427 الرحمة في القراآن (الطفل اأ إعداد: د. عبدالرؤوف أحمد بني عيسى أستاذ مساعد - كلية العلوم التربوية قسم التربية الإسلامية جامعة العلوم الإسلامية العالمية -الأردن
عدد الصفحات ١428
عدد الصفحات ٢429 المقدمة رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله للهالحمد وصحبه أجمعين، وبعد؛ فإن الرحمة خلق عظيم وصفة نبيلة، اتصف بها ، والمؤمنون، وهي كذلك سمة بارزة في ديننا الإسلامي S، ونبيه>الله ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ (الحنيف. قال تعالى: ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﯝ ﯞ ﯟ (. وقال تعالى: ]الأنعام[ )ﭿﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ . ]56الأعراف[ )ﯠ ﯡ ﯢ وقد اهتم الإسلام بالرحمة في جميع المخلوقات، ومن بينها اهتمام الإسلام برحمة الطفل، والطفولة من حيث كونها نعمةً وهبةً ربانيةً، تحث ويشكره؛ لكونها فضلاً كبيرًا، ونلحظ ذلك اللهالمنعم عليه بها لأن يحمد ﯓ ﯔ ﯕ ( حين جاءه الولد، قال تعالى: في دعاء سيدنا إبراهيم ، وقوله ]اإبراهيم[ )ﯡﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ . فالأطفال تشتاقهم ]46الكهف[ )ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ (تعالى: النفوس، وتهفو إليهم القلوب، علت درجة ذلك الإنسان أو قلت، ويستوي من خلقه، وهم الأنبياء والمرسلون، ومن عداهم من اللهفي ذلك صفوة ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ (البشر أيا كانوا، بدليل قوله تعالى:
عدد الصفحات ٣430 ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭢﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ )ﭷﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ . وطلب الأطفال تحقيقًا للأبوة المستمرة دعوة يتقرب بها الإنسان ]اآل عمران[ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ( إلى ربه واهب الحياة، قال تعالى: . ]الفرقان[ )ﮰﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ كما أن رحمة القرآن بالطفل، إشارة واضحة إلى أن الإسلام لم يجعل تلك الرحمة، وصايا أخلاقية ومبادئ مثالية، متروك للأفراد أمر تجسيدها في الواقع، بحيث يمكن انتهاكها وتجاوزها خفية، وإنما ربى عليها، وأقام الوازع الداخلي لمراقبتها، ورتب الثواب الأخروي على التزامها والعقاب على انتهاكها، وعضد ذلك بالتشريعات الفقهية الملزمة. )ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ(، حيث قال جل شأنه: اللهوكان ذلك من رحمة ، وقوبلت هذه الهبة وتلك الرحمة بالحمد والثناء والشكر والدعاء؛ ]50مر[ لأنها استجابة لمطلبٍ تهفو إليه النفس الإنسانية لأنسها به بأن يكثر من الذكر وقد جاء التوجيه كذلك إلى سيدنا زكريا ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ( تعالى: اللهوالتسبيح بعد بشارته بالولد، قال ، وهنا قرن بين البشارة بالولد والإكثار ]41اآل عمران[ )ﮟ ﮠ ؛ لأن الولد من كبرى النعم على الوالد. للهمن الذكر والشكر ويتضح من هذا الاقتران أن الذكر والشكر فيهما طلب منةٍ أخرى، وهي أن يبارك في الطفل، وهي رغبة أخرى، فكما أن نعمة الوجود للطفل قد تحققت، فإن نعمة البركة في وجوده مرجوة كذلك. ونظرًا لعمق هذا الموضوع، وأثره في الناحية الاجتماعية والتربوية والنفسية، فقد اتجه القصد إلى البحث في رحمة القرآن بالطفل من الولادة حتى البلوغ، وتتبع عرض القرآن لهذا الجانب، والأخذ بما فقهه
عدد الصفحات ٤431 المفسرون والعلماء من الآيات التي ذكر فيها الطفل وما يقاربه من المدلول، له من اللهوقد استنبط الباحث من خلال تلك الآيات الكريمة ما قدره الفوائد والتعليقات التي يرجو أن يكتب لها القبول والنفع. وحسبما تقتضيه طبيعة البحث العلمي، فقد جاء هذا البحث مقسمًا إلى مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة، على النحو الآتي: المقدمة: المبحث الأول: أهمية الرحمة في القرآن الكريم، وفيه مطلبان، هما: المطلب الأول: مفهوم الطفل والرحمة في القرآن الكريم. المطلب الثاني: القرآن الكريم يدعو إلى الرحمة. المبحث الثاني: الطفل في معرض الامتنان، وفيه ثلاثة مطالب، هي: المطلب الأول: بيان كون الطفولة نعمةً تستحق الشكر. المطلب الثاني: تحقيق إنسانية الطفل ومشهده في الوجود. المطلب الثالث: احترام ذاتية الطفل وطموحاته. المبحث الثالث: مظاهر الرحمة بالطفل في القرآن الكريم، وفيه أربعة مطالب، هي: المطلب الأول: الرحمة بالطفل يتيمًا. المطلب الثاني: الرحمة بالطفل مستضعفًا. المطلب الثالث: الرحمة بالطفل رضيعًا. المطلب الرابع: التوجيهات التربوية والأدبية المستفادة من رحمة القرآن بالطفل. الخاتمة، وفيها أبرز نتائج البحث.
عدد الصفحات ٥432 مشكلة الدراسة وأسئلتها يحتل الطفل في أي مجتمع مكانة خاصة في الأسرة والبناء الاجتماعي وتقدم له خدمات صحية، وتعليمية، وترفيهية، واجتماعية لحماية حقوقه ورعايته قبل ميلاده وبعده، اعتمادًا على المواثيق الدولية التي تنادي بحقوق الطفل. وفي المقابل يوجد ضعف في الوعي العام في المجتمع بما يتعلق بنظرة القرآن الكريم إلى الطفل، ولذا فإن مشكلة الدراسة تتحدد بالإجابة عن السؤال التالي: ما المضامين القرآنية المتعلقة بالرحمة بالطفل منذ ولادته وحتى بلوغه؟ أهداف الدراسة: تهدف الدراسة إلى تحقيق زمرة من الأهداف، يمكن إجمالها، بـ: 1 .تأصيل خلق الرحمة في القرآن الكر 2 .الكشف عن المضامين المرتبطة بالرحمة بالطفل من منظور قرآني 3 .دعم البحث في مجال التربية القرآنية بوصفه أحد مجالات البحث في التربية. 4 .تزويد المؤسسات التربوية التي تعنى بالطفل بمعلومات قرآنية تربوية، يمكن الاستفادة منها في العصر الحالي. أهمية الدراسة: ترجع أهمية الدراسة لأهمية الموضوع، وهو الرحمة في القرآن، وجوانب الرحمة فيه متعددة في صورها وأشكالها، وتم اختيار الطفل أنموذجًا، لأن الاهتمام به ظاهرة قديمة حديثة، والدراسات المتعلقة بها متعددة، ومع ذلك فالدراسات التي انبرت للحديث عن إبراز جوانب الرحمة في القرآن الكريم، تعد قليلة في حدود علم الباحث؛ لذلك فإن
عدد الصفحات ٦433 دراسة الرحمة في القرآن الكريم، “الطفل أنموذجا”، تظهر بشكل واضح سبق القرآن الكريم للمواثيق المستحدثة التي نادت برعاية الطفل، وفي ذلك دعوة وترغيب إلى الالتزام المهتدي بما سبق إليه القرآن الكريم من إشارة لتلك الجوانب، وتفعيلها تفعيلاً جادًّا فكرًا وسلوكًا في المجتمع المسلم، وفي المنظومة التربوية الإسلامية المعاصرة. ويمكن إجمال أهمية الدراسة بالنقاط التالية: 1 .تنمية الاتجاهات الصحيحة من خلال الرجوع إلى فكر الأمة الإسلامي، والأخذ به وتطبيقه. 2 .إن دراسة الآثار المتعلقة بالطفل من منظور قرآني تسهم في إبراز أ. الأحكام التربوية إذا استندت إلى القرآن الكريم نجد لها تأثيرًا مرجعيًّا، وقوة مؤثرة تؤدي إلى التطبيق. ب. تزويد المؤسسات التربوية، وخاصة من يتعامل مع الأطفال بمعلومات جديدة، ومن منظور قرآني تساعدهم على تقديم الإرشاد والتوجيه للأطفال، فهم أحوج الناس إلى اللطف والشفقة والرفق والرحمة، لأنهم من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. منهج الدراسة: اعتمد الباحث في الكشف عن المضامين المتعلقة بالرحمة بالطفل في القرآن الكريم، على منهجيّ البحث: (المسحي/ الوصفي)، و(التحليلي/ الاستنباطي)؛ من خلال استقراء وتحليل الآيات القرآنية الكريمة، وذلك من أجل وصف واستنباط هذه المضامين والآثار المتعلقة بها.
عدد الصفحات ٧434 المبحث الأول أهمية الرحمة في القرآن الكريم وفيه مطلبان: المطلب الأول مفهوم الطفل والرحمة في القرآن الكريم مفهوم الطفل: يلحظ على معنى الطفل في اللغة الصغر والمولودِيّة، وهي حالة ظاهرة من الضعف، تستدعي العناية والرعاية، قال في لسان العرب: (الطفل والطفلة: الصغيران، والطفل: الصغير من كل شيء، والجمع: أطفال، لا تُكسر على غيره، والطفل: المولود، وولد كل وحشية أيضًا طفل، ويكون . )1(الطفل واحدًا وجمعًا مثل الجنب والطفل كما يظهر في القرآن الكريم هو: من سن الولادة حتى البلوغ، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ (وهذا ما صرّحت به الآية: ، كما عرفَت هيئة الأمم المتحدة الطفل بأنه: ]59النور[ )ﭙ ﭚ ﭛ (إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك، بموجب . )2(القانون المنطبق عليه ). 7-6/4)، الفيروزآبادي، القاموس المحيط،600/11 ابن منظور، لسان العرب، )1( .23 قنديل، مدخل لرعاية الطفل والأسرة، ص )2(
عدد الصفحات ٨435 مفهوم الرحمة الرحمة لغةً: الرقّة والتّعطّف، والرحمة: المغفرة، وتأتي كذلك بمعنى: : اللهالرزق والغيث، والرحمة في بني آدم: رقّة القلب وعطفه، ورحمة )1(عطفه، وإحسانه، ورزقه أما في الاصطلاح: فالرحمة إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من أوصل إليك مصالحك، ودفع المضار عنك، ولو شق عليك في ذلك، فمن رحمة الأب بولده: أن يُكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه، ويرفهه )2(ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة بعض الأمهات ومن معاني الرحمة في القرآن: من اتبع هدي القرآن الطريق السديد الذي من شأنه أن >اللهان اختص يوصل ذاك المهتدي إلى بلوغ رضا الخالق، وهو مراد كل من ارتضى الإسلام بها عباده لا تكون إلا لمن أراد له الهداية، اللهدينا، وبما أنَّ الرحمة التي اختص فقد جاءت نصوص القرآن الكريم في كثير من مواضعها مؤكدة ذلك ومبينةً . ]9الإ[ )ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ(له كما يقول تعالى: ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ (وقوله تعالى: )ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ( وقال تعالى: ]يون[ )ﮐﮍ ﮎ ﮏ . ]133الأنعام[ عز وجل هو الأصل والمصدر الأولاللهبعد تأمل هذه الآيات، يتبين أنَ ط، صادر230/12 لسان العرب لابن منظور )1( 175-169، ص2 ابن القيم، اغاثة اللهفان ج )2(
عدد الصفحات ٩436 ﮩ( قال تعالى: )ﮫ( و)ﮪ( للرحمة، فمن أسمائه الحسنى . يقول العلماء: كلمة هو: تفيد الحصر والقصر. ]22ا[ )ﮪ ﮫ والمسلم يفتتح قراءة سور القرآن الكريم بالبسملة، مع إقرار الرحمة ، والمسلم يحمد )ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ( رب العالمين، بحيث يقول لله على رحمته الواسعة في صلواته كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة الله ﭖ ﭗ ﭘ (مرة خلال قراءته لسورة الفاتحة. في قوله تعالى: . ]3-2الفاتحة[ )ﭝ ﭛ ﭜﭚﭙ واسعة وشاملة وعظيمة، أعظمها تكون يوم القيامة. اللهفرحمة المطلب الثاني القرآن الكريم يدعو إلى الرحمة الرحمة خلق متأصل في النفس الإنسانية، وشامل لكل قيم السلوك الفاضل في التعامل بين الناس، ومن هنا كانت الهدف الأسمى، والغاية ﮐ ﮑ ﮒ (: S لنبيه اللهالعظمى للرسالة الإسلامية، لقول . ]الأنبياء[ )ﮕﮓ ﮔ ، هذا المفهوم في نفوس المسلمين من خلال تكرر مفهوم > اللهويؤكد الرحمة في القرآن الكريم؛ في أول كل سورة من سوره، ومواضع أخرى منه، إلى أن Sحتى يكون التعامل بينهم مبنيًّا على هذا الأساس، كما يؤكد النبي في قلوب الله« :S، لقولهاللهالراحمين يستحقون رحمة من الله، وقوله) 1( من عباده الرحماءالله عباده، وإنما يرحم تختص اللهعباده الرحماء بمن اتصف بالرحمة، وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في . 433 يعذب الميت ببعض بكاء أهله، صS)، كتاب الجنائز، باب قول النبي1224 البخاري )1(
عدد الصفحات ١٠437 ،)1( بن عمرو عند أبي داود وغيرهعبداللهحديث )2(والراحمون جمع راحم، فيدخل كل من فيه أدنى رحمة، وإن قلَّت والقرآن الكريم يدعو إلى الرحمة من خلال حثه على الصدقة والإنفاق، والعفو والتسامح، والرفق والمحبة، والصلح بين الناس، ونبذ البخل والكره اسمه اللهوالقسوة والعنف والظلم والاستبداد والحقد والانتقام، وخص ﭾ ﭼ ﭽ ﭻ ﭹ ﭺ ﭸﭷ(بالرحمن، بقوله تعالى: والرحمن صيغة شمول واستغراق في الرحمة، ]الرحمن[ )ﮁﭿ ﮀ من إنسان وشجر وسماء وأرض وشمس وقمر اللهبحيث تشمل كل ما خلقه من مخلوقاته في سورة الرحمن، اللهونار وجنة وغيرها، فكل ما ذكره ، تذكيرًا بحقيقة الرحمة، )ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ(والذي أعقبه بالسؤال: )ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ( على نفسه، بقوله تعالى: اللهالتي كتبها ، ]الحجر[ )ﯺﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ( . وفي قوله تعالى: ]54الأنعام[ تعليم للمؤمنين أن يدعوه باسم الغفور الرحيم يقول S قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وعن أَبي هُرَيْرَةَ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَْرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ . )3(وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ وهذه الرحمة هي رحمته التي خلقها لعباده، وجعلها بينهم، والتي أمسكها هي ما يتراحمون به يوم القيامة، مما كان بينهم في الدنيا، ويجوز أن تكون الرحمة التي أمسكها، أي عند ملائكته المستغفرين لمن في الأرض؛ لأن . )4(استغفارهم لهم دليل على أن في نفوس الملائكة رحمة على أهل الأرض باب ما جاء في رحمة المسلمين، S ا)، كتاب البر والصلة عن رسول 1924 سنن الترمذي )1( . خلاصة حكم المحدث: قال ابو عيسى: حديث حسن صحيح284)، ص4(ج ) بتصرف158/ص3 فتح الباري لابن حجر (ج )2( .2236)، ص5654 البخاري )3( )254/17 شرح ابن بطال )4(
عدد الصفحات ١١438 المبحث الثاني الطفل في معرض الامتنان وفيه أربعة مطالب، هي: المطلب الأول تحقيق إنسانية الطفل ومشهده في الوجود إن من يتأمل الآيات الكريمة في شأن الطفولة، يجد أنها أخذت من الاهتمام والحفاوة البالغة شيئًا كثيرًا، فهي حق إنساني جدير بالبحث والبيان؛ فالطفل كائن له الحق بأن يعترف به في الوجود الإنساني والكوني، ولذا حذر القرآن الكريم من الوأد في موضعين، جاءا بصيغة منفرة مهولة، تجرّد صاحبها من الرأفة الإنسانية، وتبين أنه يئد إنسانيته كذلك، قال . ]9-8التكوير[ )ﭴ ﭱ ﭲ ﭳﭰﭭ ﭮ ﭯ( تعالى: الله ﭺ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ (وقال تعالى: ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ، ففي هذه الآيات يصور لنا القرآن أحوال ]59-58النحل[ )ﮐﮍ ﮎ ﮏ الناس في الجاهلية تجاه الطفلة الأنثى؛ فهم مترددون بين أمرين: إما إبقاء ﮈ (الطفلة حيةً على مضض، أو الخيار الآخر وهو: دفنها حيةً، والتعبير
عدد الصفحات ١٢439 ﭱ ﭲ( يوحي بالمبالغة في القتل والوأد، قال أبو السعود: “) ﮉ ﮊ : أي صار أو دام النهار كله، )ﭵ ﭶ( : أي أُخبر بولادتها،)ﭳ ﭴ : من الكآبة والحياء من الناس، واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام )ﭷ( ﭼ (: أي يستخفي )ﭻ(: ممتلئ حنقًا وغيظًا، )ﭸ ﭹ(والتشويش، ؛ لإسقاطها ) ﮀ(: من أجل سوءته، والتعبير عنها بـ )ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ : أي مترددًا في أمره، محدثًا نفسه في شأنه: )ﮄ(عن درجة العقلاء، بالوأد، والتذكير )ﮉ ﮊ( : يخفيه )ﮇ ﮈ( : ذل )ﮅ ﮆ( أيمسكه . )1(”) ﮀ(باعتبار لفظ وهذا التردد علاوةً على ما فيه من فراغٍ للقلب من العاطفة، فيه أيضًا تردد في الاعتراف بإنسانية هذه الطفلة، وهذا لا يقبله القرآن. ومن رحمة القرآن بالطفل أن جعل له الحق في العيش والحياة، ولم يصوّره عبئًا ثقيلاً على الأسرة والمجتمع، فنهى الآباء عن قتل أولادهم مخافة الفقر، ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ (قال تعالى: ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ (، وقال تعالى أيضًا: ]الإ[ )ﮉﮇ ﮈ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ . ]151الأنعام[ )ﯨ ﯩ ﯪ وهناك سرٌّ في التغاير في التعبير القرآني بين ما جاء في سورة الإسراء، وما جاء في سورة الأنعام، وممن ذكر ذلك من العلماء الآلوسي، حيث قال: “وقيل: الخطاب في كل آية لصنف، وليس خطابًا واحدًا، فالمخاطب بقوله من لا فقر له، ولكن يخشى وقوعه في المستقبل، ولهذا قدم ) ﯥ ﯦ(: ، وقدم رزق أولادهم )ﯨ ﯩ ﯪ( : >رزقهم ها هنا في قوله . )2(، وهو كلام حسن)ﯨ ﯩ ﯪ(في مقام الخشية، فقيل: )121/5 أبو السعود، إرشاد العقل السليم، )1( .)54 /8 الآلوسي، روح المعاني، )2(
عدد الصفحات ١٣440 وعلى هذا فلا ينبغي أن يشغل الوالد برزق ولده، فيدفعه ذلك إلى التخلص منه، فهذه صورة أخرى، ووجه آخر للوأد، ولكنه للذكر والأنثى معًا. وقد رغَّب القرآن بالمولود الأنثى، وبين أنه ربما كان أفضل من المولود ﯘ (الذكر بكثير، وربما فاقه ومازه، وهذا يتضح لنا في قوله تعالى : ﯦ ﯣﯤ ﯥ ﯢ ﯟ ﯠ ﯡ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ . ]36اآل عمران[ )ﯧ يتبين أنها رفعت )ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ (وبتأمل الجملة المعترضة شأن هذا المولود الأنثى، وبيّنت أن الطفل لا ينبغي أن يحكم عليه لمجرد جنسه، فليس الجنس عائقًا للرقي في الرتبة الإيمانية، وليس مانعًا من الكمالات العقلية والنفسية، وعلى هذا الأساس لم يفرق القرآن بين المولود الأنثى والمولود الذكر في الإنسانية. من التعظيم للموضوع ) ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ (قال الزمخشري: “ وقال محمد )1(والرفع منه، وليس الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها أي بمكانة الأنثى التي وضعتها، وأنها خير )ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ(عبده: “ من كثير من الذكور، ففيه دفع لما يوهمه قولها من خشية المولود وانحطاطها الذي طلب أو تمنت )ﯡ ﯢ(عن مرتبة الذكور، وقد بين ذلك بقوله: . )2( التي وضعت، بل هذه الأنثى خير مما كانت ترجو من الذكر)ﯣ( وقد بين القرآن الكريم في سورة الشورى أحوال الناس في الأولاد، قال ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ( تعالى: الله ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯩﯥ ﯦ ﯧ ﯨ . ]50-49ال[ )ﯷﯵ ﯶ ). 385 /1 الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، )1( .)255 /3 محمد عبده، تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار، )2(
عدد الصفحات ١٤441 قال ابن كثير: “جعل الناس أربعة أقسام؛ منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورًا وإناثا، ً . )1(ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد له وفي تقديم ذكر الإناث تنويهٌ بشأنهن، ورفع لمكانتهن، قال البيضاوي: “المعنى: يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفةً على مقتضى المشيئة؛ فيهب لبعض إما صنفًا واحدًا من ذكر أو أنثى، أو الصنفين جميعًا، ويعقم آخرين، ولعل تقديم الإناث؛ لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لأن الكلام في . )2(البلاء والعرب تعدّهن بلاءً، أو لتطييب قلوب آبائهن إذن يظهر أن السر في تقديم الإناث على الذكور هنا لبيان أحقية الأنثى في الوجود، ومكانتها في المجتمع، ويؤخذ هذا أيضًا من آيات أخرى من ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ (مثل ما جاء في سورة النساء: ، حيث حفظ القرآن حق الأنثى وأثبته؛ اعترافًا منه ]11الن[ )ﮛ بإنسانيتها، قال الشيخ محمد عبده: “اختير فيها هذا التعبير؛ للإشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء، فكأنه جعل إرث الأنثى مقررًا معروفًا، وأخبر بأن للذكر مثله مرتين، أو جعله هو الأصل في التشريع، وجعل إرث الذكر محمولاً عليه، يعرف بالإضافة إليه، ولا . )3(يلتئم السياق بعده كما ترى وقد بين القرآن فاعلية الطفولة في الحياة، وأن من باب الإنسانية ﮱ ﯓ ﯔ (للطفولة أن تحفظ من الضياع، ويبرز هذا في قوله تعالى: . ]21يو[ )ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ والبعد الاجتماعي الذي ترمي إليه الآية هنا: هو أن لا تجعل الطفولة )154 /4 ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، )1( )366/2 البيضاوي، أنوار التنزيل، )2( .)333 /4 محمد عبده، تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار، )3(
عدد الصفحات ١٥442 ضائعةً تائهةً أو بائسةً، فلربما كان فيها من المواهب والنبوغ ما يمكن أن يعود بالفائدة والنفع على المجتمع، لا أن يكون عنصر فساد، وهذا ما عليه حقوق الإنسان اليوم، حيث تثبت للطفل الحق في التمتع بطفولته ومعيشته، وعدم تكليفه بالعمل الشاق الذي لا يتوافق مع سنه، وهذه الحقوق أخذت بها الهيئات الإنسانية، وأصدرت ميثاقًا لحقوق الطفل في اليونيسيف تتلخص مبادئه في (عدم التمييز، وتضافر الجهود من أجل المصلحة الفضلى للطفل، والحق في الحياة، والحق في البقاء، والحق في النماء، . )1(وحق احترام رأي الطفل المطلب الثاني احترام ذاتية الطفل وطموحاته مما ركز عليه القرآن الكريم رحمة بالطفل، تحقيق إنسانيته واحترام مشاعره وطموحاته ومواهبه، فقد قدم القرآن نموذجًا في ذلك، وهو ما جاء ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ (، قال تعالى: في سورة سيدنا يوسف ﭖ ﭕ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﯱﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭢ ﭣ ﭤ ﭡﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭘ ﭗ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ . ]6-4يو[ )ﭼﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ رؤيا وطموح وتطلعات، وقد قوبلت هذه هنا لدى سيدنا يوسف ، فلم يلحظ يعقوباللهالتطلعات وتلك الرؤيا بتعزيز من قبل والده نبي منه تعنيفًا على تلك الرؤيا، ولم يأمره بصرف النظر أو الإضراب صفحًا عن باختصار. 51-48 هدى الناشف، الأسرة وتربية الطفل، ص )1(
عدد الصفحات ١٦