443 هذه الرؤيا، بل أراه احترامًا لذاتية الطفولة، وتكريمًا لقيمة الموهبة، وحسن ، استخدم هذه الكلمة للتلطف )ﭑ ﭒ (تعامل مع التطلعات والإبداع، ﭑ ﭒ ﭓ (والتحبب، وهي كلمة يُحتاج إليها لتقع في نفس الطفل موقعها، ، )ﭡﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭘ ﭗ ﭖ ﭕ ﭔ وهذا التصغير كناية عن تحبيب ورحمة وشفقة. )ﭒ(قال ابن عاشور: “ نزل الكبير منزلة الصغير؛ لأن شأن الصغير أن يحب ويشفق عليه، وفي . ثم بدأ يبين له أن هذه الرؤيا سيكون )1(ذلك كناية عن إمحاض النصح له لها شأن، حيث سيجتبيه ربه، ويعلمه من تأويل الأحاديث. وهذا تعزيز للطموح، وهو أثر نفسي عميق في الطفل، فإذا رأى تحفيزًا نشأ في نفسه الإبداع، وتعززت لديه القدرة على المضي قدمًا في تحقيق تطلعاته وآماله. ويكشف هذا الموقف القرآني أن الطفولة مرحلة عمرية حرجة، تحتاج إلى الحذر والحيطة في التعامل معها، وتحتاج إلى معرفة كيف يفكر الطفل، وكيف يشعر، وكيف ينبغي أن يوجه، وما هي الطرق في تدارك مواقفه، بعيدًا عن الضغط النفسي، الذي يحد من نشاطه وفاعليته. وهذا الموقف القرآني يرشد إلى ما يسمى التوازن النفسي أو القيمة النفسية، ويقصد بذلك: (التكامل بين الوظائف النفسية المختلفة، مع القدرة على مواجهة الأزمات النفسية العادية، التي تطرأ عادةً على الإنسان مع الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية، ويعني: التكامل بين الوظائف النفسية؛ أي خلو الإنسان من الصراع الداخلي، وما يترتب عليه من توتر نفسي وقلق . )2(وتردد، كما يعني: قدرة الفرد على حسم الصراع في حال وقوعه )17/12 ابن عاشور، التحرير والتنوير )1( ،134 أ. د. هناء يحيى أبو شهبة، ملخص بحث (السنة النبوية وتوجيه المسلم إلى الصحة النفسية)، ص )2( ضمن المؤتمر العلمي الأول للسنة النبوية (السنة النبوية في الدراسات المعاصرة)، جامعة اليرموك، م. 2007 نيسان18 - 17هـ،1428 ربيع الأول30 - 29كلية الشريعة والدراسات الإسلامية،
عدد الصفحات ١٧444 المطلب الثالث بيان أثر الطفولة في الحياة بين القرآن الكريم نفع الطفولة وفاعليتها في الحياة، وأبرز القيم التي ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ (انطوت عليها، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى : ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ . ]ال[ )ﰕﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ فهذه صورة من الطفولة في طور النشأة، وقد عبّر القرآن عن هذه ، إذ قد توكل بعض )ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ (المرحلة العمرية بهذا التعبير: الأعمال للطفل تعويدًا له على الاحتمال والصبر والجلد، وهذا أمر مرغوب فيه، ولكن أن يكون ذلك ضمن المقدور والمستطاع، وفي إطار هذا الهدف. والملاحظ هنا: أن الخطاب بين النبي الوالد وولده فيه مشورة من ﰉ ﰊ (جهة، واختبار للجانب التربوي الذي ينتظره الوالد من ولده . )ﰋ ﰌ ﰍ هذه الآية حملت من معاني الفاعلية للطفولة النوعية الواعية ما يجعلها مثالاً للسلوك النوعي والأدب العظيم. وثمة نموذج آخر يحتوي على جانب عميق الدلالة في الناحية التربوية والنفسية في الاهتمام بنبوغ الطفل وتنمية إدراكاته، وهو قوله تعالى: . ]50مر[ )ﭙﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ( أي: الفهم والعلم والجد والعزم )ﭖ ﭗ ﭘ(قال ابن كثير: “ . )1(والإقبال على الخير، والانكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث وهذا نبوغ على غير العادة في الأطفال، قال ابن عاشور: “هذا يقتضي ). 153 /3 ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، )1(
عدد الصفحات ١٨445 أعطاه استقامة الفكر، وإدراك الحقائق في حال الصبا على اللهأن الاستقامة وإصابة الرأي في Sغير المعتاد، كما أعطى نبيه محمدًا أعطي النبوة وهو صبي؛ لأن النبوة رتبة صباه، ويبعد أن يكون يحيى . )1(عظيمة، فإنما تعطى عند بلوغ الأَشُدّ والقرآن هنا يشير إلى وجود النبوغ في حال الطفولة والصبا، وينبه إلى ضرورة استغلال هذه الطاقات التي تظهر بين أفراد الأطفال، وقد يكون النبوغ بالعلم والمعرفة والإدراكات العقلية والملكات الفكرية، حيث يصبح لهذه الإدراكات الذهنية أثر في صوغ تصوراته وتكوينها حول الوجود، وحيال المواقف المختلفة في الحياة. وقد يكون على المستوى التقني والعملي، على معنى أن مشارب النبوغ والفاعلية في الطفولة متعددة، ومتنوعة تنوّع الإنسان واستعداداته التي إياها. اللهوهبه ولا شك أن هذا لفت لأنظار المربين إلى ضرورة التوجيه المبكر، والرعاية الأولية للطفولة التي تبدي نبوغًا وفهمًا حيث تعزز فيها الدافعية للتفكير، وتنمي عندهم جوانب الإبداع. من خلال النماذج العملية إلى ضرورة تعزيز الملكات Sوقد نبه النبي « الذهنية للطفولة الموهوبة، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا، قال: من وضع هذا؟ فأُخبر، Sالنبي . )2(فقال: اللهم فقهه في الدين Sيقول الدكتور علي عجين: “إن مبادرة الغلام لوضع الوضوء للنبي دون أن يطلب منه ذلك علامة على فقهه، ودقة ملاحظته، وقوة تركيز ). 18/16 ابن عاشور، التحرير والتنوير، )1( العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، حديث )2( .)2477 رقم1927/4)، ومسلم170/1،143رقم
عدد الصفحات ١٩446 من وضع هذا؟ والعادةS، ولذلك سأل النبيSفيما يحتاجه النبي أن يضع ذلك أحد الكبار من أهل أو أصحاب، أما أن يبادر غلام صغير بالدعاء له في Sلمثل هذا التصرف، فهذه علامة نبوغه، فبادره النبي الفقه في الدين، لما رأى من استعداد ذاتي للعلم والفقه في شخصية ابن . )1(”عباس وعلى هذا، فإنه لا بد من إتاحة الفرصة للطفل لإظهار موهبته وعدم كبت شخصيته، و(إن عدم اكتراث الوالدين لمواهب الأبناء، وعدم وجود ما يزكيها في البيت، مع عدم تقبل الوالدين أو المجتمع للأفكار الغريبة غير التقليدية لدى المتفوق، علامة على النظرة السلبية للمتفوق، تشكل مشكلةً أساسيةً في طريق الموهوب، قد تكون عائقًا لإبراز موهبته فيما . )2(بعد عجين، علي إبراهيم، رعاية الموهوبين في السنة النبوية- ابن عباس نموذجًا، المجلة الأردنية في )1( .162م، ص2008هـ - كانون أول1429، ذو الحجة4الدراسات الإسلامية، جامعة آل البيت، عدد . 57 شقير، زينب محمود، رعاية المتفوقين والموهوبين والمبدعين، ص )2(
عدد الصفحات ٢٠447 المبحث الثالث مظاهر الرحمة بالطفل في القرآن الكريم المطلب الأول الرحمة بالطفل يتيمًا معنى اليتيم شرعًا: هو المنفرد عن الأب؛ لأن نفقته عليه لا على الأم، . )1(وفي البهائم: هو المنفرد عن الأم؛ لأن اللبن والأطعمة منها وقال الزمخشري: “اليتامى: الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم: الانفراد، ومنه: الرملة اليتيمة والدّرة اليتيمة، وقيل: اليتم في . )2(الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات والطفل اليتيم كغيره من الأطفال له الحق أن يحصل على قدر مناسب من الحب والحنان والعطف والتوجيه والإرشاد. وقد يعاني الطفل اليتيم من مشكلات منها: العوز المادي، كنقص الغذاء والكساء والمسكن، والحرمان الانفعالي من الحب والعطف والحنان، وقد يؤدي عدم الاهتمام به والرعاية السليمة له أن يتشرد ويتخلف، وأن يصبح جانحًا، حيث أظهرت نتائج الدراسات التي أجريت في هذا المجال أن إهمال اليتيم يؤدي إلى التأخر الدراسي، وإلى تكوين العقد النفسية، مثل الشعور بالنقص والدونية. . 331 الجرجاني، التعريفات، ص )1( .)494/1 الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، )2(
عدد الصفحات ٢١448 وتؤكد الدراسات على أهمية المؤثرات الأسرية في نمو الطفل وتكوينه الشخصي، عندما يفقد الطفل أحد أبويه في طفولته المبكرة، حيث إن فقدان الطفل لأحد أبويه إن لم يتوفر له البديل المناسب يمكن أن يؤدي إلى مشاعر بعدم الأمن والقلق والاعتمادية بالإضافة إلى تأثيرات في الشخصية يمكن أن تكون خطيرة. وقد رتب القرآن الكريم للطفل اليتيم حقوقًا ماديةً ومعنويةً؛ رحمةً به وبحالته التي توجب شفقة الآخرين عليه؛ إشعارًا بأن اليتم للطفل ليس شيئًا شائنًا، وليس دليل نقص في إنسانيته، وأخذت الرحمة بالطفل اليتيم في القرآن أكثر من بعد نفسي ومادي، وقد تمثل ذلك فيما يلي: •عدم قهر اليتيم: ﮒ ﮑ ﮎ ﮏ ﮐﮍﮉ ﮊ ﮋ ﮌ( تعالى : اللهقال . ]9-6ال[ )ﮚ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮕﮓ ﮔ مرارة اليتم، فكان ذلك حافزًا على إكرام Sوقد استشعر نبينا اليتيم، ومراعاة آلامه النفسية ومشاعره في فقد الأب أو الأم أو كليهما. (والقرآن استعمل اليتيم مفردًا ومثنى وجمعًا، ثلاثًا وعشرين مرة، كلها بمعنى اليتم الذي هو فقدان الأب، ويلحظ فيه اقتران اليتيم بالمسكنة في أحد عشر موضعًا، كما ذكر فيه من آثار اليتم الجور، وأكل المال، وعدم . )1(الإكرام، والدع الذي هو: الدفع العنيف مع جفوة وفي موضع آخر يعيب القرآن إزعاج اليتيم طفلاً بصورة منفّرة، قال )ﭯ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭪﭦ ﭧ ﭨ ﭩ(تعالى: ، ومعنى يدع اليتيم: (يدفعه دفعًا عنيفًا بجفوة وأذى، ويرده ردَّا ]2-1الماعون[ .)43 /1 بنت الشاطئ، التفسير البياني للقرآن الكريم، )1(
عدد الصفحات ٢٢449 ، وهذا غاية في النهر والقهر، حيث جُمع على )1(قبيحًا بزجر وخشونة اليتيم هنا قهران: قهر مادي، وذلك بدفعه بيديه، وقهر معنوي، بإسقاطه من دائرة الاعتبار، وفي هذا منتهى الإساءة والانتحاء عن الإنسانية. •الحض على إطعام اليتيم: وجعل عنوان ذلك تقديم الطعام له، رغبةً في إدخال المسرّة إلى قلبه، وإشعارًا بالترحيب به، وأن يُتمه لا يشكل ثقلاً على المجتمع، وأن مجتمعًا يسوده التكافل لا يشعر اليتيم فيه بقهر يُتمه، إذ إن مرارة اليتم ﮧ ﮨ ﮩ ﮦﮣ ﮤ ﮥ( تعالى: اللهتذهبها حلاوة الإحسان، قال ﯛ ﯜ ﯚ ﯗ ﯘ ﯙﯖ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﮮ ﮬ ﮭﮫﮪ . ]16-11البلد[ )ﯟﯝ ﯞ فالإطعام لليتيم طريق يتجاوز بها المسلم العقبة الكؤود، ويفك بها نفسه من النار، فهي قربة منجية، وإذا كان القرآن جعل من اليتيم طريقًا للنجاة من النار، كان ذلك أدعى إلى محبة اليتيم والعطف عليه، وفي تقديم إطعام اليتيم على إطعام المسكين تنويه بأهمية رعايته وشدة احتياجه إليهما، (وفي إطعام هذا جمع بين الصدقة والصلة، وفيهما من الأجر ما . )2(فيهما، وقيل إنه لا يخص القريب، بل يشمل من له قرب بالجوار •جعل مال اليتيم وقفًاا عليه: لا يجوز أن تطمح الأنظار إليه: فقد أحاط القرآن اليتيم بالحماية والرعاية، ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ( تعالى : اللهونبه إلى ضرورة الحيطة فيه، قال . ]34الإ[ )ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ والنهي عن الاقتراب من مال اليتيم هنا فيه مفهوم الموافقة أو فحوى ). 809 /4 الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، )1( .)138 /30 الآلوسي، روح المعاني، )2(
عدد الصفحات ٢٣450 ، إذ التصرف فيه، وأخذه منهي عنه من باب أولى. وعلى هذا، فإن)1(اللفظ مال اليتيم حمىً لا ينبغي أن يستباح؛ مبالغةً في التشديد على أهميته، وقد ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ (: على ذلك الوعيد البالغ، فقال اللهرتب . ]الن[ )ﮒﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ وهذه صورة بلاغية منفّرة تجعل النفس تتوقف في شأن مال اليتيم قبل التصرّف فيه بحقّه. قال القرطبي: “سمي أخذ المال على كل وجوهه أكلاً؛ لما كان المقصود هو الأكل، وبه أكثر إتلاف الأشياء، وخص البطون بالذكر؛ لتبيين نقصهم، . )2(والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق، وسمي المأكول نارًا بما يؤول إليه وقد رتب القرآن في قسمة المواريث حقًّا لمن حضر القسمة من اليتامى ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ (: بأن يرزقوا منه، قال . ]الن[ )ﭳﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ والآية هنا فيها تطييب لخاطر اليتيم من حرمانه النفسي والمادي، قال أبو السعود: “وهو أمر ندبٍ كُلف به البالغون من الورثة تطييبًا . )3(لقلوب الطوائف المذكورة، وتصدقًا عليهم المطلب الثاني الرحمة بالطفل مستضعفًا •لقد رفع القرآن التبعة والمسؤولية عن الطفل قبل بلوغه، وجعله من وهو: فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، الغزالي، المستصفى من علم )1( .17)، وانظر الشيرازي، اللمع في أصول الفقه، ص195 /2الأصول، ). 35 /5 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، )2( .)147 /2 أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، )3(
عدد الصفحات ٢٤451 زمرة المستضعفين، الذين هم أحوج ما يكونون للرحمة والعناية، وقد اشتملت سورة النساء -التي هي عنوان على المستضعفين-على ﭑ ﭒ ( تعالى: الله، قال اللهاستثنائهم من القتال في سبيل ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ . ]الن[ )ﭰﭮ ﭯ •فقد استثنى الولدان المستضعفين من المشاركة في القتال في سبيل ، وقد بيّن القرآن عذر الولدان المستضعفين في شأن الهجرة الله ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ (، قال تعالى: اللهفي سبيل ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮠ ﮡ ﮢ ﮟﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ . ]الن[ )ﮬﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ولنا أن ننظر في لطف التشريعات القرآنية بهذه الفئة من الناس، ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ (التي لا تستطيع حيلةً ولا تهتدي سبيلاً، ومعنى ﮩ (: “لا يقدرون على حيلة، ولا على قوة الخروج منها، )ﮪ ﮫ . )1( أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج)ﮪ ﮫ المطلب الثالث مراعاة الطفل رضيعًا عنى القرآن الكريم بالطفل في حال الرضاع، وفرض له حقًّا في تعالى: اللهالرضاع؛ لنماء جسده، وإكسابه صحةً جسديةً ونفسيةً، قال ). 470 /1 البغوي: معالم التنزيل، )1(
عدد الصفحات ٢٥452 ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ( ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﰇ ﰆ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ . ]233البقرة[ )ﰓﰈ ﰉﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ وهذه الآية وردت في سياق أحكام الطلاق وحقوق الزوجات، والنهي عن الإضرار بهن، ثم عرض القرآن للحديث عن حقوق الرضيع، وعن حقوق : والوالدات )ﮪ ﮫ ﮬ(المرأة المرضع أيضًا، قال ابن عاشور: “ معناه: والوالدات منهن؛ أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآية الماضية، أي المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلا بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة، وأنها لا تمتنع منه من تمتنع إلا لسبب طلب التزويج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع، فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج فيها؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة. خبر مراد به التشريع، وإثبات حق الاستحقاق، )ﮫ(وجملة وليس بمعنى الأمر للوالدات والإيجاب عليهن؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام فإن الضمير شامل ؛)ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ(المطلقات، ولأنه عقب بقوله للآباء والأمهات على وجه التغليب، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه، ولكن تدل على أن ذلك حق لها، وقد صرح بذلك في ، ولأنه ]6الطلاق[ )ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ(سورة الطلاق بقوله تعالى: وذلك أجر ]233البقرة[ )ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ (عقب بقوله الرضاعة، والزوجة بالعصمة ليس لها نفقة وكسوة لأجل الرضاعة، بل صرح بالمفعول مع كونه معلومًا إيماءً إلى )ﮬ(لأجل العصمة، وقوله
عدد الصفحات ٢٦453 تذكيرًآ)ﮬ(أحقية الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه؛ لأن في قوله . )1(لهن بداعي الحنان والشفقة ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ (كما يتبين من قوله تعالى: ، ظهورًا واضحًا لإيلاء الإسلام ]6الطلاق[ )ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ الرضاعة حديثًا جاء عقب الحديث عن التشريعات المتعلقة بالطلاق ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ (والعدة، وعقب إيصاء القرآن بالتقوى . ]5الطلاق[ )ﰉﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ كما تؤكد الدراسات أن الأطفال الذين يتم فطامهم في مرحلة مبكرة يصيرون في الكبر أقرب إلى التشاؤم في حين أن الأطفال الذين يتم فطامهم في مرحلة متأخرة، يصبحون في الكبر أكثر ميلاً إلى التفاؤل. وتؤدي القسوة في الفطام إلى ترك آثار نفسية سيئة عميقة في الطفل، قد يكون لها أثرها في المستقبل، وليس غريبا أن يشعر الطفل بقلق دائم لا يعرف مصدره، أو يعوضه عن الثدي بمص أصابعه، وقضم أظافره. ويتفق الباحثون على التوصية بضرورة إتمام عملية الفطام بالتدريج بتعويد الطفل تدريجيًا على تناول السوائل وغيرها من الأطعمة اللينة . )2(مبكرًا وزيادتها بالتدريج ولذا يجب الاهتمام بنفسية الطفل الرضيع؛ لأنه يتأثر بنفسية والدته ، قال محمد عبده: ]233البقرة[ )ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ( “العلة في الأحكام السابقة: منع الضرار من الجانبين، بإعطاء كل ذي حق حقه بالمعروف، وهو يتناول تحريم كل ما يأتي من أحد الوالدين للإضرار بالآخر، كأن تقصر هي في تربية الولد البدنية أو النفسية؛ )409/2 ابن عاشور، التحرير والتنوير، )1( 50-49 صوالحة وحوامدة سيكولوجية التنشئة الاجتماعية (النظرية والتطبيق)، ص )2(
عدد الصفحات ٢٧454 لتغيظ الرجل، وكأن يمنعه هو من أمه ولو بعد مدة الرضاع أو الحضانة، فالعبارة نهي عام عن المضارة بسبب الولد، لا يقيد ولا يخصص بوقت . )1(دون وقت، أو حال دون حال، أو شخص دون شخص إذا نشأ الطفل في جو مشبع بالحب والثقة، فإنه يتحول عند نموه إلى شخص يستطيع أن يحب، لأنه أحب، وتعلم كيف يحب، وسيكون شخصًا يستطيع أن يثق، لأنه عاش في جو من الثقة مع الوالدين. في مثل هذا الوضع يحصل الطفل على إشباع لحاجاته النفسية كالشعور بالأمن والطمأنينة والإحساس بقيمته الشخصية. ويؤكد الباحثون أنه كلما كانت العلاقة بين الوالدين منسجمة، كلما أدى ذلك إلى جو يساعد على نمو الطفل إلى شخصية كاملة ومتزنة، أما الخلافات والتشاحن بين الزوجين وخاصة عندما يشعر بها الطفل تعتبر من العوامل المؤدية إلى نمو الطفل نموًا نفسيًا غير سليم، كما أن الخبرات المؤلمة ذات الأثر النفسي غير السليم على نمو الطفل وشعوره بما يوجد بين والديه من انعدام الحب والعطف وما تحويه علاقاتهما من خلاف وتشاحن ينشئ صراعا نفسيا بالنسبة للطفل. إن تنشئة الأطفال في مراحل نموهم الأولى تتطلب الأم المتخصصة المعدة إعدادًا سليمًا للأمومة، وهي التي تستطيع أن تشبع حاجة الطفل إلى الحب والحنان والرعاية، فينشأ نشأته السليمة التي تتوازن فيها نفسه أو يكون لديه الاستعداد للتوازن المناسب، وتلك نقطة البدء . )2(الخطيرة في حياة البشرية؛ لأنها هي التي ترسم مستقبل البشرية ولا يسقط حق الطفل في الرضاعة على أي حال، فإن من لم ترضعه ). 346/2 محمد عبده، تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار، )1( 189 صوالحة وحوامدة، سيكولوجية التنشئة الاجتماعية (النظرية والتطبيق)، ص )2(
عدد الصفحات ٢٨455 )ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ (أمه يستأجر والده مرضعًا، قال تعالى: . ]6الطلاق[ إن أهمية الرضاعة لا تقتصر على مجرد تقديم الطعام للطفل، بل تتضمن أيضا ضرورة شعوره بالطمأنينة والعطف والحنان، وقد أكدت الدراسات على أهمية احتضان الطفل والالتصاق البدني بينه وبين الأم باعتباره عاملا رئيسيًّا يحدد النمو الاجتماعي له؛ حيث إنه من المحتمل أن الالتصاق بين الطفل البشري مع أمه يحدث بشكل مؤكد حينما لا . )1(يكون الطفل الرضيع خائفًا وقد بين القرآن أن الرضاعة للطفل تؤكد لصوق الطفولة بالأمومة وقربها منها، وقد كشف القرآن مشهدًا يؤكد هذا الانسجام، فأشد ما يكون القرب حين تضم المرضعة رضيعها، وهي صورة من التواصل العاطفي والنفسي، وفي يوم عظيم مهول تتخلى تلك المرضعة عن طفلها، إذ سيفر الإنسان من أقرب الناس إليه، ولا يسأل الحميم عن حميمه، وقد اختار القرآن لبيان انقطاع الصلات في ذلك اليوم هذا الانقطاع في ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ( تعالى: اللهاتصال المرضعة برضيعها، قال ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭛﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ . ]2-1الحج[ )ﭲﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ وهنا سرّ في التعبير بـ(كل مرضعة)، إذ هناك فرق بين المرضعة والمرضع، قال الفيروزآبادي: (أرضعت المرأة، فهي مرضع: لها ولد . )2(ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد، قلت: مرضعة 47 المرجع نفسه، ص )1( .267)، الرازي، مختار الصحاح، ص932 /1 الفيروزآبادي، القاموس المحيط، )2(
عدد الصفحات ٢٩456 وقال الجمل: (كل مرضعة) أي مباشرة للإرضاع، بأن ألقمت الرضيع ثديها، فهو بالتاء لمن باشرت الإرضاع، وبلا تاء لمن شأنها الإرضاع وإن . )1( لم تباشره المطلب الرابع التوجيهات التربوية والأدبية المستفادة من رحمة القرآن بالطفل لقد راعى القرآن الكريم توجيه الطفل تربويًّا وأدبيًّا من خلال الإرشادات السلوكية والجوانب الخلقية، وقد سبق الإسلام كثيرًا من النظريات التربوية القديمة والحديثة في وصف خصائص الأطفال، وطرق تنشئتهم والعناية بهم: حيث ينظر الإسلام إلى الطفل الصغير على أنه مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعًّا ولا ضرًّا، ولكنه مزود بحواس وخصائص عقله، قادرٌ على التفاعل مع بيئته، وقابلٌ للتعلم، وتنظيم هذه المعاني من ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ (خلال الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، قال تعالى: ﯤ ﯥ (، وقال أيضًا ]الن[ )ﭨﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﮝ ﮜﮘ ﮙ ﮚ ﮛ (، وقال تعالى: ]78النحل[ )ﯴﯲ ﯳ . ]10-8البلد[ )ﮢ ﮠ ﮡﮟﮞ فهم مزودون باستعدادات وقابليات للخير والشر في آن واحد، . )2(ومزودون بقدرات عقلية تمكنهم من التمييز والاختيار والتعلم ). 151 /3 الجمل، الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، )1( )188 صوالحة وحوامدة، سيكولوجية التنشئة الاجتماعية (النظرية والتطبيق)، (ص )2(
عدد الصفحات ٣٠457 وقد جاءت رحمة القرآن الكريم بتوجيه الطفل وتربيته، إرشادًا وتقويمًا ضمن أحكام تتعلق بزينة المرأة وآداب الدخول على الوالدين، وقد تناولت هذه الإرشادات والتوجيهات الخلقية والتربوية نوعين من الأطفال: النوع الأول: الطفل غير المميز، والنوع الثاني: الطفل المميز. فأما ما يتعلق بالطفل غير المميز، فقد جاء التوجيه بشأنه ضمن الآيات ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ( تعالى: اللهالتي تتعلق بزينة المرأة، قال ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ . ]31النور[ )ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ، فذهب )ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ (وقد اختلف المفسرون في معنى )1(الطبري إلى أنهم، “الأطفال الذين لم يكشفوا عن عورات النساء بجماعهن على معنى أنهم مميزون، ولكن لم يبلغوا الحلم بعد. وذهب الجصاص إلى . )2(أنهم: “الذين لا يدرون ما هنَّ من الصغر قال الزمخشري: “اما من ظهر على الشيء، إذا اطلع عليه؛ أي لا يعرفون العورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان . )3(إذا قوي عليه؛ أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء والذي يظهر أنهم الذين لا يفرقون العورة من غيرها؛ لأن الطفل قد يبلغ عمرًا يميز به العورة من غيرها، ولا يملك قدرة على الوطء لعلةٍ أو ما شابه ذلك، ولأن الطفل غير المميز تأمن المرأة جانبه، بخلاف الذي ). 310 /9 الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، )1( .)177 /5 الجصاص، أحكام القرآن، )2( .)237 /3 الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، )3(
عدد الصفحات ٣١458 قارب أوان البلوغ، زيادةً على أن صغره لا يؤثر في نفسيته، بحيث لا يبقى ذاكرًا لصورة النساء، مما لا يؤثر في سلوكه بعد البلوغ. وإذا تأمل المتأمل كلمة (الطفل) يرى عدم الحاجة للنساء في هذا الوصف، وهذا يدل على براءة الطفل وسلامته من أثر الزينة التي ﯬ (تكشفها المرأة وتبديها له، وهذا ما رمز إليه ابن عاشور حين قال: “ لم يطلعوا عليها، وهذا كناية عن خلو بالهم من )ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ . )1(شهوة النساء، وذلك ما قبل سن المراهقة وأما ما يتعلق بالطفل المميز، فقد جاء التوجيه القرآني بحقه ضمن ﮬ ( تعالى: اللهالآيات التي تتعلق بآداب الدخول على الوالدين، قال ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﮮ ﮯ ﮭ ﯫ ﯬﯭ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯥ ﯦ ﯤ ﯣ ﯠ ﯡ ﯢ ﯞ ﯟ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯷ ﯶ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯰ ﯯ ﯮ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﰄﰃ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ . ]النور[ )ﭦﭥ فهذه آدابٌ في الاستئذان موجهة للعبيد، والإماء، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار، إذ هناك ثلاثة أوقات ينبغي فيها مراعاة الأدب في الاستئذان، وهي: من قبل صلاة الفجر، ووقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ إذ هي أحوال ربما انكشفت فيها عورة الرجل والمرأة، ولا يليق الدخول عليهما في تلك اللحظات، وقد سمى القرآن تلك الأوقات بالعورات؛ (لأن الإنسان يختل ستره فيها، والعورة: الخلل، ومن الأعور . )2( المختل الع ). 212 /18 ابن عاشور، التحرير والتنوير، )1( .)173 /2 النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، )2(
عدد الصفحات ٣٢