وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 195 وعدوان، والآية تدل على أن كلام الإنسان عليه لا له؛ إلا ما كان في هذا ونحوه. يقول الأصفهاني في مفرداته في بيان النجوى: إن أصل هذه المادة الانفصال عن الشيء، والنجوة والنجاة المكان المرتفع، والنجوى عنده اسم مصدر للمناجاة، وهي المسارة، وهي عنده أن تخلو بإنسان وتخاطبه كأنك تسر إليه شيئاً، ولا خير في كثير من هذه المناجاة إلا أن تكون أمراً بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس. فالأمر الأول من التناجي المحمود هو الأمر بالصدقة، والصدقة: هي التبرع والتطوع بفعل الخير، من إنفاق مال، أو مساعدة ضعيف، أو إنظار مدين معسر، أو ترك الدين والعفو عنه، يقول تعالى: ﴿وَإِن كَانَ . 280[ذُو عُسرَْةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىَ مَيْسرََةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيرٌْ لَّكُمْ﴾ لقد تكرر في القرآن “ويقول سيد قطب -رحمه الله- في النجوى: النهي عن النجوى؛ وهي أن تجتمع طائفة بعيداً عن الجماعة المسلمة، وعن القيادة المسلمة لتبيت أمراً، وكان اتجاه التربية الإسلامية، واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأت كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه، مسارة إن كان أمراً شخصياً لا يريد أن يشيع عنه فيعرضه على النبي شيء في الناس، أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة التي ليست من خصوصيات هذا الشخص، والحكمة في هذه الخطة هو ألا تتكون جيوب في الجماعة المسلمة؛ وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها، أو بأفكارها واتجاهاتها، وألا تبيت مجموعة 1(
عدد الصفحات ١٩٦196وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم من الجماعة المسلمة أمراً بليل، وتواجه به الجماعة أمراً مقرراً من قبل؛ أو تخفيه عن الجماعة، وتستخفي به عن أعينها، وإن كانت لا تختفي به عن الله، وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي، والتبييت بمعزل عن . الجماعة المسلمة وقيادتها ومن مضار النجوى أن أهل الإيمان إذا رأى بعضهم اثنين يتناجيان دخل في قلبه شيء، ودخل له الشيطان من هذا المدخل، وقال: بم يتناجيان؟ لعلهما يتناجان في أمر يخصك ويريدان كتمان هذا الأمر عليك، لعلهما، لعلهما! فالمسلمون كذلك مع الرسول -عليه الصلاة والسلام- إذ كثرة إطالة المناجاة قد تمل البعض على أن يفكر: هل هناك عدو بشيء؟ هل آل يريد أن يداهم بلاد المسلمين؟ هل أصيب الرسول أصابهم شيء؟ هل نزل شيء جديد من كتاب الله؟ ما بيت الرسول الذي حدث؟ فكانت تسبب أيضاً مشاكل ووساوس في صدور البعض، ، فيشق وخاصة صدور من قلّن علمهم بالله، وقلّن علمهم برسول ا الأمر على المسلمين، فنظمت الأمور بصدقة تقدم بين يدي المناجاة على . النحو الذي سمعتموه 114[وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ كانت واجبة أو مستحبة؛ فالأمر بالصدقة مأمور به شرعًا في كتاب الله .وسنة رسول ا 1( 2(
عدد الصفحات ١٩٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 197 وذكر بعض العلماء أن الصدقة هنا تشمل جميع أعمال الخير من التسبيح والتحميد... إلخ. وقوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ المحمود، وهو الأمر بالمعروف، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله -عز و جل-، وكل ما ندب الشرع إليه، وما يقره العقل، ولا يستنكره، ويقوي الروابط الاجتماعية، ويقيمها على دعائم من الفضيلة، ورعاية الحقوق والواجبات، فالمعروف لفظ يعم كل أعمال البر، وخصوصاً الاجتماعية منها: وهذا المعروف مقابل المنكر، من حيث معناه، ومن حيث حكمه، فالمنكر هو كل ما يضر الإنسان والمجتمع، وهو منهي عنه، والمعروف كل ما يصلح الإنسان والمجتمع، وهو مأمور به مطلوب، وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضاً لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر، وأما عند الاقتران، فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي. فغاير بين المعروف وبين الصدقة والإصلاح بين الناس مع أن الصدقة من المعروف من باب عطف الخاص على العام. فالتناجي لتدبير خطة إصلاحية، ومبادئ اجتماعية، وقيام بحق الله تعالى في إقامة مجتمع فاضل، هو من أفضل الفضائل. هذا هو الأمر الثالث ]وقوله: ﴿أَوْ إِصْلاَحٍ بَينَْ النَّاسِ﴾ الذي يصح التناجي فيه، وهو أمر الإصلاح بين الناس، سواء كانوا جماعات وأمماً، أم كانوا أحاداً وأفراداً، والإصلاح بين الناس فريضة اجتماعية تجب على أولى العزم من الرجال، وهى ضريبة ذي الجاه والمنزلة،
عدد الصفحات ١٩٨198وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم فإذا كان بين اثنين خصام وأزاله، فقد قرب بفضل الله بين قلبين، وإن القضاء والفصل في الخصومات يورث في القلوب إحناً، بينما الصلح بينهم يبقي المودة، ولقد قال في ذلك عمر -رضي الله عنه- في كتابه إلى أبي موسى الأشعري وقال -عليه الصلاة والسلام- لأبي أيوب الأنصاري: بينهم الضغائن (ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله؟ تصلح بين أناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة، ما لا يمكن حصره، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي 103[الأديان، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهّنِ جمَِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ سورة آل عمران بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله، كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله، ولا يتم له مقصوده كما قال 81[تعالى: ﴿إِنَّ اللهّنَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُْفْسِدِينَ﴾ فهذه الأشياء حيثما فعلت فهي خير، كما دل على ذلك الاستثناء، ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص؛ ولهذا قال: ﴿وَمَن .] يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهّنِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً﴾ 1( 2( الترغيب والترهيب (ج
عدد الصفحات ١٩٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 199 فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى، ويخلص العمل في كل وقت، وفي كل جزء من أجزاء الخير؛ ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين؛ وليتم له الأجر سواء . تم مقصوده أم لا؛ لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل والإصلاح بين الجماعات المتناحرة أوفر خيراً من إصلاح الآحاد، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُْؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُماَ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهمَُا عَلىَ الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلىَ أَمْرِ اللهَِّ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُماَ بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهََّ يحُِبُّ المُْقْسِطِينَ * إِنَّماَ 9[المُْؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَْ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهََّ لَعَلَّكُمْ تُرْحمَُونَ ﴾ 10 أثنائه، وإن الذي أذهب النخوة من المسلمين قتال كبرائهم، وعدم وجود من يصلح ذات البين بينهم، حتى ترامى بعضهم في أحضان أعدائه وأعداء الله، وإثم ذلك على من لم يسع بالصلح، ورأب الكلم. ومن أجل هذا كان من يفعل الخير بالتناجي والتعاون على إصلاح الجماعة بإفشاء البر والإصلاح بين الناس، وإقامة المعروف، وإبعاد المنكر من يفعل ذلك طالباً مرضاة الله تعالى، ولا يبغى سواه، فإن الله تعالى سيؤتيه جزاء عظيماً بالغاً أقصى درجات العظمة. قيدٌ ]وقوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهّن﴾ لذلك العمل بطلب ثواب الله، أما إذا فعله مرائياً فلا شيء له، فإن ذهب شخص يصلح ليقول عنه الناس إنه رجل مصلح حلاّنل للمشاكل 1(
عدد الصفحات ٢٠٠200وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم والعقد، وكانت هذه نيته فلا ثواب له، فأفعال البر التي يثاب عليها الشخص قيَّد فعلها بابتغاء مرضاة الله. وقيل: جعل الله -سبحانه وتعالى- الخيرية بهذه الثلاثة مطلقاً، ولو لم ينو الإنسان التقرب إلى الله، وأن الأجر العظيم لمن يتقرب بالفعل إلى ا أي: فسوف ]وقوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً﴾ نعطيه ثواباً جزيلاً هو الجنة، والتعبير بـ(سوف) إشارة إلى أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة لا في الدنيا؛ لأنها ليست دار جزاء. ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: بين الله في هذه الآية أن من التناجي المحمود الأمر بالمعروف، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله -عز و جل-، وكل ما ندب الشرع إليه، وما يقره العقل ولا يستنكره، ويقوي الروابط الاجتماعية، ويقيمها على دعائم من الفضيلة، ورعاية الحقوق والواجبات، فالمعروف لفظ يعم كل أعمال البر. وفي هذه الآية بيان المنزلة العظيمة للإصلاح بين الناس، فدلت هذه الآية الكريمة على مشروعية الصلح، وعلى أنه مندوب إليه، وأنه ينبغي للمسلم أن يحرص على إصلاح ذات البين بين المدينة ومسجده المسلمين؛ فلهذه المنزلة العظيمة ترك النبي وذهب لبني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وتأخر النبي عن صلاة العصر؛ حتى أقام بلال -رضي الله عنه-، وأم وأبو بكر يصلي فنبه الناسالمسلمين أبو بكر، فدخل النبي 1(
عدد الصفحات ٢٠١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 201 ، فدل ذلك عأبا بكر لهذا، فتأخر أبو بكر، وتقدم النبي بنفسه، عظيم منزلة الإصلاح بين الناس، إذ تولاها النبي ولم ينتدب لها أحداً. وعلى العكس من ذلك فإن الإفساد بين الناس من أسوأ الأعمال، وأبغضها إلى الله -عز وجل-. وفي الآية دلالة على فضل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه تعالى وعد أن من يفعل ذلك فإنه سيؤتيه جزاء عظيماً، بالغاً 114[أقصى درجات العظمة، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً﴾ سورة النساء فعلى الناس أن يطلبوا مرضاة الله بقوة إيمان في كل ما يتجهون إليه من إصلاح شئون الجماعة، فلا بركة في عمل مهما يكن صالحاً في ذاته إلا إذا طلب به إرضاء الله... فعلينا أن نتجه إلى الله في كل ما نعمل؛ وذلك أن يجتمع الرجل الخيرِّ بالرجل الخير، فيقول له: هلم نتصدق على فلان، فقد علمت حاجته في خفية عن الأعين، أو هلم إلى معروف معين نفعله أو نحض عليه، أو هلم نصلح بين فلان وفلان فقد علمت أن بينهما نزاعاً، وقد تتكون العصبة من الخَـيرِّين لأداء أمر من هذه الأمور، وتتفق فيما بينها سراً على النهوض بهذا الأمر، فهذا ليس نجوى ولا تآمراً، ومن ثم سماه (أمراً) وإن كان له شكل النجوى في مسارة الرجل الخير للخيرين أمثاله بأمر في معروف يعلمه، أو خطر له على شرط أن يكون الباعث هو . ابتغاء مرضاة ا 1(
عدد الصفحات ٢٠٢202وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية السادسة عشر: الأمر بالمعروف من المأمور به وقال تعالى:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَْاهِلِينَ﴾ .][ هذه الآية الكريمة مع قلة ألفاظها واختصارها إلا أنها مما كثرت معانيه، وقل لفظه على أتم بلاغة، وأحسن فصاحة، فقد جمعت مكارم الأخلاق كلها؛ لأن في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وفي (الأمر بالمعروف) تقوى الله، وصلة الأرحام، وصرف اللسان عن الكذب، وفي (الإعراض عن الجاهلين) الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، وغير ذلك من المعاني. ولهذا قال بعض العلماء: إن هذه الآية قد تضمنت قواعد الشريعة، فلم يبق فيها حسنة إلا وعتها، ولا فضيلة إلا شرحتها، فقد أمر الله فيها نبيه بثلاثة أشياء، هي أسس عامة للشريعة في الآداب النفسية، والأحكام العملية. قال الألو الأخلاق من هذه الآية، وزبدتها كما قالوا تري حسن المعاشرة مع الناس، وتوخي بذل المجهود في الإحسان إليهم، والمداراة منهم، والإغضاء عن مساويهم، وجعلوا نحو ذلك زبدة الخبر إلا أن القرآن مادته عامة ومادته خاصة، وقد علم كل أناس مشربهم، ولا يخفى حسن موقع هذا الأمر بعد . ما عد من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا يطاق حمله 1(
عدد الصفحات ٢٠٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 203 وقال الشيخ السعدي وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر من كل أحد ما قابله به، من قول وفعل جميل، أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه . الحال، وتنشرح له صدورهم العفو: هو السهل الذي لا ]وفي قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ كلفة فيه: أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم، وما أتى منهم وتسهل من غير كلفة، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى ينفروا، وهذا وكما قال الشاعر: كما جاء في الحديث: (يسروا ولا تعسروا خذي العفو منى تستديمي مودت ولا تنطقي في سورت حين أغضب واختلف المفسرون في معنى العفو في هذه الآية على أربعة أقوال: الأول: أنه الفضل من أموال الناس، نسخته الزكاة؛ قال ذلك ابن 1( يتخولهم بالموعظة 2( والعلم كي لا ينفروا، (ج بالتيسير وترك التنفير رقم 3( 4(
عدد الصفحات ٢٠٤204وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم عباس، وكان في الابتداء يجب التصدق بما فضل من الحاجات، ثم صار منسوخاً بآية الزكاة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ 219[قُلِ الْعَفْوَ﴾ الثاني: أنه الزكاة؛ قال مجاهد، وسماها عفواً؛ لأنه فضل المال، وجزء يسير منه. الثالث: أنه أمر بالاحتمال وترك الغلظة، ثم نسخ ذلك بآية القتال. الرابع: خذ العفو من أخلاق الناس؛ قاله ابنا الزبير معاً، وروي ذلك في الصحيح عنه والخلاصة: إن من آداب الدين وقواعده اليسر، وتجنب الحرج، ما خير بين أمرين إلا اختار وما يشق على الناس، وقد صح أن النبي . أيسرهما أي: المعروف، والجميل ]وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ من الأفعال، أو هو كل خصلة يرتضيها العقل، ويقبلها الشرع، فالمعروف هو ما يعرفه الشرع، وتعرفه النفس من الخير، وتأنس به، وتطمئن إليه، ولا شك أن هذا مبني على اعتبار عادات الأمة الحسنة، وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة في مصالحها. وإجمال القول فيه- أنه اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس. 1( 2( للآثام واختياره من 6404 -2491/6( المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته
عدد الصفحات ٢٠٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 205 وقد ذكر المعروف في السور المدينة في الأحكام الشرعية العملية، كوصف الأمة الإسلامية وحكومتها كقوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الأَْرْضِ أَقَامُوا 41[الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَْعْرُوفِ وَنهََوْا عَنِ المُْنكَرِ وَللهَِِّ عَاقِبَةُ الأُْمُورِ﴾ سورة الحـج 104[وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُْنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ﴾ وعند ذكر الحقوق الزوجية كقوله: ﴿وَلهَُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ 228[بِالمَْعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ 229[كقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسرِْيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 231[﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سرَِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ومن ذلك ترى أن هذا اللفظ (المعروف) لم يذكر إلا في الأحكام الهامة، وأن المراد به ما هو معهود بين الناس في المعاملات والعادات والأخلاق، ومن ثم قال بعض الأئمة: المعروف ما يستحسن في العقل فعله، ولا تنكره العقول الصحيحة، ويكفى المسلمين المحافظة على . النصوص الثابتة؛ إذ لا يمكن المؤمن أن يستنكر ما جاء عن الله ورسوله وفي معنى العرف أربعة أقوال: الأول: العرف: المعروف؛ قاله عروة. الثاني: قول: لا إله إلا الله (وهو تخصيص من غير داع). الثالث: ما يعرف أنه من الدين. الرابع: ما لا ينكره الناس من المحاسن التي اتفقت عليها الشرائع 1( 2(
عدد الصفحات ٢٠٦206وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم يعني: المشركين.]وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجَْاهِلِينَ﴾ وقيل: هم السفهاء عموماً، والإعراض عنهم بترك معاشرتهم، وعدم مماراتهم، ولا علاج للوقاية من أذاهم إلا الإعراض عنهم. وفيها: الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة. وقوله: ﴿أعرض﴾منسوخ، نسخه القتال، فما دام أنهم جاهلون فأعرض عنهم حتى يتبين لهم الحق، ويتبين لهم أنهم على غير الحق، فإذا علمتموهم بعد ذلك فألزموهم. قال القرطبي: وهذا وإن كان خطاباً لنبيه -عليه الصلاة والسلام- . فهو تأديب لجميع خلقه ويروى: أن رجلاً دخل على عمر، وقال: هيه يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن : ﴿خُذِ يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين؛ إن الله تعالى قال لنبيه وإن هذا ][الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَْاهِلِينَ﴾ من الجاهلين، فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب ا وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال: 1( 305 –2( .}الأعراف﴿خذ العفو وأمر بالعرف
عدد الصفحات ٢٠٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 207 خذ العفــو وأمر بعرف كـما أمـرت وأعرض عن الجــاهل ولـن في الكــلام لكل الأنام فمستحـسن من ذوى الجـاه لين قال العلماء: وهذه الآية من عجيب القرآن، أولها وآخرها منسوخ، أي: الفضل من ]ووسطها محكم، فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: المعروف، ]أموالهم منسوخ بآية الزكاة، ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ منسوخ بآية السيف]محكم، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجَْاهِلِينَ﴾ قال ابن العربي: كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار، والتولي والإعراض، والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف وهي: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الآية نسخت مائة وأربعاً 5[الأَشْهُرُ الحُْرُمُ فَاقْتُلُواْ المُْشرِْكِينَ﴾ وعشرين آية، ثم نسخ آخرها أولها ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: هذه الآية جامعة لحسن الخـُلقِ مع الناس، وقد بينت أنه ينبغي في معاملتهم مراعاة ما يلي: أ- أخذ العفو، وهو ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق. ب- الأمر بالمعروف، أي بكل قول حسن، وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأت إلى الناس منك إما تعليم علم، أو حث على خير، أو صلة رحم، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى 1( 2(
عدد الصفحات ٢٠٨208وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم تصيل مصلحة دينية أو دنيوية. ج- الإعراض عن الجاهل وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله فلا تؤذه، ومن حرمك فلا ترمه، ومن قطعك فصِلْه، ومن ظلمك فاعدل فيه. قال ابن العربي: أما العفو فإنه عام في متناولاته، ويصح أن يراد به يقبل من الصدقة خذ ما خف وسهل مما تعطى، فقد كان رسول ا التمرة والقبضة والحبة والدرهم والسمل، ولا يلمز شيئاً من ذلك ولا يعيبه، ولقد كان يسقط من الحقوق ما يقبل الإسقاط حتى قالت عائشة في الصحيح وأما الاحتمال: فقد كان يصبر على الأذى، ويحتمل الجفاء، حتى قال . : (رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فص وأما مخالفة الناس: فهو كان أقدر الخلق عليها وأولاهم بها، فإنه كان يلقى كل أحد بما يليق به من شيخ وعجوز، وصغير وكبير، وبدوي وحضري، وعالم وجاهل، ولقد كانت المرأة توقفه في السكة من سكك المدينة، ولقد كان يقول لأخ لأنس صغير: (يا أبا عمير ما فعل . النغير؟ 1( 2( في كتاب الآداب، باب استحباب تنيك المولود عند ولادته وحمله إلى صالح يحنكه 5747 -176/6( 3(
عدد الصفحات ٢٠٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 209 الآية السابعة ع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب النجاة من الهلاك قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ 117[ في الآية بيان فضيلة هذه الشعيرة (الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) وأنها سبب النجاة من الهلاك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَهْلُهَا 117[مُصْلِحُونَ﴾ لغيرهم، ولاحظ أنه لم يقل: وأهلها صالحون؛ لأن مجرد الصلاح ليس كفيلاً بالنجاة من العقوبة الإلهية الرادعة، ومجرد الصلاح لا يرفع العذاب، وفي الحديث فدل على أن كثرة الخبث، واستفحال الفساد يكون بتخلف الخبث صفة الإصلاح التي هي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن الصلاح في النفس وحده دون ممارسة الإصلاح على الوجه السابق لا يمنع انتشار الخبث الذي يكون سبباً للهلاك والعذاب، والله يقول: 25[﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ فمن عوامل الحفظ للإنسان، والحفظ للأمم والشعوب وحمايتها من الهلاك القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا فيه دلالة على أن الصلاح والإصلاح في أي مدينة أو قرية أو فئة من الناس 1( ومسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج 7416 -165/8(
عدد الصفحات ٢١٠210وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم يكون سبب خير على البشرية جمعاء، بل وعلى الطير في الهواء والهوام والحيوانات، وجميع الدواب التي تدب على وجه الأرض، وصلاح الأمة لا بد أن يكون شاملاً: في عقيدتها، وفي وعيها، وفي فهمها، وفي قلوبها، وفي سلوكها. « بَررَةٌ بالأمة، يُسلِمونها إلى ساحاتِ الخير والقوة، ولا يقودُ هذه الركابَ إلا كبيرُ الهمة، مَضّناء العزيمة، وسيكون الإصلاحُ مربحًا ومغنَماً إذا انطلقنا فيه من إصلاحِ الذات، والنظر في عيوبها وتهذيبها، وأطرِها على سُنَن الهُدى، وأتبعنا ذلك بإصلاحِ الأسرةِ ولبناتها؛ لأنها نواة المجتمع، وسيكون الإصلاحُ للعَلياء مرقاةً إذا بسطنا ظلالَه على المجتمَع والأمة بما تقتضيه الحكمة والمصلحةُ من التدرج والرفق والأناة، ومراعاة فقه المهمات والأولويات. ولما كانت الأهواءُ تجمح، والمدارِك تختلِف وتتفاوَت كان لِزامًا اعتبارُ صلاح المصلِح، وصفاءِ منهجه، واستقامة آرائه؛ إذ لا يشفَع في هذه الأمانة سلامةُ النية وحب الخير -على أنهما محمدتان- مع ضحالةِ العلم، وقصورِ النظر، وضَعف الترجيح بين المفاسد والمصالح، والخلطِ بين الثوابت والمتغيرات، وبهذا تتفتّنق أكمامُ الإصلاح على قول الحق 117[سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ سورة هود 1(
عدد الصفحات ٢١١