وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 179 الحقيقة، وعليه فيجب حمل لفظ السائحون على معناه الظاهر الحقيقي، وهو السائرون الذاهبون في الديار؛ لأجل الوقوف على الآثار، تواصلاً للعظة بها والاعتبار، ولغير ذلك من الفوائد التي عرفها التاريخ. وكذلك عهدنا بالمعنى المجازي أنه لا تجوز إرادته إلا عند قيام القرينة على منع المعنى الحقيقي في حال أن الأمر هنا بالعكس؛ لكثرة القرائن التي تطالب بإرادة المعنى الحقيقي دون المجازي؛ وذلك مثل آية: ﴿أَفَلَمْ 9[11[﴿قُلْ سِيرُواْ﴾ 137[46[يَسِيرُوا﴾ 100[20[يَضرِْبُونَ فيِ الأَْرْضِ﴾ سورة النساء فهذه الآيات هي قرائن نيرة تؤذن بأن السيح معناه اليسير، فإنها وإن تكن من مادة أخرى إلا أن معناها يلاقي معنى السيح، على أننا لا نعدم قرينة على ذلك من نفس المادة، وذلك كآية: ﴿فَسِيحُواْ فيِ الأَرْضِ أَرْبَعَةَ فكلمة سيحوا هنا تفسر ﴿السَّائِحُونَ﴾في الآية 2[أَشْهُرٍ﴾ هذه، وهم يقولون: خير ما فسرته بالوارد. وبالجملة فصرف هذا اللفظ عن ظاهره تكسيل للأمة، وتدبير على فتور همتها، وضعف نشاطها، وحيلولة بينها وبين سعادة الإحاطة بآثار الأمم البائدة، ورؤية عِمْرَان المسكونة، الأمر الذي هو الآن الضالة المنشودة عند الغربيين، وفيه ستر لنور الكتاب الذي هو أول مرشد للعالم ألا يألوا جهداً في السير والسياحة، وأن ينقب في البلاد أيَّ تنقيب، وسيأت تتمة لهذا في تفسير آية: ﴿سَائِحَاتٍ﴾في سورة التحريم -إن شاء
عدد الصفحات ١٨٠180وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الله تعا وذكر الرازي فوائد السياحة حيث قال تكميل النفس؛ لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس، فلا بد له من الصبر عليها، وقد يلقى أفاضل مختلفين، فيستفيد من كلٍّ ما ليس عند الآخر، وقد يلقى الأكابر من الناس، فيحقر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتفع بها، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم، فتقوى معرفته، . وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين، انتهى 112[وقوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ﴾ الصلاة، والمعنى: الذين يقيمون الصلاة، ويقومون بالصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم؛ وكأن الركوع والسجود طابع مميز بين الناس لهم. وخص هذين الوصفين لإقامة الصلاة مع أن الصلاة قيام وقعود وركوع وسجود وقراءة ودعاء؛ لأنهما الوصفان اللذان يتجلى فيهما معنى الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة بإحسان الخضوع والخشوع لله، وإخلاص القلب بخشوعه الكامل، وتفويضه التام هو إقامة الصلاة، وكنى به عن معنى الإقامة، فيكون من المناسب أن يعبر بركني الركوع والسجود عن الصلاة، وبهما يتحقق ما اختصت به الصلاة من أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويتحقق فيها ذكر الله تعالى. وقيل: اختصا بالذكر؛ لأن سائر أشكال المصليِّ من قيامه وقعوده 1( 2(
عدد الصفحات ١٨١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 181 موافق للعادة، والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره. ويمكن أن يقال: القيام أول مراتب التواضع لله تعالى، والركوع وسطها، والسجود غايتها، فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية، وتنبيهاًَ على أن المقصود من الصلاة نهاية . الخضوع والتعظيم، ذكره الرازي 112[وقوله: ﴿الآمِرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ التوبة ذكر صفتين تطهر مجتمعهم، وتجعل الفضيلة دائماً هي السائدة، وهاتان الصفتان هما: الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر؛ ولذا قال تعالى: . }﴿الآمِرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُْنكَرِ ؟ }فان قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: ﴿والناهون قيل: فيه جوابان: أحدهما: أن الواو إنما دخلت ها هنا لأنها الصفة الثامنة، والعرب 22[تعطف بالواو على السبعة؛ كقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ 73[وقوله في صفة الجنة: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَُا﴾ المفسرين. والثاني: أن الواو إنما دخلت على الناهين؛ لأن الآمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر، كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، 1(
عدد الصفحات ١٨٢182وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات وقيل: إن الصفات الأولى صفات محمودة للشخص في نفسه، وهذه له باعتبار غيره؛ فلذا تغير تعبير الصنفين، فترك العاطف في القسم الأول، وعطف في الثاني؛ ولما كان لا بد من اجتماع الأول في شيء واحد، ترك فيها العطف لشدة الاتصال بخلاف هذه، فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به، وهذا هو الداعي لإعراب (التائبون) مبتدأ موصوفاً بما بعده، والآمرون خبره. فكأنه قيل: الكاملون في أنفسهم، المكملون لغيرهم، وقدم الأول لأن المكمل لا يكون مكملاً حتى يكون كاملاً في نفسه، وبهذا اتسق النظم أحسن نسق من غير تكلف، والله أعلم بمراده. وقيل: حكمة ذكرها في هذه الصفة دون ما قبلها من الصفات ما بين الأمر والنهي من التضاد، فجيء بالواو رابطة بينهما لتباينهما وتنافيهما، وقال بعضهم: هي زائدة، وليس بشيء. وقال ابن القيم على حِدَته مطلوب بتعيينه لا يُكتفى فيه بحصول الوصف الآخر، بل لا . بد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحه، ونهيه عن المنكر بصريحه ومن كلام ابن القيم يتبين أن الواو ليست واو الثمانية؛ فعلة دخولها أن كلاً من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قائم بذاته، فلا يكفي 1( 2( إشراف الشيخ: بكر بن عبد الله أبو زيد
عدد الصفحات ١٨٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 183 واحد منهما عن الآخر فورودها لنكتة معنوية مرادة بعينها، لا لخصيصة من خصائص لغة العرب كما ذهب إليه الحريري. 112[وقوله: ﴿وَالحَْافِظُونَ لحُِدُودِ اللهّنِ﴾ على حدود الله لتنفيذها في النفس وفي الناس، فالحد ما يحده الشارع فاصلاً بين الحلال والحرام، ومعنى حفظه حمايته وصونه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهّنِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ 229[الظَّالمُِونَ﴾ ويطلق الحد في عرف الفقهاء على كل عقوبة ذكرها الله تعالى للجرائم التي تعد اعتداء على حق الله تعالى، أو كما يعبر في لغة العصر بحق المجتمع، فالحدود عقوبات على الرذائل، وحماية للفضائل، وتدخل الحدود بهذا المعنى الفقهي الخاص في ضمن حدود الله التي تفرق بين الحلال والحرام، وحفظها صونها ومراعاتها، وألا يعتدى عليها. و(الواو) في قوله تعالى: ﴿وَالحَْافِظُونَ﴾لبيان أن هذا نوع مغاير لما سبقه، وقيل: سر العطف فيه الإيذان بأن التعداد قد تم بالسبع، من حيث أن السبعة هو العدد التام، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه؛ ولذلك تسمى واو الثمانية. وذهب المحققون إلى أن الواو في ذلك إما عاطفة، وإما واو الحال ولم يثبتوا واو الثمانية، وأنكر الفارسي واو الثمانية، لما ذكرها ابن خالويه في باب المناظرة. فقيل: هي 22[وأما قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ واو العطف، أي: يقولون: سبعة ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾فهما جملتان، وقال
عدد الصفحات ١٨٤184وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الزمخشري: هي الواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً عن المعرفة، قال: وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات علم، وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كغيرهم، وهو معترض من جهة أن دخول الواو على الصفة لم يقل به أحد من النحويين. فليس من هذا الباب؛ 5[وأما قوله تعالى: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ لأن الواو فيه عاطفة، ولابد من ذكرها؛ لأنها بين وصفين لا يجتمعان في محل واحد. 112[وقوله: ﴿وَبَشرِِّ المُْؤْمِنِينَ﴾ الكريمة بقوله: ﴿وَبَشرِِّ المُْؤْمِنِينَ﴾بياناً لعاقبة الإيمان، وهى نيل الخير والاطمئنان في الدنيا، والجنات في الآخرة، ورضوان من الله أكبر؛ ولذا قال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾أي: بشرهم بحسن الجزاء، والله سبحانه وتعالى عنده حسن المآب. ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، أو للعلم به؛ لقوله في آية الأحزاب: ﴿وَبَشرِِّ المُْؤْمِنِينَ بِأَنَّ لهَُم مِّنَ اللهَِّ فَضْلاً . 47[كَبِيرًا﴾
عدد الصفحات ١٨٥وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 185 ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام ذكر الله تعالى في هذه الآية أوصافاً ثمانية للمؤمنين، ويا لها من صفات عظيمة وشريفة! لا يتصف بها إلا الكُمل من الرجال، ومنها: أنهم آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر، أي: داعون الخلق إلى الحق، ودافعون لهم عما سواه، فإن المعروف على الإطلاق هو الحق سبحانه. ويكون فيها ترغيب في الجهاد؛ لأن رأس المعروف الإيمان بالله، ورأس المنكر الكفر به، والجهاد يوجب حصول الإيمان، وإزالة الكفر، والنهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة، وثوران الغضب. والمتأمل في هذه الصفات يجدها متكاملة، فبعد أن بين سبحانه الأوصاف التي تربى نفوسهم قلبياً واجتماعياً ذكر صفتين تطهر مجتمعهم، وتجعل الفضيلة دائماً هي السائدة، وهاتان الصفتان هما: الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.
عدد الصفحات ١٨٦186وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية الرابعة عشر: هذه الشعيرة مما أوصى بها لقمان ابنه قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالمَْعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُْنكَرِ 17[وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ﴾ هذه الآية فيها وصية لقمان لابنه، وصلاح الأبناء والبنات يتوقف على أمرهم بالأخلاق الفاضلة، والآداب الكريمة، وقد جاءت بعد عدة وصايا، فبعد أن أوصاه بالتوحيد، وعدم الشرك، وأسس العقيدة السليمة، والعبادة القويمة، أوصاه هنا بأربع وصايا، فيها حب الخير للناس كما يحبه لنفسه، والمسلم مجاهد في سبيل ربه، فدعا ابنه ليكون مؤمناً، ذا إيمان يتحرك في سبيل نشر المعروف، ومطاردة المنكر، وحمل أمانة هذا الدين إلى الآخرين، وإلى الجهاد والصبر على تمل تبعات الدعوة إلى الله. وهذه الوصية كلها باقة من العقائد الجليلة، والأخلاق الكريمة، وقد ذكرها القرآن الكريم لننتفع بما فيها من حكمة، إذ الحكمة ضالة المؤمن. وهذه الدعائم الأربع لنجاح الداعية هي: إقامة الصلاة، بكل ما تتطلبه من مقتضيات في بناء شخصية الداعية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بكل ما يتطلبانه من زاد وفير؛ لتكوين شخصيته، وتقيق القيام بتلك الفريضة البالغة الأثر في تقيق قيام الأمة المسلمة الرائدة القائدة، المخرجة الناس من جور السلاطين إلى عدل الإسلام، ثم الصبر على ما
عدد الصفحات ١٨٧وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 187 يلقاه الداعية من أهل الباطل من كل صنوف وفنون الافتتان والابتلاء وفي قصِ القرآن موعظة (لقمان) ابنه إيذان بالغ بالأمر الإيجابي بما تضمنته من هذه الدعائم الأربع، فإن أهل العلم ليذهبون إلى أن سنة البيان القرآني في الأمر بالفعل: الإخبار عنه، أو عن صاحبه في سياق المدح، أو الرضا عنه، أو عن صاحبه، وذلك ما هو الجلي في القصص القرآني، وما يحكيه من أخبار السابقين. فالمسلم القوي الإيمان جدير بأن يصبر على الفتنة والابتلاء، وجدير به قبل التصدي للدعوة إلى الله تعالى، وإلى تغيير المنكر بيده أو لسانه، أن . يدرب نفسه وأهله على الصبر على الابتلاء، وعلى الصمود أمام المحن وقبل أن نتكلم عن هذه الوصايا الأربع نذكر لمحة مختصرة عن لقمان الحكيم: اتفقوا على أَنه اسم أَعجمي، ممنوع من الصرف، قيل: عبراني، وقيل: سرياني، وكان له من الحِكَمِ والتجارب ما لم يكن لأَحد، قال وهبُ بن منبه: خُيرِّ لقمانُ بين الحِكمة والنبوة، فاختار الحِكمة على النبوة، كأَنه استعظم احتمال أَعباء النبوة، وقيل: لم يكن هذا لقمان عاد، بل كان عبداً أَسْوَدَ أَطاع الله تعالى، وأَطاع مالِكَه، فارتضاه الله تعالى، ورَزقه الحِكمة. ومن الدليل على علو قدره ورفعة شأنه أَن الله تعالى ذكر مواعِظه في أَشرف الكتب السماوية الذي هو القرآن، ونقلها على لسان أَشرف الرسل إلى أَشرف الأمم، وذكر اسمه في موضعين من التنزيل، قال تعالى: 12[ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْماَنَ الحِْكْمَةَ﴾ 1(
عدد الصفحات ١٨٨188وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 13[﴿وَإِذْ قَالَ لُقْماَنُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشرِْكْ بِاللهِ﴾ قال بعضهم: لقمان أُلْقِمَ حِكمةً محَْكـــيَّةً عَنْــهُ إِلى يومِ القيامة في الأُمَمْ 1( اللهُ في القـرآن عَظَّــمَ شَأْنَه ويَقُول: قد آتيْتُ لُقْمانَ الحِكَمْ و(الحكمة) التي أوتيها لقمان هي: العقل والعلم والإصابة في القول والعمل، والجمهور على أن لقمان ليس بنبي. 17[وفي قوله: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بني) بياء المتكلم التي تتضمن معنى التلطف والقرب، ونصيحة الابن يكسب الولد شعوراً بأنه شيء كبير -وهو كذلك- وإنه يحمل أمانة لا بد أن يتحرك لها، تعجز عن حملها الجبال الراسيات، وهذا لا شك يجعله يتطلع دائماً إلى تصيل الهمم العالية، وعدم الالتفات إلى الترهات، وإلى صغائر الأمور، كما يجعل حياته مصبوغة بالجد بعيداً عن الهزل والترف. أي: حافظ على الصلاة في 17[وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ أوقاتها، وبخشوعها وآدابها، وخصها بالذكر لأنها أكبر العبادات البدنية. 17[وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالمَْعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُْنكَرِ﴾ الناس بكل خير وفضيلة، وانههم عن كل شر ورذيلة. وذكر المعروف فيما أوجب الله تعالى من الوصية لا ينفي وجوبها، بل هو يؤكد وجوبها؛ إذ كان جميع أوامر الله معروفاً غير منكر، ومعلوم أيضاً أن ضد المعروف هو المنكر، وأن ما ليس بمعروف هو منكر، والمنكر 1(
عدد الصفحات ١٨٩وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 189 مذموم مزجور عنه، فإذاً المعروف واجب 17[وقوله: ﴿وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ﴾ إلى الإذاية، وأنه سيؤذى إذا قام بالأمر والنهى، أي: اصبر على المحن والبلايا؛ لأن الداعي إلى الحق معرض لإيصال الأذى إليه، قال أبو حيان: لما نهاه أولاً عن الشرك، وأخبره ثانياً بعلمه تعالى، وباهر قدرته، أمره بما يتوسل به إلى الله من الطاعات، فبدأ بأشرفها وهي الصلاة، ثم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن . بسبب الأمر بالمعروف، فكثيراً ما يؤذى فاعل ذلك فإن لم يصبر على ما يلقاه من أذى رجع من أول الطريق، وتنازل عن دعوته، ولو سلم أحد من الأذى لسلم منه الأنبياء والرسل. وليعلم المسلم أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وراءه التعب والعناء والنصب فقد يكون التعب نفسياً؛ لأنك تتحمل هم الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فمثلاً: لو كان في نطاق حيك أو مسئوليتك منكر فإنك ستحمل همين: أولاً: جمع النصوص والأدلة التي اعتنت بمعالجة هذا المنكر فتتأملها وتنظرها، وتبحث فيها، فهذا همٌ يحتاج إلى صبر على العلم والبصيرة التي تأمر بها وتنهى. ثانياً: تمل هم المواجهة: كيف تواجه؟ كيف تتكلم؟ كيف تقف في وجه الإنسان؟ ولذلك سأل موسى -عليه السلام- ربه أن يثبت قلبه 1( 2(
عدد الصفحات ١٩٠190وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم لهمّن المواجهة؛ ولذلك قال: ﴿رَبِّ اشرَْحْ ليِ صَدْرِي * وَيَسرِّْ ليِ أَمْرِي * فلا نستطيع أن ]وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانيِ * يَفْقَهُوا قَوْليِ﴾ نفعل شيئاً إلا بالله -جل جلاله-، فإذاً لا بد للإنسان أن يتحمل هذا الهم. بعد ذلك تأت النتائج والآثار للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيأتيك السفيه بسفهه، والإنسان الغوي بغيه وفجوره، ويأتيك الناس على اختلاف طبقاتهم، وعلى اختلاف منازلهم في مجابهة الخير وكراهيته، والتنفير منه، وسوء الظن بأهله، وهذا يحتاج إلى صبر، ونفس قوية، . وشكيمة وعزيمة « لينهى عنه، والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، 17[من الرفق والصبر، وقد صرح به في قوله: ﴿وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ﴾ سورة لقمان تكميل نفسه بفعل الخير، وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه؛ ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: ﴿وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ . 17[مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ﴾ وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعض الضوابط والآداب في كلمة جامعة له عما يحتاجه الآمر والناهي، قال فيها لمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يكون فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما 1( 2(
عدد الصفحات ١٩١وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 191 ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف، وينكر المنكر، والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تصيل المقصود، والحلم بعد الأمر ليصبر على أذى المأمور المنهي؛ فإنه كثيراً ما يحصل له الأذى بذلك؛ ولهذا قال تعالى: 17[﴿وَأْمُرْ بِالمَْعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُْنكَرِ وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ﴾ ويقول الشيخ سفر الحوا والنهي عن المنكر فيه إشارة إلى أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر هو أحوج من غيره إلى الصبر؛ وأن كل من دعا إلى الله، وآمن بالله لابد أن يبتلى، وأن يمتحن، ولا بد أن يعادى، كما قال سبحانه: ﴿الم * أَحَسِبَ أي: لا ]النَّاسُ أَنْ يُترَْكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ يمكن ذلك، ويقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُْجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ فكل نبي، وكل صاحب دعوة له أعداء من المجرمين، وكل آمر بالمعروف، وناهٍ عن المنكر له أعداء من المجرمين، فالآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر يُصادم الناس في رغباتهم، وفي شهواتهم، وفي مطامعهم، وفي مآربهم وملذاتهم؛ والناس يتهافتون عليها كما مثَّل النبي ذلك بأنهم يتهافتون في النار، كما يتهافت الفراش والذباب، ولكنه وهذا العمل لا يقوم به من بعده قال: (فأنا آخذ بحجزكم عن النار 1( 2( على أمته6118
عدد الصفحات ١٩٢192وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم إلا العلماء والدعاة، والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر؛ لأن الناس يتهافتون على ما يضرهم 17[وقوله: ﴿وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ﴾ وجوب الصبر، وإن خاف على النفس إلا أن الله تعالى قد أباح إعطاء التقية في حال الخوف في آي غيرها قد بيناها، وقد اقتضت الآية وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أيضاً. وقد قال ابن القيم -رحمه الله- مبيناً أهمية الص للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم، وهي الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: ﴿وَبَشرِِّ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبهِِّمْ . وقال بعض السلف وَرَحمَْةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ وقد عُزِّي على مصيبة نالته: ما لي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ﴾عَزْم مصدرٌ، يجوز أَن يكون بمعنى مفعول، أي: من معزوماتِ الأمورِ، أو بمعنى عازِم، كقولِه: 21[﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَْمْرُ﴾ حاءً، فقال: حَزْمٌ وعَزْمٌ، والصحيحُ أنهما مادتان مختلفتان اتَّفَقتا في المعنى. فيكون المعنى: إن ذلك المذكور مما عزمه الله، وأمر به، وحث عليه. قال الرازي: معناه إن ذلك من الأمور الواجبة المعزومة، أي: 1( 2(
عدد الصفحات ١٩٣وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 193 المقطوعة، فالمصدر بمعنى المفعول عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: هذه الآية فيها وصية لقمان لابنه، بوصايا جليلة منها: ن المعروف، ومطاردة المنكر، وحمل أمانة هذا الدين إلى الآخرين، والجهاد والصبر على تمل تبعات الدعوة إلى الله. وفي الآية دلالة على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كانا واجبين في الأمم المتقدمة، كما مر معنا، يقول ابن تيمية -رحمه ا . وأرسل به رسله من الدين ويقول الرازي إن هذه الصفات الثلاث كانت حاصلة في سائر الأمم وفيها دليل أن الآمر والناهي مبتلى بأذى الناس؛ ولهذا عقب 17[بالقول ﴿وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أَصَابَكَ﴾ وفيها أهمية هذه الشعيرة؛ لأن لقمان ما أوصى ابنه إلا بوصايا جامعة، ومنها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. 1( 2( الحسينية 3(
عدد الصفحات ١٩٤194وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية الخامسة عشر: من التناجي المحمود الأمر بالمعروف قال تعالى: ﴿لاَّ خَيرَْ فيِ كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَينَْ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهّنِ فَسَوْفَ .]نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً﴾ دلت هذه الآية الكريمة على أنه لا خير في كثير مما يتناجى به الناس، ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه، كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة، كالكلام المحرم بجميع أنواعه، ثم استثنى الله تعالى ثلاثة أمور، فقال: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ . ]بَينَْ النَّاسِ﴾ فدلت الآية على أن غالب مجالس الناس في غير ما ينفع إلا من أَمر بصدقة، أو معروف، أَو إصلاح بين الناس، ومفهوم الآية أن هذه الأمور خير لنفعها المتعدي. (لا) نافية للجنس، واسمها ]وفي قوله: ﴿لا خَيرَْ﴾ مبني على الفتح، والجار متعلق بالخبر، والجار والمجرور (من نجواهم) متعلقان بنعت لـ(كثير). أي: ما يتحدث به ]قوله: ﴿فيِ كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ الناس فيما بينهم، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس، ويخوضون فيه من الحديث، ثم استثنى النجوى في أعمال الخير. التناجي هو الحديث في السر، وأغلب ما يتناجى به الناس فيه إثم
عدد الصفحات ١٩٥