﴾ كنتم من (كان) الناقصة التي تدل على تقق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق أو لاحق، ويحمل على الدوام أو الانقطاع بحسب معونة المقام، ودلالة القرائن، فقولك: (كان زيدٌ قائماً) محمول ]على الانقطاع، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهَُّ غَفُورًا رَّحِيماً﴾ محمول على الدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ﴾ فـ(كان) هنا إذن إما أن تكون من (كان) التامة، والمعنى: وجدتم 1( 2(
عدد الصفحات ٤١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 41 وخلقتم خير أمة، على هذا الوصف الثابت لكم جبلةً وطبعاً، أو الناقصة، والمعنى: كنتم في علم الله خير أمة، أو في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة. وقد ذكر ابن عادل في اللباب في (كان) هذه ستة أقوال: أحدها: أنها ناقصة على بابها، وإذا كانت كذلك فلا دلالة لها على مُضيٍِّ وانقطاع، بل تصلح للانقطاع، نحو: (كان زيدٌ قائماً) وتصلح وقوله: ] للدوام، كقوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ يزل، وهذا بحسب القرائن. كان عبارة عن وجود الشيء في زمنٍ ماضٍ على “وقال الزمخشري: سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ، وقوله: ﴿كُنْتُمْ ]ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ كأنه قيل: وُجِدتم خيرَ ]خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ 1(”أمة لم يدل على عدم “وقال أبو حيان تعليقاً على كلام الزمخشري: قوله: هذا إذا لم يكن بمعنى: (صار) فإذا كان بمعنى: (صار) دلت على ” سابق عدم سابق، فإذا قلتَ: (كان زيدٌ عالماً) بمعنى: (صار زيدٌ عالماً) دل على أنه نقل من حالة الجَهْل إلى حالة العلم. قد ذكرنا قبل أن الصحيح أنها ” ولا على انقطاع طارئ “وقوله: كسائر الأفعال، يدل لفظ المُضيِّن منها على الانقطاع، ثم قد يستعمل حيث 1(
عدد الصفحات ٤٢42وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم لا انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال، ألا ترى أنك تقول اللفظ يدل على العموم الخصوص. الثاني: أنها بمعنى: (صرتم) و(كان) تأت بمعنى: (صار)كثيراً، كقوله بتيهاء قفرٍ المطيُّ كأنها قَطَا الحزنِ قد كانت فِرََاخاً بُيُوضُها أي: صارت فراخاً. الثالث: أنها تامة بمعنى: (وجدتم) و ﴿خَيرَْ أُمَّة﴾على هذا منصوب على الحال، أي: وجدتم على هذه الحال. الرابع: أنها زائدة، والتقدير: أنتم خير أمة، وهذا قول مرجوح. الخامس: أنها على بابها، والمراد: كنتم في علم الله، أو في اللوح المحفوظ، أو في الأمم السالفة، مذكورين بأنكم خير أمة. 107[السادس: أن هذه الجملة متصلة بقوله: ﴿فَفِي رَحمَْةِ اللهِ﴾ وهو بعيد جِدًّا ” كنتم خير أمة“آل عمران وعبر بالماضي في قوله: (كنتم): لأن الفعل قد يأت على بنية الماضي وهو حاضر أو مستقبل؛ كقوله تعالى في هذه الآية: ﴿كنتم﴾ ومعناه: أنتم، أي: وإذ يقول، ومثله: 116[ومثله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى﴾ 1[﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ 29[فيِ المَْهْدِ صَبِيًّا﴾ 1(
عدد الصفحات ٤٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 43 134[سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ 9[سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلىَ بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ ، ونقل ذلك والخطاب في قوله: ﴿كنتم﴾ إما لأصحاب الرسول عن عمر بن الخطاب وابن عباس، قال عمر: هذه لأولنا، ولا تكون لآخِرنا، وعلل بعضهم إن الخطاب لأصحاب محمد بقوله: إذ لو شاء الله تعالى لقال: (أنتم) وكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكن قوله: ، وهم السابقون ﴿كُنتُمْ﴾ مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول . الأولون ولا شك أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت في العالم؛ لأن رسولهم أفضل الرسل؛ ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله هدى أصحاب الرسل الذين مضوا، فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول فيها : (خير الناس فالصحابة أفضل أمة من الأمم مع رسولها، قال النبي والفضل ثابت للجموع على المجموع، وإن أخذت الأمة من عدا قر الرسول فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رُسلها، وهذا وشريعته.تفضيل للهدى الذي اهتدوا به، وهو هدى رسولهم محمد وإما أن يكون الخطاب بضمير ﴿كنتم﴾ للمسلمين كلهم في كل جيل ظهروا فيه، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض 1( 2( 3( أشهد فضل الصحابة ثم الذين يلونهم رقم
عدد الصفحات ٤٤44وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الكفايات لا يقوم به جميع أفراد الأمة؛ لأنه لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر، على حسب مبلغ العلم، ومنتهى القدرة، فمن التغيير على الأهل والولد، إلى التغيير على جميع أهل البلد. أو لأن وجود طوائف القائمين بهذا الأمر في مجموع الأمة أوجب فضيلة لجميع الأمة؛ لكون هذه الطوائف منها كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائفها، وفي هذا ضمان من الله تعالى بأن ذلك لا ينقطع من . المسلمين إن شاء الله تعا والراجح أن الخطاب في الآية للمؤمنين الذين تلقوا الوحي من ، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، فمن اتصف من هذه النبي الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء والمدح؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يقول . يكون من هذه الأمةِ فليُؤَدِّ شرَْط الله فيها وهذا ما أيده الفخر الرازي حيث قال ، ولكنه عام في ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ﴾ ظاهر الخطاب فيه لأصحاب النبي ﴿كتب ]كل الأمة، ونظيره قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين ]عَلَيْكُم القصاص﴾ 3(”بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا ها هنا قوله: ﴿خَيرَْ أُمَّةٍ﴾ أي: أفضل الأمم وخيرها، يقول ابن كثيررحمه يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال: ﴿كُنْتُمْ “الله-: 1( 2( 3(
عدد الصفحات ٤٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 45 110[خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ والإضافة في قوله: ﴿خَيرَْ أُمَّةٍ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي كنتم أمةً خير أمة أخرجت للناس، فالمراد بالأمة الجماعة، وأهل العصر النبوي مثل القرن، وهو إطلاق مشهور، ومنه قوله تعالى: ﴿وادّنكَر بعد أي: بعد مدة طويلة كمدة عصر كامل.]أمَّة﴾ والمراد بـ(أمة) عموم الأمم كلها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة أن تكون للجنس، فتفيد الاستغراق فيكون معنى: ﴿كنتم خير أمة﴾ أي: وجدتم على حالة الأخيرية على جميع الأمم، أي: حصلت لكم هذه الأخيرية بحصول أسبابها ووسائلها؛ لأنهم اتصفوا بالإيمان، والدعوة للإسلام، وإقامته على وجهه، والذب عنه النقصان والإضاعة، فلما جُعل ذلك من واجبهم، وقد قام كل بما استطاع، فقد تقّنق منهم القيام به، أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله، كلما سنح سانح يقتضيه، فتحقق أنهم خير أمة على الإجمال. وهذا الكلام في الآية سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق، والدعوة إلى الخير كذا قيل، أو للتعليل لأمرهم بالدعوة إلى الخير، يقول ابن عاشور: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ 110[تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ﴾ عمران قوله: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ حال من ضمير (كنتم) فهو مؤذن بتعليل كونهم خيرَ أمة، فيترتب عليه أن ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض 1(
عدد الصفحات ٤٦46وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم عليهم إن لم يكن مفروضاً من قبل، وأن يؤكد عليهم فرضه إن كان قد فرض عليهم من قبل « الأول: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والثاني: الإيمان المطلق بالله، والإذعان له، وتفويض الأمور إليه بعد الأخذ بالأسباب، واعتقاد أنه لا قوة في هذا الوجود غير قوته، ولا معبود بحق سواه، ولا خضوع لأحد كائناً من كان غيره تعالت قدرته، فليست الخيرية التي خاطب الله بها المهاجرين والأنصار والذين يتبعونهم لأنهم مسلمون فقط، أو لأشخاصهم وذواتهم، بل لأنهم متصفون بأوصاف هي علة هذه الخيرية، ومناط تلك الرفعة الإلهية، وتلك الأوصاف هي: . الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان با وهذه الخيرية أيضاً عامة في الدنيا وفي الآخرة، تنبني عليها السعادة في الدارين؛ من سعة الرزق والأمن والطمأنينة والنصرة على الأعداء وغيرها، وكذلك في الآخرة بدخول الجنان، ورضا الرحمن. أنه قال في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ وقد جاء عن النبي لِلنَّاسِ﴾: (إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على ا يقول الشيخ السعدي -رحمه ا 1( 2( 3( حسن، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم
عدد الصفحات ٤٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 47 بهذه الأسباب التي تميزوا بها، وفاقوا بها سائر الأمم، وأنهم خير الناس للناس نصحًا، ومحبة للخير، ودعوة، وتعليماً، وإرشادًا، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وجمعًا بين تكميل الخلق، والسعي في منافعهم بحسب الإمكان، وبين تكميل النفس بالإيمان بالله، والقيام بحقوق الإيمان وليست هذه الخيرية مرادفة للقوة، فالخيرية هي أن يكون المجتمع فاضلاً يقوم بحق العدل، وأن يكون كل شيء فيه بقسطاس مستقيم، وأن تسوده الأخلاق الكريمة، والسلوك القويم، وأما القوة فالأمر فيها لسيطرة المادة، والغلبة والاستعداد الحربي، وإنا نرى أقوى الأمم الآن أشدها انتهاكاً لحرمات الفضيلة في داخلها وخارجها، ومن الأمم الضعيفة ما يكون للفضيلة فيها موضع، وللأمانة فيها سلطان، وللحق فيها أنصار، ولا شك أنها أقرب إلى الخير من تلك الأمم القوية. وفي الجملة فإن القوة تستمد من المادة إذا انفصلت عن الفضيلة، والخيرية تستمد من الحق والعدل والفضائل الإنسانية، والمساواة بين بني الإنسان من غير عصبية جنسية أو إقليمية، وهما في عصرنا الحاضر . متمايزان لسيطرة المادة على الأقوياء، وفقدانهم قوة الإيمان 110[وفي قوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار، فقوله: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أي: أظهرت للناس حتى تميزت وعُرفت، وفُصل بينها وبين غيرها. 1( 2(
عدد الصفحات ٤٨48وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم والثاني: أن قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ من تمام قوله: ﴿كُنتُمْ﴾ والتقدير: كنتم للناس خير أمة، ومنهم من قال: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ صلة، والتقدير: كنتم خير أمة للناس وقوله: ﴿أخرجت للناس﴾ الإخراج مجاز في “قال ابن عاشور: الإيجاد والإظهار، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لهَُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ أي: أظهر بصوغه عجلاً جسداً، والمعنى: كنتم خير الأمم التي ][ وجدت في عالم الدنيا، وفاعل: ﴿أخرجت﴾ معلوم، وهو الله موجد الأمم، والسائق إليها ما به تفاضلها، والمراد بالناس جميع البشر من أول الخليقة وفي التعبير بـ﴿أخرجت﴾ دلالة على أن الله أعدها وأخرجها بعناية إن القرآن وهو يُنشِىء هذه الأمة ويُنَشِّئها، ”للناس، يقول سيد قطب: وهو يخرجها إلى الوجود إخراجاً، كما قال الله تعالى في التعبير القرآني إن 110[الدقيق: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ القرآن وهو يُنْشِىء هذه الأمة من حيث لم تكن؛ ويُنَشِّئها لتصبح أمة فريدة في تاريخ البشر: ﴿خير أمة أخرجت للناس﴾ ويجب أن نؤكد هذه الحقيقة ونوضحها قبل المضي في الحديث: حقيقة إنشاء القرآن لهذه الأمة وتنشئتها معاً، فقد كانت على التحقيق إنشاء وتنشئة، كانت ميلاداً جديداً للأمة؛ بل ميلاداًَ جديداً للإنسان في صورة جديدة، ولم تكن مرحلة في طريق النشأة؛ ولا خطوة في سبيل التطور، ولا حتى وثبة من 1( 2(
عدد الصفحات ٤٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 49 وثبات النهضة! إنما كانت على وجه التحديد نشأة وميلاداً للأمة العربية 1(”وللإنسان كله وفي قوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ أوجه: أحدها: أن تتعلق بـ﴿أُخْرِجَتْ﴾ ومعناه: ما أخرج الله أمة خيراً ، وفي الحديث: (ألا وَإنَّ هَذِه الأمة تُوفيِّ سبعين أمة، أنتم من أمة محمد خَيرُْهَا وَأكْرَمُهَا عَلىَ اللهِ تَعَالىَ الثاني: أنه متعلق بـ(خير) أي: أنتم خير الناس للناس. قال أبو هريرة: معناه: كنتم خير الناس للناس؛ تجيئون بهم في السلاسل، فتُدْخلونهم في الإسلام ، لم يؤمر نبيٌّ قبله بالقتال، فهم يقاتلون وقال قتادة: هم أمة محمد الكفار، فيُدْخلونهم في الإسلام، فهم خير أمةٍ للناس والفرق بينهما من حيث المعنى أنه لا يلزم أن يكونوا أفضلَ الأمم في الوجه الثاني من هذا اللفظ، بل من موضع آخر. الثالث: أنه متعلِّق من حيث المعنى لا من حيث الإعراب، بـ﴿تَأمُرُونَ﴾ على أن مجرورَها مفعول به، فلما تقدم ضَعُفَ العامل، فَقُوِّيَ بزيادة اللام، كقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبرُُونَ﴾ 1( 2( وابن ماجه 427/19( .)3461 3( 4(
عدد الصفحات ٥٠50وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم إن كنتم تعبرون الرؤيا فخيرية هذه الأمة يرجع لنفعها المتعدي للناس، كونهم خير الأمم لبني آدم، وأنفعهم لهم، وأعظمهم إحساناً إليهم؛ لأنهم كملوا كل خير ونفع للناس بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، يعاقبونهم بالقتل والأسر، ومقصودهم بذلك الإحسان إليهم، وسوقهم إلى كرامة الله كنتم خير “ورضوانه، وإلى دخول الجنة، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: . 2(”الناس للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل، تدخلونهم الجنة وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن مَيْسرَة عن أبي حازم عن أبي هريرة: ﴿كُنْتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خَيرَْ الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام وهكذا قال ابن عباس ومجُاهد وعِكْرِمة وعَطاء والربيع بن أنس 110[وعطية العَوْفي: ﴿كُنْتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خَيرَْ الناس للناس، والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ﴾ سورة آل عمران 1( 2( بن أبي طالب، وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع (ح كتاب الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم (ح من الصحابة. 3( للناس﴾
عدد الصفحات ٥١