دار المحتسب للاستشارات فهرسة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الهادي، صادق محمد آيات الحسبة في القرآن الكريم ( تفسير وبيان- تأملات ومعاني- دروس وعبر)./ صادق محمد الهادي- الرياض، 20×72 ردمك 1 ديوي ح حقوق الطبع محفوظة رقم الإيداع 978-603-90289-4-9ردمك
عدد الصفحات ٣
عدد الصفحات ٤
عدد الصفحات ٦6وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن القرآن الكريم هو مصدر التشريع الأول؛ وهو كتاب الحياة وروحها، وهو قوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها، وهو دستورها ومنهجها، وهو المرجع الذي نستمد منه الإيمان والأخلاق والفضائل، وهو منهاج الحركة، وزاد الطريق، وهو دستور هذه الأمة في أي جيل، ومن أي قبيل، وهو حادي الطريق، وهادي السبيل على توالي القرون. ولهذا تعين وتوجب الاهتمام به، والعمل بما جاء به، وقد أدركت الأمة ذلك؛ فانصبت إليه جهودها بصورة لم يُسبق إليها؛ لأنه كلام الله المحفوظ، الذي لا يشبهه كلام، ولا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وقد تكفل الله بحفظه، فلا يتطرق إليه نقص ولا زيادة، ولا تشبع العلماء من تدبره، والتفقه في معانيه، ولا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثل سورة منه؛ لأنه المعجزة الخالدة، والحجة الباقية، وقد أمر الله بتلاوته وتدبره، وجعله مباركاً، كما قال: 29[﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَْلْبَابِ﴾ سورة ص وما من جانب من جوانب الشرع إلا تناوله القرآن بشيء من التفصيل والبيان، مما يشفي العليل، ويروي الغليل، فهو بهذا نبع لا يخبو، وبحر لا ينضب. ولقد اعتنى القرآن بالحسبة - وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -، وجعلها قضية أساسية في الدين، ومن أجل القيام بهذا الواجب
عدد الصفحات ٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 7 على الوجه المشروع جاءت الآيات تلو الآيات تبينّن حكمه، وترسم معالمه وحدوده، وتزجر عن الانحراف به وعنه ذات اليمين، وذات الشمال، وهذه الآيات في دلالتها جاءت لتقرّنر منهج الوسطية، وتصون هذه الشعيرة عن الانحراف والتبديل والتضييع والإهمال. والمتتبع للفظ (المعروف) و(المنكر) في القرآن الكريم يجد أن لفظ (المعروف) قد ذُكر في القرآن إحدى وعشرين مرة، ولفظ (معروف) سبع عشرة مرة، و(المنكر) أربع عشرة مرة، و(منكر) مرتان. والقرآن في تناوله لهذه الشعيرة قد تناولها بأساليب مختلفة، وصيغ متعددة، منها: - أهمية وفضل هذه الشعيرة. - الإخبار بأن هذه الشعيرة موجودة في الأمم السابقة. - بيان خطورة ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تضييع هذا الركن، وعدم القيام به انحراف عن الصراط المستقيم؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يُعد القطب الأعظم في الدين، ولو طوي بساطه في أي عصر لاضمحلت الديانة، وظهر الفساد، ولخربت البلاد، وفُتن العباد. - الإخبار بأنها سبب النجاة، وسبب خيرية هذه الأمة. - الإخبار بأنها من صفات المؤمنين التي يتواصون بها. - الإخبار بأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عمل الأنبياء والمرسلين، وأتباعهم المؤمنين. وقد بلغت النصوص من القرآن والسنة التي أوجبت الأمر
عدد الصفحات ٨8وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم بالمعروف، والنهي عن المنكر مبلغ القطع، وبلغت الآيات التي جاءت في الحسبة في القرآن الكريم صريحةً ست عشرة آية. وسنتكلم عن هذه الآيات آية آية، مستلهمين بعض الدروس والوقفات والمعاني منها، سائلين من الله العون والسداد. ****
عدد الصفحات ٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 9 الآية الأو التحذير من مضارة القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتشبيه حال من يضارهم بحال اليهود قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهّنِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِْ حَقٍّ 21[وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشرِّْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سورة آل عمران لقد جاءت هذه الآية لبيان بعض أحوال اليهود المنافية لإسلام الوجه لله، فهم المقصودون بهذه الصفات؛ لأنهم قد عرفوا بمضمونها في مواضع كثيرة من القرآن. ولا يمنع أن تُمل على النصارى أيضاً، فقد قال ابن عطية: قال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره: إن هذه الآية في اليهود والنصارى إلا أن ذكْر هذه الصفات من (الكفر بآيات الله، مصحوباً بقتل النبيين بغير حق، وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس) يوحي بأن التهديد كان موجهاً لليهود، فهذه سمتهم في تاريخهم، يُعرفون بها متى ذُكرت! يقول سيد قطب -رحمه ا موجهاً للنصارى كذلك، فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية، بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى، وبشرية المسيح -عليه السلام-، وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط. 1(
عدد الصفحات ١٠10وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع، وكثير ما هم في كل زمان، ويحسن أن نتذكر دائماً ماذا يعني القرآن بوصف: 21[﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهّن﴾ فقط من يعلن كلمة الكفر، إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الإلوهية، وقصر العبودية عليها، وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرّنف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين، فمن جعل لغير الله شيئاً من هذا ابتداء فهو مشرك به، أو كافر بإلوهيته، ولو . قالها ألف مرة باللسان ويقول محمد الطاهر بن عاشور رحمه ا الصفات يهود العصر النبوي؛ لأنهم الذين توعدهم بعذاب أليم، وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم؛ لأنهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم الذين قتلوا زكريا... فكان هذا القتل معدوداً عليهم، وكم قتلوا ممن يأمرون بالقسط، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم؛ لأنهم رضوا بها، وألحوا في . وقوعها ويقول القرطبي رحمه ا بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية، وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياءصلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم 1( 2(
عدد الصفحات ١١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 11 فيأمرون بالقِسط أي بالعدل فيُقتَلون وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبياً، ثم تقوم سُوقُ بَقْلِهم من آخر النهار وقال ابن كثير في هذه الآية ارتكبوه من المآثم والمحارم، في تكذيبهم بآيات الله قديماً وحديثاً، التي بلغتهم إياها الرسل، استكباراً عليهم، وعناداً لهم، وتعاظماً على الحق، واستنكافاً عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب، ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ : (الكبر بطر الحق، وغمْط عمران الناس والمتأمل في هذه الصفات الواردة في الآية، وهي: (يَكْفُرُونَ) و(يَقْتُلُونَ) يجد أنها جاءت بالأفعال المضارعة؛ لتدل على استحضار الحالة الفظيعة، وليس المراد منها إفادة التجدد؛ لأن ذلك وإن تأتّنى في قوله: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ لا يتأتى في قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ لأنهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمن مضى وانتهى. 21[وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهّنِ﴾ 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٢12وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم قال الطبري رحمه ا بها وفي إبراز الاسم الأعظم في قوله: ﴿بآيات الله﴾ إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه سبحانه وتعا يقول الرازي: فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله، واليهود والنصارى ما كانوا كذلك! لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد! قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن نصـرف آيات الله إلى المعهـود السابق، وهو القرآن، .ومحمد الثاني: أن نحمله على العموم، ونقول: إن من كذب بنبوة محمد يلزمه أن يكذب بجميع آيات الله تعالى؛ لأن من تناقض لا يكون مؤمناً بشيء من الآيات؛ إذ لو كان مؤمناً بشيء منها لآمن بالجميع وقال الرازي أيضاً: وإذا كان قوله: ﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله﴾ 21[ ، ولم يقع منهم قتل الأنبياء، ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح ذلك؟ والجواب من وجه الأول: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم، إذ كانوا مصوبين، وبطريقتهم راضين، فإن صنع الأب 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 13 قد يضاف إلى الابن إذا كان راضياً به، وجارياً على طريقته ، وقتل المؤمنين إلا أنه الثاني: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول ا تعالى عصمه منهم، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز، كما يقال: النار محرقة، والسم قاتل، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل، فكذا ها هنا لا يصح أن يكون إلا كذلك 21[وفي قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ بأنهم قتلوا الكل، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل، ولا الأكثر ولا النصف! والجواب: أن الألف واللام محمولان على المعهود، لا على الاستغراق ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً، بل لمحض الكفر والعناد؛ لأن الأنبياء مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي، قال: ﴿بغير حق﴾ أي: لا صغير ولا كبير في نفس الأمر، ولا في اعتقادهم، فهو أبلغ مما في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف. قال ابن عادل: قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيرِْ حَقٍّ﴾ عمران التكثير. وجاء هنا: ﴿بِغَيرِْ حَقٍّ﴾ منكَّراً، وفي البقرة: ﴿بِغَيرِْ الحَقِّ﴾ معرَّفاً، فقيل: لأن الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط، وهو عام لا يتخصص؛ 1( 2(
عدد الصفحات ١٤14وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم فلذلك ناسبَ أن تذكر في سياق النفي لتعمَّ، وأما في البقرة فجاءت الآية في ناسٍ معهودين مختصين بأعيانهم، وكان الحق الذي يُقْتَل به الإنسان معروفاً عندهم، فلم يقصد هذا العموم الذي هنا، فجِيء في كل مكان بما يناسبه ولهذا قال الرازي بِغَيرِْ حَقّن﴾ وقتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك؟ والجواب: ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة، والمراد منه شرح عظم ذنبهم، وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل وقال ابن عاشور رحمه الله: وقوله: ﴿بِغَيرِْ حَقٍّ﴾ ظرف مستقر في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة: ﴿يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ إذ لا يكون قتل النبيين إلا بغير حق، وليس له مفهوم؛ لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز؛ فإنه لا يقتل نبي بحق، فذكر القيد في مثله لا إشكال عليه، وإنما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حيز النفي، إذا لم يكن المقصود تسلط النفي عليه، مثل قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلحَْافاً﴾ وقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْترَُواْ بِآيَاتِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ]273 41[ تشويه فعلهم وقال البقاعي رحمه الله: ولما خص ذكر أكمل الخلق وهم الأنبياء 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 15 عبر بما يعم أتباعهم، فقال معيداً للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم ﴿وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ العدل. ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال: ﴿من الناس﴾ أي: كلهم، سواء كانوا أنبياء أو لا، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد (من الناس) زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه، ويسعوا في بقائه، وهذا تقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان وقال ابن عادل الحنبلي رحمه الله: وموقع ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ الإعرابي: إما بيان، وإما للتبعيض، وكلاهما معلوم أنهم من الناس، فهو جارٍ مجرى التأكيد وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس﴾ 21[ ﴿وَيُقَاتِلُونَ﴾ من المقاتلة، والباقون: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ كالأول فأما قراءة حمزة فإنه غاير فيها بين الفعلين، وهي موافقة لقراءة عبد الله: ﴿وَقَاتَلُوا﴾ من المقاتلة، إلا أنه أتى بصيغة الماضي، وحمزة يحتمل أن . 3( يكون المضارع في قراءته لحكاية الحال، ومعناه المُضيِ وأما الباقون فقيل في قراءتهم: إنما كرر الفعل لاختلاف متعلَّقه، أو كُرِّرَ تأكيداً، وقيل: المراد بأحد القتلَينْ إزهاق الروح، وبالآخر الإهانة، وإماتة الذكر؛ فلذلك ذكر كل واحد على حدته، ولولا ذلك لكان 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٦16وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم التركيبُ: ويقتلون النَّبِيِّينَ والذين يأمرون، وبهذا التركيب قرأ أبيَ وقال الآلوسي في سبب تكرار الفعل ﴿يَقْتُلُونَ﴾ (الفعل) للإشعار بما بين القتلين من التفاوت، أو باختلافهما في الوقت 21[وقوله تعالى: ﴿فَبَشرّنْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الفخر: هذا محمول على الاستعارة، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله تعالى: ﴿وَبَشرّنِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ وقال الماوردي في قوله: ﴿فَبَشرِّْهُم﴾: أي: فأخبرهم، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير، وقد تستعمل في الإِخبار بالشر، كما استعملت في هذا الموضع، وفي تسميتها بذلك وجهان: أحدهما: لأنها تغير بَشرَْةَ الوجه بالسرور في الخير، وبالغم في الشر. والثاني: لأنها خبر يستقبل به البشرة وقال ابن عاشور: واستعمل بشرهم في معنى: أنذرهم تهكماً، وحقيقة التبشير: الإخبار بما يظهر سرور المخبر (بفتح الباء) وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته؛ إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبرَين، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمونها تهكمية؛ لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم أو التمليح، كما أطلق عمرو بن كلثوم 1( 2( 3( 4(
عدد الصفحات ١٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 17 اسم الأضياف على الأعداء، وأطلق القرى على قتل الأعداء في قوله نزلتم منزل الأضياف منا فعجلنا القرى أن تشتمونا قـريناكم فعجـلنا قراكم قبيل الصبح مرداة طحونا قال السكاكي: وذلك بواسطة انتزاع شبه التضاد، وإلحاقه بشبه التناسب ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: 1 وإن أدى إلى قتل الآمر به، قال ابن العر دليل على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وإن أدى إلى قتل الآمر به، وقد بينا في كتاب (المُشْكِلَين) الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وآياته وأخباره وشروطه وفائدته... والآيات في ذلك كثيرة، والأخبار متظاهرة، وهي فائدة الرسالة، وخلافة النبوة، وهي ولاية الإلهية لمن . اجتمعت فيه الشروط المتقدمة 2 القرطبي -رحمه ا عن المنكر كانا واجبين في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة، وخلافة . النبوة وقد ذكر الرازي رحمه الله أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٨18وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم والإيمان بالله كانت حاصلة في سائر الأمم وقال الشيخ ابن باز -رحمه ا المنكر موجود في الأمم السابقة، بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب ومما يدل أيضاً على أن هذه الفريضة اتفقت الشرائع على وجوبها قوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهّنِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهّنِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْيرَْاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ﴾ 114-13[ ومما يدل على ذلك أيضاً قول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالمَْعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُْنكَرِ وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ 17[الأُْمُورِ﴾ 3 الحسن رحمه الله من هذه الآية: أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر ت منزلته عند الله منزلة الأنبياء، قال -رحمه ا أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزلة الأنبياء؛ . فلهذا ذُكر عقيبهم وقال جمال الدين القاسمي -رحمه الله-: قال الله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهّنِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِْ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ 21[بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشرِّْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ 1( 2( 3(
عدد الصفحات ١٩