المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم

صادق بن محمد الهادي

صفحة ٢ من ١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 19 الآية على عظم حال من يأمر بالمعروف، وعظم ذنب قاتله؛ لأنه قرن ذلك بالكفر بالله، وقتل الأنبياء 4 والشوك، فهؤلاء هم الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس قد قتلوا، مع أنهم يدعون الناس إلى الحق والخير، ويدعونهم إلى فلاحهم وصلاحهم، ومع هذا قتلوهم! ولكن عاقبة هذه الفريضة التمكين في الدنيا، والرشاد والنصر على الفساق المفسدين، ولو طال الزمن؛ لأن الحق ممتحن، ومنصور أهله في الختام. يقول محمد رشيد رضا -رحمه ا والمرسلين والسلف الصالحين على الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن كان محفوفاً بالمكاره والمخاوف، فكم قتل في سبيل . ذلك منهم من نبي وصِدِّيق، فكانوا أفضل الشهداء 5 عظيمة عند الله تعالى، وهذه عبادة لا يطيقها إلا القليل من المؤمنين، ولا سيما في الأزمنة المتأخرة، وقد طغى الشر على الخير، والفساد على ، بدليل تعظيم قدر من قتل آمراً بالقسط. الصلاح، والبدعة على السنة 6 الاعتداء عليهم، أو الطعن فيهم، أو تضخيم أخطائهم، وبث الإشاعات الكاذبة عنهم جرم عظيم، وذنب كبير، تصيب المرء مغبته ومعرّنته ولو 1( 2( 3(

عدد الصفحات ٢٠

20وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم بعد حين، كما قال الله في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهّنِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِْ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ 21[فَبَشرِّْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب 7 وكالكفر بآيات الله، والعناد فيه، كما قال تعالى هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهّنِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِْ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشرِّْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم قال بعدها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْماَلهُُمْ فيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لهَُم مِّن نَّاصرِِينَ﴾ عمران 1( 2(

عدد الصفحات ٢١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 21 الآية الثانيـــة أمر الأمة بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان أن الفلاح منوط بهما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الخَْيرِْ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ 104[وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ﴾ أمر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية عباده المؤمنين بتكميل الغير إثر أمرهم بتكميل النفس؛ ليكونوا هادين مهديين، على ضد أعدائهم، فإن ما قص الله تعالى من حالهم فيما سبق يدل على أنهم ضالون مضلون. قال ابن عاشور: (وصيغة: ﴿وَلْتَكُنْ منكم﴾ صيغة وجوب؛ لأنها أصرح في الأمر من صيغة: (افعلوا) لأنها أصلها، فيكون الأمر لتشريع الوجوب ابتداءً إذا كان الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر غير معلوم بينهم قبل نزول هذه الآية، أما إذا كان ذلك حاصلاً بينهم من قبل، كما يدل عليه قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وقوله: ] تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنْكَرِ﴾ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالحَْقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبرِْ﴾ كانوا يفعلونه ووجوبه؛ وللدلالة أيضاً على الدوام والثبات عليه، فيكون 1(]مثل: ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهَِّ﴾ وقرأ ابن الزبير: ﴿وَلْتَكُنَ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الخَْيرِْ وَيَأْمُرونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويَستَعينونَ اللهََّ على ما أصابهم﴾ قال أبو بكر 1(

عدد الصفحات ٢٢

22وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الأنباري: وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلامٌ من كلامه غَلِط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن؛ يدلّن على صحة ما أصِفُ الحديثُ الذي حدّنثنيه أبي حدثنا (حسن) بن عرفة حدثنا وكيع عن أبي عاصم عن أبي عون عن صبيح قال: سمعت عثمان بن عفان يقرأ: ﴿ويأمرون بِالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عن المنكرِ ويستعينون الله على ما أصابهم﴾ فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتقد هذه الزيادة من القرآن؛ إذ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين، وإنما ذكرها واعظاً بها، ومؤكِّداً ما تقدمها من . كلام رب العالمين -جل وع والجمهور على إسكان لام الأمر في ﴿وَلْتَكُن﴾ وقرئ بكسرها ﴿وَلِتَكُنْ﴾ على الأصل، قال ابن عطية -رحمه ا وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة: (ولِتكن) بكسر اللام على الأصل؛ إذ أصلها الكسر، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن قال ابن عاشور: والمخاطب بضمير ﴿منكم﴾ إن كان هم أصحاب رسول الله كما هو في بعض الخطابات جاز أن تكون (من) بيانية، وقُدم البيان على المبين، ويكون مرجع الأمة نفس الصحابة، وهم أهل العصر الأول من المسلمين، فيكون المعنى: ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير، فهذه الأمة أصحاب هذا الوصف قد أمروا بأن يكونوا من مجموعهم الأمة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير، والمقصود تكوين هذا الوصف؛ لأن الواجب عليهم هو التخلق بهذا الخلق، فإذا تخلقوا به تكونت الأمة 1( 2(

عدد الصفحات ٢٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 23 المطلوبة، وهي أفضل الأمم، وهي أهل المدينة الفاضلة المنشودة للحكماء من قبل، فجاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب البليغ الموجز. قد خوطبوا وهذا هو الأظهر، فيكون جميع أصحاب رسول ا بأن يكونوا دعاة إلى الخير، ولا جرم فهم الذين تلقوا الشريعة من رسول مباشرة، فهم أولى الناس بتبليغها، وأعلم بمشاهدها وأحوالها، ا وإلى هذا في مواطن كثيرة: (ليبلغ الشاهد الغائبويشهد لهذا قوله المحمل مال الزجاج وغير واحد من المفسرين، كما قاله ابن عطية.  ويجوز أيضاً على اعتبار الضمير خطاباً لأصحاب محمد أن تكون (من) للتبعيض، والمراد من الأمة الجماعة والفريق، أي: وليكن بعضكم فريقاً يدعون إلى الخير، فيكون الوجوب على جماعة من الصحابة، فقد قال ابن عطية: قال الضحاك والطبري: أمر المؤمنين أن تكون منهم . جماعة بهذه الصفة، فهم خاصة أصحاب الرسول، وهم خاصة الرواة وأخرج ابن المنذر عن الضحاك أنه متوجه إلى أصحاب رسول خاصة، وهم الرواة، والأكثرون على جعله عاماً، ويدخل فيه من ا . ذُكر دخولاً أولياً وعلى هذا القول أن المخاطب هم الصحابة يكون في هذا التعبير محسن وهو (التجريد) حيث جُردت من المخاطبين أمة أخرى للمبالغة 1( ]23 –ناضرة﴾ إلى ﴿ربها ناظرة﴾ في القسامة، باب تغليظ تريم الدماء والأعراض والأموال(ج 2( 3(

عدد الصفحات ٢٤

24وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم في هذا الحكم، كما يقال: لفلان من بنيه أنصار. وعلى القول بأن المخاطبين في قوله: (منكم) هم الصحابة، فيدخل في الخطاب من جاء بعدهم، يقول صاحب التحرير والتنوير على هذا يثبت حكم الوجوب على كل جيل بعدهم بطريق القياس؛ لئلا . يتعطل الهَدْي قال ابن عطية: قال أهل العلم: وفرض الله بهذه الآية الأمر، بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم . سقط عن الغ وقال الفخر: في قوله: ﴿مّننكُمْ﴾ قولان: أحدهما: أن ﴿مِنْ﴾ ههنا ليست للتبعيض لدليلين: الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف . ]وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ والثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس، إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وأما كلمة ﴿مِنْ﴾ فهي هنا للتبيين لا للتبعيض، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَْوْثَانِ﴾ ويقال أيضاً: لفلان من أولاده جند، وللأمير من غلمانه عسكر، يريد 1( 2(

عدد الصفحات ٢٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 25 بذلك جميع أولاده وغلمانه، لا بعضهم، كذا ها هنا، ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن وقوله: ]الباقين، ونظيره قوله تعالى: ﴿انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ فالأمر عام، ثم إذا قامت به ]﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّنبْكُمْ عَذَابًا أَلِيماً﴾ طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين. والقول الثاني: أن ﴿مِنْ﴾ ها هنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين: أحدهما: أن فائدة كلمة ﴿مِنْ﴾ هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة، ولا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مثل النساء والمرضى والعاجزين. والثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء، ويدل عليه وجهان: الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّن فِرْقَةٍ مّننْهُمْ طَائِفَةٌ لّنيَتَفَقَّهُواْ فيِ . ]الدين﴾ والثاني: أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية، بمعنى أنه

عدد الصفحات ٢٦

26وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، والله أعلم. وفيه قول رابع: وهو قول الضحاك: إن المراد من هذه الآية أصحاب ؛ لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول -عليه السلام-، رسول ا ويعلمون الناس، والتأويل على هذا الوجه: كونوا أمة مجتمعين على حفظ . ، وتعلم الدينسنن الرسول و(مِن) في قوله: “ونقل القولين في (من) القرطبي حيث قال: (مِنكم) للتبعيض، ومعناه: أن الآمِرِين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل 2(”الناس علماء، وقيل: لبيان الجنس، والمعنى: لتكونوا كلكم كذلك وفي قوله في الآية: ﴿أمة﴾ الأمة تطلق على: الجماعة والطائفة؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّماَ دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [ تؤم قصداً واحداً من نسب أو موطن أو دين أو مجموع ذلك، ويتعين ما يجمعها بالإضافة أو الوصف، كقولهم: أمة العرب، وأمة غسان، وأمة النصارى، وتطلق على أتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد. وعلى . ]القدوة؛ ومنه: ﴿إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً﴾ وعلى الدين والملة، ومنه: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلىَ أُمَّةٍ وَإِنَّا 22[عَلىَ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ 1( 2(

عدد الصفحات ٢٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 27 وعلى الزمان، ومنه: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ غير ذلك من معانيها. 104[وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلىَ الخَْيرِْ﴾ إلى الخير الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي، فالخير هنا اسم يجمع خصال الإسلام: كما في حديث حذيفة بن اليمان إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من ... الحديث. 1(»شر قال ابن عاشور بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيكون العطف من عطف الخاص على . وإظهاراً لشرفهما، وأنهما الفردان الكاملان من الخير العام للاهتمام به الذي أمر الله عباده بالدعاء إليه؛ كما قيل في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة. وقال ابن المن جميع ما يتناوله؛ إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور، أو ترك منهي، لا يعدو واحداً من هذين، حتى يكون تخصيصهما بتميزهما عن بقية المتناولات، فالأولى أن يقال: فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاماً، ثم مفصلاً. 1( ص ص 2(

عدد الصفحات ٢٨

28وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وفي تثنية الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية إلا إن ثبت عرف يخص الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير، وحينئذٍ يتم ما ذُكر، وما أرى هذا العرف ثابتاً وله وجه وجيه؛ لأن الدعاء إلى الخير لو فسر بما يشمل أمور الدنيا وإن لم يتعلق بها أمر أو نهي كان أعم من فرض الكفاية، ولا يخفى ما فيه... وهذا يدل أن الدعاء إلى الخير لا يشمل الدعاء إلى أمور الدنيا. وقيل: إن الدعوة إلى الخير غير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيكون عطف الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عليه من عطف الشيء على مغايره، وهو أصل العطف. فمن الناس من فسر الخير بمعروف خاص، وهو الإيمان بالله تعالى، وجعل المعروف في الآية ما عداه من الطاعات، فحينئذٍ لا يتأتى ما قاله ابن المنير أيضاً، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل: أن الخير . الإسلام، والمعروف طاعة الله، والمنكر معصيته وهذا الواجب وهو الدعوة إلى الخير يتفاوت، يقول ابن عاشور: « ما يحتاج إلى علم فيقوم به أهله، وهذا هو المسمى بفرض الكفاية، يعني إذا قام به بعض الناس كفى عن قيام الباقين، وتتعين الطائفة التي تقوم بها بتوفر شروط القيام بمثل ذلك الفعل فيها، كالقوة على السلاح في الحرب، وكالسباحة في إنقاذ الغريق، والعلم بأمور الدين في الأمر 1( 2(

عدد الصفحات ٢٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 29 بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكذلك تعين العدد الذي يكفي للقيام بذلك الفعل، مثل كون الجيش نصف عدد جيش العدو، ولما كان الأمر يستلزم متعلقاً، فالمأمور في فرض الكفاية الفريق الذين فيهم الشروط، ومجموع أهل البلد، أو القبيلة لتنفيذ ذلك، فإذا قام به العدد الكافي ممن فيهم الشروط سقط التكليف عن الباقين، وإذا لم يقوموا به كان الإثم على البلد، أو القبيلة، لسكوت جميعهم، ولتقاعس الصالحين للقيام بذلك، مع . سكوتهم أيضاً، ثم إذا قام به البعض فإنما يثاب ذلك البعض خاصة وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ عمران مجاز في المقبول المرضي به؛ لأن الشيء إذا كان معروفاً كان مألوفاً مقبولاً مرضياً به، وأريد به هنا ما يقبل عند أهل العقول وفي الشرائع، وهو الحق والصلاح؛ لأن ذلك مقبول عند انتفاء العوارض. والمنكر: مجاز في المكروه، والكره لازم للإنكار؛ لأن المنكر في أصل اللسان هو الجهل، ومنه تسمية غير المألوف نكرة، وأريد به هنا الباطل والفساد؛ لأنهما من المكروه في الجبلة عند انتفاء العوارض. والتعريف في (الخير) و(المعروف)و(المنكرتعريف الاستغراق، فيفيد العموم في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة، فيشبه الاستغراق العرفي، فالمعروف شامل لكل ما أمر به الشرع وما تقبله العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما. والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا بد له 1(

عدد الصفحات ٣٠

30وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ولا بد “من جماعة تدعو إليه، وتقوم به، يقول سيد قطب -رحمه الله: من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته، فهناك (دعوة) إلى الخير، ولكن هناك كذلك (أمر) بالمعروف، وهناك (نهي) عن المنكر، وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان فإن (الأمر والنهي) لا يقوم بهما إلا ذو سلطان. هذا هو تصور الإسلام للمسألة، إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى، سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر، وتقيق هذا المنهج يقتضي (دعوة) إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج، ويقتضي سلطة (تأمر) بالمعروف (وتنهى) عن المنكر فتطاع، والله يقول: ﴿وَمَا فمنهج الله في 64[أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهّنِ﴾ الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان، فهذا شطر، أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي، على تقيق المعروف، ونفي المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى، وكل ذي شهوة، وكل ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرئ برأيه وبتصوره، زاعماً أن هذا هو الخير والمعروف والصواب! والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرمن ثم

عدد الصفحات ٣١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 31 تكليف ليس بالهين، ولا باليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبريائهم، وفيهم الجبار الغاشم، وفيهم الحاكم المتسلط، وفيهم الهابط الذي يكره الصعود، وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد، وفيهم المنحل الذي يكره الجد، وفيهم الظالم الذي يكره العدل، وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة، وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف، ويعرفون المنكر، ولا تفلح الأمة، ولا تفلح البشرية إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفاً، والمنكر منكراً، وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى وتطاع. ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين: الإيمان بالله والأخوة في الله؛ لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى، ثم بقوة الحب والألفة، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا . الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة تنبيه: استدل بعضهم بهذه الآية على أن الفاسق ليس عليه أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر: قال الفخر الرازي له أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر من المفلحين، والفاسق ليس من المفلحين، فوجب أن يكون الآمر بالمعروف ليس بفاسق! وأجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن من أمر 1(

عدد الصفحات ٣٢

32وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم بالمعروف، ونهى عن المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال نفسه؛ لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير، ثم إنهم أكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم﴾ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبرَُ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم ]3 كشفت وجهها؟ ومعلوم أن ذلك في غاية القبح، والعلماء قالوا: الفاسق له أن يأمر بالمعروف؛ لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر، ووجب عليه النهي عن ذلك المنكر، فإذا ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك الواجب الآخر. وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا، وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل، فقال: وأينا يفعل ما يقول؟ ودَّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف، . ولا ينهى عن المنكر وفي قوله: (يدعون) و(يأمرون) و(ينهون) حُذفت مفاعيل الأفعال الثلاثة لقصد التعميم، أي: يدعون كل أحد، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهَُّ . قال الشوكاني: وحذف متعلق ]يَدْعُو إِلىَ دَارِ السَّلامِ﴾ الأفعال الثلاثة: أي يدعون ويأمرون وينهون لقصد التعميم: أي كل من وقع منه سبب يقتضي ذلك وقوله تعالى: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفات الكاملة و(هم) ضمير 1( 2(

عدد الصفحات ٣٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 33 فصل يفيد اختصاص المسند بالمسند إليه ﴿المفلحون﴾ أي: الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم من ا الفلاح، وبهذا صح الحصر المستفاد من الفصل، وتعريف الطرفين. وجملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ﴾ معطوفة على “قال ابن عاشور: صفات أمة، وهي التي تضمنتها جمل: ﴿يَدْعُونَ إِلىَ الخيرِْ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنْكَرِ﴾ والتقدير: وهم مفلحون؛ لأن الفلاح لما كان مسبباً على تلك الصفات الثلاث جعل بمنزلة صفة لهم، ويجوز جعل جملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ﴾ حالاً من أمة، والواو للحال، والمقصود بشارتهم بالفلاح الكامل إن فعلوا ذلك. وكان مقتضى الظاهر فصل هذه الجملة عما قبلها بدون عطف، مثل لكن هذه عطفت ]فصل جملة: ﴿أُولَئِكَ عَلىَ هُدىً مِنْ رَبهِِّمْ﴾ أو جاءت حالاً لأن مضمونها جزاء عن الجمل التي قبلها، فهي أجدر بأن تلحق بها، ومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم، فهو إما قصر إضافي بالنسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه، وإما قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاح غيرهم، وهو معنى قصد الدلالة على . معنى الكمال ومما يدل على فلاح وخيرية من يتصف بهذه الصفات قول الحسن: من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر فهو خليفة الله تعالى، وخليفة رسوله . ، وخليفة كتابها 1( 2( 3(

عدد الصفحات ٣٤

34وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: 1 المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها، ويرتفع سنامها. 2 سقط الفرض عن الآخرين؛ إذ لم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، بل قال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ فإذاً مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين، وإن تقاعد عنه انتهى. الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة فإن قلت: فمن يباشره؟ فالجواب: كل مسلم تمكن منه، ولم يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة، أو إن نهيه لا يؤثر؛ لأنه عبث، إلا أنه يستحب لإظهار شعار الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين. فإن قلت: فمن يُؤمر ويُنهى؟ قلت: كل مكلف وغير المكلف، إذا همّن بضرر غيره مُنع، كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى . لا يتعودوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها، ذكره الزمخشري وأوجبت هذه الآية أن تقوم طائفة من المسلمين بهذه الأمور الثلاثة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، يقول الغزال يرحمه ا 1( 2( ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الخَْيرِْ﴾

عدد الصفحات ٣٥