المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم

صادق بن محمد الهادي

صفحة ١٤ من ١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 211 117[وفي قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ ما صح ولا استقام. المخاطب بهذه وإضافة اسم الرب -عز جل- إلى ضمير نبينا ، وتأنيساً له ولأمته، وإشعاراً بعظيم حظوته الآية ملاطفة لهذا النبي ومنزلته لديه سبحانه. 117[وفي قوله: ﴿لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ لتأكيد النفي؛ ولذا تسمى عند البصريين لام الجحود، وينتصب الفعل بعدها بإضمار (إن) وهي متعلقة بخبر (كان) المحذوف، أي: مريداً لإهلاك أهل القرى، وقال الكوفيون: يهلك خبر (كان) زيدت اللام دلالة على التأكيد وجيء بالفعل في قوله: (ليهلك) إشارة إلى التكرر بحسب ما يكون منهم، فلو كان في كل أمة وقرن بعد قرن من ينهي عن الفساد والظلم لما أخذ بذوي الظلم منهم، ولكان تعالى يدفع بعضهم عن بعض، ولكن تكرر الفساد، وعم كل قرن فتكرر عليهم الجزاء والأخذ، فأشار الفعل إلى التكرر، ولم يكن الاسم ليعطي ذلك. تنكير (ظلم) قيل: للتفخيم 117[وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم، والمراد تنزيه الله تعالى عن ذلك على أبلغ وجه، وإلا فلا ظلم منه تعالى فيما يفعله بعباده كائناً ما كان، والباء قيل: للسببية، أو للملابسة. 1( 289/14(

عدد الصفحات ٢١٢

212وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ويقتضي حمل (الظلم) هنا على ما هو أعم من الشرك، وأصناف المعاصي، وحمل الإصلاح على إصلاحه، والإقلاع عنه بكون بعضهم متصدين للنهي عنه، وبعضهم متجهين إلى الاتعاظ غير مصرين على ما . هم عليه من الشرك ونحوه، كذا أشار له أبو السعود فيكون (بظلم) فيه قولان: أحدهما: بغير جرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: بشرك، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان 117[قوله: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ الإصلاح، وفاضلهم ينصح أرذلهم، والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر قائمون بواجبهم، قد ابتغوا الغاية السامية، وهي نشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة، قائمون بالقسط، شهداء الله. وقد يحق على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الهلاك الذي قد ينزل بهم؛ لأن الظالم يظلم ويجد الكثرة الكاثرة تؤيده، وتنصره على المظلومين، وتصفه بالحكمة والعدل والعبقرية، حتى اختلطت على الناس الألفاظ والحقائق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ثلاثة أقوال: 117[وفي قوله: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ أحدها: ينتصف بعضهم من بعض، رواه قيس بن أبي حازم عن جرير، قال أبو جعفر الطبري: فيكون المعنى: لا يهلكهم إذا تناصفوا، وإن كانوا مشركين، وإنما يهلكهم إذا تظالموا. 1( 2(

عدد الصفحات ٢١٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 213 والثاني: مصلحون لأعمالهم، متمسكون بالطاعة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: مؤمنون، قاله مقاتل ولعل المعنى القريب: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ لأن هذا هو معنى الإصلاح. ولنتدبر قوله: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ولم يقل: وأهلها صالحون؛ لأن الصلاح الشخصي المنزوي بعيداً، لا يأسى لضعف الإيمان، ولا يبالى بهزيمة الخير، صلاح لا قيمة له، ولا خير فيه! فليكن المسلم صالحاً مصلحاً، وراشداً مرشداً... أما أن يجلس بعيداً ينتظر النتائج، ويستسلم للواقع فلا! فالهلاك قد يقع مع الصلاح؛ للحديث قال: (نعم، إذا كثر الخبث ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: أوضح الله تعالى في هذه الآية قانونه العام، وسنته البشرية بقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا 117[مُصْلِحُونَ﴾ بأن إهلاك المصلحين من الظلم. والمراد أن الله تعالى لا ينزل عذاب الاستئصال على مجرد كون القوم 1( 2( ومسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج 7416 -165/8(

عدد الصفحات ٢١٤

214وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم مشركين أو كافرين، بل إنما ينزل العذاب إذا أساؤوا في المعاملات، وسعوا في الإيذاء والظلم، كما فعل قوم شعيب في مدين، وقوم هود في الأحقاف شمال حضرموت، وقوم فرعون في مصر، وقوم لوط في ديار سدوم في الأردن، وقوم صالح في الحجر بين الحجاز والشام، ويؤيد ذلك أن الأمم تبقى مع الكفر، ولا تبقى مع الظلم. وفيها تأكيد على الدعوة إلى الله، وبذل الجهد في أن يصلح الإنسان نفسه، ويصلح بيته، وأهله وعشيرته، وبذل الجهد في إصلاح ما استطاع من أحوال الناس؛ لأن كل ذلك من أعظم أسباب الثبات على الاستقامة، وليكن هو أول الناجين من الهلاك الدنيوي؛ وبهذا يتبين أن أي قرية تتصف بصفات الكافرين معرضة للإهلاك والتدمير من قبل رب العالمين، أو للعذاب والانتقام على أيدي المؤمنين، مهما كانت قوتها. وفيها بيان أن الله خلق الكون، وجعل له سنناً تكم نظامه، وهذه السنن تتصف بخصائص تجعلها ثابتة لا تتغير مهما تغير البشر، ومنها: سنة الإصلاح، فلا يهلك الله البلد إذا كان فيها مصلحون، ومن هنا ينبغي الاهتمام بميادين الإصلاح الحقيقية لكي ننجو من العذاب الجزئي أو الكلي. والله -عز وجل- قد بعث رسله بهذا الإصلاح، قال شعيب لقومه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهّنِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وكل الأنبياء بدؤوا بالمنكر الأكبر وهو 88[وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ الشرك، ولكن ينبغي أن يمتد الإنكار والإصلاح إلى ما عليه القوم من

عدد الصفحات ٢١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 215 الانحرافات، فقد تكون انحرافات اجتماعية كما وجد في قوم لوط من إتيان الذكران من العالمين، وقد تكون انحرافات اقتصادية، مثل ما كان في قوم شعيب، وهم يطففون المكيال والميزان، ويغشون في البيع والشراء، وهكذا إصلاح المنكرات الأخرى في حياة الناس على اختلاف كل قوم، والانحراف الذي كان متفشياً فيهم. أهل الإصلاح، بقوله: (إن ابني هذا سيد ولعل وقد مدح النبي فعندما يكون هناك في البلد الله أن يصلح به بين فئتين من المسلم مصلحون يأمرون بالخير، وينهون عن الشر، وينبهون الناس إلى السنة، ويحاربون البدعة، ويقيمون التوحيد، وينبذون الشرك، وينشرون العلم، ويحاربون الجهل، عندما يكون هناك في البلد من يعلم الناس الخير، ويدلهم عليه، ويحذرهم من الشر، ويعظ صاحب الشر، وينكر على صاحب المنكر، ويصلح الخطأ الموجود، ولا يسكت عن الباطل، ينجون من العذاب. والمصلح هو: الصالح في نفسه المصلح لغيره، وهؤلاء ينجيهم الله سبحانه وتعالى، ولما كان الإصلاح شيئاً جميلاً، ومحبوباً، وكلمة جذابة، حاول المنافقون أن يتدثروا بهذا الشعار، وأن يدعوا أنهم يحملون لواء الإصلاح، وفي الحقيقة أنهم مفسدون؛ ولذلك قال الله -عز وجل عنهم: 11[﴿وَإِذَا قِيلَ لهَُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فيِ الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّماَ نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ سورة البقرة 1( ص

عدد الصفحات ٢١٦

216وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وأنهم أهل الإصلاح، وأنهم يدعون إلى الإصلاح، وأنهم إصلاحيون، وفي الحقيقة أنهم مخالفون للكتاب والسنة، مخالفون لأوامر الله -عز وجل-، كمن يدعو إلى اختلاط المرأة، وكشفها، وتبرجها، ودخولها في كل الميادين باسم الإصلاح، ويسمي ذلك إصلاحاً للمرأة، وتريراً، وفي الحقيقة أنه إذلال للمرأة، وإهانة، ودفع لها إلى شيء لم يخلقها الله من أجله، وهكذا يحدث الفساد، وتتخلى عن واجبها الأصلي. فينبغي العمل على الإصلاح الحقيقي المبني على الأدلة الشرعية حتى ينجينا الله تعالى من عذابه، ولقد وعد الله سبحانه المصلحين، وأهل الصلاح بالأجر والثواب العظيم، وبينه في آيات كثيرة، وهذا الثواب والوعد من الله هو لتعزيز سلوك الإنسان من أجل أن يستمر في صلاحه وإصلاحه، وتجنب أن يكون من المفسدين، أو ينحرف في الإفساد، فيخرج عن الطريق السوي والسليم الذي يصلح للحياة، فنلاحظ أن الجزاء للمصلحين وأهل الصلاح الصادقين مع ربهم سيكون واقعاً عليهم في الدنيا بحياة طيبة، وخير كثير، وزيادة في الهدى والإيمان، ومعرفة الحق، والاستدلال عليه؛ ولعله يكون من الفائزين المفلحين الذين وعدهم الله في الآخرة بالثواب والأجر العظيم من الجنات والنعيم المقيم. أما حال المفسدين يوم القيامة فقد وصفته بعض آيات القرآن بمواقف مخيفة ومرعبة لن ينفعهم ندمهم ولا حسرتهم عندها، ولا طلب الأمنيات بالعودة لتحسين الأمور والحال. من معاني هذه الآية أنها حثت على أن تكون الحياة الإنسانية قائمة على الصلاح والإصلاح، والإتيان بكل ما هو لصالح

عدد الصفحات ٢١٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 217 البشرية واستوائها، ولا يكون ذلك إلا بالاستمداد مما شرعه الله، وتوافق مع إرادته، وأمره واجتناب نهيه، فالصلاح يبدأ من وحدة الذات مع نفسها وتنظيمها واتزانها بين مشاعرها وعقلانيتها، وعدم الانسحاب وراء شهوات الجسد والهوى، فيخرج الفرد الصالح ليكون مصلحاً لما حوله، فيبدأ بأسرته وأهله لينتقل للمحيط الأكبر ليصلح ويساهم في إصلاح مجتمعه، فإن صلح الأفراد جميعاً، وتوجه فكرهم نحو ذلك المنهج، والبعد عن العصبيات والأفكار التي تؤدي للتشقق والتفرقة عندها سيصلح جميع المجتمع ومؤسساته، ويسير نحو التحضر والتقدم، والإنسان يحتاج للسعي للإصلاح ليصلح كل ما حوله من بيئته لتعتدل حياته، وتستوي سلوكياته، ولا يأت بما هو شاذ ومنحرف، وبما يدمر وجود الإنسان ومحيطه، من خلال صناعة الحروب، وبسط الظلم والفساد والقتل. وهذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا وغيرها تبين أن الإصلاح لا يكون إلا تسيناً ]مُصْلِحُونَ﴾ لوضع فاسد، وتغييراً إلى الحسن دائماً، وبهذا يبدو أنه لا مانع من استعمال مصطلح التغيير، ويكون السياق موضحاً أن هذا التغيير يقصد به إصلاح الأوضاع الفاسدة في الأمة الإسلامية، والعالم أجمع، لكن استخدام مصطلح الإصلاح أدق، وأكثر دلالة على المراد بلفظه. وبهذا يمكن أن نحدد الإصلاح اصطلاحاً بأنه كل تغيير إلى الأحسن، سواء كان للفرد، أو الأسرة، أو المجتمع، أو الدولة، أو الأمة.

عدد الصفحات ٢١٨

218وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وفيها: أن الإصلاح فريضة شرعية: لا كما يظن البعض أن إصلاح الأوضاع الفاسدة، أو تسين الأوضاع القائمة من فضائل الأعمال، يفعله المسلم فيؤجر، ويتركه فلا يؤزر، لكن البحث الدقيق يؤكد أن الإصلاح أمر يدخل في إطار الفرائض الشرعية التي يجب على كل مسلم أو مسلمة القيام به.

عدد الصفحات ٢١٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 219 الآية الثامنة ع واجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط بحال قال تعالى: ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلىَ اللهّنِ مَرْجِعُكُمْ جمَِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِماَ كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .]105 اُستهلت الآية بالنداء الإيماني ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الذي من شأنه أن يوقظ المخَاطبين عقلاً وقلباً، لما يحركه من حرارة للإيمان في القلب، ويوجههم إلى امتثال مطلب هذا النداء، فإن كان المطلب أمراً لزم اتباعه، أو نهياً لزم اجتنابه. والمطلب هنا سيق بأسلوب عجيب، يوحي بأهمية المطلوب من جهة، واهتمام الآمر سبحانه بأوليائه بإرشادهم إلى ما ينفعهم ويصلحهم في الدنيا، ويقودهم إلى الفوز في الآخرة من جهة أخرى، وبين هذين يجد المخَاطب نفسه ملزماً بالاتباع الذي فيه حياته ونجاته. ، فقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ وهو عامل النصب في قوله: (أنفسكم)، وهذا أسلوب في العربية يُعرف بأسلوب الإغراء، والمعنى: الزموا أنفسكم، وصونوها عن المعاصي. وفي هذا الأسلوب يكون مجموع الجار والمجرور (عليكم) قائماً مقام الفعل، عاملاً عمله، متعدياً إلى المفعول، ويسمى حينئذٍ (اسم فعل) ومن 1( متعدياً كان اسم الفعل متعدياً، أو لازماً فلازماً

عدد الصفحات ٢٢٠

220وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم صوره التعبير بـ(عليك) و(عندك) و(دونك) و(إليك) أي: أن كل جار ومجرور منها يقوم مقام فعل يعرف معناه من سياقه، ويقال له: (اسم فعل). وفي الآية حض للمؤمنين على رعاية أنفسهم بالطاعات، ولزوم موارد الهداية، وإذا كان الالتزام بموارد الهداية وأسبابها مطلباً واضح الأهمية، فإن ما أثار إشكالية في الفهم، هو الجملة التالية: ﴿لاَ يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فهمها من أنها توهم الرخصة في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والواقع أنه لا يمكن أن يكون هذا مراداً في الآية؛ لأن القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو من التزامهم الهداية في أنفسهم أيضاً، أي: هي داخلة في هذا الأمر ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾. بل إن بعض السلف فسروا الهداية في الآية بأنها الأمر بالمعروف، نقلهما ابن الجوزي عن بعض والنهي عن المنكر، وهو أحد رأي السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿لاَ يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال فيه]105 أنتم للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قاله حُذيفة بن اليمان، وابن المسيب 1( يرى فيه أن الآية ليست واردة في مسألة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنها واردة في أهل الكتاب، والمعنى كما ذكره: لا يضرُّكم من ضل من أهل الكتاب إِذا أدُّوا الجزية، قاله مجاهد، وهو رأي لا تنهض له قوة من آثار، أو سياق. 2(

عدد الصفحات ٢٢١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 221 وهو تفسير يتلاءم ونص الآية، وينحل به الإشكال، وقد أكد عليه ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ  وإني سمعت رسول ا ]يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يقول: (إن الناس إذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) قال الترمذي بعد روايته: هذا حديث حسن صحيح وقد تواردت الأقوال المأثورة وغيرها على دفع الإشكال، وبيان المعنى الصحيح للآية، ونقل العلماء في هذا الصدد ما اعتبر تفسيراً نبوياً للآية: فقد أخرج الترمذي في سننه عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخُشَني، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا . ]اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول ا فقال: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متَّبعاً، ودنياً مؤثَرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودَعِ العوام، فإن من ورائكم أياماً الصبر، فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم) قال عبد الله بن المبارك: وزادني غيرُ عتبة قيل: يا رسول الله، 1( 3066(

عدد الصفحات ٢٢٢

222وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: (لا، بل أجر خمسين رجلاً منكم أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قال ابن عطية في (المحرر الوجيز) مرجحاً كون هذا تفسيراً نبوياً للآية: وهذا التأويل لا نظر لأحد معه؛ لأنه مستوفٍ للصلاح، صادر عن النبي -عليه الصلاة والسلام ويعتبر هذا الحديث المرفوع أصلاً عظيماً في توجيه معنى الآية، وبيان غاية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنه القبول والانتفاع، وعدم الترفع لداعي الأمر والنهي؛ لأي سبب من الأسباب المذكورة في الحديث، أو التي تقوم مقامها، ويطمئن الحديث الآمرين الناهين بأنه لا . ضرر عليهم حال قيامهم بواجبهم إذا لم يستجب لهم المدعوون لكن السؤال الآن: هل يدل الحديث على أن هذه المعوقات إذا ما توافرت يسقط حينئذٍ واجب الأمر والنهي؟ قال ابن رجب تعليقاً على هذا الحديث عند ذكره له: أنه 1( 4341 أنفسكم﴾ المائدة المشكاة 2( 3( httpموقع الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بتصرف www.pv.gov.sa/HesbahInQuran/Pages/aya6.aspx

عدد الصفحات ٢٢٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 223 على سقوط الأمر والنهي عند عدم القَبول والانتفاع به هذه يبقى الإنكار حاصلاً في مرتبة القلب، أي أنه لا يسقط بالكلية، وبكل مراتبه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وقد عرض له أيضاً: هذا يفسره حديث أبي سعيد في مسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان الفجور حتى لا يبقى لهم إصغاء إلى البر؛ بل يؤذون الناهي لغلبة الشح والهوى والعجب سقط التغيير باللسان في هذه الحال، وبقي بالقلب ويستأنس لهذا المعنى بما ورد عن بعض السلف من تفسير للآية التي معنا، فقد أخرج الطبري عن الحسن قال: قال رجل لابن مسعود: ألم يقل الله: ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ؟ قال: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قُبلت منكم، ]اهْتَدَيْتُمْ﴾ فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم 1( 2( 3( 4( عنه-: ليس هذا بزمانها أن الصحابة غير مخاطبين بها، بل مراده أن العصاة المجترئ على المنكرات الذين لا يستجيبون لداعي الأمر والنهي لا يوجدون في زمانكم هذا؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا أحرص ما يكونون على الطاعة، وأبعد ما يكونون عن المعاصي، أقرب ما يكونون إلى الاستجابة إذا دعوا إلى معروف، أو نهوا عن منكر، وهم لم يكونوا ليؤثروا دنياً ولا هوى على طاعة الله، ولا يعجبون برأيهم إذا خالف أمر الله، ولا غير ذلك مما ذكر في الحديث المرفوع السابق ذكره من علامات هؤلاء الذين لا يتبعون معروفاً، ولا يهجرون منكراً.

عدد الصفحات ٢٢٤

224وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه ذُكر عنده هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ فقال: لم يجَِيء ]أَنفُسَكُمْ لاَ يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ تأويلها بعد، إن القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل ، ومنه آي وقع أن ينزلن، وكان منه آي وقع تأويلهن على عهد النبي بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي تأويلهن بعد النبي يقع تأويلهن عند الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة والنار، قال: فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، ولبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، عند ذلك جاء تأويل هذه الآية، قال أبو بكر: يعني عبد الله بقوله من تغيير المنكر لصلاح السلطان والعامة، وغلبة الأبرار للفجار، فلم يكن أحد منهم معذوراً في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر باليد واللسان، ثم إذا جاء حال التقية، وترك القبول، وغلبت الفجار سوّنغ السكوت في تلك الحال مع الإنكار بالقلب، وقد يسع السكوت أيضاً في الحال التي قد علم فاعل المنكر أنه يفعل محظوراً، ولا يمكن الإنكار . باليد، ويغلب في الظن بأنه لا يقبل إذا قتل، فحينئذٍ يسع السكوت وأخرج الطبري أيضاً عن سوار بن شبيب قال: كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجل جليدٌ في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيضٌ 1(

عدد الصفحات ٢٢٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 225 إليه أن يأت دناءةً، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال رجل من القوم: وأيَّ دناءة تريد أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟! قال: فقال الرجل: إني لستُ إيّناك أسأل، أنا أسأل الشيخ، فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبا لك، آني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم؟ عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضرُُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا . 1(]اهْتَدَيْتُمْ إِلىَ اللهّنِ مَرْجِعُكُمْ جمَِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِماَ كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وحاصل ما في هذه الآثار أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يسقط بمجرد تصيل المسلم الهداية في نفسه، غير مبال بما يقع فيه غيره من معاصٍ؛ لأن هذه الهداية لا تتكامل إلا بقيامه بواجب الأمر والنهي، فالمسلم فرد في جماعة، والدين يلزمه الاهتمام بأمر الجماعة، فإذا قام بما عليه من واجب الأمر والنهي، فقد أدى ما عليه، ولو لم يستجب له المدعوون، والضرر حينئذٍ واقع عليهم، لا عليه، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ هذا ما تفيده كل عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللهّنَ يهَْدِي مَن يَشَاء﴾ الآثار السابق ذكرها المرفوع منها وغير المرفوع ثم ختم الله -عز وجل- الآية بقوله: ﴿إِلىَ اللهّنِ مَرْجِعُكُمْ جمَِيعًا قال ابن جرير في تفسيرها: ]فَيُنَبِّئُكُم بِماَ كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 1( 2( httpموقع الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بتصرف www.pv.gov.sa/HesbahInQuran/Pages/aya6.aspx

عدد الصفحات ٢٢٦

226وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا أيها المؤمنون بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ومروا أهل الزَّيغ والضلال، ومن حاد عن سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، فإن قبلوا فلهم ولكم، وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم، فإن إليّن مرجع جميعكم، ومصيركم في الآخرة ومصيرهم، وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر، فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا، ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّن جزاءه حسب استحقاقه، فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ومما تدل عليه الآية من الفوائد والأحكام: أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب لا يسقط بحال من الأحوال، وأنه وسيلة من وسائل الاهتداء الذي حضت الآية على تصيله، وأن عدم القيام به حتى مع صلاح النفس منافٍ للاهتداء. « أنه في خسر في قوله تعا – آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَْقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبرِْ﴾ فالحق وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب ]3 لا يضر الآمر ضلال من ضل وترشد الآية أيضاً إلى قاعدة مهمة في الأمر والنهي، وهي أنه يشترط في القيام به ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، 1( 2(

عدد الصفحات ٢٢٧