المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم

صادق بن محمد الهادي

صفحة ١١ من ١٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 163 فهذه هي شروط التمكين، فهل نحن أمة تستحق التمكين ونصف الأمة تقريباً لا يصلي؟ نصف الأمة لا يصلي وربما أكثر، هؤلاء لا يسجدون لله -عز وجل-، هل يُمكِّن لهؤلاء؟ لا يمكَّن لهم أبداً، إنما يُمكَّن الله -عز وجل- لعباده المؤمنين، الذين إن مكنّن لهم كانوا أوفياء لشرعه، فهم لم يشتغلوا في ذلك بحظوظ أنفسهم، ولكن قاموا لأداء حقوق الله المذكورة. ومعلوم أن الصلاة والزكاة من المعروف الذي يُؤمر به، فقد جعل الله تعالى في هذه الآية الغاية النهائية من التمكين في الأرض الذي أمر الله به المؤمنين، وأمر باتخاذ وسائله من الجهاد، ونصب الإمام، وإقامة الولاية، هو تقيق الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وأنت رب أسرة ممكن في الأرض على أسرتك لماذا لا تصلي امرأتك؟ لماذا لا يصلي أولادك؟ لماذا لا يصلي خدمك؟ إذا كنت صاحب محل أو عمل والعامل لا يصلي فما دورك؟ إذا قصر عامل في أي شغل عاقبته، وربما تفصله من العمل، ثم إذا قيل لك: لم لا تنصحه؟! قلت: أنا ماذا أعمل لهم العمال كلهم هكذا؟! مع أن هذا العامل الذي يبحث في ذلك الوقت عن عمل، والدنيا كلها متعطلة، لو علم أنك ستفصله لأجل أنه لا يصلي سيصلي ولو نفاقاً، إذاً هذا بمنزلة الخادم تماماً، طالما أنه يعمل لديك فأنت مسئول، لا تقل: أنا لا ذنب لي؛ لأن هذا ذنبك، وأنت مسئول عن عدم صلاة العامل الذي . يعمل معك، سرحه 1(

عدد الصفحات ١٦٤

164وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ولهذا فإن المقصود بالإمامة في الشريعة إقامة الدين، والدين هو فعل المعروف والأمر به، وترك المنكر والنهي عنه، كما قال شيخ الإسلام: « . للدين ولا للدنيا إلا بها ومعلوم أن الدولة في الإسلام أصل وجودها لتحقيق الحسبة بمعناها العام، وهي أيضاً -أعني الحسبة- أمانة في عنق الأمة، كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيرَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ . 110[المُْنكَرِ﴾ والدولة إذا عطلت هذا الأمر -وهو الأمر الذي نسب إليه نظام الدولة في الإسلام في النصوص التي جاءت بلفظ: (أولي الأمر)- فقدت أصل مشروعيتها، بل سبب وجودها الشرعي؛ ولهذا جاء في الحديث: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل المدلول عليه بآية ﴿اْلَّذِينَ إِن  فـ(الأمر) هو الذي جاء به النبي ا ... الآية، ووليه هو القائم عليه الذي يرعاه ويقيمه، }مَّكَّنَّاهُمْ فيِ اْلأرْضِ فإن لم يرعه ولم يقمه لم يصلح ولياً له. والعجب ممن يجعل كل متولٍ على المسلمين بأي شريعة يحكمهم ولي أمر شرعي، فليت شعري أفلا يتدبر هذا القائل إن لم يُؤت الفقه في الدين اللفظ الظاهر على أقل تقدير، فأي (أمر) تولاه الحاكم بغير ما 1( 2( وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم

عدد الصفحات ١٦٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 165 أنزل الله تعالى حتى يستحق هذا الاسم؟! أهو أمر (دين الإسلام) أمر ا ورسوله، أم أمر المناهج الوضعية والنظم الطاغوتية؟! وأي أمر للمسلمين غير دينهم الذي قال الله تعالى عنه ممُتناً عليهم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ 115[3[دِينًا﴾ سورة الأنعام بين العباد، صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام والكلام -هنا في الآية- مسوق للتنبيه على الشكر على نعمة النصر؛ بأن يأتوا بما أمر الله به من أصول الإسلام، فإن بذلك دوام نصرهم، وانتظام عقد جماعتهم، والسلامة من اختلال أمرهم، فإن حادوا عن . ذلك فقد فرطوا في ضمان نصرهم، وأمرهم إلى ا 41[وفي قوله: ﴿وَللهَِِّ عَاقِبَةُ الأُْمُورِ﴾ في الآخرة، والمعنى: آخر أمور الخلق ومصيرهم، أي: يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور له بلا منازع، وفيه: تَوَعُّدٌ للمخالف عن هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مُكن، فجميع الأمور ترجع إلى الله، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى، فمن سلطه أي: على العباد من الملوك، وقام بأمر الله كانت له العاقبة الحميدة، والحالة الرشيدة، ومن تسلط عليهم بالجبروت، وأقام فيهم هوى نفسه، فإنه وإن حصل له ملك مؤقت فإن عاقبته غير حميدة، فولايته مشؤومة، وعاقبته مذمومة. 1( 2(

عدد الصفحات ١٦٦

166وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: في الآية دلالة على أخذ العهد على مَنْ مكَّنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية. وفيها: دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر إلا مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالذين يمكن الله لهم في الأرض، ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل . ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين، ثم يقولون: إن الله سينصرنا مغررون؛ لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفى. ومعنى نصر المؤمنين لله نصرهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادهم، في أن تكون كلمته هي العليا، وأن تقام حدوده في أرضه، وتتمثل أوامره، . 2(وتجتنب نواهيه، ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله وفيها: إخبار بالغيب عما تكون عليه سيرتهم إنْ مكَّن لهم 1( 2(

عدد الصفحات ١٦٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 167 الأرض، وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين وفيها: بيان وظيفة الدولة المسلمة، وأن الحق لا يكفيه كونه حقاً فقط، وإنما يجب أن يقوم أهله بحمايته، والدعوة إليه، ومن أهم الركائز التي تتحتم على ولي الأمر لتحقيق هذا المقصد -وهو حراسة الدين وحفظه- قطع صلة المجتمع المسلم بالمجتمعات الكافرة والفاسقة، ومنع بث أفكارهم وعاداتهم، وما يمت إليهم بصلة بين المسلمين. وفي الآية دلالة على أن الولاة والأئمة ومن ينتدبهم أو يستنيبهم ولي الأمر عنه هم الأولى بالقيام بشعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأن هؤلاء متمكنون بالولاية ووجوب الطاعة، ومن أنواع القيام بذلك إقامة الحدود، والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة والحكام، فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى؛ لأنه إذا أهمل الولاة والحكام القيام بذلك فجدير ألا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم، فيوشك أن تضيع حرمات الدين، ويستباح حمى الشرع والمسلمين، فالآية أمكن ما هي في الملوك. وفي الآية إشارة إلى أن المستحقين للخلافة والتي هي السلطان والملك والقيادة والولاية على الناس هم الموصوفون بهذه الصفات، أما غيرهم فلا يستحقون ذلك، فهي في الأصل للمؤمنين العاملين بالحق، الحاكمين بالعدل والإنصاف بين الناس؛ كما وصفهم الله تعالى في هذه الآية.

عدد الصفحات ١٦٨

168وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية الثانية عشر: لا بد أن يكون في كل أمة بقية صالحة مصلحة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لتنجو من الهلاك والعذاب قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فيِ الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً ممَِّّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ 116[فِيهِ وَكَانُواْ مجُْرِمِينَ﴾ هذه الآية تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم، فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله في صورة من صوره، فيجد من ينهض لدفعه ومقاومته هي أمة ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، وأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، ويعصي فيها العصاة، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تق عليها، إما بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال والاختلال! وعلى هذا فأصحاب الدعوة إلى عبادة الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ألوهية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره، إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما . هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع وهذه الآية والتي بعدها وهي قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى 1(

عدد الصفحات ١٦٩

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 169 117[بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ رسالة الأنبياء حتى لا يدركهم الهلاك، والآية الأولى تتحدث عن قوم أولي بقية من عقل أو دين -كما يذكر القرطبي- يقومون بواجب الإصلاح والبيان، والنهي عن الفساد في الأرض، وليس في ديار الإسلام فقط، وأن قيام هؤلاء بواجب الإصلاح هو العاصم من القواصم، والحافظ . من الإهلاك في الآية الثانية ولو فعلت أمتنا ما فعله أولئك لأصابها -بجميع فئاتها- ما أصاب أولئك، ولكن الله -جل وعلا- كفل لهذه الأمة المحمدية أنه لا يزال في هذا الدين باقية، ولا تزال طائفة من هذه الأمة ينادون بالحق، ويدعون إليه، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، ما يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم، حتى يأت أمر الله وهم على ذلك ففي هذا الحديث دلالة على أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة متمسكة بهذا الدين، مقيمة حجة الله على العالمين، وذلك فضله -سبحانه- على هذه الأمة. 116[وفي قوله: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ سورة هود الأمم الماضية قبلكم أولو عقل وفضل وجماعة أخيار ينهون الأشرار عن الإفساد في الأرض، وهذا تريض لأمة محمد -عليه الصلاة والسلام-، 1( 2( أردناه أن نقول له كن فيكون﴾

عدد الصفحات ١٧٠

170وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 104[كما قال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الخَْيرِْ﴾ الآية. و(لولا) في الآية للتحضيض، صَحِبها معنى التأسف والتفجع، 30[مثل قوله: ﴿يَا حَسرَْةً عَلىَ الْعِبَادِ﴾ على تلك الأمم التي لم تهتد كقوم (نوح وعاد وثمود) وغيرهم. وقال ابن عباس والفراء: المعنى: فلم يكن، وقال ابن قتيبة: المعنى: فهلا كان من القرون من قبلكم أولو بقية، وروى ابن جماز عن أبي جعفر: أولو بقية بكسر الباء، وسكون القاف، وتخفيف الياء. وفي معنى أولو بقية، ثلاثة أقوال: أحدها: أولو دين، قاله ابن عباس، قال ابن قتيبة: يقال: قوم لهم بقية، وفيهم بقية إذا كانت بهم مسكة، وفيهم خير. والثاني: أولو تمييز. والثالث: أولو طاعة، ذكرهما الزجاج، وقال: إذا قلت: فلان فيه بقية، فمعناه: فيه فضل فتكون (البقية) إما بمعنى الباقية، والتأنيث لمعنى الخصلة أو القطعة، أو بقية من الرأي والعقل، أو بمعنى الفضيلة، والتاء للنقل إلى الاسمية كالذبيحة وأطلق على الفضل (بقية) استعارة من البقية التي يصطفيها المرء لنفسه، ويدخرها مما ينفقه، فإنه يفعل ذلك بأنفسها؛ ولذا قيل: (في الزاويا خبايا، وفي الرجال بقايا) و(فلان من بقية القوم) أي: من خيارهم، وجوز كون (البقية) مصدراً بمعنى (البقوى) كالتقية بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم، صيانة لها من سخطه 1(

عدد الصفحات ١٧١

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 171 تعالى وعقابه وقال ابن جريج: يستقلهم الله من كل قوم 116[وقوله: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فيِ الأَرْضِ﴾ ينهون الأشرار عن الإفساد في الأرض بالشرك، وسائر المعاصي. 116[وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً ممَِّّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ قَليلاً مِنْهُمْ مَنْ يَنْهى، والاستثناء منقطع، أي: لكن قليلاً منهم نهَوا عن الفساد فَنَجَوا. 116[وفي قوله: ﴿ممَِّّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ بالمعروف سبب للنجاة من الهلاك والعذاب، وفيها دليل على أنه لا بد أن يكون في كل أمة بقية صالحة مصلحة، لا تكتفي بصلاح نفسها وعبادة ربها، بل تتجاوز ذلك إلى إصلاح غيرها أمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، فإن وجدت هذه الطائفة لكان الحال على غير الحال، ولكان الخير أوسع دائرة، والصلاح أظهر وضوحاً مما هو الأمر عليه. 116[وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ أي: واتبع أولئك الظلمة شهواتهم، وما نُعموا به من الاشتغال بالمال واللذات، وآثروها على الآخرة، فصاروا منعمين فيه من الشهوات، حتى فجأهم العذاب، واتباعه كناية عن الاهتمام به وترك غيره، كما هو دأب التابع للشيء. قال الفراء: آثروا اللذات على أمر الآخرة، قال: ويقال: اتبعوا 1( 2(

عدد الصفحات ١٧٢

172وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم ذنوبهم السيئة إلى النار وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾أعم من المباشرين بأنفسهم للفساد، ومن تاركي النهي عنه، وقصره الزمخشري على الثاني؛ لأنهم المقصود بالنعي قبله، حيث قال أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرئاسة والثروة، وطلب أسباب العيش . الهنيء، ورفضوا ما وراء ذلك، ونبذوه وراء ظهورهم 116[وقوله: ﴿وَكَانُواْ مجُْرِمِينَ﴾ على الإجرام؛ باتباعهم المذكور، أو كافرين، وقيل: كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم السالفة، وهو فشو الظلم فيهم، واتباعهم للهوى، وترك النهي عن المنكرات مع الكفر. ومما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام: - أن في هذه الآية دعوة من الله للناس أن يكون منهم من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر عند فساد الناس، وأصحاب هذه الصفة هم الناجون من عذاب الله في الدنيا والآخرة، ومن هم يا ترى أهل هذه الصفة؟! إنهم أولئك الغرباء الذين يصلحون ما أفسده الناس، ومن في قوله: (بدأ الإسلام غريباً، هؤلاء؟ إنهم الذين أشار إليهم النبي وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ 1( 2(

عدد الصفحات ١٧٣

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 173 قال: (الذين يصلحون إذا فسد الناس وفي الحديث الآخر من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- : (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، قال: قال رسول ا فطوبى للغرباء) قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (النزاع القبائل ذات يوم وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول ا ونحن عنده: (طوبى للغرباء) قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم رواه أحمد. في فكم من الناس اليوم يتصف بصفات الغرباء التي ذكرها النبي أحاديثه المتعددة؟! كم من الناس اليوم قد أصلح نفسه عند فساد الكثير؟ وكم من الناس اليوم يصلح ما أفسده الناس؟ وكم من الناس اليوم ، ويعلمها ؟ وكم من الناس اليوم ينشر سنة النبييحيي سنة النبي . للناس؟ 1( الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) (ج 2( أي: بعد وغاب، أي طوبى للمهاجرين الذين هجروا أوطانهم في الله تعا 3( 3988 الصحيحة 4( انظر حديث رقم 5(

عدد الصفحات ١٧٤

174وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الآية الثالثة عشر: من أوصاف المؤمنين أنهم آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الحَْامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُْنكَرِ وَالحَْافِظُونَ لحُِدُودِ 112[اللهّنِ وَبَشرِِّ المُْؤْمِنِينَ﴾ هذه أوصاف ثمانية للمؤمنين، وهي غايات خطاب الله تعالى لأهل الإسلام، وهي تبين سلامة نفوسهم، ورقابتهم عليها لدوام تطهيرها، فكلما صدأت أزالوا صدأها، وتكفيهم تلك الصفات من الله فخرًا، وتتويجًا لأعمالهم في الدنيا، ونجاةً يوم القيامة من عذاب الله. « متعانقاتٌ تَعَانُقاً متلائماً يستدعي سابقُها تالِيَها لدى التحليل الذهني، فالتوبة هي المطلوب الأول من الصفات؛ لأنها بمثابة تنظيف الدار قبل جلْبِ الأثاث إليها، وبعد التوبة تأت العبادة، وأولُ عناصر العبادة الحمد، فالسياحة بمعنى إطلاق الفكر في آياتِ الله وآلائه، فكثرة الركوع والسُّجُودِ في الصلوات لله -عز وجل-، فالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالمحافظة على حدود الله عند كل عملٍ لله فيه حكم شرعِي ذو حدٍّ من الحلال والحرام. وهكذا جاءت مفردات الصفات منسابةً متلائمة على سياق واحد، . لا تنافر فيه، ولا شذوذ 1(

عدد الصفحات ١٧٥

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 175 112[وفي قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى الله مستغفرين، والتوبة شعور بالندم على ما مضى، وتوجه إلى الله فيما بقي، وكف عن الذنب، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك، فهي طهارة وزكاة، وتوجه وصلاح. والتائبون هم الذين يراقبون أنفسهم، وتشتد فيهم قوة النفس اللوامة، فهم كلما أحسوا بأمر يدنس أمرها، أو يكون فيه شك، أو يكون غيره أولى، أو تركه أولى، تابوا فهم يراقبون أنفسهم، يتوبون دائماً إلى ربهم منيبين إليه، وكأن في يدهم مكيالاً مملوءاً ماء يزيل أي دنس يعتري . نفوسهم بالتوبة، كما يطهر أي غبار يقع على الثوب 112[وللمفسرين في قوله: ﴿التائبون﴾ أحدهما: الراجعون عن الشرك والنفاق والمعاصي. والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر، واجتناب ما حظر 112[وقوله: ﴿الْعَابِدُونَ﴾ بالعبادة وبالعبودية إقراراً بالربوبية، وهذه صفة ثابتة في نفوسهم تترجمها الشعائر، كما يترجمها التوجه إلى الله وحده بكل عمل، وبكل قول، وبكل طاعة، وبكل اتباع، فهي إقرار بالإلوهية والربوبية لله في صورة عملية واقعية، بالقيام بحق الله تعالى، يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا مقترنان، ” التائب والعابد“يرونه فهم يشعرون بأنه يراهم، والوصفان أولهما للتخلية، والثاني للتحلية. 1( 2(

عدد الصفحات ١٧٦

176وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 112[وفي قوله: ﴿العابدون﴾ أحدها: المطيعون لله بالعبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الموحدون، قاله سعيد بن جب 112[وقوله: ﴿الحَْامِدُونَ﴾ على الاعتراف للمنعم بالنعمة، وتلهج ألسنتهم بحمد الله في السراء والضراء، في السراء للشكر على ظاهر النعمة، وفي الضراء للشعور بما في الابتلاء من الرحمة، وليس الحمد هو الحمد في السراء وحدها، ولكنه الحمد في الضراء حين يدرك القلب المؤمن أن الله الرحيم العادل ما كان ليبتلي المؤمن إلا لخير يعلمه، مهما خفي على العباد إدراكه، والمقصود أنهم يحمدون الله على كل حال. اختلف المفسرون في معنى 112[وقوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ هذا الوصف (السائحين) على أربعة أقوال: أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة في آخرين، قال الفراء: ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي سائحاً تشبيها بالسائح؛ لأن السائح لا زاد معه، والعرب تقول للفرس إذا كان قائماً لا علف بين يديه: صائم، وذلك أن له قوتين غدوة وعشية، فشبه به صيام الآدمي لتسحره وإفطاره. والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء، فقد روى أبو أمامة أن رجلاً استأذن 1(

عدد الصفحات ١٧٧

وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم 177 : (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل ا في السياحة فقالالنبي والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة. والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد على أن أكثر المفسرين أن السائحين: هم الصائمون، فقد ورد في الأثر: (إن سياحة أمتي الصوم السائحين بالصائمين قال الزجاج: هو قول أهل التفسير واللغة جميعاً، ورواه الحاكم مرفوعاً، وكذلك ابن جرير، قال ابن كثير: ووقفه أصح، وعن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن من السياحة فهو الصيام، وعن الحسن: السائحون الصائمون شهر رمضان، قال الشهاب: استعيرت السياحة للصوم لأنه يعوق عن الشهوات كما أن السياحة تمنع عنها في . الأكثر والجمع بين الآراء أن نقول: السياحة تشمل كل سياحة في سبيل الله، فتشمل السياحة في الجهاد، والسياحة في نشر الإسلام، والسياحة في تعرف أحوال المسلمين، كما تشمل سبح الفكر سائحاً في ملكوت الله تعالى، والمقصود من السياحة المنهي عنها هنا: سكنى البراري، وترك . المباحات والمألوفات قهراً للنفس 1( 2( 3( 4( 5(

عدد الصفحات ١٧٨

178وقفات مع آيات الحسبة في القرآن الكريم وقال القاسمي -رحمه ا السائحين: السائرون في الأرض، وهو مأخوذ من السيح، سيح الماء الجاري، والمراد به من خرج مجاهداً مهاجراً، وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين، فينبغي أن يكونوا موصوفين بجميع هذه الصفات. قال ابن كثير: جاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، فقد روى أبو داود من حديث أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، . : (سياحة أمتي الجهاد في سبيل افقال النبي قال القاسمي: لو أخذ هذا الحديث تفسيراً للآية لالتقى مع كل ما روي عن السلف فيها؛ لأن الجهاد في سبيل الله كما يطلق على قتال المشركين يطلق على كل ما فيه مجاهدة للنفس في عبادته تعالى، ومنه الهجرة والصوم والسفر للتفقه في الدين أو للاعتبار، بل ذلك هو الجهاد الأكبر، هذا على إرادة التوفيق بين المأثورات، أما لو أريد باللفظ أصل حقيقته اللغوية أعني الضرب في الأرض خاصة الذي عبر عنه عكرمة بالمنتقلين لطلب العلم لكان بمفرده كافياً في المعنى، مشيراً إلى وصف عظيم، وهذا ما حدا بأبي مسلم أن يقتصر عليه هو الحق في تأويل الآية... وقد عهدنا بألفاظ القرآن أنها يجب حملها على ظواهرها، وعلى معانيها الحقيقية، اللهم ما لم يمنع مانع عقلي ولا مانع هنا من إرادة 1( رقم 2(

عدد الصفحات ١٧٩